استدلّ عليه بأنّ علم الإنسان بعالميّته بديهيّ وجدانيّ؛ و العلم المطلق جزء هذا المقيّد و جزء البديهيّ بديهيّ.
و ذلك لما سيأتي من أنّ إدراك النفس ذاتها ليس بأمر زائد على ذاتها بل إدراك النفس
لذاتها بنفس ذاتها فذاتها دائمة الإدراك لذاتها؛ لأنّ النفس لا تزول عن نفسها و
ممّا يؤيّد ذلك أنّ الإنسان إذا تتبّع أحواله وجد من نفسه أنّ إدراكه لنفسه دائم
أبدا، فإنّ الإنسان (حتّى النائم في نومه) إذا انقبضت نفسه من مكروه لم يكن
انقباضها من المكروه مطلقا، بل من مكروه أصابه و وصل إلى ذاته فالإنسان يدرك أوّلاً
وصول المكروه إلى نفسه ثمّ تنقبض نفسه و الإدراك بوصول المكروه إليه متفرع على
إدراك ذاته و كذا الإنسان إذا انبسطت نفسه من لذيذ لم يكن انبساطها من لذيذ مطلقا
بل من لذيذ أصابه و وصل إلى ذاته، فالإنسان يدرك أوّلاً وصول اللذيذ إلى نفسه ثمّ
تنبسط نفسها و الإدراك بوصول اللذيذ إليه متفرّع على ادراك ذاته و بالجملة متى
يحاول الإنسان فعلاً إدراكيّا أو تحريكيّا لم يكن قصده إلى الإدراك المطلق و إلى
التحريك المطلق بل إلى إدراك يصدر منه و يحصل له و كذلك القول في التحريك و كلّ ذلك
متفرّع على علمه بذاته؛ لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، فظاهر بيّن
أنّ علم الإنسان بنفسه و ذاته دائم حاضر أبدا.
فإن قلت: الإنسان عند ما صار مدهوشا لا يدرك ذاته .
قلت: كلاّ، فإنّ الإنسان عند ما صار مدهوشا لا يدرك ما يصل إلى بدنه لا أنّه لا
يدرك نفسه و ذاته المجرّدة و لذا كثيرا مّا يرى المدهوش في حال كونه مدهوشا مناظر
كالمناظر المناميّة و إدراكه لتلك المناظر متفرّع على إدراك ذاته كما تقدّم.
و ذلك لأنّ المفهوم بما هو مفهوم ، مرآة بها ينظر إلى المصداق فلا شيئيّة له إلاّ شيئيّة المصداق، فلو كان آبيا عن الصدق على كثيرين كان ذلك بلحاظ اباء المصداق لا بلحاظ نفسه و لذا لو أمكن تكثّر المصداق الشخصيّ بأن كان لزيد الشخصيّ مثلاً وجودات متكثّرة بلا امتياز بينها لم يأب المفهوم الجزئيّ المنتزع من ذلك الوجود الشخصيّ الصدق على تلك الوجودات، فإذن إباء المفهوم الجزئيّ عن الصدق على كثيرين ليس بلحاظ نفسه، فالمفهوم بالنظر إلى نفسه لا يأبى عن الصدق على كثيرين فتدبّر.
فإن قلت: حضور الماهيّة عند ذاتنا علم حصوليّ و المعلوم بالعلم الحصوليّ يحمل عليه
ذاته و ذاتيّاته بالحمل الأوليّ فالماهيّة المعلومة ذاتنا بالحمل الأوليّ و
الماهيّة القائمة بوجودنا ذاتنا بالحمل الشايع فلا يلزم اجتماع المثلين .
قلت: نمنع كون المعلوم في علمنا بذاتنا، ماهيّة ذاتنا بالحمل الأوّلي و ذلك لأنّ
العلم المفروض هو العلم بذاتنا بهويّتنا الجزئيّة الّتي يترتّب عليها آثاره،
فالمعلوم في هذا العلم عبارة عن ماهيّة ذاتنا بحيث يترتّب عليها آثارها كالإرادة و
الكراهة والحبّ و البغض و غيرها و الآثار تترتّب على الماهيّة إذا كانت تلك
الماهيّة مصداقا للماهيّة بالحمل الشايع و إذا كان كذلك لزم اجتماع المثلين ألبتة؛
إذ المفروض أنّ هناك ماهيّتين قائمتين بوجودنا الشخصيّ غير متميّز أحدهما عن الآخر
لا بالماهيّة و لا بلوازمها و لا بشيء من العوارض بل كلاهما ماهيّة شخصيّة واحدة
لذاتنا.
ثمّ بهذا البيان يندفع ما قيل من أنّه «يرد عليه النقض بالعلم الحصوليّ بالنفس
فانّه ليس لأحد إنكار ذلك زائدا على العلم الحضوريّ بها».
و ذلك لأنّ المعلوم في هذا العلم الحصوليّ ذاتنا بحيث لا يترتّب عليه الآثار بخلاف
المعلوم في ذلك العلم السابق، فإنّ المعلوم هناك عبارة عن ذاتنا بحيث يترتّب عليه
الآثار و بينهما بون بعيد فلا يكون هذا نقضا لذلك.
أي سواء كانت كلّيّة عقليّة أو جزئيّة محسوسة أو متخيّلة.
أي إنّ الصورة السابقة و إن فرضنا فيها التغيّر لكنّها لم يتغيّر حقيقة بل حصل لنا صورة جديدة مباينة للصورة السابقة الباقية على ما كانت و لذا نشير إليها إشارة ذهنيّة و نقول ـ مثلاً ـ إنّ الصورة السابقة كذا و كذا و لو لم يكن باقية في الذهن على ما كانت لم يمكن لنا أن نشير اليها.
لكن تغيّره بتغيّر الزمان محال و إلاّ لا نذكر المعلومات السابقة بعين ما حصلت في أذهاننا في السنين السابقة و أيضا إذا استمعنا إلى ناطق يقول: زيد قائم ـ مثلاً ـ لا يمكن لنا أن نصدّق هذه القضيّة، إذ عند ما حصل الموضوع في أذهاننا لم يأت المحمول بعدُ و إذا جاء المحمول يذهب الموضوع بذهاب الزمان فلا يمكن أن نحمل المحمول على الموضوع و هو خلاف الضرورة.
