المرحلة
الثانية عشرة
في ما يتعلّق بالواجب الوجود

 

عزّ اسمه من المباحث
و هي في الحقيقة مسائل متعلّقة بمرحلة الوجوب و الإمكان، أفردوا للكلام فيها مرحلةً مستقلّةً اهتماما بها و اعتناءً بشرافة موضوعها
و فيها أربعة‏وعشرون فصلاً


 

الفصل الأوّل

في إثبات الوجود الواجبيّ
قوله: أوثقها و أمتنها هو البرهان ...

لأنّ السلوك إليه من ناحية حقيقة الوجود لايحتاج إلى إبطال التسلسل ـ كما سيأتي ـ بخلاف سائر البراهين، و لأنّ حقيقة الوجود عين الوجوب الذاتيّ لا أجنبيّة عنه بخلاف ساير البراهين، فإنّ السلوك فيها إليه من وجود الممكن الّذي هو أجنبيّ عنه بوجه.

قوله: و هو كما ستقف عليه برهان إنّي ...

لأنّ الواجب لا علّة له حتّى يسلك إليه من ناحية علّته فلا يجري في إثباته البرهان اللمّي، و أمّا البرهان الإنّيّ الّذي يسلك فيه من المعلول إلى العلّة فقد تقدّم أنّ العلم بالمعلول لا يحصل إلاّ من طريق العلم بالعلّة فلوحصل العلم بالعلّة، من طريق العلم بالمعلول لدار، فإذن لايمكن السلوك إليه إلاّ من طريق البرهان الإنّي الّذي يسلك فيه من أحد اللوازم العامّة إلى اللازم الآخر.

قوله: و قد قرّر بغير واحد من التقرير ...

منها: أنّ صرف حقيقة الوجود ( الّتي هي بذاتها طاردة للعدم) واجب بالذات، إذ صرف الشيء جامع لجميع ما هو من سنخه، فلا وجود وراء صرف حقيقة الوجود حتّى يتعلّق به و يحتاج إليه فإذن المطلوب ثابت.
فإن قلت: «إنّ ما ثبت بالأبحاث الفلسفيّة هو أصالة الوجود و كونه ذا مراتب و أمّا أنّ هناك حقيقة صرفة لايخالطها مهيّة و ليس لها حدّ عدميّ و أنّها غيرقابلة للتكرار و التكثّر فليست ببينّة و لا مبيّنة في البرهان».
قلت: إنّ تحقّق حقيقة الوجود و صرافتها من الأمور المبيّنة بالبرهان؛ أمّا تحقّقها فلأنّه ثبت في المرحلة الأولى أنّ الوجودات الخاصّة أصيلة و متحقّقة بالذات و أنّ للوجود حقيقة واحدة فبناءا على هاتين المقدّمتين وجب أن نسلّم أنّ أصالة الوجودات الخاصّة و تحقّقها راجعة إلى أصالة تلك الحقيقة الواحدة للوجود و إلاّ لزم أن يكون للوجود حقائق متكثرة و قد ثبت بطلانه.
و أمّا صرافتها فلأنّ الوجود و الواقعيّة بما هو كذلك ليس إلاّ الوجود و الواقعيّة فليس في حريم الوجود و في متن الواقعيّة إلاّ الوجود و الواقعيّة، فالعدم الّتي حيثيّة ذاته المفروضة حيثيّة نفي الوجود و طرد الواقعيّة لا سبيل له إلى حقيقة الوجود و كذا الماهيّة الّتي حيثيّة ذاتها حيثيّة عدم الإباء عن العدم لا سبيل لها في حقيقة الوجود الّتي حيثيّة ذاتها حيثيّة الإباء عن العدم، فحقيقة الوجود بما هو وجود غيرمشوب بغير الوجود و هذا هو الصرافة و بالجملة لا غير حتّى يكون خليطا للوجود فيخرج بذلك عن الصرافة.
ثمّ إنّ الصرافة قد أخذت في البرهان حتّى يستنتج منها أنّه ليس وراء حقيقة الوجود شيء آخر تتعلّق به حقيقة الوجود و هذه النتيجة حاصلة ممّا تقدّم في المرحلة الأولى من أنّ للوجود حقيقة واحدة فقط فلايكون وراء هذه الحقيقة شيء آخر حتّى تتعلّق به حقيقة الوجود، فعلى فرض عدم الالتزام بصرافة الوجود، المطلوب النهائيّ حاصل.
و منها أنّ صرف الوجود الجامع لجميع ما هو من سنخه لو لم يكن واجبا بالذات لزم أن يكون كلّه حقيقة واحدة ربطيّة من دون أن يكون ورائه وجود مستقلّ يرتبط به، إذ ليس وراء صرف الوجود وجود أصلاً لكن التالي باطل بالضرورة فإنّ الحقيقة الربطيّة لا تتحقّق بدون الوجود المستقلّ و إلاّ صارت مستقلّة، فكذا المقدّم؛ و الفرق بين هذا التقرير و التقرير السابق أنّ هذا برهان خلفيّ و ذلك برهان استقاميّ.
و منها: أنّ كلّ شيء مفروض ما لم يكن له حظّ من حقيقة الوجود و لم يكن له مرتبة منها لم يكن موجودا و هذا ظاهر، فلو لم تكن حقيقة الوجود واجبة بذاتها لاحتاجت في واقعيّتها إلى الغير و ذلك الغير إمّا أن يكون موجودا أو معدوما و الثاني باطل بالضرورة و الأوّل لزم منه الدور؛ لأنّ ذلك الغير ما لم يكن له حظّ من الوجود  لم يكن موجودا، فموجوديّته متوقّفة على الوجود و المفروض أنّ الوجود موجود بذلك الغير فيلزم الدور و منها الوجوه الّتي ذكرت في المتن كما سيأتي.

قوله: إنّ حقيقة الوجود إمّا واجبة و إمّا تستلزمها ...

بيان الاستلزام أنّ حقيقة الوجود لو لم تكن نفسها أو مرتبة منها واجبة بالذات لكانت تلك الحقيقة الواحدة بتمامها صرف الربط و التعلّق، فوجب أن تكون متعلّقة بغيرها و ذلك الغير لا يمكن أن يكون من الحقائق الربطيّة المتعلقة بما ورائها؛ لأنّ حقيقة الوجود صرف الربط على هذا الفرض و صرف الربط جامع لكلّ الحقائق الربطيّة، فلا يكون ورائه وجود ربطيّ آخر، فوجب أن يكون ذلك الغير حقيقة مستقلّة بالذات و هو المطلوب و هذا البيان كما ترى لا يتوقّف على إبطال الدور و التسلسل (بل هذا دليل على إبطال التسلسل) فلا يرجع هذا البرهان إلى البرهان المنقول من الشيخ الّذي سيأتي بيانه في الفصل الآتي كما توهّم فلا تغفل.

قوله: و في معناه ما قرّر بالبناء على أصالة الوجود ...

هذا البيان و إن قرّره الحكيم السبزواريّ في تعليقاته عل الأسفار(1) إلاّ أنّه أخذ من كتب العرفاء كتمهيد القواعد لابن التركة.(2)

1. ج 6، ص 16.
2. ص 59.

قوله: انّ حقيقة الوجود ... مرسلة.

في هذه العبارة إشارة إلى مقدّمتين لابدّ منهما لإثبات المدّعى و هما ارسال حقيقة الوجود و أصالتها، فلابدّ لنا التعرّض لبيانهما و إثباتهما.
أمّا الأمر الأوّل: فنقول إنّ حقيقة الوجود مرسلة أي ليست محدودة بحدّ بل هي مطلقة من كلّ قيد و حدّ و ذلك لأنّ حقيقة الوجود بسيطة (و قد تقدّم بيانه في المرحلة الأولى) و لا شيء من المحدود ببسيط، إذ كلّ محدود مركّب من وجدان شيء و فقدان شيء آخر، فينتج من الشكل الثاني أنّ حقيقة الوجود ليست محدودة و أيضا أنّ محدوديّة الشيء تنشأ من تطرّق العدم و الفقدان في حقيقته لكن حقيقة الوجود لايتطرّق فيها العدم اصلاً، لأنّ الّذي يناقض الوجود هو العدم لا العدم مع شيء آخر فالمناقض للوجود العدم الصرف الّذي لا يخالطه غيره و العدم الصرف جامع للأعدام كلّها، ثم إنّ النقيض يطرد النقيض فالوجود يطرد نقيضه و هو العدم الصرف الجامع للأعدام كلّها فلا يبقى في حريم الوجود عدم و لا نقص أصلاً فلا تكون حقيقة الوجود محدودة.
فإن قلت: هذا الدليل ينتقض بوجود الممكن، فإنّ المناقض لوجود الممكن العدم لا العدم مع شيء آخر، فيكون عدم الممكن عدما صرفا فينتج بذلك البيان أنّ وجود الممكن غير محدود و هو باطل بالضرورة.
قلت: المناقض لوجود الممكن و إن كان عدما صرفا في حدّ نفسه إلاّ أنّه بعد طريانه على موضوعه المقيّد كالإنسان خرج عن الصرافة و صار مقيّدا فلا يكون عدم الإنسان جامعا للأعدام كلّها، فالوجود الّذي يطرد هذا المحدود محدود.
و أمّا الأمر الثاني: فنقول إنّ حقيقة الوجود المرسلة أصيلة متحقّقة بالذات و ذلك لأنّ ما به الإشتراك بين الوجودات عين ما به الامتياز و ما به الامتباز الّذي هو المرتبة الخاصّة لكلّ وجود أصيل متحقّق بالذات فينتج أنّ ما به الاشتراك بين الوجودات الخاصّة أصيل متحقّق بالذات، ثمّ إنّ ما به الإشتراك بين الوجودات هو الحقيقة المرسلة، إذ لو لم يكن الحقيقةَ المرسلة لزم أن يكون محدودا بحدّ و متعيّنا بتعيّن فصار من الوجودات الخاصّة الّتي تمتاز عن غيرها فلا يكون مشتركا و هذا خلف؛ فثبت أنّ حقيقة الوجود المرسلة أصيلة متحقّقة بالذات و ببيان آخر إنّ الوجودات الخاصّة أصيلة فلو لم يرجع هذه الوجودات الخاصّة المتعدّدة إلى حقيقة مرسلة واحدة لزم أن تكون للوجود حقائق ـ متعدّدة و قد تقدّم بطلانه في المرحلة الأولى ـ .

قوله: فحقيقة الوجود الكذائيّة واجبة بالذات ...

لأنّ حقيقة الوجود المرسلة موجودة إذ هي أصيلة متحققة بالذات و موجوديّتها بالوجوب، لأنّ الوجود مقابل العدم و المقابل يستحيل أن يقبل مقابله (لأنّ المقبول يجتمع مع قابله و المقابل لا يجتمع مع مقابله) فحقيقة الوجود تستحيل أن تقبل العدم فهي واجبة الوجود و وجوبها بالذات، إذ لا غير وراء حقيقة الوجود المرسلة و إلاّ  لزم أن تكون محدودة (إذ المفروض أنّه لايصل شعاع تلك الحقيقة إلى ذلك الوجود الخارج فصارت منقطعة محدودة و هذا خلاف إرسالها و إطلاقها) فلا يكون وجوبها بالغير فثبت أنّ حقيقة الوجود واجبة بالذات و هو المطلوب.
ثمّ اعلم أنّ هذا التقرير غير التقرير الأوّل الّذي ذكرناه سابقا، لأنّ هذا التقرير يبتني على إرسال حقيقة الوجود و التقرير السابق يبتني على صرافتها، و إرسال حقيقة الوجود غير صرافتها لأنّ الإرسال هي الإطلاق و اللابشرطيّة و الصرافة هي التقيّد بالتجرّد عن الأغيار، فإنّ حقيقة الوجود إذا أخذت لا بشرط هي الحقيقة المرسلة و إذا اخذت بشرط لا هي الحقيقة الصرفة، نعم إنّ الحقيقة الصرفة عين الحقيقة المرسلة مصداقا، لأنّ الوجود الصرف لو كان مقيدا كان متقوّم الذات من وجدان شيء و فقدان شيء آخر فلم يكن صرفا.

قوله: قلت: هذا في الوجودات الممكنة ...

أي قولكم: «امتناع العدم على الوجود لايوجب كونه واجبا بالذات» صحيح في الوجودات الممكنة لا في حقيقة الوجود المرسلة، و ذلك لأنّ للتقرير المذكور ثلاث مقدّمات: الأوّل أنّ حقيقة الوجود موجودة، و الثاني أنّ موجوديّتها بالوجوب، و الثالث أنّ وجوبها بالذات لا بالغير؛ و الوجودات الممكنة و إن صدق فيها المقدّمتان الأوليان لكن المقدّمة الثالثة ليست صادقة فيها، لأنّ كلّ وجود إمكانيّ محدود و إذا كان محدودا صحّ فرض وجود آخر ورائه، فيصحّ أن يكون وجوبه بالغير لا بالذات بخلاف حقيقة الوجود المرسلة، فإنّه لايصحّ فرض وجود ورائها و إلاّ صارت محدودة، فإذن لايصحّ أن يكون وجوبها بالغير فالتقرير المذكور منتج في حقيقة الوجود المرسلة و عقيم في الوجودات الممكنة.

قوله: و قرّر صدرالمتألّهين البرهان على وجه آخر ...

توضيحه: أنّ حقيقة الوجود إمّا أن تكون تامّة غير مشوبة بالنقص و إمّا أن تكون ناقصة، فإن كانت تامّة فهي واجبة بالذات إذ لو لم تكن واجبة بالذات لكانت معلولة لغيرها و المعلول ناقص بالنسبة إلى علّتها و قد فرض أنّ تلك الحقيقة تامّة غير مشوبة بالنقص و هذا خلف؛ و إن كانت ناقصة فهي مستلزمة للواجب بالذات  لأنّ النقص الملحوظ فيها ليس لأجل أنّ تلك الحقيقة وجود لأنّ حيثيّة الوجود بما هو وجود حيثيّة طرد العدم و دفع النقص (و قد تقدّم بيانه في البرهان السابق) فلا يتصوّر لحقيقة الوجود بما هي وجود، عدم و لا نقص بل النقص الملحوظ فيها يأتي من ناحية المعلوليّة و التعلّق بالغير، إذ لو لم تتعلّق بغيرها لكانت واجبة و الواجب تامّ، هذا خلف، فإذن ثبت أنّ حقيقة الوجود المفروض أنّها ناقصة، معلولة متعلقة بغيرها، ثمّ نقول: إنّ التعلق في تلك الحقيقة ليس وصفا عارضا عليها بل التعلق عين تلك الحقيقة لأنّ المعلول عين التعلق بالعلّة لا ذات عرض لها التعلق بالعلّة و إذا كانت عين التعلق ثبت لنا أمران: الأوّل أنّ هناك شيء آخر تتعلّق به حقيقة الوجود لأنّ الحقيقة التعلقيّة لاتوجد إلاّ بغيرها و هذا ظاهر؛ و الثاني أنّ ذلك الشيء الآخر لا يمكن أن يكون من الحقائق التعلقيّة، لأنّ حقيقة الوجود إذا كانت عين التعلّق لزم أن تكون صرف التعلّق، إذ لو لم تكن صرف التعلق بل مشوبة بغير التعلق للزم أن يكون التعلق جزءا لحقيقة الوجود لا عينا لها و هذا خلاف المفروض، فإذن ثبت أنّ حقيقة الوجود (المفروض أنّها ناقصة) صرف التعلّق فلا يمكن أن يكون ذلك الشيء الآخر الّذي تتعلّق به حقيقة الوجود من الوجودات التعلقية لأنّ صرف الشيء لا يتثنّي و لا يتكرّر، فيجب أن يكون ذلك الشيء حقيقة مستقلّة بالذات فإذن ثبت أنّ حقيقة الوجود إذا كانت ناقصة فهي مستلزمة للواجب بالذات، ثمّ هذا البرهان بعد تلخيصها و إيجازها يصير هو البرهان الّذي تقدّم في صدر البحث من أنّ حقيقة الوجود إمّا واجبة الوجود بالذات أو تستلزمها.(1)

1. ظهر لي تقرير آخر لهذا البرهان هو أوفق بعبارة صدرالمتألّهين و له مقدّمات:
الأولى أنّ الوجود بحقيقته المطلقة اللابشرطيّة أي كليّه الطبيعيّ حقيقة عينيّة خارجيّة و هذه المقدّمة هي التي يعبّر عنها بأصالة حقيقة الوجود (و هي غير أصالة أفرادها و مراتبها).
الثانية أنّ هذه الحقيقة الخارجيّة حقيقة واحدة مشكّكة لا فرق بين أفرادها و مراتبها إلاّ بالشدّة و الضعف‏و الكمال و النقص و هذه المقدّمة هي التي يعبّر عنها بتشكيك حقيقة الوجود، و هاتين المقدّمتين قد أثبتهما صدر المتألّهين في الأمور العامّة من الأسفار (جلد 1).
الثالثة أنّ غاية كمال هذه الحقيقة المشكّكة ما لا أتمّ منه و هو ظاهر و لا يكون متعلقا بالغير، إذ لو تعلّق بالغير لكان علّته أتمّ منه و المفروض أنّه الأتمّ، هذا خلف.
و لا يتصوّر أتمّ منه، إذ النـاقص متعلّق بالغير لأنّ تمـام الشيء قبل نقصه قبليّة العلّة على المعلول، لأنّ النـاقص هو التامّ مقيدا فلابدّ من وجود التامّ و حضوره في الناقص و إلاّ لم يكن الناقص ناقصا لذلك التـامّ بل أجنبيّ عنه، هذا خلف؛ فالناقص يحتاج إلى التـامّ حاجة المعلول إلى علّته فإذن كلّ نـاقص متعلّق بتمـامه، فلو تصوّر ما هو أتمّ من غاية كمال هذه الحقيقة لكانت هذه الغاية الموجودة ناقصة متعلّقة بتمامها و قد تقدّم أنّ غاية كمال هذه الحقيقة لا تتعلّق بالغير هذا خلف، فإذن ثبت أنّ الغاية الموجودة في هذه الحقيقة لا يتصوّر أتمّ منها و قول صدر المتألّهين: «و قد تبيّن فيما سبق أنّ التمام قبل النقص» دليل على قوله: «كلّ ناقص متعلّق بغيره مفتقر إلى تمامه».
الرابعة أنّ تمـام الشيء هو الشيء ذاتـا و غيره رتبة، لأنّ هذه نتيـجة المقدّمة الثـانية فإنّ الوجودات مراتب مختلفة بالشدّة و الضعف و الكمـال و النقص لحقيقة واحدة و واقعيّة فاردة، لا حقـائق مختلفة و واقعيّـات متباينة بينونة عزلة فكلّ وجود عين الآخر ذاتا و غيره رتبة فلا فرق بين الناقص و الكمال من الوجودات بحسب الذات بل الفرق بحسب الرتبة فقط فالتـامّ عين النـاقص ذاتـا مع فضل عليه كما أنّ الناقص عين التـامّ ذاتا مع نقصـان بحسب المرتبة.
إذ عرفت هذه المقدّمات نقول: الوجود إمّا مستغن عن غيره و هو الواجب بالذات لإستغناه في وجود عن الغير و إمّا مفتقر في ذاته إلى الغير الذي هو الواجب، إذ الوجود المفتقر ليس ذاته مغايرة لذات الوجود التامّ المستغني، بناءا على المقدّمة الثـانية و الرابعة، فـإذن لو وجد وجود نـاقص مفتقر فهو عين الوجود التـامّ المستغني مع تنزّل بحسب المرتبة الوجوديّه فوجود الناقص المفتقر دليل على وجود التامّ المستغني الذي لا أتمّ منه، لأنّ وجوده هو عين وجوده بلا تباين بحسب الذّات، فإذن وجود الواجب لازم على التقديرين و هو المطلوب.
ثمّ إنّ البرهان بهذا القدر كاف في إثبات الواجب لكن صدر المتألّهين أراد في تتمة البرهان (أي من قوله: و الأوّل هو واجب الوجود ... إلى آخر البرهان) إثبات غنى الواجب و تماميّته و هذا زيادة في المطلوب و لا يتعلّق بنفس المطلوب الذي هو إثبات أصل وجود الواجب.

قوله: و غاية كمالها ما لا أتمّ منه ...

إنّ في هذه العبارة ثلاث دعاوي: الأولى أنّ غاية كمال حقيقة الوجود مالا أتمّ منه و هذه الدعوي ظاهرة واضحة، لأنّ حقيقة الوجود مشكّكة فغاية كمالها الموجود هي المرتبة الّتي لا أتمّ منها؛ الثانية أنّ هذة المرتبة الّتي لايوجد أتمّ منها لايكون متعلّقة بغيرها و هذه الدعوى أيضا ظاهرة واضحة، لأنّ غيرها أضعف منها و لايتعلّق الأقوى بالاضعف فهي قائمة بذاتها؛ الثالثة أنّ هذه المرتبة الّتي لايوجد أتمّ منها و لا يتعلّق بغيرها لايتصوّر ما هو أتمّ منها، أي لايمكن أن يوجد أتمّ منها، إذ لو أمكن أن يوجد أتمّ منها لكان هذه المرتبة ناقصة بالنسبة إليها و كلّ ناقص متعلّق بالغير، فيجب أن تكون هذه المرتبة متعلّقة بالغير و قد تقدّم في الدعوي الثانية أنّ هذه المرتبة قائمة بذاتها مستقلّة عن غيرها، هذا خلف.
ثمّ إثبات هذه الدعاوي إنّما هو لأجل الإشارة إلى أنّ هذا البرهان كما أنّه يثبت وجود  الواجب بالذات كذلك يُثبت أنّ ذاته الواجبة تامّة الهويّة و لايتطرّق إليها نقص أصلاً.

قوله: إنّ حقيقة الوجود لا نقص لها ...

لما تقدّم من أنّ الّذي يناقض الوجود هو العدم لا العدم مع شيء آخر، فالمناقض للوجود العدم الصرف الّذي لا يخالطه غيره و العدم الصرف جامع للأعدام كلّها و النقيض، يطرد النقيض فالوجود يطرد مطلق العدم فلا يكون في حريم الوجود عدم و لا نقص أصلاً.
 

الفصل الثانى

في بعض آخر ممّا أقيم على وجود الواجب
قوله: من البراهين عليه ...

أفرد هذه البراهين من البراهين السابقة، لأنّ وثاقة هذه البراهين ليست في رتبة البراهين السابقة لأنّ السلوك إلى الواجب بالذات من ناحية حقيقة الوجود لايحتاج إلى ابطال الدور و التسلسل بخلاف هذه البراهين ـ كما سيأتي ـ و لأنّ حقيقة الوجود عين الوجوب الذاتيّ كما تقدّم لا أجنبيّة عنه، فالسلوك فيها استشهاد على ذاته بذاته فيكون من الطرق الّتي أشير إليها في قول إمام الساجدين و زين العابدين: «بك عرفتك و أنت الّذي دللتني عليك و لو لا أنت لم أدر ما أنت» بخلاف هذه البراهين، فإنّ السلوك فيها إليه من ناحية ما يكون غير حقيقته بوجه.

قوله: فلا يفيد يقينا كما بيّن في المنطق ...

حاصله: أنّ المعلول ما لم تكن علّته الخاصّة معلومة الوجود، مشكوك (لأنّ الشكّ في العلّة يلازم الشكّ في المعلول) و ما كان مشكوكا لايتركّب منه البرهان فلا يفيد يقينا.

قوله: و هو يفيد اليقين كما بيّنه الشيخ ...