لكن حلوله في المكان محال؛ إذ لو حلّ في مكان و هو ذهننا لم يمكن حلول جسم آخر فيه مع أنّه يمكن تصوّر أجسام كثيرة و حصولها في الذهن في آن واحد.
قالوا إنّ كلّ جزء من أجزاء الدماغ يختصّ بنوع من الإحساس أو الذكر أو الحفظ أو غيرها بحيث يختلّ كلّ واحد منها باختلال ذلك الجزء الخاصّ به.
توضيح الإشكال هو أنّ الصورة الحاصلة من جسم الشجر مثلاً صورة صغيرة في الذهن لكن
نقايس بعض الأجزاء إلى البعض، و الكلّ إلى البعض فتحصل النسب
الّتي بين الأجزاء، و بين الكلّ و البعض، ثمّ نضرب هذه النسب في ضريب كالمأة فتحصل
لنا كبر الجسم و بعض الأجزاء و صغر بعض الأجزاء.
و الجواب أوّلاً: أنّ هذا خلاف ما نجده في أنفسنا، فإنّا لا نجد عند الإدراك إلاّ
صورة الشجر و أمّا هذه المقايسات و الضرب في الضريب فانّا نغفل عنها .
و ثانيا سلّمنا لكن بعد الضرب في الضريب ندرك الجسم بكبره فينطبع الكبير في الصغير
وهو محال.
و ثالثا بعد الضرب في الضريب لا يحصل لنا مقدار الجسم على ما هو في الخارج بل حصل
لنا صورة جسم تناسب الجسم الموجود في الخارج، أي النسب الموجودة بين أجزائه كالنسب
الموجودة بين أجزاء الجسم الخارجيّ و أمّا أنّ مقدار هذا الجسم الخارجي كم هو فلا
يتعيّن بهذه النسب.
هكذا تكون العبارة في النسخ الموجودة عندنا، لكن الصحيح «ليس من التقسيم» بحذف الواو لأنّها خبر لقوله «و الإشارة الذهنيّة».
هذه العبارة في النسخ الموجودة عندنا كتبت منفصلة عمّا قبلها مع زيادة الفاء في أوّلها، لكن الصحيح اتّصالها بالعبارة السابقة مع حذف الفاء لانّها فاعلة لقوله «يظهر».
فإن قلت: إذا يتكرّر الفلم التلفزيونيّ عندنا بعد أمد بعيد نحكم بأنّ هذا هو الّذي
قد رأيناه سابقا مع كونه ماديّا فلم لا يجـوز أن تكـون الصـور العلميّة من هذا
القبيل؟
قلت: أوّلاً الفلم بجوهره و صوره المنتقشة عليه كلّه متحرّك متبدّل، على ما تقدّم
في بحث الحركة فلا نسلم ثباته على ما كان ، نعم صوره المنتقشة عليه عند التكرار
مشابهة لصوره السابقة.
و ثانيا إنّ حكمنا «بأنّ هذا هو الّذي قد سبق» يستدعي أن تكون الصورة المحسوسة في
المرّة الأولى باقية عند الذهن على ما كانت، إذ لولا بقائها في الذهن لايمكن تطبيق
الصورة المحسوسة عند التكرار على الصورة السابقة حتّى نحكم بأنّ
هذا هو الّذي قد سبق و لذا عند عروض النسيان التامّ لا نحكم بأنّ هذا هو الّذيقد
رأيناه سابقا.
بعد ما أثبت المصنّف رحمهالله تجرّد الصور العلميّة سواء كانت كلّيّة عقليّة أو
جزئيّة محسوسة أو متخيّلة، شرع في بيان ما ادّعاه سابقا من أنّ العلم الحصوليّ
ينتهي إلى العلم الحضوريّ و توضيحه يتوقّف على أمور.
الأوّل أنّ هذه الصور العلميّة مجرّدة لما تقدّم من الأدلّة.
الثاني أنّ هذه الصور المجرّدة موجودات خارجيّة، لأنّ الآثار مترتّبة عليها و هي
آثار تجرّدها و إن لم يترتّب عليها آثار الموجودات المادّيّة المحكيّة عنها.
الثالث أنّ هذه الصور المجرّدة مستقلّة عن النفس، أي إنّ وجوداتها ليست بإنشاء
النفس و بإيجادها و ذلك لأنّ النفس قابلة لتلك الصور، فلو كانت النفس مع ذلك فاعلة
لها لاستلزم ذلك كون الشيء الواحد فاعلاً و قابلاً معا (كما سيأتي في الفصل السابع)
و هو محال و أيضا إنّ النفس تستكمل بهذه الصور فوجودات الصور أكمل من وجود النفس
فلا يمكن أن تكون تلك الصور مستندة إلى وجود النفس الّتي هي أضعف وجودا منها.(1)
1. راجع: بداية الحكمة، المرحلة الحاديةعشرة، الفصل العاشر.
إذا عرفت هذه نقول: لمّا كانت هذه الصور المجرّدة موجودات خارجيّة و مستقلاّت عن
النفس و إنشائها كان من الواجب أن يكون لها عالم خارجيّ آخر مستقلّ عن النفس و
إنشائها و هو عالم المثال إن كانت تلك الصور جزئيّة أو عالم العقول إن كانت كلّيّة
و النفس إذا اتّصلت من طريق الحواسّ بالموجود الخارجيّ المادّيّ استعدّت لأن تشاهد
هذا الموجود المثاليّ في عالم المثال أو الموجود العقليّ في عالم العقل، فالمعلوم
للنفس عند الإدراك و الحاضر لها، ليس إلاّ موجودا خارجيّا مثاليا أو عقليّا فيكون
هذا العلم علما حضوريّا لا علما حصوليّا لكن النفس لاتّصالها من طريق الحسّ إلى
الموجود الخارجيّ المادّيّ تنتظرُ أن يترتّب على معلومها الحاضر الآثار المطلوبة من
ذلك الموجود المادّيّ، ثمّ لا تجد تلك الآثار من
معلومها الحاضر فتتوهّم أنّ معلومها الحاضر عبارة عن ماهيّة ذلك الموجود المادّيّ
بدون الأثر، فتحكم بأنّ هذا المعلوم معلوم بالعلم الحصوليّ.
هذا توضيح مراد المصنّف رحمهالله لكن هنا محل نظر من وجوه:
الأوّل أنّ لنا مفاهيم معلومة بالعلم الحصوليّ كمفهوم شريك الباري و مفهوم اجتماع
النقيضين و مفهوم العدم المطلق و غيرها ممّا لا يمكن لها وجود خارجيّ فلو كان
المعلوم بالعلم الحصوليّ موجودا خارجيّا مثاليّا أو عقليّا لاستلزم ذلك وجود هذه
الممتنعات في عالم المثال أو العقل.
الثاني أنّ معلوميّة تلك المجرّدات المثاليّة أو العقليّة لنفوسنا، ممكنة و كلّ ما
أمكن للمجرد التامّ فهو له بالفعل دائما (إذ ليس في المجرّد التامّ الحالة
المنتظرة) فلا بدّ أن تكون تلك المجرّدات معلومة لنا دائما (و إلاّ كان معلوميّتها
لنا ملحقة على وجوداتها و هو محال) مع انّ معلوماتنا الحصوليّة حاصلة لنا بعد
الإكتساب فلا تكون دائمة الحصول لنا.
فإن قلت: إنّ تلك المجرّدات المثاليّة أو العقليّة حاضرات لنفوسنا دائما لكن النفس
لضعف وجودها و عدم تجرّدها فعلاً لا تجد هذا الحضور فعدم معلوميّة تلك الصور
المجـرّدة ليـس بلحاظ عدم حضورها لنا بل لأنّ النفـس لا تقـدر على درك حضورها.
قلت: العاقليّة و المعقوليّة متضائفان فيكونان متكافئين في الوجود و العدم و في
القوة و الفعل فإذا كان العاقليّة لنفوسنا بالقوة وجب أن يكون المعقوليّة لتلك
الصور بالقوّة و هو ينافي تجرّدها التامّ.
الثالث إذا كان المعلوم بالعلم الحصوليّ موجودا مثاليّا أو عقليّا دائما فمن أين
علمت النفس أنّ آثار الموجود المادّيّ لا يترتّب على معلومها الحاضرلها، فإنّ حكم
النفس بأنّ معلومها الحاضر لا يترتّب عليه آثار الموجود المادّيّ، متوقّف على علمها
بالموجود الخارجيّ المادّي كما هو موجود في عالم المادّة لا كما هو موجود في عالم
المثال أو العقل مع أنّ المفروض أنّ الحاضر عند النفس دائما ليس إلاّ الشيء بوجوده
المثاليّ أو العقليّ، فلا سبيل للنفس إلى العلم بالشيء كما هو موجود في عالم
المادّة فكيف قلتم إنّ النفس لمّا لم تجد ترتّب الآثار المطلوبة من الموجود
المادّيّ على معلومها
الحاضر حكمت بأنّ معلومها الحاضر هو نفس الموجود المادّيّ من دون الأثر.
الإحساس عبارة عن حصول صورة جزئيّة للنفس عند اتّصالها بالمعلوم الخارجيّ من طريق الحسّ؛ و التخيّل عبارة عن حصول تلك الصورة الجزئيّة لها بعد انقطاعها عنالخارج؛ و التعقّل عبارة عن حصول الصورة الكلّيّة لها كما سيّأتي في الفصل الثالث.
سيّأتي في المرحلة الثانية عشرة أنّ كثرة العقول تتصوّر بأحد وجهين طوليّ و عرضيّ؛ فالأوّل و هو حصول الكثرة طولاً أن يوجد عقل ثم يصدر منه عقل آخر ثم يصدر من العقل الثاني عقل ثالث و هكذا، فالعالي في الكثرة الطولية علّة للداني كما أنّ الداني معلول للعالي ، الثاني و هو حصول الكثرة عرضا بأن ينتهي العقول الطوليّة إلى عقول لا علّيّة و لا معلوليّة بينها، أي لا يكون أحدها علّة و لا معلولاً للآخر بل هما معلولان لعلّة ثالثة و المصنّف رحمهالله كما سيأتي لم يعتقد بالعقول العرضيّة بل اعتقد بالعقول الطوليّة فقط، فإذن إذا كان المعلوم عند العلم الحصوليّ بأمر مادّيّ، موجودا مجرّدا عقليّا فلا بدّ أن يكون ذلك الموجود المجرّد العقليّ من علل ذلك الأمر المادّيّ، إذ سيّأتي أنّ عالم العقول علّة للعالم المادّي و المفروض أنّه ليس هناك عقول لا علّيّة و لا معلوليّة بينها بل كلّ عقل علّة لما بعده حتّى تنتهي سلسلة العقول إلى عقل أخير هو علّة للعالم المادّيّ، فإذن العقل المشهود عند العلم بأمر مادّيّ إمّا أن يكون العقل الأخير أو علّة للعقل الأخير لكن علّة العلّة علّة، فعلى أيّ تقدير العقل المشهود علّة لذلك الأمر المادّيّ و هو المطلوب هذا و لكن تماميّة هذا البيان في مورد عالم المثال مشروطة بأن لا يكون هناك موجودات مثاليّة عرضيّة، إذ لو وجد هناك موجودات مثاليّة في عرض موجودات مثالية أخرى لاحتمل أن لا يكون ذلك الموجود المثاليّ المشهود من علل ذلك الأمر المادّيّ فتدبّر.
أقول: إذا لم يكن الحاضر عند النفس حين الإدراك إلاّ الشيء بوجوده المثاليّ أو
العقليّ فلا سبيل للنفس إلى العلم بماهيّة الشيء المنتزعة من وجوده المادّيّ و
خاصّة على مبنى المصنّف رحمهالله في أرباب الأنواع من أنّ العقول ليست متّحدة
الماهيّة مع الموجودات المادّيّة فحضور تلك المجرّدات الّتي ماهيّاتها مغايرة
لماهيّات الموجودات المادّيّة للنفس، لا يوجب العلم بماهيّات الأشياء كما هي موجودة
في عالم المادّة.
فإن قلت: أنّ الكمالات الّتي بها تكون الموجودات المادّيّة هي هي، موجودة في تلك
المجرّدات فالعلم بها علم بتلك الموجودات المادّيّة.