لأنّ اللوازم العامّة الّتي هي أحكام الوجود بما هو وجود، عوارض تحليليّة للوجود فليس لها وجودات منحازة من وجود موضوعها الّذي هو الوجود بما هو وجود، بل إنّها موجودة بعين موجوديّة الوجود و الوجود بما هو وجود ليس له علّة إذ ليس ورائه شيء آخر حتّى يكون علّة له فليس لللوازم العامّة الّتي هي موجودة بعين الوجود، علّة و إذا لم يكن لها علّة جاز العلم و اليقين ببعضها، إذ ليس لها علّة حتّى يقال: الشكّ في علّتها يسري إلى الشكّ فيها و إذا جاز العلم و اليقين ببعضها جاز تركّب البرهان منها و البرهان يفيد اليقين و هو المطلوب.

قوله: في كتاب البرهان من منطق الشفاء ...

راجع: برهان الشفاء، المقالة الأولى، الفصل الثامن، ص 87.

قوله: و قد سلك في البرهان السابق ...

توضيح الجواب: أنّ هذا البرهان قد سلك فيه من موجود مّا إلى وجود الواجب و موجود مّا من اللوازم العامّة الّتي يعرض على الوجود بما هو وجود فإنّ كلّ وجود صدق عليه أنّه موجود مّا و إذا كان من عوارض الوجود بما هو وجود فلا محالة ليس له بما هو كذلك علّة لما تقدّم من أنّ عوارض الوجود كالوجود ليس لها علّة، و لأنّ معيار الإحتياج إلى العلّة هو الإمكان و موجود مّا بما هو كذلك لا يلازم الامكان و إذا لم يكن لموجود مّا بما هو كذلك علّة جاز أن يحصل لنا اليقين بوجود موجود مّا، المفروض أنّه ليس له علّة حتّى يلازم الشكّ في علّته الشكّ في وجوده و إذا جاز لنا اليقين بوجود موجود مّا جاز تركّب البرهان منه.

قوله: من حال لازمة لمفهوم موجود مّا ...

هكذا تكون العبارة في النسخ الموجودة عندنا، لكن الظاهر أنّ الصحيح هكذا: «من حال لازمة و هو مفهوم موجود مّا ...» لأنّ هذا البرهان قد سلك فيه من نفس موجود مّا لا من حال لازمة له لانّه يقال فيه موجود مّا إمّا واجب أو مستلزم للواجب و إلاّ لزم الدور و التسلسل.

قوله: برهان آخر أقامه الطبيعيّون من طريق الحركة ...

الإشكال السابق جارٍ هنا و لايندفع بما تقدّم، لأنّ الحركة و غيرها ممّا يأتي ليست من اللوازم العامّة، لأنّها ليست من عوارض الوجود، بما هو وجود فليس هذا الدليل و ما بعده برهانا مفيدا لليقين فتدبّر.

قوله: و هو لبرائته من المادّة و القوّة ...

انّما كان بريئا من المادّة لأنّه لو كان مادّيّا لكان متحرّكا: «إذ كلّ موجود مادّيّ متحرّك بجوهره و أعراضه) مع أنّ المفروض أنّه غير متحرّك و هذا الدليل لو كان تامّا لدلّ على وجود الواجب و تجرّده معا.

قوله: إنّ النفس ...حادثة بما هي نفس بحدوث البدن ...

أي لا بما هي عقل فإنّها بما هي عقل ليست حادثة بل قديمة، ثم توضيح البرهان على حدوث النفس بحدوث البدن هو أنّ النفس لو لم تكن حادثة بحدوث البدن لكانت موجودة قبل البدن و لو كانت كذلك لكانت واحدة أو متكثرة، فإن كانت واحدة كانت النفس الواحدة نفسا لكلّ بدن و لو كانت كذلك لكان ما علمه إنسان علمه كلّ إنسان و ما جهله إنسان جهله كلّ إنسان و هو باطل، و إن كانت متكثرة احتاج كلّ واحدة منها إلى ما به الإمتياز، و ما به الإمتياز ليس ذات النفس أو ذاتيّها أو لوازمها لإشتراكها في جميع الأفراد، فوجب أن يكون ما به الامتياز عرضا مفارقا لكن العرض المفارق لإمكان زواله و حدوثه يستدعي مادّة حاملة لاستعداده، فإن كانت تلك المادّة الحاملة هذا البدن الموجود لزم أن تكون النفس حادثة بحدوث البدن و هو المطلوب، لأنّ البدن الموجود حادث و إن كانت غير هذا البدن لزم التناسخ لأنّ المفروض أنّ النفس بعرضها المفارق تمتاز عن غيرها من النفوس و العرض المفارق موجود على الفرض في بدن سابق على هذا البدن، فيجب أن تتعلّق النفس أولاً بذلك البدن السابق ثمّ تتعلّق بالبدن الموجود و هذا هو التناسخ المحال فتدبّر.

قوله: و استحالة التناسخ ...

التناسخ و هو انتقال النفس من بدن الى بدن آخر منفصل عن الأوّل، محال إذ تقدّم في الفصل الرابع عشر من المرحلة السابقة أنّ تعلّق النفس بالبدن ليس وصفا عارضا على هويّة النفس بل إضافة النفس و تعلقها بالبدن عين هويّة النفس، فبناءا على هذا لو فرض هناك بدنان تعلّق بهما النفس الواحدة لوجب أن يكون هناك تعلّقان و إضافتان لأنّ البدن الّذي هو طرف الإضافة و التعلّق متعدّد على الفرض و الإضافة تتعدّد بتعدّد طرفها، فوجب أن يكون هناك تعلّقان و إضافتان و إذا كان هناك تعلّقان كان هناك نفسان لأنّ كلّ تعلّق نفس و قد فرض أنّ النفس واحدة هذا خلف.

قوله: سواء كانت نفسا أخرى ...

فإن قلت: النفس لا تحتاج في ذاتها إلى المادّة فلا يجري فيها البرهان الّذي أقيم على إشتراط تأثير العلل الجسمانيّة بتوسط الوضع.
قلت: ذلك البرهان و إن لم يجر في النفس حيث إنّ النفس لاتحتاج في ذاتها إلى المادّة حتّى يقال فيها إنّها لمّا أحتاجت في ذاتها إلى المادّة احتاجت في تأثيرها اليها، إلاّ أنّه قد برهن في محلّه أنّ النفس مادّيّة فعلاً فتحتاج في تأثيرها إلى المادّة و قد تقدّم أنّ الاحتياج في التأثير إلى المادّة هو أن يحصل للعلّة بسبب المادّة وضع خاصّ مع معلولها.

قوله: فالسبب الموجد للنفس أمر وراء عالم الطبيعة ...

أقول: هذا الدليل و إن كان سلوكا من المعلول إلى العلّة الّذي تقدّم أنّه لايفيد اليقين إلاّ أنّه يمكن تتميمه بحيث يفيد اليقين بأن يقال: إنّ المعلول الّذي يسلك منه في هذا البرهان إلى وجود الواجب هو النفس المجرّدة لكلّ إنسان و النفس في كلّ فرد معلومة الوجود لنفس ذلك الفرد بالعلم الحضوريّ و العلم الحضوريّ لا يزول بالشكّ، لأنّ العلم الحضوريّ عين واقعيّة المعلوم و واقعيّة الشيء لايزول بالشكّ فيه بل الّذي يزول بالشكّ هو العلم الحصوليّ بالشيء الّذي هو غير نفس الشيء و إذا لم يزل العلم الحضوريّ بالشيء بالشكّ فيه فلا يجري فيه ما كان جاريا في البرهان الإنّي من «أنّ الشكّ في العلّة يلازم الشكّ في المعلول و المعلول المشكوك لايتركّب منه البرهان» و ذلك لأنّ الشكّ في الواجب و إن كان ملازما للشكّ في وجود معلوله الّذي هو وجود النفس إلاّ أنّ هذا الشكّ أي الشكّ في وجود النفس لاينافي العلم الحضوريّ بوجود النفس، لأنّ الشك يزيل العلم الحصوليّ بالشيء لا نفس واقعيّة الشيء الّذي هو عين العلم الحضوريّ و الشاهد على ذلك أنّا إذا شككنا في وجود نفوسنا ننسب ذلك الشكّ إلى نفوسنا، فنقول عند الشكّ «أنا شاكّ في وجود نفسى» فلو لم يكن وجود «أنا» معلوما بالعلم الحضوريّ عند الشكّ فيه لم يجز نسبة ذلك الشكّ إلى «أنا» لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، فإذن العلم الحضوريّ بوجود النفس باق على حاله و إن كان وجود الواجب و وجود النفس مشكوكين، و ممّا تقدّم ظهر أنّ نفس كلّ إنسان و شؤونها المعلومة بالعلم الحضوريّ هي النقطة الوحيدة من بين الممكنات للشروع في السلوك البرهاني إلى وجود الواجب، فإذن «من عرف نفسه فقد عرف ربّه».

قوله: لو بني على الحركة الجوهريّة تمّت المقدّمة ...

لأنّ العالم المادّي بجواهره و أعراضه حادث بالحدوث التجدّديّ بناءا على الحركة الجوهريّة كما تقدّم في المرحلة العاشرة.
 

الفصل الثالث

في أنّ الواجب لذاته لا ماهيّة له
قوله: و ينعكس ...

أي بعكس النقيض، ثم يرد على هذا البرهان أنّ الّذي تقدّم إثباته هناك(1) قولنا: «كلّ ماهيّة فهي ممكنة و هو ينعكس إلى قولنا: «كلّ ما ليس بممكن ليس ماهيّة» و ليس هذا هو المطلوب.

قوله: لو كانت للواجب تعالى ماهيّة وراء وجوده الخاصّ ...

هذا الدليل و إن استحسنه المصنّف رحمه‏الله بقوله الآتي إلاّ أنّه ساقط لايفيد المطلوب و ذلك لوجهين:
الأوّل أنّا نمنع أنّه لو كانت للواجب ماهيّة وراء وجوده الخاصّ لاحتاجت ماهيّته في تلبسها بالوجود إلى سبب و ذلك لأنّ المجعوليّة في اتّصاف الماهيّة بالوجود ليست بالذات بل بعرض الوجود كما تقدّم في الفصل الأوّل من المرحلة الثامنة، فإن كان الوجود في ذاته محتاجا إلى جعل جاعل كان اتّصاف الماهيّة بالوجود محتاجا أيضا إلى الجعل بالعرض و إن كان الوجود في ذاته غير محتاج إلى جعل جاعل كان اتّصاف الماهيّة بالوجود غير محتاج إلى الجعل أيضا و لمّا كان وجود الواجب غير محتاج إلى الجاعل كان اتّصاف ماهيّته المفروضة بالوجود و تلبّسها به غير محتاج إلى الجاعل، فالحجّة غير مفيدة.

1. راجع: المرحلة الرابعة، الفصل الاوّل.

الثاني أنّ هذا الدليل ينتقض بوحدة الواجب، فإنّ وحدة الواجب في الخارج عين وجوده لكن الذهن يحلّل هذا الأمر الواحد إلى مفهومين مفهوم الوجود و مفهوم الوحدة، فلوكان هذا الدليل تامّا في نفي الماهيّة عن الواجب لجرى نظيره في نفي الوحدة عن الواجب تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
بيان ذلك: أنّه لو كان واقعيّة الواجب بحيث يمكن تحليلها إلى حيثيّة الوجود و حيثيّة الوحدة المغايرة لوجوده لكان وجوده في ذاته لا واحدا و لا غير واحد، فيحتاج في تلبّسه بالوحدة إلى سبب و السبب إمّا نفس الوجود أو أمر خارج عنه و كلا الشقّين محالان: أمّا استحالة كون وجوده سببا لوحدته فلأنّ السبب مقدّم على مسبّبه بالوجود فوجوده مقدّم على وحدته العارضه له لكن الوجود المقدّم على الوحدة العارضة يستدعي وحدة سابقة على تلك الوحدة العارضة لأنّ، الوحدة تساوق الوجود تدور حيثما دار، ففي أيّ مرتبة تحقّق الوجود فيها تحقّقت الوحدة فيها، فإن كان هذه الوحدة السابقة نفس الوحدة العارضة لزم تقدّم الشيء على نفسه و إن كانت غيرها نقلنا الكلام فيها فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هو باطل؛ و أمّا استحالة كون غير الوجود سببا لوحدته فلانّه يستلزم أن يكون الواجب ممكنا كما تقدّم بيانه في إثبات قاعدة: «واجب الوجود بالذات واجب الوجود بالذات من جميع الجهات».

قوله: فيلزم تقدّمها بوجودها على وجودها ...

هذا إذا كان الوجود المقدّم هو نفس الوجود العارض على الماهيّة و أمّا إذا كان غيره نقلنا الكلام فيه، فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هو محال.

قوله: و انّما قابليّتها اعتبار عقلي منشأه تحليل العقل ...

هذا بحسب نفس الأمر صحيح لكن إذا التزمنا بالملازمة الّتي ادّعيتم في صدر الدليل يجب علينا أن نلتزم بأنّ الماهيّة مقدّمة بالوجود على تلبّسها بالوجود و ذلك لأنّ التلبس بالوجود معنى نسبيّ قائم بطرفيه، فلو كان تلبّس الماهيّة بالوجود مجعولاً بالذات محتاجا إلى جعل جاعل لكان التلبّس موجودا حقيقيّا قائما حقيقة بطرفيه، فلزم أن تكون الماهيّة الّتي هي إحدى طرفيه مقدّمة عليه بالوجود حقيقة، فيرد النقض المذكور.

قوله: سواء انحصرت المقولات في عدد معيّن ...

فإن قلت: «يمكن المناقشة في هذه الحجة بأنّ حصر جميع الماهيّات في المقولات ممنوع، و قد صرّح صدر المتألّهين بأنّ الاندراج في المقولات يختصّ بالماهيّات المركّبة من الأجناس و الفصول فلا مانع عقلاً من فرض ماهيّة بسيطة غير مركّبة من الجنس و الفصل و لا داخلة في شيء من المقولات مضافا إلى ما مرّ من أنّ الجوهر و العرض ليسا مفهومين جنسيّين، بل هما من المعقولات الثانيّة كما اختار شيخ الإشراق نفسه في بعض كتبه».
قلت: عدم انحصار الماهيّات في المقولات المشهورة لايضرّ بالمطلوب كما صرّح به المصنّف في المتن، لأنّ كل ماهيّة مفروضة إمّا أن تكون بحيث إذا وجدت وجدت لا في الموضوع و إمّا أن لاتكون كذلك؛ و هذا حصر عقليّ دائر بين النفي و الإثبات و الثاني باطل لأنّ الماهيّات المتقوّمة بالموضوع محتاجة و الإحتياج ينافي الوجوب الذاتيّ و لا فرق في البطلان بين عدد معيّن و عدد آخر فيجب أن تكون الماهيّة المفروضة للواجب من القسم الأوّل، فيكون جوهرا لامحالة و الجوهر جنس لما كانت تحته ـ كما تقدّم في الفصل الثاني من المرحلة السادسة ـ فلابدّ أن يتخصّص الماهيّة المفروضة للواجب بفصل بعد إشتراكها مع غيرها من الأنواع الجوهريّة، فتحتاج إلى المخصّص و الإحتياج ينافي الوجوب الذاتيّ.

قوله: فالجائز على بعض الأنواع الّتي تحت الجنس جائز على الجنس ...

لأنّ المسلوب عن الأخصّ مسلوب عن الأعمّ، إذ الأعمّ موجود بعين وجود الأخصّ فلو لم يسلب عن الأعمّ ما سلب عن الأخصّ لاجتمع النقيضان في شيء واحد، فبناءا على هذا نقول إنّ بعض الأنواع الجوهريّة ممكن، أي جاز وجوده و عدمه فيكون ضرورة الوجود و العدم مسلوبة عن ذلك البعض و إذا كان ضرورة الوجود و العدم مسلوبة عن نوع من الأنواع الجوهريّة لزم أن تكون الضرورة مسلوبة عن الجوهر الّذي هو أعمّ من نوعه، فالجوهر الجنسيّ جاز وجوده و عدمه.

قوله: و الممتنع أو الواجب على الجنس ممتنع أو واجب على كلّ نوع تحته ...

لأنّ الثابت على الأعمّ ثابت على الأخصّ، لأنّ الأعمّ موجود بعين الأخصّ فلو لم يثبت للأخصّ ما ثبت للأعمّ لاجتمع النقيضان؛ فبناءًا على هذا نقول: لو ثبت ضرورة الوجود أو ضرورة العدم على الجوهر مثلاً للزم أن تثبت لأنواعه، فإذن الواجب أو الممتنع على الجنس واجب أو ممتنع على كلّ نوع تحته.

قوله: فلو دخل واجب الوجود تعالى تحت المقولة لزم فيه جهة إمكانيّة ...

هذا الوجه غير مفيد للمطلوب و ذلك لأنّ الجائز على النوع و إن كان جائزا على الجنس لما تقدّم من البرهان إلاّ أنّ الجواز على الجنس لايلزم منه الجواز على كلّ نوع تحته، مثلاً الكتابة بالأصابع جائز على الإنسان و الجائز على الإنسان جائز على الحيوان فالكتابة بالأصابع جائز على الحيوان لكن ليس معنى هذا أنّ كلّ حيوان جائز له الكتابة بالأصابع، فإنّ الجواز على الأعمّ صادق بصدق فرد منه لا بصدق جميع أفراده لزوما، فإنّ بعض أنواع الحيوان كالحيّة محال له الكتابة بالأصابع، إذ لا إصبع لها حتّى يمكن لها الكتابة بالأصابع؛ و أيضا الانخساف جائز الوجود و العدم على القمر ليلة البدر و الجائز على القمر ليلة البدر جائز على القمر لما تقدّم لكن لايلزم من الجواز على الأعمّ الجواز على كلّ فرد خاصّ بالنسبة إليه، فإنّ الانخساف ليس جائز الوجود و العدم على القمر وقت الحيلولة بل كان واجبا ضروريّا له و الأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ بعض الأنواع الجوهريّة جائز الوجود و العدم و الجائز على النوع جائز على الجنس، فالجوهر جائز الوجود و العدم لكن لايلزم من الجواز على الجوهر الجواز على كلّ نوع تحت الجوهر حتّى يقال: لو دخل الواجب تحت مقولة الجوهر للزم أن يكون الواجب بالذات جائز الوجود و العدم باعتبار جنسه فلم يكن واجبا بل ممكنا، أضف إلى ذلك أنّ الجنس بما هو جنس مبهم و المبهم لا حكم له بالجواز أو الضرورة بل الجواز أو الضرورة حكم نوعه المتعيّن، فإذا كان جائز الوجود كان الجنس جائز الوجود أيضا، فبناءا على هذا لايمكن أن يقال: الواجب باعتبار جنسه جائز الوجود فلم يكن واجبا بل ممكنا، لأنّ حكم الجنس مأخوذ من حكم نوعه، فلو كان حكم نوعه مأخوذا من حكم جنسه لدار مثلاً الحيوان بما أنّه معنى جنسيّ لايكون ضروريّ النطق و إلاّ كان الفرس الّذي هو حيوان ضروريّ النطق و لا لاضروريّ النطق و إلاّ كان الإنسان الّذي هو حيوان، لا ضروريّ النطق، بل الحيوان ضروريّ النطق بما أنّه إنسان و لاضروريّ النطق بما أنّه فرس مثلاً، فحكم ضرورة النطق للحيوان مأخوذ من حكم ضرورة النطق للإنسان، فلو كان هذا الحكم في الإنسان مأخوذا من حكم ضرورة النطق للحيوان لدار و كذا حكم لاضرورة النطق للحيوان مأخوذ من حكم لاضرورة النطق للفرس مثلاً فلو كان هذا الحكم في الفرس مأخوذا من حكم لاضرورة النطق للحيوان لدار.

قوله: إنّ ضرورة الوجود و وجوبه في الواجب تعالى أزليّة ...

الضرورة الأزليّة كما تقدّم في الفصل الأوّل من المرحلة الرابعة هي كون المحمول ضروريّا للموضوع لذاته من دون أيّ قيد و شرط حتّى وجود الموضوع كقولنا: «الواجب بالذات موجود بالضرورة الأزليّة» فإنّ المحمول في هذه القضية ضروريّ للموضوع من دون أيّ قيد و شرط حتّى شرط وجود الموضوع، فإنّ شرط وجود الموضوع إنّما يتصوّر فيما كان الموضوع غير حقيقة الوجود أمّا في هذه القضيّة فالموضوع نفس حقيقة الوجود و لا معنى لأن يكون الشيء شرطا لنفسه.
 

الفصل الرابع

في أنّ الواجب تعالي بسيط
قوله: لأنّ المادّة هي الجنس بشرط لا

بيانه: أنّ المادّة و الصورة الخارجيّتين ينتزع منهما المادّة و الصورة العقليّتين و المادّة و الصورة العقليّتين عين الجنس و الفصل بحسب الذات و التفاوت بالاعتبار، فلو كان للواجب مادّة و صورة خارجيّتان للزم أن يكون للواجب جنس و فصل و هو باطل.

قوله: إذ من الواجب في التركيب أن يحصل بين الأجزاء تعلق ذاتيّ ...

و إلاّ كان كلّ جزء بالنسبة إلى جزء آخر كحجر موضوع في جنب إنسان و من المعلوم أنّ التركيب بهذا المعنى ليس تركيبا حقيقيّا ذا أثر جديد وراء آثار كلّ واحد من الأجزاء.

قوله: كما قالوا ...

إشارة إلى أنّ بعض هذه البراهين كافية في نفي الأجزاء المقداريّة كالبرهان الأوّل، فإنّ الواجب لمّا لم يكن له ماهيّة لم يكن له مقدار (إذ المقدار من الماهيّات) و إذا لم يكن له مقدار لم يكن له الأجزاء المقداريّة إذ الأجزاء المقداريّة متفرعة على المقدار، لأنّ الوهم بعد وجود مقدار مّا يفرض فيه الانقسام فيحصل بذلك الفرض الأجزاء المقداريّة فما لم يكن مقدار لم يكن جزء مقداريّ.

قوله: و قد قيل في نفيها ...

هذا الدليل غير تامّ عند المصنّف(1) و لذا عبرّ عنه بـ «قد قيل» و ذلك لأنّ الواجب بالذات إمّا أن يكون له ماهيّة وراء وجوده أو لايكون له الماهيّة، فإن كان له ماهيّة وراء وجوده، فلنا أن نجعل تلك الماهيّة المقدار ثم نمنع تخالف الجزء و الكلّ في الحقيقة و أمّا إن لم يكن له ماهيّة وراء وجوده، فلنا أن نقول المطلوب حاصل في هذا التقدير قبل إجراء الدليل فالدليل لغو لأنّ نفي الماهيّة عنه يلازم نفي المقدار عنه و نفي المقدار عنه يلازم نفي الأجزاء المقداريّة عنه، و ببيان آخر أخصر: إنّ تخالف الجزء و الكلّ في الشقّ الأوّل من الترديد غير مسلّم إلاّ على القول بنفي الماهيّة عن الواجب و مع القول بنفي الماهيّة عنه المطلوب حاصل قبل إجراء الدليل فالدليل لغو.
ثمّ توضيح الدليل: إنّ الجزء المقداريّ المفروض للواجب إمّا أن يكون ممكنا أو واجبا، فإن كان ممكنا لزم أن يكون هذا الجزء مخالفا لكلّه في حقيقته مع أنّ الجزء المقداريّ متّحد الحقيقة مع كلّه، فإنّ جزء الخطّ خطّ أيضا و إن كان الجزء واجبا بالذات لزم أن يكون ذلك الجزء الواجب بالذات موجودا بالقوة و الفرض، لأنّ الأجزاء المقداريّة موجودة بالقوة و الفرض و هذا ينافي وجوب ذلك الجزء.

قوله: من السلوب ...

من نشأيّة، أي الاتّصاف بالتركّب ينشأ من ناحية السلوب.

قوله: بيان ذلك ...