قلت: إنّ الموجودات المادّيّة بحدّها الخاصّ و مع تعيّنها الماهويّ لاتوجد
فيالمجرّدات حتّى تكون العلم بها علما بتلك المادّيات، مع أنّ المفروض العلم
بماهيّات المادّيات لا بوجوداتها الّلهم إلاّ أن يقال إنّ وجودات تلك المجرّدات
المثاليّة أو العقليّة و إن كانت مسلوبة عنها ماهيّات الموجودات المادّيّة إلاّ
انّها مُظهر لتلك الماهيّات المادّية و فرق بين كون الوجود مُظهرا لماهيّة من
الماهيّات و بين كونه وجودا لها فتدبّر.
أي انّ النفس لأجل اتّصالها من طريق الحسّ إلى الموجود الخارجيّ المادّيّ تنتظرُ أن يترتّب على معلومها الحاضر الآثار المطلوبة من ذلك الموجود المادّيّ ثمّ لاتجد الآثار من معلومها الحاضر فتضطرّ الى العلم الحصوليّ بأن تتوهّم أنّ معلومها الحاضر هو ماهيّة الموجود الخارجيّ من دون الآثار.
و ذلك لأنّ النفس بواسطة تعلّقها بالمادّة في فعلها لا يتيسّر لها مشاهدة تامّة لتلك المجرّدات المثاليّة و العقليّة بل مشاهدتها ايّاها مشاهدة ضعيفة و ملاحظة ناقصة كإبصارنا في هواء مغبّر من بُعد.
لأنّ العلم المفروض إمّا أن يكون جوهرا أو يكون عرضا، فإن كان جوهرا كان موجودا لنفسه بحكم جوهريّته و المفروض أنّه موجود للعالم فيلزم أن يكون العالم نـفس العلم، إذ لو كان العالم غيره لزم أن يكون موجودا لنفسه و لغيره و هو محال، و العلم مجرّد كما هو المفروض فيلزم أن يكون العالم الّذي هو نفس العلم مجرّدا، و إن كان عرضا كان وجوده لموضوعه و المفروض أنّه موجود للعالم فليزم أن يكون العالم عين موضوعه لأنّ العرض الواحد لا يوجد لموضوعين و حينئذٍ لو كان العالم و هو الموضوع مادّيّا للزم أن يكون العلم مادّيّا لأنّ له تغيّرا و انقساما بتبع تغيّر موضوعه المادّيّ و انقسامه فيكون مادّيّا لا مجرّدا و هذا خلف.
إن قلت: «إن أريد بالكمالات الممكنة ما يعمّ الكمالات الثانية كما هو الظاهر، فهي
غير حاصلة لجميع النفوس و إن أريد بها خصوص الكمالات الأوّليّة المقوّمة للنوع فهي
لا تختصّ بالمجرّدات بل الأنواع المادّيّة أيضا واجدة لها».
قلت: أريد بها الكمالات الأوّليّة و الفرق بين النفس و الأنواع المادّيّة أنّ
الهيولى و هي القابلة للكمالات اللاحقة كانت خارجة عن ذات النفس، لأنّ النفس مجرّدة
في ذاتها فليس في حريم ذاتها حيثيّة للقبول، فلو لحق بها كمال جديد كان القابل
هيولى البدن الخارجة عن حريم النفس فلا يكون لحوق الكمال الجديد تغيّرا في حريم
النفس بخلاف الأنواع المادّية حيث كانت الهيولى داخلة في حريم ذواتها الناقصة.
ليس المراد من المعلوم، المعلوم بالعرض (و هو الّذي وجوده العينيّ غير وجوده العلميّ كالفرس الخارجيّ) بل المراد منه المعلوم بالذات (و هو الّذي وجوده العينيّ عين وجوده العلميّ كالصور الحاضرة عند النفس) و أيضا ليس المراد من اتّحاد العالم بالمعلوم اتّحادهما في المفهوم ضرورة أنّ كلّ مفهوم غير الآخر فمفهوم العالم غير مفهوم المعلوم بالضرورة بل المراد منه اتّحادهما بحسب الوجود بأحد الوجهين: أحدهما أن يكون للعالم و المعلوم بالذات وجود واحد مع اختلاف في المرتبة كعلم كلّ من العلّة و المعلول بالآخر، فإنّ العلّة و المعلول و إن كان لهما وجود واحد إلاّ إنّ لكلٍّ مرتبة من الوجود غير ما للآخر و ثانيهما أن يكون لهما وجود واحد من غير اختلاف في المرتبة كعلم الإنسان بنفسه.
و التفاوت بينهما هو التفاوت بين الوجود و الماهيّة فهو باعتبار الوجود علم و بإعتبار الماهيّة معلوم.
توضيحه: أنّ المعلوم يجب أن يكون وجوده للعالم لأنّ العلم عبارة عن حصول المجرّد
للمجرّد، إذا عرفت هذا نقول: المعلوم إمّا أن يكون جوهرا موجودا لنفسه و أمّا أن
يكون عرضا موجودا لموضوعه، فإن كان جوهرا، كان موجودا لنفسه بحكم
جوهريّته و موجودا للعالم بحكم معلوميّته، فيلزم أن يكون العالم نفسه إذ لو كان
العالم غيره لزم أن يكون موجودا لنفسه و لغيره و هو محال لما تقدّم من أنّ الوجود
في نفسه إمّا أن يكون لنفسه أو لغيره فهما قسمان متقابلان لايجتمعان.
و إن كان عرضا كان موجودا لموضوعه بحكم عرضيّته و موجودا للعالم بحكم معلوميّته،
فيلزم أن يكون العالم هو الموضوع لأنّ العرض الواحد لا يوجد في موضوعين، فيجب أن
يكون العالم متّحدا مع الموضوع ثم العرض متّحد مع موضوعه و ذلك لما تقدّم من أنّ
وجود كلّ عرض من شؤون وجود موضوعه(1) فالعرض متّحد مع موضوعه و موضوعه عين العالم
كما تقدّم فالعرض المعلوم متّحد مع العالم و هو المطلوب.
فإن قلت: لو كانت المعلوميّة عبارة عن وجود المعلوم للعالم لوجب أن لا يكون الجوهر
معلوما لغيره لأنّ مقتضى معلوميّته للغير أن يكون وجوده للغير و مقتضى جوهريّته أن
يكون وجوده لنفسه و هما لا يجتمعان فالجوهر لا يكون معلوما للغير مع أنّه سيّأتي
أنّ الجواهر المجرّدة كلّها عاقلة و معقولة للآخر، مضافا إلى أنّه لا يساعد ما ذهب
إليه المصنّف من رجوع العلم الحصوليّ إلى الحضوريّ و أنّه مشاهدة للصور المجرّدة
المستقلّة فإنّ وجودها لأنفسها لا لنفوسنا، فلا يمكن أن تكون تلك الصور المجرّدة
معلومة لنا.
قلت: يمكن تصوير معلوميّة الجواهر لغيرها إذا تحقّقت بين العالم و المعلوم العلّيّة
و المعلوليّة بأن يقال: إنّ الجواهر المجرّدة و إن كانت موجودة لأنفسها إلاّ أنّها
لمّا كانت رابطة بالنسبة إلى عللها كانت فانية في وجود عللها و العلّة موجودة
لنفسها فهي معلومة لنفسها و المعلول غير خارج من وجود العلّة فهو معلوم بمعلوميّة
العلّة لنفسها و كذا العلّة عالمة بنفسها و
المعلول غير خارج من وجود العلّة فالمعلول عالم بالعلّة بعالميّة العلّة بنفسها.
1. راجع: الفصل الثالث من المرحلة الثانية و الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.
حاصل الإشكال هو: أنّ المعلوم بالذات لا يصدق عليه الجوهريّة و لا الكمّيّة و لا الكيفيّة و لا غيرها بالحمل الشايع فليس الفرس المعقول مثلاً جوهرا و لا حجمه كمّا و لا لونه كيفا حقيقة و إذا كان الأمر هكذا فالإستدلال السابق على اتّحاد العاقل و المعقول عقيم، لأنّه يتوقّف على جوهريّة المعقول أو عرضيّته و هما ممنوعان كما تقدّم.
و ذلك لأنّ الشيء المفروض يصدق عليه العلّيّة والمعلوليّة فباعتبار كونه علّة لنفسه و العلّة متقدّمة بالوجود لزم تقدّمه على نفسه بالوجود و باعتبار كونه معلولاً لنفسه و المعلول متأخّر بالوجود لزم تأخّره عن نفسه بالوجود.
قد تقدّم البحث عنه في الفصلين الأوّلين من المرحلة الثانية فراجع إن شئت.
هذه العبارة و إن كانت لدفع ما تقدّم من الإشكال على اتّحاد العالم و المعلوم في العلم الحضوريّ غير أنّ نفسها إشكال آخر في مسألة العلم إذا كان العالم علّة و المعلوم معلولاً؛ و حاصل الإشكال هو: أنّ الشيء إذا كان معلوما لعلّته وجب أن يكون موجودا للعلّة إذ من شرط كون الشيء معلوما أن يكون موجودا للعالم كما تقدّم لكن المعلول لا يكون موجودا للعلّة، لأنّ الوجود للعلّة من أقسام الوجود المستقلّ لا الرابط والمعلول بالنسبة إلى علّته وجود رابط لا مستقلّ.
هذه العبارة جواب للإشكال المتقدّم بيانه و حاصله: أنّ المعلول لمّا كان رابطا بالنسبة إلى علّته كان من شؤون وجود علّته فليس وجوده خارجا من وجود علّته و العلّة موجودة لنفسها فهي معلومة لنفسها لكن المعلول ليس خارجا عن وجود علّته فهو معلوم للعلّة بمعلوميّة العلّة لنفسها.
حمل الحقيقة و الرقيقة هو الحمل الّذيكان الموضوع و المحمول متّحدين في أصل الوجود مختلفين في مرتبة الوجود، فإذا قلنا العلّة هو المعلول، معناه أنّهما متّحدان في الوجود مختلفان في المرتبة و لهذا الحمل نوعان حمل الضعيف على القويّ كما فيما نحن فيه و حمل القويّ على الضعيف كما في حمل العلّة على المعلول كما سيأتي.
كما في الرابط الّذي في القضيّة، فإنّ العلم به يتمّ بالعلم بمقوّمه الّذي هو الموضوع و المحمول.
هذه أيضا إشكال في مسألة العلم إذا كان العالم معلولاً و المعلوم علّته و حاصله:
أنّ من شرط كون الشيء معلوما أن يكون موجودا للعالم لكن العلّة لا تكون موجودة
لمعلولها حتّى تصير معلومة لمعلولها و ذلك لأنّ المعلول بالنسبة إلى العلّة وجود
رابط و من المستحيل أن يوجد للوجود الرابط شيء أقوى منه.
و حاصل الجواب: أنّ العلّة عالمة بنفسها لحضور ذاته المجرّدة لذاتها و المعلول ليس
خارجا من وجود العلّة بل هو من شؤون وجود العلّة فهو عالم بالعلّة بعالميّة العلّة
بنفسها.
لمّا كان مقتضى المعلوليّة هو الوجود الرابط و مقتضى المعلوميّة هو الوجود للعالم الّذي هو نوع من الوجود المستقلّ كان من الواجب كما تقدّم أن يؤوّل علم المعلول بالعلّة و علم العلّة بالمعلول إلى علم العلّة بنفسها إلاّ أنّ مآل علم المعلول بالعلّة إلى علم العلّة مع اعتبار أنّ المعلول من شؤون وجودها بنفس العلّة مع قطع النظر عن كون المعلول من شؤون وجودها و مآل علم العلّة بالمعلول إلى علم العلّة مع قطع النظر عن كون المعلول من شؤون وجودها بنفس العلّة مع اعتبار أنّ المعلول من شؤون وجودها.
لأنّ الانقلاب بهذا المعنى محال إذ بعد الانقلاب إن كان كلّ واحد من الشخصين موجودا فهما إثنان متميّزان لا شخصا واحدا و إن انعدم أحدهما و بقي الآخر ليس ذلك من الانقلاب المفروض بل انعدام لأحدهما و بقاء للآخر و إن انعدم كلّ واحد منهما ليس ذلك من الانقلاب أيضا بل انعدام لهما و حدوث شخص ثالث مغاير لهما.
تقدّم أنّ وجود المعلول ليس مغايرا لوجود العلّة بل هما متّحدان بحسب الوجود مختلفان بحسب المرتبة، فإذن المراد من الاتّحاد هنا عبارة عن أنّ هناك وجودا واحدا ذا مراتب و المرتبة العالية منه لوجود العلّة و المرتبتين النازلتين لوجود المعلولين، فالعلّة و كلّ واحد من المعلولين متّحدة في أصل الوجود مختلفة في المرتبة فمن المرتبة العالية ينتزع مفهوم العلّة و من المرتبتين النازلتين ينتزع مفهوم المعلولين اللذين هما العالم و المعلوم.