هذا البيان بيان أنّ من التركب ما يحصل من ناحية السلوب لا بيان أنّ الواجب منفيّ عنه هذا التركّب.

1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 6 / 101.

قوله: ضرورة مغايرة الحيثيّتين ...

لا ريب أنّ ثبوت شيء مغايرٌ لنفي غيره عنه بحسب المفهوم لكن هل كان لهذين المفهومين مصداق واحد حتّى لايلزم التركّب في الخارج أو كان لكلّ منهما مصداق على حدة؟ المصنّف ادّعى الضرورة على الثاني و على فرض نظريّته يمكن أن يستدلّ عليه بأن يقال: لو لم يضمّ عدم مّا إلى ثبوت الشيء لكان ذلك الثبوت ثبوتا صرفا و وجودا محضا، إذ المفروض أنّ ذلك الثبوت غير مقارن لعدم مّا فيكون ثبوتا صرفا و الثبوت الصرف لمّا كان جامعا لجميع الوجودات لم يمكن أن يسلب عنه شيء مع أنّ المفروض أنّ ذلك الشيء يسلب عنه شيء مّا و هذا خلف، فإذن ثبت أنّ كلّ هويّة صحّ أن يسلب عنها شيء فهي مركّبة في الخارج من حيثيّتين مختلفتي المصداق.

قوله: و الواجب بالذات وجود بحت ...

بعد أن أثبت أنّ من التركّب ما هو حاصل من تطرّق السلوب في ذات الشيء شرع في أصل الدعوى و أنّ هذا النوع من التركّب منفيّ عن الواجب بالذات، فقال: «و الواجب بالذات وجود بحت لا سبيل للعدم إلى ذاته ...».

قوله: لأنّ كلّ كمال وجوديّ ممكن فإنّه معلول ...

هذا شروع في إثبات أصل الدعوى، توضيحه: أنّه لو أمكن أن يتحقّق كمال لجاز فرض وجوده و لو جاز فرض وجوده لكان وجوده المفروض مستندا إلى الواجب بالذات (لأنّ تعدّد المبدأ الأوّل محال كما سيأتي) فينتج من الشكل الأوّل: «أنّه لو أمكن أن يتحقّق كمال لكان وجوده المفروض مستندا إلى الواجب بالذات» ثمّ ننضمّ إلى هذه النتيجة قضيّة أخرى و نقول هكذا:
لو أمكن أن يتحقّق كمال لكان وجوده المفروض مستندا إلى الواجب بالذات و كلّ ما كان وجوده المفروض مستندا إلى الواجب بالذات وجب أن يكون الواجب واجدا له (لأنّ معطي الشيء لايكون فاقدا له) فينتج من الشكل الأوّل «لو أمكن أن يتحقّق كمال وجب أن يكون الواجب واجدا له» فثبت أنّ الواجب بالذات واجد لكلّ كمال ممكن و إن لم يصل ذلك الكمال المفروض إلى مرحلة التحقّق، و بهذا البيان يندفع ما قيل من أنّ «غاية ما يثبت بهذا البيان أنّ له تعالى كلّ الكمالات الحاصلة للممكنات على وجه أتمّ و أعلى، لا أنّ له كلّ كمال مفروض و بعبارة اُخرى: لاينافي هذا البرهان فقد الواجب لكمال لم تحصل و لن تحصل مرتبة منه للممكنات أيضا».

قوله: كما قيل

إشارة إلى أنّ سلب السلب و إن كان لازمه الوجود إلاّ أنّه ليس بالوجود و سلب النقص و إن كان لازمه الكمال إلاّ أنّ ليس بالكمال فإذن الحق في الجواب أن يقال: إنّ صدق الصفات السلبيّة على الواجب بالذات ليس صدقا حقيقيّا و بالذات بل بالعرض و المجاز لأنّ الواجب بالذات الّذي هو وجود صرف و كمال محض أعظم شأنا من أن يكون مصداقا للسلب حقيقة و لو كان ذلك السلب سلبا للسلب نعم لمّا كانت ذاته المتعالية مصداقا بالذات للوجود الصرف و الوجود الصرف ملازم لسلب النقايص و الفقدانات كانت مصداقا بالعرض لسلب النقص أيضا.

قوله: صدقت عليه بكلتي جهتي إيجابها و سلبها ...

و ذلك لأنّ الموضوع في الحمل الشايع فرد للمحمول و الشيء ينطبق على فرده بكلتي جهتي إيجابه و سلبه و إلاّ لم يكن فردا حقيقيّا له ـ مثلاً ـ إذا قلنا: «زيد إنسان»، فزيد لمّا كان فردا حقيقيّا للإنسان كان الثابت للماهيّة الإنسانيّة ثابتا لزيد و المسلوب عن الماهيّة الإنسانيّة مسلوبا عن زيد، فالإنسان صادق على زيد بكلتي جهتي إيجابه و سلبه.
فإن قلت: النسبة بين فرد الماهيّة و الماهيّة نسبة العموم و الخصوص مطلقا و قد تقدّم أنّ المسلوب عن الأعمّ لايجب أن يكون مسلوبا عن الأخصّ فإنّ الأسوديّة مثلاً مسلوبة عن الإنسان بما هو إنسان فيقال الإنسان ليس أسود لكن مع ذلك صحّ أن يقال زيد أسود.
قلت: المراد ممّا تقدّم من أنّ المسلوب عن الماهيّة مسلوب عن فردها، هو أنّ الماهيّة في حدّ نفسها لو اقتضت سلب شيء عنها اقتضى فردها ذلك السلب، لأنّ تلك الماهيّة موجودة في فردها فالإنسان مثلاً إذا اقتضى طرد الفرسيّة عن نفسه و سلبَها عنها اقتضى فرده ذلك الطرد و السلب فزيد كالإنسان مسلوب عنه الفرسيّة مثلاً.

قوله: بل وجدانه تعالى بحقيقته البسيطة ...

لأنّ الحمل بينهما حمل الحقيقة و الرقيقة و الموضوع و المحمول في حمل الحقيقة و الرقيقة متّحدان في أصل الوجود مختلفان في مرتبة الوجود، فمن اتّحادهما في أصل الوجود يستنتج أنّ الحقيقة واجدة للكمالات الموجودة في رقائقها و من اختلافهما في مرتبة الوجود يستنتج أنّ الحقيقة لاتكون محدودة بحدود رقائقها و إذا لم تكن محدودة بحدود رقائقها كانت المباينة من هذه الجهة حاصلة بينهما و لذا امتنع الحمل بينهما بالحمل الشايع.

قوله: إنّ الواجب لذاته تمام كلّ شيء ...

أي تماميّة كلّ شيء بمرتبته الّتي هي موجودة بعين وجود الواجب، فإنّ لوجود كلّ شيء مراتب فمرتبة منه في عالم المادّة، و أتمّ من هذه المرتبة مرتبته المثاليّة لأنّها علّة للمرتبة المادّيّة، و أتمّ من المرتبة المثاليّة مرتبته العقليّة لأنّها علّة للمرتبة المثاليّة، و أتمّ من المرتبة العقليّة مرتبته الموجودة في النظام الربّاني لأنّها علّة للمرتبة العقليّة و هذه المرتبة لمّا كانت عين وجود الواجب و وجود الواجب أتمّ مراتب الوجود كانت أتمّ مراتب ذلك الشيء.

 

الفصل الخامس

في توحيد الواجب لذاته
قوله: فهو صرف الوجود و صرف الشيء واحد بالوحدة الحقّة ...

توضيح الدليل: أنّ الواجب بالذات صرف الوجود و صرف الوجود واحد بالوحدة الحقّة، فينتج من الشكل الأوّل أنّ الواجب بالذات واحد بالوحدة الحقّة، أمّا الصغرى فواضحة ـ ممّا مرّ في الفصل السابق ـ ، و أمّا الكبرى فهي تنحلّ إلى قضيتيّن: الأولى أنّ صرف الوجود واحد، و الثانية أنّ وحدة صرف الوجود وحدة حقّة؛ أمّا إثبات أنّ صرف الوجود واحد فلانّه لو تعدّد صرف الوجود لامتاز كلّ واحد من الأفراد بما ليس في الآخر، فيكون كلّ منها مركّبا من وجدان و فقدان و هذا ينافي صرافة الوجود في تلك الأفراد؛ و أمّا إثبات أنّ وحدة صرف الوجود وحدة حقّة، فلأنّ الواحد بالوحدة الحقّة هو الّذي ذات الواحد فيه عين الوحدة و وحدة صرف الوجود كانت من هذا القبيل لأنّ الوجود و الوحدة مساوقان ـ كما تقدّم في المرحلة السابعة ـ ، فلو كانت وحدة صرف الوجود زائدة على ذاته للزم أن يكون وجوده زائدا على ذاته بحكم التساوق بين الوجود و الوحدة؛ لكن التالي باطل لأنّ صرف الوجود موجود بنفس ذاته لابوجود آخر، إذ الوجود أصيل متحقّق بالذات، فالمقدّم مثله فثبت أنّ الواجب بالذات واحد بالوحدة الحقّة.

قوله: و لعلّ هذا هو مراد الشيخ بقوله في التعليقات ...

الظاهر أنّ هذا البرهان هو ملخّص البرهان الّذي ذكره الشيخ في الشفاء(1) و في موضعين آخرين من التعليقات؛(2) فإنّه قال في التعليقات:(3)
«إن كان واجب الوجود إثنين فكلّ واحد منهما إمّا أن يكون وجوب الوجود و هويّته (أي هويّته الشخصيّة) شيئًا واحدا فيكون كلّ ما هو واجب الوجود هو بعينه و إن كان وجوب الوجود غير هويّته لكنّه يختصّ به و يقارنه (أي يقارن وجوب الوجود الخصوصيّة و التشخّص) فاختصاصه به (و بعبارة أخرى: اتّصافه بالهوية الشخصيّة) أمّا لذاته أو لعلّة، فإن كان لذاته و لأنّه واجب الوجود كان ما هو واجب الوجود، هو بعينه و إن كان لسبب كان معلولاً» انتهي. و الحاصل انّ تشخّص الواجب إن كان عين ذاته فظاهر أنّ الواجب لايتعدّد، لأنّ التشخص عبارة عن حيثيّة الاباء عن التعدّد، و إن كان غيرها فاتّصاف الواجب بالتشخّص و بأن يكون هذا الفرد المتشخّص أمّا بسبب كون الواجب واجبا فيلزم أن يكون كلّ ما هو واجب متشخّصا بهذا التشخّص المعيّن فلا واجب وراء هذا الشخص؛ و إمّا بسبب غيره فيلزم معلوليّة الواجب للغير و هذا محال . ـ ثمّ لمّا كان الحقّ في هذه الشقوق الثلاثة الشق الأوّل (بناءا على أنّ ذات الواجب عين الوجود و الوجود عين التشخّص في الواجب على الأقل) حذف الشيخ الشقّين الأخيرين في تلك العبارة فقال: «وجود الواجب عين هويّته (أي عين كونه هذا الفرد المتشخّص، فضمير «هو» إشارة إلى الفرد المتشخّص) فلا يوجد وجود الواجب لذاته لغيره» لأنّ ذاته و وجوده عين التشخّص و تشخّص الشيء يأبى عن التعدّد.
ثمّ إنّ صدر المتألّهين أورد على هذا البرهان إشكالاً، فقال: «مجرّد كونه متشخّصا بنفس ذاته لايوجب استحالة واجب وجود آخر ... لاحتمال الوهم أن يكون هناك حقائق متخالفة واجبة الوجود و تَعيّنُ كلّ منها عين حقيقته فلابدّ مع ذلك من استيناف برهان على تفرّد واجب الوجود في معنى واجب الوجود».(4)

1. راجع: الفصل السابع من المقالة الاولى من الالهيات.

2. ص 61.
3. ص 184.
4. الاسفار: 1 / 129.

توضيح الإشكال: أنّ التعدّد قد يحصل من ناحية الأنواع المختلفة و قد يحصل من ناحية الأفراد المختلفة لنوع واحد، و نفي التعدّد الحاصل من ناحيّة الأفراد المختلفة لنوع لايلزم منه نفي التعدّد الحاصل من ناحية الأنواع المختلفة، مثلاً أنّ كلّ عقل منحصر نوعه في الفرد و مع ذلك أنّ في عالم العقل عقولاً متعدّدة، فعدم التعدّد الفرديّ لاينافي التعدّد النوعيّ و البرهان الّذي أقامه الشيخ يثبت أنّ ذات الواجب لمّا كانت عين التشخّص كانت تلك الذات منحصرة في فرد متشخّص لكن انحصار تلك الذات في ذلك الفرد لا ينفي أن يكون هناك ذات أخرى واجبة متشخّصة بذاتها و متباينة للذات الأولى فإذن هذا البرهان لايتمّ إلاّ بعد البرهان على نفي التعدّد النوعيّ، و عدم تماميّته قد صار موجبا لأن يوجّه المصنّف هذا البرهان بإرجاعه إلى الدليل الأوّل المبتني على صرافة وجود الواجب، فقال لعلّ هذا هو مراد الشيخ بقوله في التعليقات.
أقول: تلك العبارة المنقولة من التعليقات تأبى عن الرجوع إلى الدليل السابق لأنّ الحدّ الأوسط في الدليل السابق عبارة عن صرف الوجود و لا إشارة في تلك العبارة إلى صرف الوجود فضلاً عن الصراحة، فإذن الأولى إبقاء العبارة على ظاهرها ثمّ تتميم البرهان بإبطال التعدّد النوعيّ بأن يقال: لو كان هناك ذاتان واجبتان متباينتان بالنوع لكانتا مشتركتين في وجوب الوجود، فوجوب الوجود إمّا أن يكون تمام ذات كلّ منهما و هو محال لأنّ الذاتين متمايزتان و وجوب الوجود مشترك بينهما و إمّا أن يكون جزء ذاتهما و هو محال أيضا لاستلزامه التركّب و إمّا أن يكون خارجا عن ذاتهما و هو محال أيضا؛ لأنّ ماينتزع منه وجوب الوجود إمّا أن يكون أمرا مشتركا بينهما فيلزم أن يكون كلّ منهما مركّبا مما به الإشتراك و ما به الإمتياز و إمّا أن يكون أمرا غير مشترك بينهما فيلزم إنتزاع مفهوم واحد عن الكثير بما هو كثير و هو محال، فإذن ثبت أنّ تعدد الواجب بالنوع محال، فإذا ثبت هذا نقول: إنّ ذات الواجب الّتي واحدة بحسب النوع، متشخّص بالذات و المتشخّص بالذات يأبى عن التعدّد، فينتج من الشكل الأوّل أنّ ذات الواجب الّتي هي واحدة بحسب النوع آبية عن التعدّد فإذن ثبت أنّ الواجب واحد نوعاً و شخصا فتمّ البرهان.

قوله: فتعدّد واجب الوجود على جميع تقاديره محال ...

أقول: هذا الدليل عليل، لأنّا نختار أنّ تميّزهما بأمر خارج من ذاتهما، ثمّ نقول إنّ التعدّد قد ينشأ من تمايز النوعين و قد ينشأ من تمايز الفردين لنوع واحد، فإن كان مرادكم من التميّز الّذي لابدّ منه في التعدّد، التميز النوعيّ فغاية مايلزم من نفي هذا التميز بالبيان الّذي قلتم، نفي التعدّد النوعيّ لا التعدّد الفرديّ، فهذا البيان على هذا الفرض لاينفي أن يكون هناك واجبان بالذات متّحدان في الحقيقة؛ و إن كان مرادكم من التميّز التميّز الفرديّ نمنع ان يكون هذا التميز عرضيّا معلّلاً، لأنّ التميّز الفرديّ هو التشخّص و التشخّص عين الوجود و عروض وجود الواجب لماهيّته المفروضة لايكون معلّلاً، لأنّ ثبوت وجود الواجب لماهيّته المفروضة عين وجوده في نفسه و وجوده في نفسه لا يكون معلّلاً، فثبوت وجوده لماهيّته المفروضة لايكون معلّلاً، و كذا ثبوت تشخّصه عين وجوده الّذي لا يعلّل، فإذن ثبت أنّ هذا الدليل لايكون تامّا إلاّ لبيان نفي التعدّد الناشي من تمايز النوعين و لذا إن ضممنا هذا الدليل إلى الدليل المنقول من التعليقات الّذي ينفي التعدّد الفرديّ صار مجموعهما دليلاً واحدا للمطلوب.

قوله: و هذه الشبهة كما تجري على القول ...

الأصيل امّا الماهيّة أو الوجود؛ و على الثاني إمّا أن يكون للوجود حقائق متباينة أو يكون له حقيقة واحدة، فإن كان الأصيل الماهيّة فالشبهة واردة، لأنّ الماهيّات متكثرة فيمكن فرض ماهيّتين متباينتين بتمام ذاتهما البسيطة، كلّ واحد منهما واجب بالذات، فيحتاج دفع هذا الفرض إلى الدليل، و إن كان الأصيل الوجود و كان له حقائق متباينة فالشبهة أيضا واردة، لأنّ المفروض أنّ للوجود حقائق متباينة فيمكن أيضا فرض حقيقتين بسيطتين للواجب بالذات، فيحتاج دفعه إلى الدليل أيضا و أمّا إن كان الأصيل الوجود و كان له حقيقة واحدة، فإذا جعلت هذه الحقيقة الواحدة لأحد الواجبين فلا محالة يكون الواجب الثاني عدما صرفا، إذ المفروض في الشبهة أنّ الواجب الثاني متباين للواجب الأوّل بتمام ذاته البسيطة فبلحاظ كونه متباينا للواجب الأوّل الّذي هو حقيقة وجوديّة يجب كونه عدما و بلحاظ بساطة ذاته يجب أن يكون عدما صرفا لا مركّبا من العدم و الوجود و من المعلوم أن لا واقعيّة للعدم الصرف فلا واقعيّة للواجب الثاني.

قوله: و الحجّة مبنيّة على أصالة الوجود و كونه حقيقة واحدة ...

توضيح الحجّة: أنّه لو تعدد الواجب بالذات كأن يفرض واجبان بالذات كان الواجبان مشتركين في وجوب الوجود فلابدّ لهما ممّا به يمتاز كلّ منهما عن الآخر فما به الامتياز في كلّ منهما إمّا أن يكون داخلاً في ذاتهما أو يكون خارجا عن ذاتهما أو يكون عين ذات كلّ منهما؛ و الإحتمالان الأوّلان باطلان لما ذكر في المتن و الإحتمال الثالث و هو الّذي ذكره ابن كمونة في شبهته باطل أيضا بناءا على أصالة الوجود و وحدة حقيقة الوجود، لأنّا نجعل تلك الحقيقة الواحدة حقيقة لأحد الواجبين فلا حقيقة ورائها حتّى تجعل للواجب الآخر.

قوله: و أجيب عن الشبهة بأنّها مبنيّة ...

أي الشبهة بعد احتمال ورودها بناءا على أصالة الماهيّة أو بناءا على أصالة الوجود و كون الوجود حقائق متباينة، مندفعة بأنّ وجوب الوجود مفهوم واحد و انتزاعه من الواجبين المتباينين بتمام الذات انتزاع لمفهوم واحد عن الكثير بما هو كثير و هو محال، لكن يبقى في المقام إشكال و هو أنّ القائلين بأصالة الوجود و كون الوجود حقائق متباينة يلتزمون بانتزاع مفهوم الوجود عن الحقائق المتباينة الوجوديّة، فلقائل أن يقول: إذا كان انتزاع مفهوم الوجود و هو مفهوم واحد، عن الحقائق المتباينة بما هي متباينة جائزا فليجز انتزاع مفهوم وجوب الوجود عن الواجبين المتباينين بتمام الذات، فالشبهة على هذا البناء باقية على حالها، فيحتاج دفعها إلى بيان آخر.

قوله: فإذن لكلّ واحد منهما حظ من الوجود...

أي إذا ثبت أنّ بينهما الإمكان بالقياس لزم أن يكون لكلّ منهما حظّ من الوجود و مرتبة من الكمال ليس للآخر، إذ لو لم يكن كذلك لوجب أن يكون أحدهما واجدا لنفس ما للآخر من المرتبة الوجوديّة و حينئذٍ إمّا أن لايكون بينهما تمايز أصلاً أو يكون التمايز بالكمال و النقص، فعلى الأوّل لايكون هناك تعدّد أصلاً حتّى يكون هناك إمكان بالقياس و هذا خلاف المفروض، و على الثاني كان بينهما علاقة لزوميّة لأنّ الناقص من شؤون الكامل فيكون معلولاً له فيكون بينهما علاقة لزوميّة، و هذا  خلاف المفروض أيضا.

قوله: و لعلّ المراد أنّه لو تعدّد الواجب بالذات ...

أقول: يرد على هذا البيان إشكالان:
الأوّل: إنّا نختار الشقّ الثاني من الترديد و قولكم: «هو محال لاستلزامه الافتقار» ممنوع، لجواز أن يكون سبب الكثرة اختلاف التشخّص في الواجبين، فإنّ التشخّص و إن كان زائدا على الذات المفروضة للواجبين لكنّه عين وجود كل منهما و الوجود في الواجب ليس له علّة فكذا التشخّص الّذيهو عين الوجود.
الثاني أنّ هذا البرهان بعد فرض تماميّته يثبت أنّ الذات المفروضة للواجب منحصرة في فرد واحد لكن هذا لايرفع التعدّد الناشى‏ء من اختلاف نوعين، فإنّه من الجايز أن يوجد واجبان مختلفان في الماهيّة النوعيّة ثمّ كلّ واحد منهما منحصر نوعه في فرد (لما قلتم من البرهان) فنحتاج في دفع هذا الإحتمال إلى برهان مستأنف.
 

الفصل السادس

في توحيد الواجب لذاته في ربوبيّته
قوله: لا ربّ سواه ...

البراهين المتقدّمة في الفصل السابق أثبتت أنّ واجب الوجود بالذات واحد لا شريك له في وجوب الوجود و الآن يريد المصنّف رحمه‏الله أن يبيّن أنّ ربّ العالم واحد لا شريك له في ربوبيّته، إذ مجرّد وحدة الواجب بالذات لا يوجب في أوّل النظر كون الربّ واحدا و لذا قالت المعتزلة بأنّ العباد مستقلّون في الخلق و الإيجاد مع أنّهم ملتزمون بوحدة واجب الوجود بالذات.

قوله: الفحص البالغ و التدبّر الدقيق ...

توضيحه يتوقّف على أمور: الأوّل أنّ عالمنا المشهود و هو عالم الطبيعة حقيقة واحدة مرتبط بعض أجزائه ببعض فلا يكون هناك موجود مادّيّ منعزل عن ساير الموجودات المادّيّة بل يتألّف من مجموعها حقيقة واحدة شخصيّة و المصنّف رحمه‏الله قد تمسّك أوّلاً لإثبات هذا الاصل بالاستقراء و الفحص البالغ، ثم أيّده بالبرهان الّذي تقدّم في مباحث الحركة على وحدة العالم المادّيّ.(1)

1. راجع: آخر الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.

الثاني أنّ هذا العالم المادّيّ الواحد معلول لعالم نوريّ مجرّد إذ لو لم يكن كذلك لكان معلولاً لموجود مادّيّ آخر و هو باطل، إذ ليس وراء هذا العالم المادّيّ عالم مادّيّ آخر على ما تقدّم في الأمر الأوّل، فإذن هذا العالم المادّيّ معلول لموجود مجرّد و هو أشرف وجودا من العالم المادّيّ، لأنّ العلّة واجدة للكمال الموجود في المعلول بنحو أعلى و أشرف.
الثالث أنّ واجب الوجود بالذات لمّا كان واحدا كما تقدّم في الفصل الثالث كان ما سواه ممكنا و الممكن إمّا أن يتقوّم بالواجب بدون الواسطة، أو يتقوّم به مع الواسطة، لأنّ معلول معلول الشيء معلول لذلك الشيء فعالمنا المشهود و ما فوقه من العوالم المجرّدة جميعا يتقوّم بمبدأ واحد، فثبت أنّ مبدأ جميع ما في العالم سواء كان مادّيّا أو مجرّدا حقيقة واحدة و هو الواجب تعالى فهو المجري لهذا النظام الجاري في عالمنا المشهود و النظام الجاري في العوالم المجرّدة.
أقول: المطلوب يتمّ بالمقدمة الثالثة و المقدمتان الأوليان لمزيد الإطّلاع على حقيقة العالم.

قوله: و قد تقدّم في مباحث الحركة الجوهريّة ما يتأيد به ذلك ...

أي في آخر الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.

قوله: على أنّه لو فرض كثرة الأرباب ...

توضيح هذا البرهان يتوقّف على أمور: الأوّل أنّ العالم و جميع ما فيه من الموجودات وجود واحد و ذلك لوجهين: أحدهما أنّ العالم أي ما سوى الواجب، وجود معلوليّ صرف، و صرف الشيء واحد لايتعدّد فالعالم وجود واحد لايتعدّد، و ثانيهما إنّا ننتزع ممّا سوى الواجب مفهوما واحدا و هو مفهوم الوجود المعلوليّ، فلو كان هناك عوالم متعدّدة غير راجعة إلى وجود واحد كان اللازم منه أن ينتزع مفهوم واحد عن الكثير بما هو كثير و هو محال.
الثاني أنّ التعدّد لا يتحقّق إلاّ بآحاد و الآحاد لا تتحقّق إلاّ بالتميّز و التميّز لا يتحقّق إلاّ بوجدان كلّ واحد من الآحاد جهة يفقدها غيره.
الثالث أنّ المعلول مسانخ لعلّته في حقيقته و إلاّ كان فاقد الشيء معطيا له و هو محال.
إذا عرفت هذه نقول: لو كان هناك أرباب متفرقون فإمّا أن تكون الحقائق الوجوديّة للأرباب راجعة إلى حقيقة وجوديّة واحدة و إمّا أن لاترجع إلى حقيقة وجودية واحدة، فإن رجعت إلى حقيقة وجوديّة واحدة لزم أن لايكون هناك أرباب متفرقون بل يكون هناك ربّ واحد و تكون ربوبيّات الأرباب كلّها من شؤون ربوبيّة ذلك الربّ الواحد، و إن لم ترجع حقائقها الوجوديّة إلى حقيقة وجوديّة واحدة كانت تلك الحقائق الوجوديّة متمايزه بتمام الذات، إذ لا جزء للربّ المستقلّ حتّى يكون التمايز بجزء حقيقته الوجوديّة و إذا كانت الحقائق الوجوديّة للأرباب متمايزة بتمام ذواتها غير راجعة إلى حقيقة وجوديّة واحدة كان من الواجب أن تكون أفعال تلك الحقائق الوجوديّة متمايزة بتمام ذواتها غير راجعة إلى حقيقة وجوديّة واحدة، لأنّ المعلول مسانخ لعلّته في حقيقته الوجوديّة، فكما أنّ حقائق الأرباب لاترجع إلى حقيقة وجوديّة واحدة كذلك حقائق الأفعال لاترجع إلى حقيقة وجوديّة واحدة لكن هذا التالي باطل محال كما تقدّم في الأمر الأوّل فإذن ثبت أنّ ربّ العالم واحد.
فإن قلت: إن أريد بتميّز كلّ واحد من الأرباب المفروضين بكمال وجوديّ خاصّ، مايوجب اختلاف سنخ الكمال فيها فإنّا نمنع وجوب التميز بهذا الوجه لانّه يكفي في حصول التميّز اختلافها في التشخّص من غير اختلاف في السنخ و النوع؛ و إن أريد به ما يشمل اختلاف الأشخاص مع وحدة نوع الكمال؛ فإنّا نمنع اختلاف حقائق الأفعال لجواز أن يكون الأرباب من سنخ واحد فلا تتدافع أفعالها.
قلت: نختار الشقّ الثاني ثمّ نقول اتّحاد الأرباب في السنخ إن كان راجعا إلى اتّحاد وجوداتها، فهناك ربّ واحد لا أرباب متفرّقون، و إن لم يكن راجعا إلى اتّحاد وجوداتها فوجوداتها مختلفة لكن لمّا كان الفاعل مؤثّرا بوجوده (لأنّ الجاعل بالذات هو الوجود) و كان وجودات الأرباب مختلفة كما هو المفروض كان اللازم منه أن يكون أفعالها مختلفة متدافعة و هو باطل كما تقدّم في الأمر الأوّل.

قوله: فإن قيل إحكام النظام و إتقانه العجيب ...

حاصل الإشكال: أنّ الأرباب المفروضين عقلاء، علماء و العلم في الفاعل العلميّ يوجب صدور الفعل عن مصلحة، فما المانع من توافقهم على نظام واحد ذي مصلحة على أساس علمهم؟
و حاصل الجواب: أنّ العلم الموجود في الأرباب إن كان علما حصوليّا فهو لايفيد، لأنّ العلم الحصوليّ منتزع من المعلوم الخارجيّ فهو متأخر عن المعلوم الخارجيّ الّذي هو النظام العالميّ و لايمكن أن يصدر النظام العالميّ على أساس هذا العلم المتأخّر عنه و إن كان علما حضوريّا لايخلو إمّا أن يكون هذا العلم عين الفعل أو يكون عين الفاعل، فإن كان عين الفعل لايفيد أيضا لأنّ العلم الّذي يصدر النظام على وفقه يجب أن يكون سابقا على الفعل لا عينا له و إن كان عين الفاعل و المفروض أنّ كلّ فاعل مغاير للآخر بتمام حقيقته وجب أن يكون الفعل الصادر على وفق علم هذا الفاعل مغايرا للفعل الصادر على وفق علم فاعل آخر، فلا توافق في الأفعال.
 

الفصل السابع

في أنّ الواجب بالذات لا مشارك له في شيء من المفاهيم
قوله: من حيث المصداق ...

المفهوم إمّا أن يصدق على الواجب فقط أو يصدق على الواجب و غيره، فإن صدق على الواجب فقط فالواجب لا مشارك له في كونه مصداقا لذلك المفهوم، و إمّا إن صدق على الواجب و غيره فالواجب و إن كان له مشارك في كونه مصداقا لأصل المفهوم لكن المرتبة الّتي أحرزها المصداق الواجبيّ غير مشتركة بين الواجب و غيره كما سيأتي.

قوله: أو ما يرجع إليها ...

كالإمكان الّذيهو من لوازم الماهيّات.

قوله: و الصفات الإضافيّة الزائدة على الذات ...

فإنّ صفات الفعل لمّا كانت منتزعة من الفعل و الفعل متأخّر عن الذات، كانت متأخّرة عن الذات فالواجب في مرتبة ذاتها لايتصف بهذه الأوصاف الإضافيّة المتأخّرة عنها، نعم إنّ لهذه الأوصاف المتأخّرة أصلاً في الذات و الذات الواجبيّة في مرتبتها متّصفة بها، لكن أصل هذه الصفات ليس متأخّرا عن الذات بل‏عين الذات فلا تكون بين الذات و أصول هذه الصفات إضافة في تلك المرتبة.

قوله: لا موجد و لا مؤثّر سواه ...

سيأتي إثباته في الفصل الرابع عشر.
 

لفصل الثامن

في صفات الواجب بالذات على وجه كلّيّ
قوله: قد تقدّم أنّ الوجود الواجبيّ ...

أي في الفصل الرابع من هذه المرحلة.

قوله: هذا هو المراد بالإتّصاف ...

لا ما يقوله المعتزلة من نيابة الذات مناب الصفات.

قوله: فالصفات السلبيّة راجعة بالحقيقة إلى الصفات الثبوتيّة ...

أي الصفات السلبيّة ليست بأوصاف للواجب حقيقة، بل صفاته كلّها بالحقيقة ثبوتيّة و إن عبّر عنها بالصفات السلبيّة و ذلك لأنّ الصفات السلبيّة و إن كانت سلبا للسلب لكنّها من سنخ السلوب و السلوب كيفما فرضت لا تتطرّق إلى الواجب بالذات.

قوله: تنقسم إلى حقيقيّة ...

و هي الصفات الّتي ليست الإضافة مأخوذة في معانيها و هي إن كانت ملازمة للإضافة فهي حقيقيّة ذات إضافة؛ و إن لم تكن ملازمة لها فهي حقيقيّة محضة.
 

الفصل التاسع

في الصفات الذاتيّة و أنّها عين الذات
قوله: إنّها معان ...

المعاني اصطلاح خاصّ للاشاعرة تطلق على الصفات الزائدة على ذات الواجب القائمة بها.

قوله: الكرّاميّة ...

هم طائفة من الأشاعرة منسوبون إلى الكرّام كشدّاد و هو إمامهم.

قوله: و ذلك لما تحقّق أنّ الواجب بالذات علّة ...

قد تقدّم توضيح هذا الدليل في الفصل الرابع من هذه المرحلة، فراجع إن شئت.

قوله: على أنّه وجود صرف لايخالطه عدم ...

هذا دليل ثان على المطلوب حاصله: أنّ وجود الواجب صرف و بسيط، فصرافة وجوده تقتضي أن يكون وجوده جامعا لكلّ الكمالات الوجوديّة، لأنّ صرف الشيء جامع لكلّ ما هو من سنخه و إلاّ لم يكن صرفا بل كان مخالطا لغيره، و بساطة وجوده تقتضي أن تكون تلك الكمالات الموجودة فيه عين وجوده لا جزء له، فإذن ثبت أنّ الكمالات الوجوديّة كلّها موجودة في ذات الواجب بعين وجوده البسيط، فكلّ كمال وجوديّ مفروض عين ذاته و عين الكمال الآخر المفروض له.

قوله: فالصفات الذاتيّة ... مختلفة مفهوما واحدة عينا ...

إن قلت: كثرة المفاهيم تدلّ على كثرة مصاديقها، إذ كما أنّ المفهوم الواحد لاينتزع من الكثير بما هو كثير كذلك المفاهيم الكثيرة لاتنتزع من الواحد بما هو واحد ضرورة أنّ المفهوم يأخذ و ينتزع من المصداق، فالمصداق منشأ المفهوم فلو لم يكن في المصداق حيثيّات كثيرة واقعيّة لم يمكن إنتزاع أكثر من مفهوم واحد منه.
قلت: هذا صحيح فيما إذا لم يكن الواحد جامعا للكثرات أمّا إذا كان الواحد بوجوده البسيط جامعا للكمالات الكثيرة جاز انتزاع المفاهيم الكثيرة منه، لأنّ ذلك الواحد عين الكثير فبلحاظ انطواء الكثرة فيه جاز انتزاع المفاهيم الكثيرة منه، مثلاً إنّ وجود الصادر الأوّل كثير في عين أنّه واحد، لانّه يوجد فيه حيثيّة المعلوليّة للواجب و حيثيّة العلّيّة للصادر الثاني و هما حيثيّتان متغايرتان في الواقع ـ كما مرّ توضيحه منّا في الفصل الأوّل من المرحلة الثانيّة ـ و لذا جاز انتزاع المفاهيم الكثيرة من وجوده الواحد الكثير، كمفهوم كونه علّة و مفهوم كونه معلولاً و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ ذات الواجب بسيطة و بسيطة الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة، فالواجب بوجوده البسيط الواحد جامع لكلّ الحقائق الوجوديّة الممكنة بالإمكان العامّ و جامعيّته للحقائق و الكمالات تصحّح إنتزاع المفاهيم الكثيرة منه.

قوله: و قول بعضهم إنّ علّة الإيجاد هي إرادة الواجب ...

هذا اعتراض على المقدّمة الاولى في البرهان الأوّل، فإنّ ذات الواجب عند المستشكل لم تكن علّة للكمالات الممكنة بل العلّة إرادته تعالى، فلا يمكن أن يقال: إنّ ذات الواجب لكونها علّة للكمالات الممكنة واجدة لها بنحو أعلى و أشرف.

قوله: و الكلام ...

قالوا: كلامه تعالى عبارة عن معنى قائم بذاته مغاير للعلم و الإرادة و غيرهما من الصفات، تدلّ عليه العبارات و هو المراد بالكلام النفسيّ و هو عندهم معنى واحد ليس بأمر و لا نهي و لا خبر و لا غير ذلك من أساليب الكلام لأنّه عندهم ليس من جنس الأصوات أو الحروف.

قوله: و هي فاقدة لها ...

لأنّ المفروض أنّ ذاته تعالى تتّصف بالعلم مثلاً بواسطة ذلك العلم الزائد فما لم يكن العلم الزائد موجودا لم تتّصف ذاته بالعلم و معلوم أنّ مرتبة إيجاد العلم قبل وجود العلم، فإذن ذاته الفيّاضة في حال إيجاد العلم الّذيهو مقدّم على وجود العلم خالية عن العلم، فاقدة له.
 

الفصل العاشر

في الصفات الفعليّة
قوله: يجمعها صفة القيّوم ...

لأنّ أفعال الواجب على كثرتها ترجع إلى فعل واحد: «و ما أمرنا إلاّ واحدة»و قد تقدّم بيانه في الفصل السادس، فوجب أن تكون صفاته الفعليّة المتعدّدة راجعة إلى صفة فعليّة واحدة، لأنّ منشاء انتزاع الصفات المتعدّدة الأفعال المتعدّدة، فإذا كانت أفعاله المتعدّدة راجعة إلى فعل واحد كان هناك منشاء واحد للانتزاع، فوجب أن يرجع صفاته الفعليّة المتعدّدة إلى صفة فعليّة واحدة و هي صفة القيّوم لأنّ الرزق و الممات و الغفران و غيرها من شؤون الحقيقة الواحدة الّتي تقوم بذات الواجب، فرازقيّته و مميتيّته و غفاريّته و غيرها من شؤون قيوميّته.

قوله: فالموجود الإمكانيّ مثلاً ...

لا ريب أنّ انتزاع الصفات الفعليّة و حملها على الواجب يتوقّف على اعتبار أمر زائد على ذات الواجب، بخلاف الصفات الذاتيّة حيث لا يتوقّف إنتزاعها إلاّ على اعتبار الذات، فإذن إذا وصفنا الواجب بانّه موجد و فرضنا أنّ موجديّته من صفات الفعل لا من صفات الذات ـ الّتي سيأتي بيانها في آخر الفصل ـ فلابدّ من اعتبار أمر زائد على ذاته و ذلك الأمر الزائد لايكون إلاّ معلولاً للواجب، إذ لا غير وراء الواجب إلاّ معلوله، و المعلول له اعتباران: اعتبار وجوده في نفسه و اعتبار انتساب وجوده إلى الغير، و الاعتبار الأوّل لاينتزع منه الصفتيّة للغير، إذ لا يلاحظ فيه ثبوته للغير لكن الاعتبار الثاني يلاحظ فيه ثبوته للغير، فيكون ناعتا له فيتّصف ذلك الغير بانّه موجد و هذا نظير مفهوم الكاتب، فإنّ هذه الصفة لاتنتزع من زيد فقط بل لابدّ من اعتبار أمر زائد و هو الكتابة، لكن الكتابة لها اعتباران: اعتبار وجودها في نفسها و اعتبار انتساب وجودها إلى الغير، و الاعتبار الثاني يوجب اتّصاف زيد بانّه كاتب.

قوله: كان إيجادا منه ...

إنّ الإيجاد الّذيينتزع منه الصفة الفعليّة ليس عين ذات الفاعل، لأنّه متأخّر عن ذات الفاعل فليس عينها، فهو إذن إمّا أن يكون عين الفعل أو مغايرا له و الثاني باطل و إلاّ احتاج إلى إيجاد آخر قبله، إذ الايجاد يكون ممكنا من الممكنات، فننقل الكلام فيه فيتسلسل و هو محال، فثبت أنّه عين الفعل ذاتا و إن كان غيره اعتبارا، فالفعل الصادر من الفاعل باعتبار نفسه لا باعتبار انتسابه إلى الفاعل كان وجودا للفعل و باعتبار انتسابه إلى الفاعل كان إيجادا للفاعل و وصفا له.

قوله: ثم إنّ وجوده باعتبارات مختلفة إبداع و خلق ...

الإيجاد إذا كان إيجادا لأمر مجرّد كان إبداعا، و إذا كان إيجادا لأمر مادّيّ كان خلقا، و إذا كان إيجادا لأمر مسبوق بالعدم كان صنعا، و إذا كان إيجادا لأمر يحسن به إلى ذوي العقول كان نعمة، و إذا كان إيجادا لكمال معنويّ على أهل الأيمان كان رحمة.

قوله: ثم صدق على الرزق أنّه عطيّة و نعمة ...

الرزق إذا لم يعتبر فيه الإستحقاق كان عطيّة، و إذا كان إحسانا إلى ذوي العقول كان نعمة، و إذا كان بذل نفع لايجب بعوض كان موهبة، و إذا كان بذل نفع لايجب أو كان كفّ ضرر لايجب كان كرما، و إذا كان بذل مال لايجب كان جودا.

قوله: و هذه الصفات الفعليّة ...

أي الصفات الفعليّة المنتزعة من مقام الفعل و إن كانت متأخّرة عن ذات الواجب غير صادقة على الذات حقيقة إلاّ أنّه يمكن إرجاعها إلى صفات منتزعة عن الذات فقط، صادقة على الذات حقيقة و ذلك بأن يقال: إنّ لكلّ أمر زائد على الذات أصلاً في مرتبة الذات، لأنّ ذاته المتعالية بسيطة و بسيطة الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة، فذاته البسيطة واجدة للحقائق كلّها و إذا كان ثبوت كمال زائد لذاته المتعاليّة منشأ لانتزاع صفة متأخّرة عن الذات، كان ثبوت ذلك الكمال في مرتبة الذات أيضا منشأ لانتزاع تلك الصفة لمرتبة الذات، فالذات كما أنّها متّصفة بالخالقيّة و الرازقيّة و الغفّاريّة و غيرها من الصفات المتأخّرة عن الذات كذلك إنّها متّصفة بهذه الأوصاف في مرتبة ذاته البسيطة، فالواجب خالق إذ لا مخلوق و رازق إذ لا مرزوق و غفار إذ لا مغفور له، و في الحديث: «عالم إذ لا معلوم، ربّ إذ لا مربوب، قادر إذ لا مقدور».(1)

قوله: لكن لا من حيث خصوصيّات حدوثها ...

لأنّ هذه الصفات في مرتبة الذات موجودة بعين وجود الذات و الذات منزّهة عن الحدوث و التأخّر و غير هما من النقصانات.

1. نهج البلاغة، خطبة 152.

 

الفصل الحادى عشر

في علمه تعالى
قوله: و قد تقدّم أيضا ...

أي في الفصل الرابع.

قوله: فما سواه من شيء فهو معلوم له...

توضيحه يتوقّف على أمرين: الأوّل أنّ الأشياء و الحقائق الوجوديّة كلّها موجودة في مرتبة ذات الواجب بعين وجوده البسيط، لأنّ ذاته المتعاليّة بسيطة و بسيط الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة ـ كما تقدّم ـ فذاته المتعاليّة كلّ الأشياء الوجوديّة، فلا كمال وجوديّا إلاّ أنّه موجود في مرتبة ذاته بعين وجوده البسيط الصرف.
الثاني أنّ ذاته الجامعة معلومة لذاته، لأنّ ذاته المجرّدة حاضرة الوجود لذاته.
إذا عرفت هذين نقول: لمّا كانت الحقائق موجودة في مرتبة ذاته البسيطة بعين وجوده و كانت ذاته الجامعة معلومة لذاته المجرّدة، كان اللازم أن تكون الحقائق معلومة لذاته المجرّدة بعين معلوميّة ذاته لذاته، فما به ينكشف ذاته لذاته هو بعينه ما به ينكشف حقائق الأشياء لذاته و هو المطلوب.
بيان آخر: لمّا كان علمه بذاته عين ذاته و ذاته وجود صرف لا يتطرّق فيه العدم كان اللازم أن يكون علمه بذاته علما صرفا لا يتطرّق فيه الجهل بشيء، إذ لو تطرّق فيه الجهل بشيء لم تكن ذاته وجودا صرفا لأنّ الجهل عدم و هذا خلاف المفروض، فإذن ذاته الصرفة عالمة بالحقائق كلّها بعين ذلك العلم الصرف و ذلك العلم مع وحدته و بساطته علم بكلّ شيء.
ثمّ إنّ المراد بالعلم التفصيليّ هنا عبارة عن معلوميّة الأشياء كلّها بخصوصيّاتها الّتي بها هي هي، بعين معلوميّة ذات الواجب لذاته.
توضيح ذلك يتوقّف على أمرين: الأوّل تقدّم أنّ وجود الواجب بوحدته جامع لوجود الأشياء فالأشياء كلّها موجودة في مرتبة ذات الواجب بعين وجوده الجمعي. الثاني أنّ التشخّص مساوق للوجود، يدور حيثما دار الوجود و بناءا على هذا إذا كان الأشياء موجودة في مرتبة ذات الواجب بعين وجوده الجمعيّ البسيط كان تشخّصاتها الّتي بها يكون كلّ شيء هو هو، موجودة بعين تشخّص ذات الواجب و إلاّ بطل التساوق بينهما هذا خلف.
إذا عرفت هذين نقول: إذا كان الواجب عالما بذاته بحضور ذاته لذاته كان عالما بالأشياء بخصوصيّاتها الّتي بها هي هي بعين علمه بذاته، إذ خصوصيّة كلّ شيء (أي ما كان به الشيء ذلك الشيء المتشخّص الخاصّ) حاضرة لذات الواجب بحضور ذات الواجب لذاته، فتلك الخصوصيّة معلومة للواجب بعين معلوميّة ذات الواجب لذاته و هذه المعلوميّة هي المراد بالعلم التفصيليّ هنا.

قوله: و أمّا المادّيّة فبصورها المجرّدة ...

لمّا كان العلم حضور شيء مجرّد لشيء مجرّد كان اللازم منه أن لاتكون الأشياء المادّيّة معلومة بانفسها، لكن لمّا كانت المجرّدات العقليّة و المثاليّة عللاً للأشياء المادّيّة و العلّة في مرتبة ذاتها واجدة لمعلولها كان العلم الحضوريّ بتلك المجرّدات العقليّة و المثاليّة علما حضوريّا بمعلولاتها المادّيّة الموجودة بوجودات تلك المجرّدات، فالأشياء المادّيّة معلومة للواجب بصورها المجرّدة.

قوله: هو المسمّى بالعلم قبل الإيجاد ...

إذ علمه بما سواه عين علمه بذاته (و ذلك لما تقدّم من أنّ وجوده البسيط جامع لجميع ما سواه من الوجودات، فما سواه حاضر له بحضور ذاته لذاته) و علمه بذاته سابق على جميع ما سواه، لكونه عين ذاته، فعلمه بما سواه سابق على ما سواه؛ قال أمير المؤمنين عليه‏السلام : «عالم إذ لا معلوم».(1)

قوله: و أنّ له علما تفصيليّا بما سوى ذاته ...

أمّا كون علمه تفصيليّا فلأنّ المراد هنا من كون العلم تفصيليّا امتياز كلّ علم عن الآخر في الوجود وحيث أنّ ما سوى ذاته متميّز بعضها عن بعض في وجوداتها فالعلم بكلّ منها الّذي هو عين وجوداتها غير العلم بالآخر وجودا، و أمّا كون هذا العلم في مرتبة ذوات الأشياء لا في مرتبة ذات الواجب، فلأنّ هذا العلم عين وجودات الأشياء، فمرتبة هذا العلم مرتبة وجوداتها إن كانت مجرّدة أو مرتبة عللها المجرّدة إن كانت مادّيّة.