و ذلك لأنّ الاتّحاد المذكور اتّحاد الحقيقة و الرقيقة، بمعنى أنّ العالم و المعلوم
و إن كانا متّحدين في أصل الوجود لكنّهما مختلفان في المرتبة و بسبب اختلافهما في
المرتبة تحفظ شخصيّة العالم و المعلوم و نظير هذا الاتّحاد فيما نحن فيه اتّحاد
العرض و موضوعه الجوهريّ، فإنّ لهما وجودا واحدا بناءاً على ما هو التحقيق من أنّ
العرض من مراتب وجود الجوهر لكن مع ذلك تحفظ شخصيّة العرض و الجوهر بسبب اختلافهما
في مرتبة الوجود.
قد تقدّم في المرحلة الخامسة أنّ الكلّيّة و الجزئيّة وصفان حقيقيّان يوجدان في كلّ من الوجود و الماهيّة، إذ الكلّيّة عبارة عن حيثيّة الصدق على كثيرين و الجزئيّة عبارة عن حيثيّة عدم الصدق على كثيرين و صدق الشيء على الشيء ليـس إلاّ اتّحاده معه، فالكلّيّة عبارة عن اتّحاد حقيقة واحدة مع كثيرين و الجزئيّة عبارة عن عدم اتّحادها مع كثيرين، و حيث إنّ الاتّحاد قد يكون بحسب الخارج و قد يكون بحسب الذهن و قد يكون بحسب التقرّر الماهويّ فلا محاله الكلّيّة و الجزئيّة قد تكونان بحسب الخارج و قد تكونان بحسب الذهن و قد تكونان بحسب التقرّر الماهويّ؛ أمّا الأوّل كالوجود، فإنّ حقيقة الوجود باعتبار كونها حقيقة واحدة مشتركة بين الوجودات الخارجيّة متّحدة مع كلّ منها، كلّيّة تصدق على كثيرين و باعتبار ظهورها في وجودات خاصّة ممتازة كلّ منها عن الآخر جزئيّة غير صادقة كلّ منها على الآخر، و أمّا الثاني كمفهوم الوجود و هو ظاهر و أمّا الثالث كالماهيّة الجنسيّة بالنسبة إلى أنواعها، فإنّ الجنس حقيقة واحدة مشتركة بين أنواع كثيرة متّحدة مع كلّ منها بحسب التقرّر الماهويّ، فيكون كلّيا ماهويّا و أمّا الماهيّة المنتزعة من الوجود المتشخّص، فانّها متشخّصة آبية عن الإشتراك حقيقة لأنّها حدّ منتزع من الوجود المتشخّص الآبي عن الإشتراك و الحدّ تابع في السعة و الضيق لمحدوده، فكما أنّ الوجود الخاصّ متشخّص آبٍ عن الإشتراك كذلك الماهيّة المنتزعة منه متشخّصة آبية عن الإشتراك و إلاّ استقلّ الحدّ عن المحدود في سعته و هو باطل بالضرورة، فإذن جعل العلم الحصوليّ مقسما للكلّيّة والجزئيّة ليس في محلّه.
أي بحضور المادّة عند آلة الإحساس.
و ذلك لأنّ الصور العلميّة مطلقا مجرّدة، فلا يتصوّر فيها التغيّر بأيّ نحو كان، فلا معنى للتقشير و أمثال ذلك فيها.
و ذلك بأنّ النفس بعد إدراك أكثر من فرد واحد تقيس بعضها مع بعض، فتحصل لها الخصوصيّات الشخصيّة في تلك الأفراد ثمّ تصرف نظرها عن تلك الخصوصيّات الشخصيّة، فتستعدّ لأن تنظر إلى نفس المشتركات الماهويّة فتتوجّه إليها بعلم جديد مستأنف لا بتغيّر في الصورة الشخصيّة السابقة، لأنّ تلك الصور بعد تعقّل الماهيّة الكلّيّة باقية على ما كانت.
إذ كما أن لا ارتباط و لا علاقة بين تلك الصورة المدركة و غير مصداقها، كذلك لا علاقة بينها و بين مصداقها على ما هو المفروض، فإذن يجب إمّا أن تصدق على كلّ شيء أو لا تصدق على شيء و إلاّ لزم الترجيح بلا مرجّح و هو محال.
قالوا: إنّ الحواسّ الباطنة للإنسان كالحواس الظاهرة خمسة و هي الحسّ المشترك و الخيال و الواهمة و الحافظة و المتصرّفة؛ و الأوّل هي القوة الّتي بها تدرك النفس الصور المحسوسة؛ و الثاني هي القوّة الّتي بها تحفظ الصور المحسوسة، و الثالث هي القوّة الّتي بها تدرك المعاني الجزئيّة كالحبّ والبغض؛ و الرابع هي القوة الّتي بها تحفظ المعاني الجزئيّة؛ و الخامس هي القوّة الّتي بها تركّب الصور المحسوسة بعضها مع بعض أو المعاني الجزئيّة كذلك أو الصور المحسوسة مع المعاني أو تفصّلها.
بل الاتّصال فيها أشدّ، لأنّ الحبّ و البغض و الإرادة و الحزن و السرور و غيرها، من الأمور النفسانيّة الّتي هي معلومة بالعلم الحضوريّ، فحقايقها الخارجيّة عين صورها المعلومة للنفس فالنفس تتّصل بحقايقها الخارجيّة من غير واسطة بخلاف الصور الذهنيّة المأخوذة بالحواسّ الظاهرة، فإنّ النفس تتّصل بحقائقها الخارجيّة مع وساطة الصور الذهنيّة و الفعل و الإنفعال المادّيّين.
أي على ما تقدّم في الفصل الأوّل من هذه المرحلة من انتهاء العلم الحصوليّ إلى العلم الحضوريّ.
تقدّم أنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه بمعنى أنّ ارتباط وجود العرض
بموضوعه و حاجته إليه ليس أمرا عارضا على وجود العرض بل كان عين وجوده، إذ لو كان
ارتباطه بموضوعه و حاجته إليه عارضا على وجود العرض لكان معناه أنّ وجود العرض في
مرتبة ذاته مستغنيا عن موضوعه، فليس في مرتبة ذاته عرضا بل كان جوهرا هذا خلف، فإذن
ثبت أنّ وجود العرض عين الحاجة إلى موضوعه الجوهريّ.
إذا تذكّرت هذا فنقول: لمّا كان وجود صفات النفس معلوما للنفس بالعلم الحضوريّ و
وجود تلك الصفات نفسها عين حاجتها إلى موضوعها كانت حاجة الصفات إلى موضوعها مشهودا
للنفس بعين مشهوديّة وجود الصفات، أي كما أنّ النفس تشاهد وجود تلك الصفات بالعلم
الحضوريّ تشاهد أيضا حاجتها إلى النفس الموضوعة له بعين ذلك العلم، فحيثيّة
الإتّكاء إلى الغير و الحاجة إلى الموضوع الّتي هي حقيقة العرضيّة معلومة للنفس
بالعلم الحضوريّ أولاً ثمّ إنّها تأخذ من هذا المعلوم الحضوريّ صورة ذهنيّة مطابقة
له و هو مفهوم العرض ثمّ إنّ النفس إذا عرفَت صفات للأشياء تحكم بأنّ لها موضوعا
كما أنّ لصفاتها موضوعا فتحكم بأنّ تلك الصفات من مصاديق مفهوم العرض.
حاصله: أنّ النفس تشاهد ذاتها و صفاتها القائمة بها بالعلم الحضوريّ ثم تقيس علمها الحضوريّ بذاتها و علمها الحضوريّ بصفاتها، فتجد أنّ الثاني يحتاج إلى الموضوع و هذا هو العلم الحضوري بعرضيّة صفاتها و الأوّل لا يحتاج إلى الموضوع و هذا هو العلم الحضوريّ بجوهريّة ذاتها ثمّ تأخذ من هذين العلمين الحضوريّين مفهوم العرض و الجوهر.
إذ تقدّم أنّ الإدراك ثلاثة أقسام و هي الإحساس و التخيّل و التعقّل، فالعلم الإحساسيّ يدلّ على أنّ وراء إدراكاتنا حقايق موجودة يمكن حضورها عند آلاتنا الحسّيّة، فتستعدّ بذلك النفس لإدراكها لكن حيث لايكون إدراكها بذاتها بل بواسطة صورة أخرى مجرّدة يعلم أنّ تلك الحقايق ليست مجرّدة، إذ لو كانت مجرّدة لأمكن إدراكها من غير واسطة، فثبت أنّ وراء إدراكاتنا حقايق مادّية و هو عالم المادّة، و التخيّل يدلّ على عالم المثال، و التعقّل يدلّ على وجود عالم العقل و ذلك لما تقدّم في الفصل الأوّل من انّ الصور المدركة الجزئيّة و الكلّيّة موجودات مجرّدة مستقلّة عن النفس و إنشائها فهناك موجودات مجرّدة عن المادّة و آثارها و هو عالم العقل و موجودات مجرّدة عن المادّة دون آثارها من الشكل و المقدار و الوضع و غيرها و هو عالم المثال.
و يقال له: «الخيال المنفصل» كما أنّه يقال للمثال الأصغر: «الخيال المتّصل».
أي عالم العقل علّة لعالم المثال و عالم المثال علّة لعالم المادّة و ذلكلأنّ عالم المثال لو لم يصدر من عالم العقل لوجب أن يصدر عن العلّة الّتي صدر منها عالم العقل و هو الواجب تعالي فلزم صدور المعلولين عن العلّة الواحدة و هو محال؛ و كذا لو لم يصدر عالم المادّة عن عالم المثال لوجب أن يصدر عن العلّة الّتي صدر عنها عالم المثال و هو آخر العقول الطوليّة كما سيّأتي فلزم صدور المعلولين عن العلّة الواحدة أيضا فتأمّل.
الشرّ عبارة عن زوال كمال أوّل أو ثانٍ عمّا من شأنه وجدان ذلك الكمال؛ و حيث كان الزوال يتصوّر في عالم المادّة فقط الّذي هو عالم التغيّر دون عالم المثال و العقل اللذين هما مجرّدان و لا تغيّر فيهما، فالشرّ لا يتصوّر إلاّ في عالم المادّة.
أي إمكان الزوال و التغير.
إنّ العلم الحصوليّ قد يحصل من طريق الانفعال من الخارج و قد يحصل لا من هذا الطريق؛ فإن حصل من طريق الإنفعال من الخارج كانت الصورة الحاصلة في الذهن في تحقّقها و ثباتها و تغيّرها تابعة للمعلوم الخارجيّ فبقاء المعلوم الخارجيّ و تغيّره يؤثّران في بقاء الصورة الذهنيّة و تغيّرها و هذا هو العلم الجزئيّ كعلمنا من طريق الرؤية مثلاً فإذا رأينا زيدا القائم انطبع في ذهننا صورته قائما، فإذا قعد انطبع في ذهننا صورة جديدة و هي صورته قاعدا و كذا إذا نام انطبع في ذهننا صورة جديدة و هي صورته نائما، و إن حصل لا من طريق الإنفعال من الخارج فالصورة الحاصلة في الذهن ليست تابعة للمعلوم الخارجيّ، لأنّها لا تأخذ منه و لذا تحقّقُ المعلوم الخارجيّ و ثباته و تغيّره لا تؤثّر في الصورة الذهنيّة و هذا هو العلم الكلّيّ كعلم المنجم؛ فإنّ المنجم يعلم أنّ القمر في ساعة كذا من يوم كذا ينخسف، لأنّه يعلم على أساس قواعد النجوم أنّ الأرض يحول بين الشمس و القمر في تلك الساعة فعلمه بالخسوف كلّيّ؛ لأنّ علمه بالخسوف قد حصل له لا من طريق الإنفعال من الخارج مثل الرؤية بل من طريق العلم بعلّة الخسوف و هي حيلولة الأرض بين الشمس و القمر، فزوال الخسوف في الخارج لا يؤثّر في زوال علمه بالخسوف، إذ علمه بالخسوف لا يحصل من الخارج حتّى يؤثّر زوال الخسوف في الخارج في زوال علمه بالخسوف.
لأنّ العلم بالشيء من طريق علّته محقّق و إن لم يتحقّق الشيء في الخارج، فليس هذا العلم حاصلاً من الانفعال من الخارج حتّى يتغيّر بتغيّر المعلوم الخارجيّ، فلا يكون جزئيّا بل هو كلّيّ.