قوله: فإنّه علم له تعالى ...

و ذلك لأنّ علمه تعالى صرف العلم و صرف الشيء لايتثنّى و لا يتكرّر، فلا علم وراء علمه حتّى يكون علما لغيره، فإذن كلّ علم متقرّر في مراتب الممكنات، فإنّه من شؤون علمه.

قوله: لا يستوجب كونه موجودا في الأزل بوجوده الخاصّ ...

لأنّ ذلك العلم علم بالمعلول في مرتبة ذات الواجب لا في مرتبة المعلول و العلم بالمعلول في مرتبة ذات الواجب لا يتوقّف إلاّ على وجود المعلول في مرتبة ذات الواجب و هو موجود بنفس وجوده الصرف الجامع لجميع ما هو من سنخه، فهو عالم إذ لا معلوم.

قوله: و المثل الإلهيّة ...

و هي العقول المجرّدة العرضيّة، المدبّر كلّ منها نوعا مادّيّا و تسمّى بالمثل الأفلاطونيّة أيضا.

قوله: و نحوه ...

كالتذكّر كما هو مذهب بعض الحكماء في علوم النفس و كالإضافة الإشراقيّة كما هو مذهب شيخ الإشراق.

1. نهج‏البلاغة، خطبة 152؛ راجع: المشارع و المطارحات، ص 487؛ شرح حكمة الاشراق، ص 365.

قوله: فله تعالى علم إجماليّ بها بتبع علمه بذاته ...

أقول: الظاهر من كلمات شيخ الإشراق هو إنكار العلم الإجماليّ للواجب كما صرّح بذلك صدر المتألّهين(1) قال الشيخ في حكمة الإشراق: «أمّا ما يقال إنّ علمه بلازمه منطوٍ في علمه بذاته كلام لا طائل تحته»(2) و قال أيضا في المطارحات: «ثمّ قول القائل ينطوي علمه بلازمه في علمه بذاته فيه مساهلة».(3)

قوله: إنّ العقول المجرّدة لا علم ارتساميّا حصوليّا لها ...

لأنّ العلم الحصوليّ اعتبار عقليّ يضطرّ إليه النفس بسبب اتّصال أدواتها الإدراكيّة بالمواد الخارجيّة ـ كما تقدّم بيانه في الفصل الأوّل من المرحلة السابقة ـ و هذا السبب غير موجود في العقول المجرّدة، لتجرّدها و انقطاعها عن المادّة ذاتا و فعلاً.

قوله: إنّ ذاته المتعاليّة علم تفصيليّ بالمعلول الأوّل ...

الظاهر من هذه العبارة و من جوابها أنّ مرتبة علمه التفصيليّ بالمعلول الأوّل هي مرتبة ذات الواجب، فالواجب عالم بمعلوله الأوّل بعين ذاته المتعاليّة، لكن المصنّف في تعليقاته على الأسفار(4) فسرّ هذا القول بحيث يكون علمه التفصيليّ بالمعلول الأوّل متأخّرا عن الذات، فقال رحمه‏الله : «المراد به كون علمه باقتضاء من مرتبة الذات دون استقراره فيها حتّى يكون عين الذات، بل هو علم حصوليّ لازم للذات من جهة العلم بالذات الّذي هو سبب للعلم بالمعلول الأوّل».

1.الأسفار: 6 / 261.
2. راجع: شرح حكمة الإشراق، ص 160.
3. ص 479.
4. الأسفار: 6 / 245.

قوله: و هو علم إجماليّ بالأشياء ...

أي يعقل الأشياء عقلاً بالفعل من غير أن يتميّز بعضها عن بعض و ذلك لأنّ ذاته تعالى بسيطة فلا يمكن أن ترتسم فيها صور الأشياء مفصّلة؛ قالوا: إنّ علم الواجب نظير علم من حصل له ملكة في علم بحيث كلّما أورد عليه مسألة من مسائل ذلك العلم حضره الجواب.

قوله: فهو علم عنائيّ ...

العلم العنائيّ هو العلم التفصيليّ بالنظام الأحسن المنشأ لصدور النظام من غير داع زائد.

قوله: و يرجع بالدقّة إلى القول الثاني

توضيحه: أنّ للصور المرتسمة اعتبارين: أحدهما اعتبار ثبوتها في أنفسها من غير قياسها إلى الموجودات العينيّة الّتي هي ذوات الصور و هي بهذا الاعتبار (أي وجودها النفسيّ) وجودات خارجيّة. و ثانيهما اعتبار كونها مقيسة إلى الموجودات الخارجيّة الّتي هي ذوات الصور و هي بهذا الاعتبار (أي وجودها القياسيّ) وجودات ذهنيّة و من المعلوم أنّه إذا لم يكن هناك وجودات خارجيّة تقاس إليها الصور المرتسمة كما هو المفروض ـ إذ كلامنا في العلم قبل الإيجاد ـ لم يكن هناك وجود ذهنيّ فلم يبق للصور إلاّ اعتبار ثبوتها في أنفسها و تقدّم أنّها من هذه الجهة وجودات خارجيّة و هي لكونها وجودات خارجيّة و زائدة على الذات كما هو معتقدهم، لامحالة ترجع إلى القول الثاني و هو قول الأفلاطون، فإنّه قال: إنّ المثل النوريّة الّتي هي موجودات خارجيّة منفصلة عن الذات علم الواجب.

قوله: انّ للماهيّات ثبوتا علميا بتبع الأسماء ...

توضيح ذلك: أنّ حقيقة الوجود عند الصوفيّة إذا لم تؤخذ معها، أيّ لحاظ خاصّ حتّى لحاظ الإطلاق و اللابشرطيّة تسمّى بـ «الذات» و هذه المرتبة لمّا كانت مستجمعة لجميع الكمالات بنفس ذاتها البسيطة فلها بحسب كلّ كمال موجود فيه محمول عقلي و مفهوم كلّيّ، و الذات إذا أخذت مع كلّ من هذه المحمولات العقليّة و المفاهيم الكلّيّة يقال له: الإسم في عرفهم و نفس ذلك المحمول العقليّ يقال له: الصفة عندهم، مثلاً إذا أخذت الذات بما أنّها ظاهرة بنفسها و مظهرة لغيرها فهي اسم النور و إذا أخذت بما أنّها ما به ينكشف ذاتها لذاتها و كذا كلّ شيء لذاتها فهي اسم العالم، ثمّ إنّ الذات لمّا كانت مأخوذة في الأسماء و الذات جامعة للحقائق الإمكانيّة كلّها فلكلّ اسم خاص بحسب كلّ حقيقة إمكانيّة موجودة فيه، محمول عقليّ و مفهوم كلّيّ متناسبا لتعيّنه الوصفيّ و تلك المفاهيم هي الماهيّات الإمكانيّة الّتي تسمّى في عرفهم بالأعيان الثابتة.

ثمّ الأسماء و الصفات الّتي هي لوازم الذات و الأعيان الثابتة الّتي هي لوازم الأسماء و الصفات ثابتة في مرتبة الذات قبل صدور كلّ شيٌ، فهي لوازم غير متأخّرة عن ملزوماتها و ذلك لأنّ حقائق الأسماء و الصفات و كذا حقائق الممكنات موجودة في مرتبة الذات بنفس وجود الذات فالمفاهيم الكلّيّة و الماهيّات العقليّة الّتي أخذت من تلك الحقائق الموجودة بوجود الذات مرتبتها مرتبة الذات.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الأعيان الثابتة الّتي هي لوازم الأسماء و الصفات و غير متأخّرة عن الذات هي الّتي تعلّق بها علم الواجب قبل الإيجاد عند الصوفيّة.

قوله: و فيه أنّ أصالة الوجود و اعتباريّة الماهيّات ...

توضيحه: أنّ المراد بثبوت الماهيّات بتبع الأسماء إن كان هو ثبوت الماهيّات بذاتها لا بعرض الوجود (كما هو الظاهر من قولهم) فذلك باطل على ما تقدّم من أصالة الوجود و اعتباريّة الماهيّة و إن كان المراد ثبوت الماهيّات بعرض الوجود لا بذاتها ففيه: أوّلاً أنّ ثبوت الماهيّة بهذا الوجه ثبوت اعتباريّ و بالعرض فلا يمكن أن يكون متعلّقا لعلمه الواقعيّ، و ثانيا أنّ الوجود الّذي به تكون الماهيّات ثابتة إن كان هو الوجود المختصّ بالماهيّة فذلك خلاف المفروض، لأنّ البحث في علم الواجب قبل الإيجاد فلا وجود خاصّا حتّى تكون الماهيّات ثابتة به و إن كان هو الوجود البسيط الجمعيّ لذاته و أسمائه ففيه: أنّ الماهيّة حدّ و نقص فلا تنتزع من الوجود الصرف الّذي لا نقص فيه فتدبّر.
 

الفصل الثانى عشر

في العناية و القضاء و القدر
قوله: إيجابا علميّا يتبعه إيجابه الخارجيّ ...

توضيح ذلك: أنّه إذا قضى القاضي بأنّ الحقّ لزيد ـ مثلاً ـ تحقّق هناك وجوبان: وجوب علميّ و هو العلم بأنّ الحقّ لزيد بالضرورة و الوجوب، و وجوب عينيّ و هو رفع التزلزل الموجود بين المتخاصمين في الخارج و لكل من هذين الوجوبين اعتباران: اعتبار كلّ منهما في نفسه، و اعتبار انتساب كلّ منهما إلى القاضي؛ و بالاعتبار الثاني كان الوجوب العلميّ إيجابا علميّا و الوجوب العينيّ إيجابا عينيّا.
ثمّ الإيجاب العلميّ (و هو العلم بوجوب الحقّ لزيد المستند إلى القاضي) يستتبع الإيجاب العينيّ (و هو وجوب الحقّ لزيد المستند إلى القاضي) لأنّ الخصمين قد جعلا القاضي حاكما بينهما، فحكم القاضي متّبع عندهما، فبحكمه يرتفع التنازع بينهما، فيستقرّ الحقّ لأحدهما بعد تردّده بينهما، فإذن قضاء القاضي عبارة عن إيجاب علميّ يتبعه إيجاب عينيّ و بعبارة أخرى القضاء عبارة عن العلم بالوجوب الغيريّ للشيء بحيث يستلزم و يستتبع ذلك العلم الوجوب الغيريّ لذلك الشيء في الخارج.

قوله: و إذا أخذ هذا المعنى بالتحليل حقيقيّا ...

قد تبيّن أنّ القضاء عبارة عن العلم بالوجوب الغيريّ للشيء بحيث يستلزم ذلك العلم الوجوب الغيريّ لذلك الشيء في الخارج و هذا المعنى قد كان منطبقا على العلم الذاتيّ و الفعليّ فللواجب قضاء ذاتيّ و قضاء فعليّ.
أمّا القضاء الذاتيّ، فلأنّ الأشياء الممكنة ما لم تجب بالغير لم توجد، فالأشياء الممكنة كلّها متّصفة بالوجوب الغيريّ و الأشياء على ما هي عليه معلومة للواجب بالعلم الذاتيّ، فوجوب الأشياء المستند إلى الغير معلوم للواجب بالعلم الذاتيّ الذي هو عين الذات و ذاته المتعالية علّة موجبة للأشياء بلا واسطة أو معها، فإذن للواجب علم ذاتيّ بوجوب الأشياء الغيريّ بحيث يستلزم وجوب الأشياء الغيريّ في الخارج فله تعالى قضاء ذاتيّ.
و أمّا القضاء الفعليّ، فلأنّ الأشياء الممكنة كلّها متّصفة بالوجوب الغيريّ ـ كما تقدّم ـ و الأشياء على ما عليه معلومة لعللها المجرّدة بالعلم، الّذي هو عين ذات العلل، لأنّ العلّة واجدة لما عليه المعلول من الكمالات فإذا كانت العلّة مجرّدة كانت عالمة بمعلولها و كمالاته بعين علمها بذاتها، فوجوب الأشياء معلوم لعللها المجرّدة بالعلم الّذي هو عين ذات العلل و ذات العلل موجبة لمعاليلها، فإذن للعلل المجرّدة علم في مرتبة ذواتها بوجوب الأشياء المعلولة لها بحيث يستلزم وجوب الأشياء الغيريّ في الخارج و هذا العلم لمّا كان عين العلل، و العلل معلومة للواجب في مرتبة ذواتها، فللواجب علم فعليّ في مرتبة العلل بوجوب الأشياء بحيث يستلزم وجوب الأشياء في الخارج.
قوله: فما فيها من الإيجاب قضاء منه تعالى ...
أي فما في العلل المجرّدة من العلم بالوجوب الغيريّ لمعاليلها قضاء فعليّ للواجب، لأنّ الأشياء و علومها معلومة للواجب في مرتبة ذواتها، فللواجب علم فعليّ بالوجوب الغيريّ لمعاليل تلك العلل، و هذا العلم لمّا كان عين العلل و العلل موجبة لوجود معاليلها كان مستتبعا لوجوب المعاليل في الخارج، فيكون هذا العلم علما فعليّا للواجب بوجوب الأشياء الغيريّ بحيث يستتبع وجوبها الغيريّ في الخارج.

قوله: بلا جعل و لا تأثير و تأثر ...

لأنّها موجودة بعين وجود ذاته تعالى فهي لامجعولة بلامجعوليّة الذات.

قوله: و إذا أخذ هذا المعنى بالتحليل حقيقيّا...

حاصله: أنّ الأشياء المادّيّة لاتوجد في أيّ وعاء و لا في أيّ زمان و لا في أيّ وضع، بل لكلّ شيء وعاء خاصّ و زمان معيّن و وضع مشخّص و هذا واضح؛ فإنّ للرؤية «مثلاً حدودا مخصّصة تخصّص وجودها بحال خاصّ و هذه الحدود تأتي من ناحية العلل الناقصة الّتي يخصّص كلّ منها اطلاق الشيء في صفاته و حالاته، و لهذه الحالات المخصّصة صور علميّة مجرّدة في عالم المثال، لأنّ عالم المثال علّة للعالم المادّيّ، فما يوجد في العالم المادّيّ فهي رقائق متنزّلة من حقائق عالم المثال، فلا يوجد في عالم الطبيعة إلاّ ما يعيّنه الحقائق العلميّة المثاليّة، قال‏اللّه‏ الحكيم: «و إن من شى‏ء إلاّ عندنا خزائنه و ما ننزّله إلاّ بقدر معلوم»(1) و هذا هو التقدير، لأنّ التقدير عبارة عن تعيين علميّ لحدود الشيء بحيث يتبعه الشيء في وقوعه.

قوله: فإنّ الإختيار أحد الشرائط ...

فإذن قد قدّر انّ الإنسان يفعل أفعاله عن اختياره فلا يمكن له أن يتخلّف عن هذا التقدير.

قوله: فلا يعمّ ما وراء الطبائع ...

لأنّ لحوق الصفات و الآثار يختصّ بما كان له استعداد لقبول تلك الصفات و هو عالم المادّة دون غيره.

قوله: و هذا قريب المعنى من قولهم: علّة علّة الشي علّة لذلك‏الشيء.

فإنّ عالم المثال و هو عالم الّذي يقدّر فيه لعالم المادّة، معلول للواجب، فما فيه من المقدّرات فهي رقائق متنزّلة من الحقائق المنطوية في مرتبة ذاته المتعالية، فالواجب هو العلّة النهائيّة لتعيّنات الأشياء فليس الممكن مرخي العنان فيما يلحق به من الصفات.

1. سورة الحجر، الاية 21.


 

الفصل الثالث عشر

في قدرته تعالى
قوله: من حيث أنّه هذا الفاعل ...

أي الفاعل علم أنّ الفعل خير له إذا فعله نفسه، فإنّ هذا العلم هو العلم الّذي يبعث الفاعل على الفعل بخلاف علم الإنسان بأنّ الفعل خير له إذا فعله غيره، فإنّ هذا العلم لايبعث الإنسان على الفعل.

قوله: بمعنى أنّ الفعل إنّما يتعيّن له بتعيين منه ...

فالاختيار عبارة عن تعيين الفاعل الفعل عن علمه بخيريّة الفعل.

قوله:فالخير محبوب مطلقا ...

فمتعلّق الحبّ هو الكمال سواء كان موجودا عند المحبّ أو مفقودا بخلاف متعلّق الشوق، فإنّه هو الكمال المفقود عند المشتاق.

قوله: هذا الشوق كيفيّة نفسانيّة غير العلم السابق

إذ قد يعلم الإنسان بخيريّة الفعل و لايشتاق إليه كما أنّ المريض قد يعلم بخيريّة الدواء و لايشتاق إليه لمرارته مثلاً.

قوله: و هي كيفيّة نفسانيّة غير العلم السابق و غير الشوق ...

أمّا أنّ الإرادة غير العلم، فلأنّ الإنسان قد يعلم بخيريّة فعل و لايريده كما أنّ المسجون عالم بخيريّة الفرار عن السجن و مع ذلك لا يريده، لعدم مفرّ عنده، و أمّا أنّ الإرادة غير الشوق فلأنّ الإنسان قد يشتاق إلى ما لايريده كالصائم فإنّه شائق إلى شرب الماء و لا يريده.

قوله: على أنّ الإرادة بهذا المعنى ...

أي الإرادة الّتي توجد فينا هي من صفات الفعل، لأنّها زائدة على ذواتنا و إذا كانت من صفات الفعل كانت عين المراد ذاتا، إذ لو كانت غير المراد ذاتا لكانت نفسها مرادة للفاعل فاحتاجت إلى إرادة فعليّة قبلها، فننقل الكلام إليها، فيذهب الأمر إلى غير النهاية و يتسلسل و هو محال، فالإرادة الفعليّة عين المراد ذاتا فلا توجد قبله أو بعده، و حينئذٍ لو اتّصف الواجب في مرتبة ذاته بهذه الإرادة و كان المراد من الأمور الكائنة الفاسدة لاستلزم أن يكون الواجب متغيّرا في ذاته المتعاليّة و هو محال، فالإرادة بهذا المعنى منتفٍ عن الواجب.

قوله: و هو مختار في فعله بذاته ...

قد تقدّم أنّ الاختيار عبارة عن تعيين الفاعل الفعل عن علمه بخيريّة الفعل، و هذا المعنى موجود في الواجب، لأنّ الواجب عالم بالنظام الأحسن بالعلم الذاتيّ الّذي هو عين ذاته الفاعلة، فهو فاعل يعيّن فعله عن علمه الذاتيّ بخيريّة فعله من غير دخل غيره فيه، فهو مختار بالذات في فعله.

قوله: ما ذكروه في معنى القدرة يرجع إلى ما أوردناه ...

لأنّ قولهم «فَعَل» إشارة إلى المبدئيّة و قولهم: «إن شاء» إشارة إلى العلم لأنّهم يفسّرون الإرادة و مشيّة الواجب بأنّها علم بالنظام الأصلح و أمّا الاختيار فإنّه لازم ما تقدّم من المبدئيّة و العلم بالنظام الأصلح، لأنّ الواجب إذا علم بأصلحيّة النظام عيّنه للإيجاد عن علمه بخيريّة النظام لا بإجبار غيره عليه و هذا هو الإختيار.

قوله: و لا سبيل إلى إثبات ذلك ...

لأنّ مفهوم الإرادة غير العلم و إلاّ كانا متّحدي المصداق فينا، و قد تقدّم أنّ العلم فينا غير الإرادة فإطلاق الإرادة و انطباقها على العلم في الواجب أشبه بالتسمية.

قوله: نعم لنا أن ننتزع الإرادة من مقام الفعل.

سيجيى‏ء في آخر الفصل كيفيّة انتزاعها.

قوله: و لا كيفيّة نفسانيّة هناك ...

إذ الإرادة عين المراد في مقام الفعل كما تقدّم و المراد حقيقة جوهريّة في العقول المجرّدة مثلاً لا كيف نفسانيّ.

قوله: قلت اللفظ كما يطلق و يراد به معناه الحقيقيّ ...

حاصله: أنّ الإرادة المنتزعة من مقام الفعل و إن كانت لها معنى أوسع من الكيفيّة النفسانيّة إلاّ أنّ ذلك المعنى ليس نفس الإرادة بحسب الحقيقة بل هو من لوازم معناها الحقيقيّ، فإنّ الإرادة الّتي فينا كيفيّة نفسانيّة و هي ماهيّة ممكنة و الواجب منزّه عن الإتّصاف بالماهيّة و الإمكان ـ كما تقدّم ـ لكنّه إنّا لانريد شيئا إلاّ إذا نرى أنّ شرائط وجوده موجودة، فبإرادتنا يتمّ أسباب الشيء فتماميّة الشيء من حيث السبب لازم من لوازم الإرادة فينا، فهذا اللازم هو المعنى الأوسع الّذي ننتزعه من مقام الفعل و نأخذه مكان نفس الإرادة و الواجب يتّصف بهذا المعنى، إذ تماميّة الشيء من حيث السبب إذا نسبت إلى الواجب سمّيت إرادة منه و يكون الواجب مريدا كما أنّها إذا نسبت إلى الفعل سمّيت إرادة له و يكون الفعل مرادا.

قوله: و الإرادة المنسوبة إليه تعالى منتزعة من مقام الفعل ...

تقدّم أنّ الواجب لايتّصف بالإرادة بمعناها الحقيقيّ بل الّذي يمكن أن يتّصف الواجب به لازم من لوازم الإرادة و المصنّف احتمل في هذا اللازم أمرين:
الأوّل نفس الفعل الّذي يوجد في الخارج، فإنّ لازم تعلّق الإرادة بالشيء تحقّق ذلك الشيء، إذ الإرادة لا تتعلّق بالشيء إلاّ بعد وجود شرائطه، فتعلّق الإرادة بالشيء و العزم عليه يوجب تحقّقه في الخارج و لذا يمكن أن نجعل الإرادة المنسوبة إلى الواجب هذا اللازم، فالفعل الّذي يوجد في الخارج إرادة من الواجب.
و الثاني تماميّة الشيء من حيث السبب، فإنّ الإرادة لاتتعلّق بالشيء إلاّ بعد وجود شرائطه فبالإرادة يتمّ أسباب الشيء و يحضر علّته التامّة، فتماميّة الشيء بلحاظ سببه و حضور علّته التامّة هي من لوازم الإرادة، فنجعل الإرادة المنسوبة إلى الواجب هذا اللازم.
 

الفصل الرابع عشر

في أنّ الواجب تعالى مبدأ لكلّ ممكن موجود
قوله: إنّ الواجب تعالى مبدأ لكلّ ممكن موجود

إنّ المنكرين للتوحيد الأفعاليّ طائفتان فطائفة منهم يقولون بأنّ المبدأ الأوّل للممكنات متعدّد و هذا كالثنويّة، فإنّهم قائلون بأنّ للخيرات مبدأ أوّل و هو «يزدان» و للشرور مبدأ أوّل آخر و هو «أهريمن»؛ و طائفة منهم يقولون بأنّ المبدأ الأوّل واحد لكن معلولات ذلك المبدأ الواحد مستقلاّت في الفعل و هذا كالمعتزلة فإنّهم قائلون بأنّ الأفعال الاختياريّة مخلوقة للعباد و ليس للواجب تعالى فيها شأن، و المباحث الّتي في هذا الفصل تبطل مقالة الطائفة الثانيّة كما أنّ المباحث الّتي في الفصل السادس تبطل مقالة الطائفة الأولى.

قوله: فالذوات و ما لها من الصفات و الأفعال أفعال له ...

توضيحه: أنّ الفاعل بالذات حيثيّة فاعليّته عين ذاته، إذ لو لم يكن عين ذاته لكان فاعليّته في مرتبة مؤخّرة عن ذاته، فلم يكن الفاعل فاعلاً بالذّات بل يكون فاعلاً بوصفه العارض المؤخّر عن ذاته و هذا خلاف المفروض.
فعلى هذا إذا كان الوجود الإمكانيّ موجدا لشيء كان حيثيّة فاعليّة عين ذاته لكن ذاته وجود رابط بالنسبة إلى الواجب غير مستقلّ عنه فتكون فاعليّه التى هى عين ذاته التعلّقيه أيضا غير مستقلّ عنه و عن فاعليّته التي هي عين ذاته المتعالية فإذن كما أنّه لا استقلال لوجود الممكنات بل كانت وجوداتها من شؤون وجود الواجب فكذلك لا استقلال لفاعليّة الممكنات بل كانت فاعليّتها من شؤون فاعليّة الواجب.

قوله: فهو تعالى فاعل قريب لكلّ شيء

إذ قد تبيّن أنّ فاعليّة كلّ شيء من الممكنات من شؤون فاعليّة الواجب فهو الفاعل الحقيقي لكلّ شيء.
حجّة أخرى أنّ الفاعل بالذات حيثيّة فاعليّته عين ذاته كما تقدّم آنفا ففاعليّة الواجب عين ذاته و ذاته صرف غير مركّب من الوجدان و الفقدان ففاعليّة الواجب صرف غير مركّب من الوجدان و الفقدان فلو كان الواجب فاعلاً قريبا للصادر الأوّل و لم يكن فاعلاً قريبالسائر الممكنات لكان ذاته الفاعلة مركّبة من الفاعليّة و اللافاعليّة و هذا ينافي صرافة وجوده البسيط فإذن الواجب بفاعليّته الواحدة فاعل قريب لكلّ ممكنات فـ «ما من دابّة الاّ هو آخذ بناصيّتها».
فإن قلت هذا ينافي ما تقدّم من أنّ الواحد لا يصدر عنه الاّ الواحد.
قلت كما أنّ فاعليّة كلّ فاعل من شؤون فاعليّة الواجب كذلك معلوليّة كلّ معلول من شؤون معلوليّة المعلول الصادر عن الواجب لانّ الواجب إذا كان علّة قريبة لكلّ شيء كان كلّ شيء وجودا رابطا بالنسبة إلى الواجب بلا واسطة و لمّا كان هذا المعنى (أى الربطيّة إلى الواجب) تمام هويّة كلّ شيء كان هذا المعنى صرفا غير مخلوط بغيره و صرف الشيء واحد لا يتكرّر و جامع بوجوده الواحد لجميع ما هو من سنخه فهذا المعنى واحد جامع بوجوده الواحد لجميع ما هو من سنخه فالمعاليل المتعدّدة المتكثّرة راجعة إلى معلول واحد جامع فلم يصدر من الفاعل الواحد الجامع لكلّ الفواعل الاّ المعلول الواحد الجامع لكلّ المعاليل فلا إشكال.

حسن روى تو به يك جلوه كه در آينه كرد                                 اين همه نقش بر آيينه‏ى أوهام افتاد
اين همه عكس مى و نقش مخالف كه نمود                             يك فروغ رخ ساقى است كه در جام افتاد

قوله: فهو الاستقلال الواجبيّ

و ذلك لأنّ أوصافه الذاتيّة عين ذاته و ذاته وجود صرف غيرمركّب من الوجدان و الفقدان فلو لم يكن استقلال كلّ علّة إمكانيّة من شؤون استقلاله الذاتيّ لكان استقلاله الذاتيّ استقلالاً محدودا فلم يكن استقلالاً محضا و غنى صرفا بل هو مركّب من وجدان و فقدان و هذا ينافى صرافة وجوده البسيط الذى هو عين استقلاله الذاتيّ فإذن استقلال كلّ علّة إمكانيّة من شؤون الإستقلال الواجبيّ.

قوله: لا منافاة بين كونه تعالى فاعلاً قريبا ...

إذ التنافى عبارة عن تقابل الحكمين في موضوع مشترك بأن يقال زيد عالم و ليس بعالم مثلاً و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل لأنّ البرهان الثاني قد سلك فيه من طريق نفي الموضوع في البرهان الأوّل لا من طريق نفي حكمه مع بقاء موضوعه إذ قد حكم في البرهان الأوّل بالترتّب و القرب و البعد و موضوع هذا الحكم هي النفسيّة و الإستقلال التي تعتبر فى البرهان الأوّل لوجود الماهيّات (إذ المدار في البرهان الأوّل الماهيّات و كلّ ماهيّة ممتازة و منحازة عن الأخرى فوجود كلّ ماهيّة ممتاز و منحاز عن الآخر فيعتبر لكلّ وجود منحاز استقلال بالنسبة إلى معلوله) و البرهان الثاني لم ينف فيه الترتّب و القرب و البعد مع حفظ النفسيّة و الاستقلال بل قد نفى فيه النفسيّة و الاستقلال التي هي شرط تحقّق الترتّب و موضوع له أي لا يكون هناك نفسيّات متعدّدة حتّى يحكم فيها بالترتّب و قرب بعضها بالنسبة إلى بعض و بعد بعضها بالنسبة إلى بعض و بالجملة البرهان الثانى ليس معارضا للبرهان الأوّل بل كان واردا عليه على اصطلاح الأصوليّين.

قوله: و من الواضح أن لا تدافع بين استناد الفعل ...

بيانه يتوقّف على أمرين.
الأوّل أنّ حقيقة الوجود كما تقدّم في المرحلة الأولى واحدة في عين أنّها كثيرة و كثيرة في عين انّها واحدة فالوحدة و الكثرة كلتاهما متحقّقتان في حقيقة الوجود.
الثاني أنّ الفاعليّة من الحيثيّات التي هي عين وجود الفاعل بالذات و إلاّ لم يكن الفاعل بالذات فاعلاً بالذات بل يكون فاعلاً بوصفه العارض المؤخّر عن ذاته و هذا خلف.
إذا عرفت هذين نقول كما أنّ الوحدة و الكثرة متحقّقتان في حقيقة الوجود كذلك أنهما متحقّقتان في حقيقة الفاعليّة إذ الفاعليّة عين وجود الفاعل فإذا كان وجودات الفواعل متكثّرة بلحاظ تحقّق الكثرة في حقيقة الوجود و واحدة بلحاظ تحقّق الوحدة فيها كانت حيثيّة الفاعليّة التي هي عين وجود الفاعل متكثّرة بلحاظ كثرة الوجود و واحدة بلحاظ وحدة الوجود فحيثيّة الفاعليّة كحقيقة الوجود واحدة في عين أنّها كثيرة و كثيرة في عين أنّها واحدة فبلحاظ الوحدة لم يكن فاعليّة العبد مغايرة  لفاعليّة الواحب بل فاعليّة بعين فاعليّت الواجب كما أنّ وجوده بوجوده و بلحاظ الكثرة فاعليّة العبد مغايرة لفاعليّة الواجب كما أنّ وجوده مغاير لوجوده ممتاز عنه و من هنا يمكن الجمع بين التوحيد الأفعاليّ و استحقاق العبد للثواب و العقاب فانّ الوحدة فى حيثيّة الفاعليّة تستلزم التوحيد الافعالىّ كما أنّ الكثرة فيها تستلزم إمتياز فاعليّة العبد عن فاعليّة الواجب فيكون العبد مستحقّا للثواب و العقاب بفاعليّته لا بفاعليّة الواجب.

قوله: فله أن يترك الفعل و لو أراده الواجب

هذا محال لأنّ الإرادة لا تتعلّق بالمحال فلو لم يتعلّق إرادة العبد بفعل إراديّ كان ذلك الفعل الإراديّ ممتنع الوقوع بعدم تحقّق جزء من علّته و هو إرادة الإنسان و الممتنع و لو بالغير لا يتعلّق به الإرادة فلا يمكن تعلّق إرادة الواجب بفعل إراديّ لا يريده العبد.

قوله: بانّه فاعل مسخّر ...

أيّ الإنسان و فعله الصادر منه كلاهما فعل الواجب تعالى، ففاعليّة الإنسان في طول فاعليّة الواجب، لا في عرضه حتّى لا تجتمعا، فكما يصحّ أن يقال: إنّ الإنسان فاعل لفعله الصادر منه، كذلك يصحّ أن يقال: إنّ الواجب فاعل للفعل الصادر من الإنسان، لأنّ علّة علّة الشيء علّة لذلك الشيء.

قوله: لا بالفعل من غير تقيّد بالإختيار ...

توضيحه: إنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد وتشخّص الشيء هو وجوده الخاصّ به، و الوجود الخاصّ بالشيء رهين بمباديه الخاصّة القريبة و المتوسطة و البعيدة، إذ لا استقلال للمعلول من نفسه، فتعلّق الإرادة بكلّ فعل متشخّص لايمكن إلاّ بتعلّق الإرادة بمباديه الخاصّة و من المبادي في فعل الإنسان اختياره، فالإرادة الإلهيّة إذا تعلّقت بفعل الإنسان تعلّقت به من طريق اختيار الإنسان، فلا يلغو الإختيار في الإنسان بل هو دخيل في عمله.

قوله: و البرهان يدفعه ...

فإنّ القدرة صفة ذاتيّة للواجب فهي عين ذاته و ذاته صرف الوجود غير مركّب من الوجدان و الفقدان، فلو كانت قدرته قدرة مقيّدة لكانت ذاته المتعالية الّتي هي متّحدة مع  قدرته، مقيّدة فخرجت ذاته البسيطة عن صرافة الوجود و محوضته و هذا باطل كما تقدّم.

قوله: بمعنى قيام العرض بموضوعه ...

أي كما أنّ إيجاد العرض لايمكن إلاّ من طريق موضوع جوهريّ يتقوّم به، كذلك إيجاد أفعالنا لايمكن إلاّ من طريق استنادها بذواتنا المختارة.

قوله: فيدفعه أنّ الشرور الموجودة ...

إعلم أنّ الشرور قسمان: قسم يؤخذ في معناه الكمالات الحقيقيّة كالموت الّذي هو سلب الحياة و الحياة من الكمالات الحقيقيّة؛ و قسم يؤخذ في معناه الكمالات الإعتباريّة كالسرقة فانّها سلب مال الغير و الماليّة من الأمور الإعتباريّة الّتي لاوجود لها في الخارج، أمّا القسم الأوّل من الشرور فسيّأتي الجواب عنه في الفصل الثامن عشر مفصّلاً كما أشير إليه هنا مجملاً ـ ؛ و أمّا القسم الثاني منها فيمكن الجواب عنه بأنّ هذه الشرور بما هي شرور غيرموجودة في الخارج لأنّه أخذ في معانيها أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج، فإنّ السرقة مثلاً بما هي سرقة لا وجود حقيقيّا لها في الخارج، لأنّ الملكيّة المعتبرة في معناها من الأمور الإعتباريّة الّتي لا وجود حقيقيّا لها في الخارج، فلا وجود للسرقة بما هي سرقة بل الموجود في الخارج من أعمال السارق إنّما هي حركات فقط و كذا الزنا مثلاً، فإنّ الزنا بما هي زنا غير موجودة في الخارج، لأنّ معناها متوقّف على معنى الزوجيّة و هي من الأمور الإعتباريّة الّتي لا وجود لها في الخارج فإذن لا وجود حقيقة لهذه الشرور بما هي شرور حتّى يستند وجودها إلى الواجب فينافي طهارة ساحته عن كلّ نقص و شين، نعم إنّها لا بما هي شرور، حركات موجودة في الخارج و يمكن استنادها إلى الواجب كسائر الأفعال.

قوله: و حقيقة وساطة الوسائط ترجع إلى ...

قد أثبتنا في الفصل السادس أنّ جميع ما في العالم مع كثرته يرجع إلى حقيقة واحدة، فالعالم وجود واحد، فكلّ جزء موجود في هذه الحقيقة الواحدة مرتبط بغيره ارتباطا يقيّد وجود بعض الأجزاء ببعض، فإيجاد كلّ جزءٍ من هذه الحقيقة الواحدة لا يتمّ إلاّ بوساطة سائر الأجزاء الّتي ارتبط بها ذلك الجزء، فوجود ذلك الجزء كما أنّه يتوقّف على فاعل الكلّ يتوقّف على سائر الأجزاء الّتي ارتبط بها وجوده، فهو كما أنّه معلول للواجب الّذي هو فاعل الكلّ، كذلك هو معلول لتلك الأجزاء أيضا.

قوله: فيكفي في دفعه ما تقدّم في مرحلة العلّة و المعلول ...

إن كان المراد ممّا تقدّم ما ذكره المصنّف في الفصل الأوّل من المرحلة الثامنة تحت عنوان «الفصل الأوّل في إثبات العلّيّة و المعلوليّة ...» كما هو الظاهر، ففيه أنّ الأشاعرة لا ينكرون أصل العلّيّة و المعلوليّة بل أنكروا ذلك الأصل بين الأشياء الممكنة و ما تقدّم في مرحلة العلّة و المعلول في ذلك الفصل إنّما أثبت أصل العلّيّة و المعلوليّة و أمّا أنّ هذا الأصل جارٍ بين الممكنات فلم يثبت به، فلا يكفي في دفع مقالتهم ما تقدّم هناك.
نعم ما تقدّم هناك بضميمة قاعدة صدور الواحد يبطل مقالتهم، فإنّ الواجب واحد فلايصدرعنه إلاّ الواحد، فيجب أن يتحقّق أصل العلّيّة و المعلوليّة بين الصادر الأوّل و شيء آخر من الممكنات و هو المطلوب.

قوله: لم يكن لنا سبيل إلى إثبات فاعل لها ...

فإنّ في عالم الممكنات أشياء كثيرة، فلا يمكن أن يصدر كلّها من الواجب، لأنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد، فلو لم يكن تلك الأشياء صادرة من العلل الممكنة لاستلزم ذلك أن تكون تلك الأشياء الممكنة موجودة بلا علّة و لو جاز هذا لجاز وجودها من دون احتياج إلى الواجب، فلم يكن لنا سبيل إليه فتدبّر.

قوله: إذ لو لم يقع كان علمه جهلاً ...

قال الخيام في البيتين المنسوبين إليه:

من مى‏خورم و هركه چو من أهل بود                             مى خوردن من نزد خرد سهل بود
مى خوردن من حق ز أزل مى‏دانست                             گر مى نخورم علم خدا جهل بود

قوله: و يعارضه أنّ فعل المعصية معلوم للواجب ...

يمكن الجواب عن استدلالهم بوجهين: أحدهما معارضة دليلهم بدليل آخر كما فعل المصنّف؛ و ثانيهما حلّ إشكالهم؛ أمّا الوجه الأوّل فيقال؛ إنّ فعل المعصية معلوم للواجب بجيمع خصوصيّاته و من خصوصيّاته أنّه فعل اختياريّ، فلو لم تقع المعصيّة عن اختيار لكان علمه جهلاً و هو محال. و أمّا الوجه الثاني فيقال: إنّا نمنع منافات ضرورة الوقوع لاختياريّة الفعل، فإنّ فعل المعصية معلوم للواجب بجميع خصوصيّاته و من خصوصيّاته أنّه فعل اختياريّ، فللواجب علم ازليّ بضرورة وقوع الفعل عن إختيار و هذا لاينافي الإختيار، لأنّ ضرورة وقوع الفعل عن الاختيار لا ينافي الإختيار.

قوله: فلو عاد هذا الوجوب و اثّر في العلّة ...

و الحاصل: أنّ وجوب الفعل بالغير متوقّف على إيجاب الغير له، فلو أثّر وجوب الفعل في المؤثّر بأن يلزمه عليه و يكون سببا لإيجابه له لدار و هو محال، فالواجب بالذات موجب (بالكسر) لا موجب (بالفتح) و وجوب الفعل وجوب عن الواجب لا على الواجب.
 

الفصل الخامس عشر

في حياته تعالى
قوله: لأنّا نجوّز مفارقة العلم الحياة ...

فإنّ كون الشيء بحيث يدرك و يفعل ليس معناه فعليّة الإدراك و الفعل بل معناه شأنيّة الإدراك و الفعل، فيمكن في بعض الأحيان أن لا يكون لذي الحياة الإدراك و الفعل بالفعل.
إن قلت: إن كان العلم و القدرة من لوازم الحياة، فكيف يتصوّر مفارقتهما الحياة، و اللازم لا يفارق الملزوم.
قلت: اللازم للحياة هو العلم بوجوده الشأنيّ لا بوجوده الفعليّ و ما يفارق الحياة هو العلم بوجوده الفعليّ لا الشأنيّ، فلا تهافت بين الكلامين.
إن قلت: المدّعى عبارة عن تغاير الحياة والعلم الشأنيّ و الدليل يثبت تغاير الحياة و العلم الفعليّ على ما قلتم، فالدليل لا يطابق المدّعى.
قلت: المدّعى عبارة عن التغاير بين حقيقتي الحياة و العلم، و إذا ثبت تغايرهما في بعض الصور ثبت المطلوب، إذ لو كان العلم عين الحياة بحسب الحقيقة لا يمكن التفرقة بينهما أصلاً.

قوله: فهو تعالى حيّ بذاته ...

لأنّ الواجب كان بحيث يدرك الأشياء بذاته و يوجدها بذاته، فله حيثيّة الحياة ثم حياته موجودة في مرتبة ذاته، لأنّ إدراكه و قدرته موجودان في مرتبة ذاته، فحياته الّتي هي ملاك لهما أولى بأن تكون في مرتبة ذاته فهو حيّ بذاته.
 

 

الفصل السادس عشر

في الإرادة و الكلام
قوله: أمّا الإرادة فقد تقدّم القول فيها ...

كان حاصله: أنّ الإرادة كيفيّة نفسانيّة و هي ماهيّة ممكنة و الواجب منزّه عن الإتّصاف بالماهيّة و الإمكان.

قوله: فهو موجود إعتباريّ.

لأنّ اللفظ الموضوع وجود ادّعائيّ للمعنى و لذا يسري حسن المعنى و قبحه إليه، فاللفظ بلحاظ وضعه للمعنى موجود اعتباريّ و إن كان بلحاظ كونه صوتا من الموجودات الحقيقيّة.

قوله: و الإجمال فيه عين التفصيل ...

لمّا كان وجوده بسيطا مطلقا و بسيط الحقيقة واجد في مرتبة ذاته لكلّ الصفات الكماليّة كان تفاصيل صفاته الكماليّة الّتي هي عين ذاته البسيطة كاشفة عن إجمال ذاته و بساطة هويّته، فهو متكلّم في مرتبة ذاته.

قوله: إرجاع حقيقة معناه إلى نحو من معنى القدرة ...

لأنّ منشأ كمالاته الذاتيّة الّتي هي كاشفة عن إجمال ذاته، نفس ذاته البسيطة العالمة لأنّ ذاته بسيطة مطلقا و بسيطة الحقيقة واجدة لكلّ الكمالات في مرتبة ذاتها، فمعنى أنّ الواجب متكلّم في مرتبة ذاته هو أنّ ذاته البسيطة العالمة مبدأ و منشأ لكمالاته الذاتيّة الكاشفة و قد تقدّم أنّ المبدئيّة عن علم هي القدرة، فكلامه الذاتيّ  يرجع إلى قدرته الذاتيّة.
 

الفصل السابع عشر

في العناية الإلهيّة بخلقه
قوله: و هذا المعنى هو المسمّى بالعناية ...

أي العلم بأحسنيّة الفعل بحيث يوجب اهتمام الفاعل به وصدوره عنه على الوجه الأحسن.

قوله: و الواجب تعالى غنيّ الذات ...

تقدّم أنّ العناية عبارة عن العلم بأحسنيّة الفعل بحيث يوجب اهتمام الفاعل به و صدوره عنه على الوجه الأحسن و هذا العلم موجود في الواجب؛ لأنّ له علما ذاتيّا بكلّ شيء فله علم بالخصوصيّات الّتي بها يصير النظام أحسن و هذا العلم لمّا كان عين ذاته و ذاته علّة لما سواها كان علمه الذاتيّ بالنظام الأحسن موجبا لصدور النظام على الوجه الأحسن، فله تعالى عناية بخلقه إلاّ أنّ بين العناية في الواجب و الفواعل الناقصة فرقا و هو أنّ الداعي في صدور الفعل و الإهتمام به في الفواعل الناقصة المستكملة هو رفع الحاجة و طرد النقص و لذا كلّما قويت الحاجة زاد الإهتمام، فإذا علم الفاعل بأنّ الفعل الفلانيّ يرفع عنه حاجة و يطرد عنه نقصا علم بخيريّة ذلك الفعل فيهتمّ به فيوجده لرفع حاجته و طرد نقصه و هذا بخلاف الواجب، فإنّه غنيّ بالذات و له كلّ كمال في مرتبة ذاته فلا غاية و لا داعي له وراء ذاته الكاملة و إلاّ صار ناقصا.

قوله: فغايتها في فعلها ذواتها ...

لأنّ المجرّد التامّ إذا أمكن له شيء بالإمكان العامّ فهو حاصل له بالوجوب، إذ ليس فيه حالة منتظرة، فإذا أمكن له الفاعليّة ثبت له هذه الفاعليّة بالوجوب، فلا يحتاج تحقّق فاعليّته إلى غاية زائدة على ذاته إذ لو أحتاج إلى غاية زائدة لكان فاعليّته بالإمكان الخاصّ لا بالوجوب و هذا ينافي فرض تمام ذاته.

قوله: و بالحقيقة غايتها في فعلها الواجب عزّ اسمه ...

لأنّ الغاية في فعل الواجب ذات الواجب و ذات الواجب صرف بسيط، فغاية الواجب صرف بسيط و صرف الشيء لا يتثنّى و لا يتكرّر، فلا يوجد هناك غايات متعدّدة بل يوجد في الحقيقة غاية واحدة و هي ذات الواجب فغايات الممكنات في أفعالها من شؤون غاية الواجب في فعله كما أنّ وجوداتها من شؤون وجوده.

قوله: لأنّه رقيقة العلم الّذي لا سبيل للضعف و الفتور إليه.

فإنّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة مشكّكة، فمراتبها الدانية من سنخ المراتب العالية و لا فرق بين حقيقة المراتب العاليّة و الدانية إلاّ بالشدّة و الضعف، فالكمالات الموجودة في المراتب العالية موجودة في المراتب الدانيّة بنحو أضعف. ثمّ إنّ الواجب الّذي هو المرتبة العالية في حقيقة الوجود، له كلّ كمال و جمال ممكن، فيجب أن يكون جميع تلك الكمالات و الجمالات موجودة في المراتب الإمكانيّة الّتي هي مراتب ضعيفة من المرتبة الّتي لها كلّ كمال و جمال ممكن فكما أنّ الواجب أجمل شيء في المرتبة الواجبيّة كذلك العوالم الإمكانيّة أجمل شيء في المراتب الإمكانيّة فالعالم العقليّ الّذي هو أعلى المراتب الإمكانيّة، أحسن نظام ممكن في مرتبة الوجود العقليّ ثمّ العالم المثاليّ الّذي هو أضعف من العالم العقليّ و أشدّ من العالم المادّيّ، أحسن نظام ممكن في مرتبة الوجود المثالي، ثمّ العالم المادّيّ الّذي هو أضعف المراتب، أحسن نظام ممكن في مرتبة الوجود المادّيّ.

قوله: و قد تقدّمت إلى ذلك اشارة و سيجيء ...

تقدّم البحث عنه في الفصل الثالث من المرحلة الحاديّة عشرة و سيأتي في الفصل التاسع عشر من هذه المرحلة.
 

الفصل الثامن عشر

في الخير و الشرّ ...
قوله: الخير مايطلبه و يقصده و يحبّه كلّ شيء ...

الخير إمّا أن يكون بالقياس و هو ما يكون سببا لكمال وجوديّ في الغير و إمّا أن يكون بالذات و هو ما يكون كمالاً أوّلاً أو ثانيا للشيء نفسه، فكلّ علّة وجوديّة خير بالمعنيين، لأنّ كلّ علّة سبب لوجود معلولها و موجب لكماله الوجوديّ فهي خير بالقياس إلى معلولها و كذا كلّ علّة وجوديّة خير بالذات لأنّ وجودها لنفسها كمال أوّل لها فهي خير لنفسها. ثمّ لمّا كان الواجب وجودا صرفا غيرمشوب بالعدم و كمالاً محضا غير مركّب من الوجدان و الفقدان كان خيرا محضا بالذات و كذا لمّا كان الواجب علّة لجميع ما سواه فهو خير بالقياس إلى جميع ما سواه، فقول: المصنّف «الخيرما يطلبه و يقصده و يحبّه كلّ شيء» إشارة إلى الخير القياسيّ في الواجب، فإنّ الواجب هو الّذي يطلبه و يقصده و يحبّه كلّ شيء و يتوجّه إليه كلّ شيء بطبعه، لأنّ الواجب هو القيّوم الّذي يتقوّم به كلّ شيء في كمالاته الأوليّة و الثانويّة فكلّ شيء بإقتضاء جبليّ يطلبه لرفع عدمه و لطرد نقصه فهو خير بالقياس إلى كلّ شيء.

قوله: فهو عدم ذات أو عدم كمال ذات ...

هذا تعريف للشرّ بالذات فلايرد عليه أنّ بعض الشرور من الأمور الوجوديّة لأنّ تلك الأمور خيرات بالذات و شرور بالعرض كما سيأتي توضيحه، فإنّ البرد المفسد للثمار مثلاً من كمالات الأجسام الطبيعية و الشرّ الحقيقيّ هو زوال الثمرة.

قوله: و الدليل على أنّ الشرّ عدم ذات ...

توضيحه: أنّ الشرّ لو كان أمرا وجوديّا لكان إمّا شرّا لنفسه أو شرّا لغيره، و على أيّ تقدير إمّا أن يكون ذلك الأمر مضرّا للشيء الّذي هو شرّ بالنسبة إليه أو لا يكون مضرّا له، فالشقوق المحتملة أربعة.
الأوّل و الثاني أن يكون ذلك الأمر الوجوديّ شرّا لنفسه أو لغيره، لكنّه غير مضرّ لهما و هذان الاحتمالان باطلان بالضرورة؛ فإنّ الشيء لو لم يوجب ضررا في شيء بأن لم يكن معدما لذاته و لا لكمال ذاته لم يكن شرّا بالنسبة إليه و لذا إذا سخّر الإنسان السيل مثلاً بحيث لا يوجب هلاكا للعباد و لا خرابا للبلاد و غيرها، لم يكن شرّا بل كان مفيدا.
و الثالث أن يكون ذلك الأمر الوجوديّ شرّا لنفسه و مضرّا لنفسه و هذا الإحتمال أيضا باطل بالضرورة، لأنّ الشئ لا يضرّ بنفسه أي لايكون معدما لنفسه و الاّ يلزم من وجوده عدمه، فلا يوجد من رأس و لا يكون معدما لكمال نفسه، إذ بين الشيء و كماله رابطة وجوديّة، فإنّ الشيء مسانخ لكماله و ملائم له لا مطارد له و أيضا العناية الإلهيّة توجب إيصال كلّ شيء إلى كماله، فكلّ شيء طالب بطبيعته لكماله لا طارد له.
و الإحتمال الرابع أن يكون ذلك الأمر شرّا للغير و مضرّا له بأن يكون معدما لذاته أو لكمال ذاته و هذا الإحتمال باطل أيضا، لأنّ المفروض أنّ الشرّ هو ذلك الأمر الوجوديّ لكنّه في الحقيقة الشرّ هو العدم الحاصل في الغير، إذ لو لا العدم في الغير لم يكن هناك ضرر، فلم يكن هناك شرّ فملاك الشرّ هو العدم لا الوجود و قد فرض خلافه.
فإن قلت: نختار أنّ السيل مثلاً شرّ بما أنّه معدم لكمال الغير، لكن الأعدام وصف وجوديّ، لأنّ الإعدام عبارة عن سببية الشيء للعدم و السببيّة وصف وجوديّ.
قلت: إنّ الإعدام من الصفات الفعليّة الّتي يحتاج تحقّقها إلى اعتبار عدم شيء ممكن و لذا لو لم يكن عدم لم يكن إعدام، فلوكان الإعدام وصفا وجوديّا لاحتيج إلى سببيّة أخرى لإيجاده، و المفروض أنّ سببيّة السبب وصف وجوديّ زائد، لأنّها من صفات الفعل فتحتاج إلى سببيّة أخرى و هلّم جرّا فيتسلسل؛ فإذن ثبت أنّ الأعدام  ليس وصفا وجوديّا بل هو عين العدم ذاتا، فإنّ المعدوم الممكن بإعتبار نفسه كان عدما و بإعتبار إنتسابه إلى الغير كان إعداما كما أنّ الموجود الممكن باعتبار نفسه كان وجودا و باعتبار انتسابه إلى الغير كان إيجادا كما تقدّم.

قوله: فإنّ قلت إنّ الألم من الإدراك ...

حاصل الإشكال: أنّ الألم ـ مع أنّه شرّ بالذات بالضرورة ـ أمر وجوديّ، لأنّه إدراك زوال الاتّصال مثلاً لا نفس زوال الاتّصال الّذي هو أمر عدميّ، فكون هذا الأمر الوجوديّ شرّا بالذات يناقض قول الحكماء: «إنّ الشرّ بالذات عدميّ» و هذا الإشكال للمحقّق الدوانيّ و أجاب عنه صدر المتألّهين بأنّ الألم إدراك حضوريّ لا حصوليّ و الإدراك الحضوريّ عين المدرك، فالألم الّذي هو إدراك زوال الاتّصال مثلاً عين الزوال، فهو و إن كان نوعا من الإدراك لكنّه من أفراد العدم، فيكون شرّا بالذات فلا ينتقض قولهم بأنّ الشرّ بالذات عدميّ.
و المصنّف اعترض على هذا الجواب(1) بأنّ كون الألم إدراكا حضوريّا غير مطّرد و الشاهد عليه أنّ الحسّ كثيرا ما يخطي في مدركه اللذيذ أو المولم و لا معنى للخطاء في المعلوم الحضوريّ. و أيضا إنّ الألم قد يحصل للإنسان من الإدراك بالتصديقات الخياليّة غير الواقعيّة كالألم الّذي يحصل لمن إدرك موت حبيبه إدراكا تخيّليّا كاذبا، فلو كان الألم علما حضوريّا لما حصل له الألم، إذ المدرك و هو موت الحبيب غير موجود واقعا.

قوله: لكن له ثبوت على حدّ ثبوت أعدام الملكات ...

قال المحقّق السبزواريّ: ثمّ في قوله «لكن له ثبوت على نحو ثبوت أعدام الملكات» وقوع فيما هرب عنه، إذ حينئذٍ يكون الشرّ وجوديّا.

1. راجع: تعليقة المصنّف على الاسفار: 7 / 63 و: 6 / 160.

قوله: في مرتبة النفس الجامعة لا في مرتبة البدن المادّيّة ...

متعلّق بقوله «فقدها» أي النفس تدرك عند زوال الاتّصال فقد كمالها الموجود في مرتبة النفس لا فقد كمال للبدن المادّيّ.
بيان ذلك: أنّ النفس لكونها صورة أخيرة للإنسان، جامعة لجميع كمالات النوع الإنسانيّ فكمالات بدن الإنسان موجودة في مرتبة النفس بنحو تناسب وجود النفس، فالإتّصال الموجود في العضو الّذي هو كمال للعضو، موجود في مرتبة النفس بنحو أعلى فاذا زال الإتّصال بمرتبته المادّيّ عن البدن زال هذا الكمال بمرتبته الّتي تناسب النفس عن النفس الجامعة، و هذا الكمال الزائل في مرتبة النفس الجامعة هو الّذي يدركه النفس بالعلم الحضوريّ عند الألم لا الكمال الزائل في مرتبة البدن المادّيّة ثم إنّ المدرَك إنّما يكون زوال الكمال بمرتبته النفسانيّة لا بمرتبته البدنيّة، لأنّ المعلوم بالعلم الحضوريّ يجب أن يكون مجرّدا.

قوله: ثمّ إنّ الشرّ لمّا كان هو عدم ذات ...

الشرّ عدم الكمال لكن لا عدم كلّ كمال بل عدم كمال من شأن موضوعه وجدان ذلك الكمال، فإنّ عدم الحلاوة شرّ بالنسبة إلى التمر مثلاً الّذي من شأنه أن يكون ذا حلاوة لا بالنسبة إلى الملح الّذي ليس من شانه أن يكون ذا حلاوة، فإذن الشرّ عدم الكمال عمّا من شأنه وجدان ذلك الكمال.
و من هذا يتفرع أوّلاً أنّ العدم الّذي هو شرّ هو العدم المفارق لا العدم اللازم للشيء، إذ الأعدام اللازمة هي الأعدام الّتي تقتضيها الأشياء بذواتها، فلايكون من شأن الأشياء وجدان الكمال المقابل لذلك العدم.
و ثانيا أنّ الشرّ يقع في عالم المادّة فقط دون عالم المجرّدات التامّة، إذ قد ثبت أنّ الشرّ هو العدم المفارق و المفارق مسبوق بالاستعداد و الاستعداد لايوجد إلاّ في عالم المادّة دون المجرّدات التامّة.

قوله: و يلحق به المجرّدات التامّة ...

إذ قد ثبت أنّ الشرور من قبيل الأعدام المفارقة و المفارق لايوجد في عالم المجردات التامّة فالمجرّدات التامّة خيرات محضة.

قوله: تأباهما العناية الإلهيّة ...

قد ثبت في الفصل السابق أنّ العوالم الإمكانيّة أحسن شيء في المراتب الإمكانية كما أنّ الواجب أحسن شيء في المرتبة الواجبيّة، فلو وجد في عالم المادّة ما شرّه غالب و ما خيره و شرّه متساويان، لم يكن عالم المادّة أحسن عالم ممكن، إذ العالم الّذي لا يوجد فيه ما شرّه غالب، أحسن من العالم الّذي يوجد فيه ذلك، بالضرورة و كذا العالم الّذي لا يوجد فيه ما خيره و شرّه متساويان، أحسن من العالم الّذي يوجد فيه ذلك، إذ العالم الثاني مشتمل على ما كان وجوده لغوا بخلاف العالم الأوّل.

قوله: و إن شئت قلت بالعرض ...

قد تقدّم أنّ الشرور من قبيل أعدام الملكات و عدم الملكة و إن كان عدما لكن له حظّ من الوجود، فالشرور بما أنّها أعدام مقصودة بالعرض، إذ العدم بما هو عدم لا يتعلّق به القصد الحقيقيّ، و بما أنّ لها حظّا من الوجود مقصودة بالتبع و بالقصد الثاني و من هنا يعلم أيضا أنّ ما اجاب به المعلم الأوّل عن الإشكال لا ينافي القول بكون الشرّ عدميّا كما توهّم.
 

الفصل التاسع عشر

في ترتيب أفعاله و هو نظام الخلقة
قوله: و المادّيّات ...

أي ما يتعلّق بالمادّة نوعا من التعلّق و هي الصور الجسمانيّة و الأعراض و النفوس.

قوله: و عالم المثال مجرّد عن المادّة دون آثارها...

يمكن أن يستدلّ على وجود عالم المثال و العقل بالصور الظاهرة لنفوسنا.
بيان ذلك: قد تقدّم في المرحلة الحادية‏عشرة أنّ الصورة الظاهرة لنا موجودات خارجيّة مجرّدة و تقدّم أيضا أنّ تلك الصور ليست بإنشاء النفس، لأنّ النفس قابلة لها فلا يمكن أن تكون فاعلة لها، و لأنّ النفس تستكمل بتلك الصور فوجودات الصور أكمل من وجود النفس فلايمكن أن تكون تلك الصور معلولة للنفس الّتي هي أضعف وجودا منها، فيكون لتلك الوجودات الخارجيّة المجرّدة عالم آخر مستقلّ عن النفس و إنشائها و هو عالم المثال إن كانت تلك الصور متمثّلة لنا بصفات الأجسام و عالم العقل إن لم تكن كذلك.

قوله: بالترتّب الوجوديّ لا بتغيّر صورة أو حال ...

أي إنّ التعاقب في الصور المثاليّة ليس زمانيّا حتّى يتوقّف تحقّق بعضها على زوال بعض آخر لأنّ الصور المثاليّة مجرّدات و المجرّد لا حركة و لا زمان فيه فلا يعقب بعضها بعضا على ما تعقب أجزاء الحركة بعضها لبعض بل التعاقب فيها بترتّب وجود بعضها على بعض، فللصور المثاليّة اجتماع في الوجود مع تعاقب بعضها لبعض، كما أنّ الصور الخياليّة كذلك، فإنّ حصول كلّ جزءٍ من الحركة في الذهن عند العلم الحسّيّ يتوقّف على حصول جزءٍ مقدّم عليه في الذهن لكن تلك الأجزاء المترتّب بعضها على بعض مجتمعة في الوجود عند الخيال.

قوله: و تستوعبه الحركة و التغيّر ...

لأنّ الحركة و السيلان عين وجود الجواهر المادّيّة ـ كما تبيّن في محله ـ ، فنفي الحركة عن الجوهر المادّي مساوق لنفي وجوده، فلا يمكن أن يوجد جوهر مادّيّ بدون الحركة، فعالم المادّة تستوعبه الحركة و السيلان.

قوله: تقوّم كلّ مرتبة منها بما فوقها ...

إذ كلّ مرتبة من المراتب غير المرتبة الواجبيّة يتقوّم بعلّة مّا و العلّة فوق معلولها في مراتب الوجود، فكلّ مرتبة من تلك المراتب يتقوّم بعلّة هي فوق تلك المرتبة فعالم العقل متقوّم بما فوقه و هو الواجب تعالى و عالم المثال متقوّم بما فوقه و هو عالم العقل، و كذا عالم المادّة متقوّم بما فوقه و هو عالم المثال، فإذن عالم العقل علّة لعالم المثال و عالم المثال علّة لعالم المادّة و هذه هي النتيجة الثانيّة الّتي استنتجها المصنّف رحمه‏الله من كون الوجود حقيقة مشكّكة يتقوّم كلّ مرتبة منها بما فوقها.
لكن يرد على هذا الاستنتاج أنّ الدليل أعمّ من المدّعى، فلا يثبت به فإنّ المدّعى في مورد العالم الماديّ عبارة عن أنّ هذا العالم متقوّم بعالم المثال، لكن الدليل يدلّ على أنّ عالم المادّة متقوّم بما فوقه، و عالم المثال و إن كان فوق العالم المادّيّ إلاّ أنّه ليس كلّ ما هو فوق شيء علّة له، فإنّ العقول العرضيّة مثلاً فوق الأنواع المادّيّة مع أنّ كلّ عقل منها ليس علّة لكلّ نوع مادّيّ. و يمكن أن يستدلّ على النتيجة الثانيّة بأن يقال: عالم المثال لولم يصدر من عالم العقل لوجب أن يصدر عن العلّة الّتي صدر منها عالم العقل و هو الواجب تعالى، فلزم صدور المعلولين عن العلّة الواحدة و هو محال و كذا لولم يصدر عالم المادّة عن عالم المثال لوجب أن يصدر عن العلّة الّتي صدر منها عالم المثال و هو آخر العقول الطوليّة ـ كما سيأتي ـ فلزم صدور المعلولين عن العلّة الواحدة أيضا، فإذن ثبت أنّ عالم العقل علّة لعالم المثال و عالم المثال علّة لعالم المادّة لكن هذا الإستدلال و إن كان تامّا في مورد عليّة عالم العقل لعالم المثال إلاّ أنّه في مورد علّيّة عالم المثال لعالم المادّة محلّ تأمّل، لأنّ العقل الآخر ذو جهات كثيرة كما سيأتي، فيمكن صدور الكثير منه، فلايلزم من فرض صدور عالم المثال و عالم المادّة  عن العقل الآخر محذور صدور الكثير عن العلّة الواحدة البسيطة فتدبّر.

قوله: و يطابقه النظام الربّانيّ ...

فإنّ الواجب علّة لعالم العقل و العلّة واجدة لكمال معلولها بنحو أبسط و أشرف، فالواجب واجد لكمال عالم العقل بنحو أبسط و أشرف، فعالم العقل رقيقة وجود الواجب كما أنّ الواجب حقيقته و إنّما قال: «النظام الربّانيّ»، لأنّ الواجب من حيث الربوبيّة علّة موجبة لوجود عالم العقل فهو من حيث الربوبيّة يطابقه عالم العقل.
 

الفصل العشرون

في العالم العقليّ و نظامه ...
قوله: وجدانا تفصيليّا في عين الإجمال ...

قد تقدّم أنّ المراد من التفصيل جامعيّة وجوده لكلّ الكمالات الوجوديّة كما أنّ المراد من الإجمال بساطة وجوده الجامعة، أي وجوده البسيط جامع لكلّ الكمالات و ذلك لأنّ الواجب وجود صرف و كمال محض و الوجود الصرف وجود لكلّ ما هو من سنخه (و إلاّ لم يكن صرفا) فوجوده الصرف و كماله المحض وجود لكلّ الوجودات و الكمالات و هذا هو التفصيل في عين الإجمال.
قوله: لمكان المسانخة ...
فانّ المسانخة بين العلّة و المعلول تقضي بأنّ العلّة إذا كانت أقوى العلل كان معلولها أقوى المعاليل، لأنّ المعلول يسانخ و يناسب علّته فقوّتها و ضعفها تسريان إلى قوّة المعلول و ضعفه و على هذا لمّا كان الواجب أقوى العلل و له كلّ كمال و جمال كان معلوله الصادر منه بلا واسطة أقوى المعاليل و له كلّ كمال فالصادر الأوّل منزّه عن القوّة و الإستعداد، إذ لو كان بعض كمالاته بالقوّة لم يكن أقوى المعاليل بل أقوى المعاليل ما كان واجدا لذلك الكمال بالفعل أيضا و هذا خلف، فتنزّه الصادر الأوّل و كونه أقوى المعاليل يقضي بأن يكون عقلاً مجرّدا تامّا و هو المطلوب.

قوله: و الوجه فيه أنّ الكثرة إمّا أن تكون عين الماهيّة ...

قد عرفت في آخر المرحلة الخامسة وجه الخلل في هذا البرهان، فإنّ هذه الشقوق الأربعة شقوق للمحمول على الشيء و الكثرة لا تحمل على الماهيّة نفسها حتّى يأتي فيها إحدى هذه الشقوق لأنّ موضوع الكثرة هي الذوات المختلفة بما هي مختلفة و الماهيّة النوعيّة الواحدة من حيث نفسها مع قطع النظر عن أفرادها لا اختلاف فيها، نعم أفرادها لمّا كانت متشخّصة بتشخّصات مختلفه كانت موضوعة للكثرة فيأتي فيها إحدى الشقوق الأربعة و حينئذ للخصم أن يلتزم بكون الكثرة خارجة لازمة للأفراد المختلفة لا للماهيّة نفسها فبما أنّ الكثرة لازمة لا مفارقة لا يحتاج إلى المادّة و بما أنّ الكثرة لازمة للأفراد المختلفة لا للماهيّة نفسها لا يأتي محذور عدم تحقّق الفرد للماهيّة، لأنّ الكثرة ليست من لوازم نفس الماهيّة حتّى يقال: كلّما وجد فرد لها كان من الواجب أن يكون كثيرا.
و قد يستدلّ على المطلوب بأنّ المعنى الواحد لا يمكن أن يتكثّر بنفس ذاته ضرورة أنّ صرف الشيء لا يتثنّى و لا يتكرّر، فلابدّ من أمور زائدة مقترنة به، و الأمور الزائدة إمّا أن تكون لازمة لماهيّة النوع فتكون مشتركة بين الأفراد، فلا تكون سببا لامتياز شخص عن شخص و إمّا أن تكون مفارقة لها فيحتاج عروضها إلى سبق مادّة فيكون النوع مادّيّا، و فيه أنّا نختار الشقّ الثاني من الترديد و نقول إنّ تلك الأمور الزائدة المفارقة عبارة عن التشخّصات المختلفة و قولكم: «فيحتاج عروضها إلى سبق مادّة» ممنوع، إذ التشخّص عين الوجود الخاصّ و الوجود الخاصّ لا يحتاج عروضه على الماهيّة إلى سبق مادّة إذ لا عروض حقيقة للوجود على الماهيّة.

قوله: و أنّ فيه أكثر من جهة واحدة تصحّ صدور الكثير منه...

فانّ له ماهيّة و وجودا و إمكانا بالذات و وجوبا بالغير و تعقّلاً لذاته و تعقّلاً لمبدئه فهذه أمور ستّة في الصادر الأوّل فيصحّ بها صدور أكثر من معلول واحد عنه.
فإن قلت: إنّ هذه الأمور لو كانت موجودة في الخارج لزم صدور الكثير في مرتبة واحدة عن الواحد الحقيقيّ و إن كانت أمورا اعتباريّة فكيف تكون عللاً لمعلولات الكثيرة الموجودة في الخارج.
قلت: نختار إنّها أمور اعتباريّة لكن لا الإعتباريّة المحضة بحيث لو لم يعتبرها معتبر لم يكن لها تحقّق في نفس الأمر أصلاً بل بمعنى أنّها حيثيّات متحقّقة في ذات العقل الأوّل مجعولات بعين جعل العقل، فالمجعول بالذات ليس إلاّ أمرا واحداً و هو وجود العقل لكن فيه حيثيّات أخرى منطوية في وجوده كتعقّله لذاته و تعقّله لمبدئه، فالعقل باعتبار وحدة وجوده صادر عن الواجب و باعتبار انطواء الكثرة فيه كان مصدرا لأمور كثيرة.
فإن قلت: انطواء الكثرة في الوحدة موجود في الواجب أيضا فلم لايجوز صدور الكثير عنه؟
قلت: إنّ الكثرة و إن كانت منطوية في وجوده البسيط حيث إنّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء إلاّ أنّ الوجود كلّما كان أشدّ كان أحكام الوحدة أظهر، فلا يصدر عن وجوده الواحد البسيط إلاّ الواحد.

قوله: لما أنّ إمكانه الذاتيّ كافٍ في صدوره ...

إذ لو احتاج في صدوره عن العلّة إلى شيء آخر وراء إمكانه الذاتيّ لكانت الفاعليّة لفاعله المفيض بالإمكان الخاصّ لا بالوجوب، لكن التالي باطل فكذا المقدّم؛ أمّا الملازمة فلأنّ الفاعل المفروض يصير جزءا للعلّة التامّة و الفاعليّة لجزء العلّة بالإمكان الخاصّ لا بالوجوب؛ و أمّا بطلان التالي فلأنّ فاعل العقول مجرّد تامّ و المجرّد التامّ كلّما كان له بالإمكان العامّ فهو له بالوجوب لا بالإمكان الخاصّ.

قوله: فيما صوّروه من العقول العشرة ...

قالوا: إنّ العقل الأوّل يصدرعنه العقل الثاني و الفلك الأوّل ثمّ العقل الثاني يصدر عنه العقل الثالث و الفلك الثاني و هكذا إلى أن ينتهي إلى العقل التاسع، فإنّه يصدر عنه العقل العاشر و الفلك التاسع فالعقول عشرة و الأفلاك تسعة.(1)

1. راجع: التحصيل الفصل الثالث من كتاب السماء والعالم، ص 648.

قوله: هي بحذاء الأنواع المادّيّة ...

قال ميرفندرسكي في قصيدته:
چرخ با اين اختران نغز وخوش و زيباستى صورتى‏در زير دارد آنچه در بالاستى
صورت زيرين اگر با نردبان معرفت بر رود بالا همي با أصل خود يكتاستى صورت عقلى كه بى‏پايان و جاويدان بود با همه و بى‏همه مجموعه و يكتاستى
اين سخن در رمز دانايان پيشين سفته‏اند پى برد در رمزها هركس كه او داناستى
درنيابد اين سخن را هيچ فهم ظاهرى گر ابونصرستى و گر بوعلى‏سيناستى

قوله: من الغاذية و النامية و المولّدة...

القوّة الغاذية هي قوّة تحليل الغذاء إلى مشابهة جوهر المتغذّي لتورده بدل ما يتحلّل؛ و القوّة النامية هي القوّة الّتي تزيد في أقطار الجسم المتغذّي على التناسب الطبيعيّ ليبلغ إلى تمام نشوه؛ و المولّدة هي القوّة الّتي تفصل جزءا من المادّة الّتي يحصّلها الغاذية وتجعله مادّة لشخص آخر.

قوله: فالأمر الإتفاقيّ لا يكون دائميّا و لا أكثريّا ...

هذا دليل لما تقدّم لا نتيجة له، أي النظام الجاري في الأنواع الطبيعيّة دائميّ أو أكثريّ (فإنّ الإنسان لايحصل إلاّ من الإنسان، و الفرس لايحصل إلاّ من الفرس) لكن الأمر الإتّفاقيّ لا يكون دائميّا و لا أكثريّا، فينتج من الشكل الثاني أنّ النظام الجاري في الأنواع الطبيعيّة لا يكون اتّفاقيّا فلها علل حقيقيّة.

قوله: و فيه أنّ جريان قاعدة إمكان الأشرف مشروط ...

توضيحه: أنّ المدّعى هنا عبارة عن وجود أفراد في عالم العقول متّحد كلّ منها مع كلّ من الأنواع المادّيّة بحسب الماهيّة، و قاعدة إمكان الأشرف تثبت هذا المدّعى لو كانت تدلّ على أنّ الأشرف متّحد الماهيّة مع الأخسّ، لكن القاعدة قاصرة عن الدلالة على ذلك إذ غاية ما تثبت القاعدة هو أنّ الممكن الأخسّ إذا كان موجودا وجب أن يكون الممكن الأشرف موجودا قبله لكن لا شيء في هذه القاعدة يدلّ على أنّ الأشرف متّحد الماهيّة مع الأخسّ فإذن لاتثبت المدّعى.
نعم إنّ الأشرف لمّا كان واجدا لكمالات الأخسّ بنحو أتمّ صحّ أن يصدق مفهوم الأخسّ كالإنسان على الأشرف باعتبار واجديّته كمال الإنسان، لكن مجرّد  صدق مفهوم على شيء بحسب ذلك، لا يدلّ على كون ذلك الشيء فردا لذلك المفهوم حقيقة، كما أنّ كلّ علّة موجدة واجدة لجميع كمالات المعلول الّتي بها ذلك المعلول هو هو و لايجب مع ذلك أن تكون العلّة متّحدة الماهيّة مع معلولها.
فإن قلت: المطلوب حاصل بهذه القاعدة إن كان مفاد القاعدة ما فسرّه المصنّف بقوله: «فإذا وجد ممكن هو أخسّ وجودا من ممكن آخر وجب أن يكون الممكن الّذي هو أشرف منه موجودا قبله»؛ لأنّ الممكن الآخر في هذا التفسير كلّيّ شامل لمتّحد الماهيّة مع الأخسّ و لغيره، فإذن قد حكم في هذا التفسير بأنّ الأخسّ إذا وجد وجب وجود كلّ ما هو أشرف منه قبله و من المعلوم أنّ الأفراد الموجودة من ماهيّة الإنسان في عالم المادّة أخسّ وجودا من فرد آخر لماهيّة الإنسان و هو بالفعل في جميع الكمالات الإنسانيّة، فوجود هذه الأفراد في عالم المادّة يدلّ على وجود ذلك الفرد في عالم المجرّدات و هذا هو المطلوب.
قلت: سيأتي إنّ القاعدة أنّما تجري فيما وراء المادّيّات من المجرّدات الّتي لا يزاحم مقتضياتها مزاحم و لا يمانعها ممانع، و أمّا المادّيّات فلا تجري فيها القاعدة، إذ ربّما يمانع وجود الأشرف ممانع و يزاحمه مزاحم، فوجود الأخسّ لا يدلّ على وجود الأشرف قبله.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الإنسان الّذي هو بالفعل في جميع كمالاته الإنسانيّة ليس تجرّده قطعيّا حتّى تجري فيه القاعدة، لأنّ فعليّة الكمالات الإنسانيّة توجب بطلان الإستعدادات الإنسانيّة لابطلان الإستعداد مطلقا، فلا يلزم من فعليّة الكمالات الإنسانيّة التجرّد حتّى تجري فيه القاعدة.

قوله: حتّى يدلّ وجود الأخسّ في الخارج على إمكان الأشرف ...

أي جريان القاعدة بحيث تكون مثبتة للمطلوب، مشروط باتّحاد الأخسّ و الأشرف في الماهيّة حتّى يدلّ وجود الأخسّ في هذا العالم المادّيّ على وجود الأشرف المتّحد مع الأخسّ في الماهيّة إذ لو لم يكن مشروطا به لا يثبت المطلوب كما تقدّم.

قوله: على الإنسان الكليّ الّذي نعقله ...

ليس المراد من الإنسان الكلّيّ، الكلّيّ المفهوميّ بل المراد الكلّيّ السعيّ، أي ما هو بوجوده البسيط المجرّد جامع لجميع الكمالات الإنسانيّة و غيرها بنحو أتمّ.

قوله: فالإشكال أوقع ...

إذ القاعدة حينئذٍ تقول إنّ الأخسّ إذا كان موجودا كان الأشرف موجودا، سواء كان الأشرف متّحد الماهيّة مع الأخسّ أو لم يكن، فوجود الأخسّ لا يدلّ على أشرف متّحد الماهيّة مع الأخسّ.

قوله: و مفادها أنّ الممكن الأشرف يجب أن يكون أقدم ...

قال الشيخ الإشراقي: «و من القواعد الإشراقيّة قاعدة إمكان الأشرف و هي أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد فيلزم أن يكون الممكن الأشرف قد وجد»(1) قبله.
أقول: يمكن أن يفسّر هذه القاعدة بأربعة وجوه:
الأوّل أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود كلّ ممكن أشرف منه.
الثاني أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود ممكن مّا هو أشرف منه.
الثالث أنّه إذا قيس ممكن معيّن مع ممكن معيّن آخر، فإذا وجد الأخسّ وجب وجود ذلك الأشرف المعيّن قبله.
الرابع أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب وجود أشرف موجودٍ ممكن قبله و الظاهر أنّ مرادهم من القاعدة هو الوجه الأوّل لكن البرهانين الآتيين قاصران عن إفادة هذا المعنى فانتظر.

قوله: وجب أن يوجد عن الواجب لذاته ...

قال المصنّف «هذا إنّما يجري في الصادر الأوّل و أمّا ما بعده من العلل المتوسّطة الّتي هي أشرف مما دونها فلا يستحيل صدور أكثر من واحد من عللها لتقرّر جهات كثيرة فيها»(2)؛ فيجوز أن يوجد الممكن الأخسّ و الأشرف معا عن العلل المتوسّطة، فوجود الأخسّ لايلزم منه وجود الأشرف قبله؛ فهذا البرهان بعد تماميّته يدلّ على أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود الصادر الأوّل و هو أشرف موجود ممكن، فإذن هذا البرهان يثبت الوجه الرابع.

1. شرح حكمة الاشراق، ص 367.
2. تعليقة المصنّف على الاسفار: 7 / 246.

قوله: لزم كون المعلول أشرف من علّته و هو محال ...

قال شارح حكمة الإشراق في بيان هذا الشق: «لأنّ التقدير أنّ صدور الأخسّ عنه بغير واسطة، إذ لو كان بواسطة معلول آخر للواجب و العلّة أشرف من المعلول و متقدّم عليه بالذات فيكون قد وجد قبل هذا الأخسّ ما هو أشرف منه و هو المطلوب، فإذا جاز صدور الأشرف بواسطة فلا شكّ أنّها الأخسّ لامحالة، فيكون قد جاز صدور الأشرف عن الأخسّ و هو غير جائز بخلاف عكسه».(1)
أقول: قد فهم من هذا البيان أنّ المطلوب في القاعدة هو أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود ما هو أشرف منه و إن لم يكن هذا الأشرف هو الأشرف الّذي قيس مع الأخسّ أوّلاً و هذا هو الوجه الثاني من التفسير، فهذا البرهان بعد تماميّته يدلّ أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود ممكن مّا هو أشرف من ذلك الأخسّ.

قوله: مع أنّه ممكن بالإمكان الوقوعيّ ...

لأنّ المفروض أنّ الأشرف ممكن بالإمكان الذاتيّ و الممكن بالإمكان الذاتيّ في المجرّدات التامّة (الّتي مجري القاعدة كما سيأتى) ممكن بالإمكان الوقوعيّ، إذ لا يلزم من فرض وجود المجرّد محال، لأنّ إمكانه الذاتيّ كاف في صدوره عن العلّة، فلو لزم من فرض وجوده محال لم يكن إمكانه الذاتيّ كافيّا في صدوره عن العلّة بل وجوده يتوقّف أيضا على زوال ذلك المحال اللازم منه.

قوله: و ليس بصادر عن الواجب لذاته و لا عن شيء من معلولاته ...

لأنّ كلامنا الآن مبنيّ على عدم جواز صدوره عنهما ...

قوله: و يمكن الإستدلال بما هو واضح من ذلك

حاصله: أنّ الشرافة و الخسّة راجعتان إلى العلّيّة و المعلوليّة، فكلّ موجود أشرف علّة للأخسّ منه، فلو وجد الأخسّ و لم يوجد الأشرف لكان الأخسّ مستقلاًّ و غير متقوّم بالأشرف و قد فرض كونه رابطا متقوّما به هذا خلف.

1. شرح حكمة الاشراق، ص 367.

أقول: المقدّمة ممنوعة إذ ليس كلّ موجود أشرف علّة لأخسّ منه لجواز صدور المعلولين عن العلّة الّتي فيها جهات كثيرة، فلو صدر عن «الف» معلولان مثل «ب» و «ج» ثم صدر عن «ج» مثلاً «د»، كان «ب» أشرف من «د» (لأنّه أقرب من المبدأ الأوّل) و مع ذلك ليس «ب» علّة لـ «د» فإذن ليس كلّ أشرف علّة لأخسّ منه حتّى يقال: لو فرض ممكنان أشرف و أخسّ كان من الواجب أن يوجد الأشرف قبل الأخسّ و إلاّ كان الأخسّ مستقلاًّ غير رابط و قد فرض كونه رابطا متقوّما به، فهذا البرهان لاينتج المطلوب نعم لمّا كان كلّ موجود أخسّ معلولاً لما هو أشرف منه كان اللازم من وجود الأخسّ وجود أشرف قبله و هذا الأشرف يجب أن يكون ممكنا لا واجبا بالذات، لما تقدّم في صدر الفصل من أنّ الصادر الأوّل أشرف موجودٍ ممكن فلا يكون الصادر من الواجب بلا واسطة ممكنا أخسّ، فعلّة الممكن الأخسّ ممكن آخر أشرف منه؛ فإذن هذا البرهان بضميمة ما تقدّم في صدر الفصل ينتج أنّ الممكن الأخسّ إذا وجد وجب قبله وجود ممكن مّا أشرف من ذلك الأخسّ.

قوله: و المستفاد من الحجّتين ...

قد عرفت أنّ المستفاد من الحجّتين أنّ كلّ ممكن أخسّ إذا وجد وجب قبله وجود ممكن مّا أشرف من ذلك الأخسّ فتذكرّ.

قوله: لقيام البرهان على ثبوتها لذويها ...

فإنّ الغاية العاليّة للإنسان مثلاً لو لم تتحقّق للإنسان لكان جعل الإستعداد فيه لغوا و هذا ينافي الحكمة الإلهيّة، ثمّ أنّ الإنسان المتحقّق فيه الغاية الإنسانيّة أشرف من الإنسان المادّيّ الّذي لم يتحقّق فيه الغاية الإنسانيّة. و ما كان أشرف فهو علّة للأخسّ و مقدم وجوده على وجود الأخسّ ـ على ما تقدّم من المصنّف في البرهان الثاني ـ ، فينتج أنّ الإنسان المتحقّق فيه الغاية الإنسانيّة موجود مقدّم على الإنسان الموجود في عالم المادّة، فإذن القاعدة بضميمة البرهان الدالّ على ثبوت الغاية لذويها تثبت أنّ بعض الأنواع المادّيّة إذا وجد وجب أن يكون ما هو أشرف منه و متّحد الماهيّة معه موجودا قبله.

قوله: استلزمت بلوغ كلّ فرد مادّي ...

لأنّ بلوغ كلّ فرد مادّيّ إلى كماله العقليّ ممكن أشرف مما بلغ إليه الفرد المادّيّ، فالبلوغ إلى الكمال العقليّ وجب أن يكون محقّقا قبل المادّيّ قبليّة ذاتيّة و إن كان مؤخّرا عنه بحسب الظاهر فتدبّر.
 

الفصل الحادي و العشرون

في عالم المثال
قوله: في عالم المثال.

و البرهان على وجود هذا العالم ما تقدّم في المرحلة الحادية عشرة من أنّ الصور الجزئيّة المتمثّلة لنفوسنا موجودات مجرّدة خارجيّة و تقدّم أنّ تلك الوجودات ليست بإنشاء النفس (لأنّ النفس قابلة لها و القابل للشي، لايكون فاعلاً له و لأنّ وجوداتها أقوى من وجود النفس، فلا تصدر عن النفس الّتي تكون هي أضعف وجودا منها) فيكون لتلك الصور الجزئيّة المستقلّة عن النفس عالم آخر و هو عالم المثال.

قوله: من غير أن يفسد اختلاف الهيئات الوحدة الشخصيّة ...

لأنّ تمثله للغير بوجوده لغيره لا بوجوده لنفسه و لا منافات بين كون الشيء واحدا بوجوده النفسيّ و كونه متعدّدا بوجوده القياسيّ و هذا نظير الشبح المرئيّ من بعيد، فإنّ له هيأة واحدة من الشكل و الطول و العرض و غيرها لكن يختلف ظهوره للغير بحسب بعد المسافة و قربها.

قوله: و لهذه النكتة ...

أي بما أنّ ظهورها لنفسها قد يخالف ظهورها لغيرها قسّموا المثال إلى خيال منفصل قائم بنفسه و هو ظهورها لنفسها و إلى خيال متّصل قائم بالنفوس الجزئيّة و هو ظهورها لنفوسنا.
 

الفصل الثاني و العشرون

في العالم المادّيّ
قوله: إنّ عالم المادّة بما بين أجزائه من الإرتباط و الإتّصال واحد ...

لما تقدّم(1) من أنّ العالم المادّيّ متحرّك بالحركة الجوهريّة و المتحرك و الحركة في الجواهر المادّيّة شيء واحد، فالعالم المادّيّ عين الحركة فيكون صرف الحركة و صرف الشي واحد لا يتثنّى و لا يتكرّر فالعالم المادّيّ واحد لا يتثنّى و لا يتكرّر.

1. راجع: آخر الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.

قوله: إشكال استناد المتغيّر إلى الثابت ...

و هو أنّ علّة المتجدّد يجب أن تكون متجدّدة، فإذن ننقل الكلام إلى تجدّد علّته و هكذا إلى تجدّد علّة علّته، فيؤدّى ذلك إمّا إلى التسلسل لو ذهبت سلسلة المتجدّدات إلى غير النهاية، أو إلى الدور لو رجعت إلى المتجدّد الأوّل أو إلى التغيّر في ذات الواجب لو انتهت إلى الواجب بالذات.
و الجواب ما تقدّم من أنّ معيار الإحتياج إلى العلّة هو الإمكان فبناءا على هذا نقول: إن كانت نسبة ثبوت التجدّد إلى منعوته الّذي هو المتجدّد بالإمكان، فواضح أنّ ثبوته لمنعوته يحتاج إلى علّة موجبة كما في الحركات الأينيّة فإنّ ثبوت الحركة من مكان إلى مكان آخر للجسم ممكن الوقوع و اللاوقوع فيحتاج إلى علّة توجب الوقوع، أمّا إن كانت نسبة التجدّد إلى منعوته بالوجوب و الضرورة، فواضح أنّ ثبوته لمنعوته لايحتاج إلى العلّة؛ لأنّ الوجوب و الضرورة ملاك الغناء عن العلّة ـ كما تقدّم في محلّة ـ و التجدّد بالنسبة إلى الطبيعة الجوهريّة من هذا القبيل، لأنّ تجدّد الجوهر عين الطبيعة المتجدّدة ـ كما تقدّم ـ فتكون نسبة التجدّد إلى الطبيعة الجوهريّة عبارة عن نسبة الشيء إلى نفسه و نسبة الشيء إلى نفسه بالوجوب و الضرورة كما هو واضح، فإذن ثبوت التجدّد للطبيعة الجوهريّة لايحتاج إلى علّة حتّى ينقل الكلام إلى علّته، فيلزم إمّا التسلسل أو الدور أو التغيّر في الواجب.
 

الفصل الثالث و العشرون

في حدوث العالم
قوله: قد تحقّق فيما تقدّم

قد تقدّم في المرحلة العاشرة أنّ الحدوث منقسم إلى الحدوث الذاتيّ و هو مسبوقيّة الشيء بالعدم المتقرّر في ذاته، و الحدوث الزمانيّ و هو مسبوقيّة الشيء بالعدم الزمانيّ، و الحدوث الدهريّ و هو مسبوقيّة الشيء بعدمه المتقرّر في مرتبة علّته، و الحدوث بالحقّ و هو مسبوقيّة الوجود الرابط بوجود علّته المستقلّة و المصنّف رحمه‏الله قد بيّن في هذا الفصل أنّ هذه الأقسام موجودة في العالم مطلقا أو في العالم الطبيعيّ.

قوله: و العدم السابق على وجودها بحدّه ...

هذه إشارة إلى الحدوث الدهريّ، فإنّ عدم الشيء بحدّه منتزع من علّته المتقدّمة عليه، فكلّ ماهيّة موجودة مسبوقة بالعدم المتقرّر في مرتبة علّتها فهي حادثة بالحدوث الدهريّ.

قوله: حادثا هذا النحو من الحدوث.

أي كان كلّ وجود إمكانيّ حادثا بالحدوث بالحقّ، لأنّ كلّ وجود إمكانيّ رابط بالنسبة إلى وجود الواجب الّذي هو العلّة المستقلّة الحقيقيّة، فالوجود الإمكانيّ الرابط مسبوق بوجود علّته المستقلّة فهو حادث بالحدوث بالحقّ.

قوله: لكونها فعليّة مسبوقة بقوّة ...

أي كلّ قطعة من الحركة مسبوقة بقوّتها (الّتي هي عين الفعليّة السابقة) و قوّة الشيء لا تجامع فعليّته فتنتزع منها عدم فعليّته فكلّ قطعة من الحركة مسبوقة بعدمها الّذي ينتزع من الفعليّة السابقة فهي حادثة بالحدوث الزمانيّ.

قوله: فحكمه حكمها ...

قد تقدّم في الفصل الخامس من المرحلة العاشرة بيان سرّ هذه المسألة العويصة مفصلاً و حاصله: أنّ حدوث الممتدّ ليس في ابتدائه حتّى يقال: انّ ما ليس له الإبتداء كيف يكون حادثا مسبوقا بالعدم الزمانيّ، بل حدوث الممتدّ في آخره، إذ الحدوث وصف الوجود و الممتدّ في ابتدائه لم يوجد بعدُ حتّى يتّصف بالحدوث بل يوجد بعد إنتهائه فهو حادث بعد انتهائه لا عند ابتدائه.
إذا تذكّرت هذا نقول: إنّ مجموع الحركة حادث بالحدوث الزمانيّ لأنّ الحركة أمر ممتدّ و هذا الأمر الممتدّ و إن لم يكن له بدء لكن لمّا كان هذا المجموع قبل فعليّة جزئه الأخير معدوما (لأنّ المجموع ينتفي بانتفاء جزئه) كان مسبوقا بالعدم الزمانيّ المنتزع من مجموع الفعليّات السابقة المحقّقة قبل جزئه الأخير، فهو حادث بالحدوث الزمانيّ.

قوله: و هو حادث زمانيّ بحدوثها الزمانيّ ...

لأنّ كلّ مجموع يوجد بوجود جزئه الأخير و الجزء الأخير في كلّ مجموع حادث بالحدوث الزمانيّ كما تقدّم فكلّ مجموع حادث بنفس حدوث جزئه الأخير.
 

الفصل الرابع و العشرون

في دوام الفيض
قوله: و لازم ذلك دوام الفيض ...

لأنّ عليّة الواجب لما سواه غير محتاجة في التماميّة إلى شيء آخر وراء ذاته فهو بذاته علّة تامّة لما سواه و المعلول يجب وجوده عند وجود علّته التامّة و لمّا كان ذات الواجب أزليّة دائمة كان فيضه الفائض منه دائما بدوام ذاته و إحسانه الصادر منه قديما بقدم ذاته.

قوله: و لايلزم من ذلك دوام عالم الطبيعة ...

لمّا كان عالم الطبيعة حادثا في كلّ آن بحدوث جزئه الأخير ـ كما تقدّم ـ كان مسبوقا بالعدم الزمانيّ فليس لعالم الطبيعة وجود قبل آن حدوثه، فضلاً عن كونه دائما أزليّا، فإذن فيض الواجب و إن كان دائما أزليّا بدوام ذاته لكن المستفيض و هو عالم الطبيعة حادث في كلّ آن مسبوق بالعدم الزمانيّ.

قوله: على ما يراه القائلون بالأدوار و الأكوار ...

قالوا: إنّ علوم النفوس الفلكيّة متناهية و الحوادث الّتي بإزائها لابدّ أن تكون غير متناهية، إذ الفيض غير منقطع فوجب تكرار معلوماتها في عالم الكون بحسب الأدوار، فتعود الحركات و الأوضاع الفلكيّة بعد عبور مدّة و هي عند بعضهم ستّة و ثلاثون ألفا و أربعمأة و خمسة و عشرون سنة.

قوله: و ما قيل أنّ الأفلاك و الأجرام العلويّة دائمة الوجود ...

حاصله: أنّ أدوار العالم المادّيّ متشابهة لأنّ الأفلاك ثابتة بأشخاصها، و العناصر و الأنواع المادّيّة ثابتة بأنواعها نظرا إلى أنّ عللها مفارقة آبية عن التغيّر، فما في العالم المادّي في أدواره المتعدّدة متشابهة بحسب النوع أو بحسب الشخص.
و الجواب أنّه لا دليل يدلّ على أنّ العلل المفارقة الثابتة علل تامّة لما في العالم المادّيّ بل يحتمل أنّ تأثير تلك العلل متوقّفة على شرائط و معدّات مختلفة في الأدوار المختلفة و اختلافها يوجب اختلاف العناصر و الأنواع الّتي في العالم، فلا تشابه في أدوار العالم مضافا إلى أنّ هذه الآراء مبنيّة على أصول موضوعة غير مسلّمة الآن.


* * *


هذا ما أردنا إيراده و وقع الفراغ منه يوم الخميس و هو يوم الثاني و العشرون من جمادي الثاني من سنة 1413 ق. المطابق لتاريخ 26/9/1371 ش. و الحمدللّه‏ الّذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لولا ان هدانا اللّه‏.