توضيحه: أنّ «الف» إذا كانت علّة تامة لوجود «ب» فكونها علّة تامّة له لا تزول عنها لأنّ العلّة علّة بنفس ذاتها لا بوصف زائد عليها حتّى يمكن زوال وصفها و بقاء ذاتها و إلاّ لم تكن العلّة علّة حقيقة، هذا خلف، و لمّا كان العلم مطابقا للمعلوم (و إلاّ لم يكن العلم علما بل كان جهلاً مركّبا) و كان المعلوم ـ و هو علّيّة «الف» لوجود «ب» ـ ثابتا لا يتغيّر، كان العلم به ثابتا لا يتغيّر فإذا علم الإنسان بعلّيّة شيء كان علمه بعلّية ذلك الشيء ثابتا باقيا ببقاء العلّيّة لذلك الشيء، أي معيار بقاء هذا العلم بقاء العلّيّة لذلك الشيء لا تحقّق العلّيّة حال العلم بحيث يكون انتفائها موجبا لإنتفاء العلم، فهذا العلم كلّيّ إذ لا دخل للمعلوم في تحقّق هذا العلم حتّى يتغيّر العلم بتغيّر معلومه، ثمّ لمّا كان العلم بالمعلول حاصلاً من طريق العلّة كما هو المفروض كان معيار بقاء هذا العلم أمرين: الأوّل العلم بوجود العلّة في وعاء تحقّق المعلول؛ و الثاني بقاء علّيّة العلّة لوجود المعلول في ذلك الوعاء؛ و الأوّل مفروض الوجود، و الثاني قد تقدّم برهانه فالعلم بالمعلول في حال العلم بالعلّة باق سواء كان المعلول نفسه حين العلم به معدوما في الخارج أو موجودا باقيا أو موجودا زائلاً، فالعلم بالمعلول من طريق العلّة كلّيّ إذ قد ثبت أن لا دخل للمعلوم في تحقّق ذلك العلم حتّى يتغيّر بتغيّر معلومه.
إنّ هيهنا إشكالين: الأوّل أنّ الاعتراف بتغيّر الصورة العلميّة الجزئيّة بتبع
المعلوم الخارجيّ ينافي البناء على تجرّد العلم مطلقا، و الثاني أنّ العلم كيف
يتعلّق بالتغيّر و الحركة مع أنّ العلم عبارة عن حضور صورة مجرّدة للمدرك.
و الجواب عن الإشكال الأوّل أن يقال: إنّ المراد بتغيّر العلم بتبع المعلوم
الخارجيّ حصول صورة جديدة من المعلوم للنفس لا التبدّل و التغيّر في صورته الحاصلة
للنفس، لأنّ صورته الحاصلة باقية على ما كانت حتّى بعد الحركة و لذا نذكرها بعينه
بعد انقضاء الحركة، نعم لمّا كانت العلوم الإنفعاليّة لا تفارق اعمالاً مادّيّة
صادرة عن مظاهر القوى النفسانيّة كالعين و الأذن و غيرهما كان ظهورها للنفس تابعة
للفعل و الإنفعال المادّيّين الواقعين في تلك المظاهر و بانقطاعهما ينقطع الظهور،
فالتغيّر إنّما يقع في مرحلة المظاهر البدنيّة(1) لا في نفس الصور العلميّة.
و الجواب عن الإشكال الثاني: أنّ لوجود التغيّر وجها من الثبات لأنّ التغيّر ثابت
في تغيّره، و ثباته و تغيّره و إن كانا متّحدين بحسب الوجود لكن الغلبة لوجهه
المتغيّر في النشأة المادّيّة و لوجهه الثابت في نشأة المجرّدات، و النفس عند
الإستعداد لإدراك الحركة يحضر عندها وجود الحركة بوجهه الثابت لا بوجهه المتغيّر.
1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 3 / 408.
توضيحه: أنّ المعلول معلوم للعلّة بالعلم الحضوريّ بوجهين: أحدهما علم العلّة
بالمعلول في مرتبة ذات العلّة، و ثانيهما علمها به في مرتبة ذات المعلول؛ أمّا
الأوّل فلأنّ العلّة في مرتبة ذاتها واجدة لوجود المعلول، فاذا كانت العلّة عالمة
بنفسها بسبب حضور ذاتها لذاتها و المعلول غير خارج من ذاتها كان المعلول معلوما
للعلّة بنفس ذلك العلم، ثم لمّا كان المعلول معلوما للعلّة بنفس علم العلّة بذاتها
و علم العلّة بذاتها عين ذاتها كانت مرتبة علم العلّة بالمعلول، في هذا الوجه مرتبة
وجود العلّة و من الواضح أنّ مرتبة وجود العلّة متقدّمة على مرتبة المعلول بوجوده
الخاصّ به، فإذن علم العلّة بالمعلول في هذا الوجه ثابت قبل وجود المعلول، فليس هذا
العلم تابعا لوجود المعلول حتّى يتغيّر بتغيّر المعلول و لذا كان هذا العلم كلّيّا.
و أمّا الثاني فلأنّ المعلول بوجوده الخاصّ به رابط بالنسبة إلى العلّة فهو حاضر
الوجود للعلّة، فيكون معلوما للعلّة بنفس وجوده الخاصّ به، ثم لمّا كان العلم و
المعلوم هنا شيء واحد كان التغيّر في المعلوم تغيّرا في العلم، فإذا تغيّر المعلوم
تغيّر
العلم و لذا كان هذا العلم جزئيّا.
هذا توضيح الكلام و لكن في تعميم التقسيم بحيث يشمل العلم الحضوريّ تأمّل؛ و ذلك
لأنّ المعلوم الحضوريّ لا يتطرّق إليه التغيّر حتّى يكون تغيّره موجبا لتغيّر
العلم، لأنّ المعلوم في العلم الحضوريّ عين العلم و العلم مجرّد مطلقا، فلا يتطرّق
إليه التغيّر حتّى يكون جزئيّا. نعم بناءاً على ماذهب إليه الإشراقيّون من إمكان
العلم الحضوريّ في المادّيّات يمكن التعميم المذكور فتدبّر.
هذا تقسيم للعقل باعتبار أنحاء وجود المعقولات للعقل، فإنّ المعقولات إمّا أن تكون موجودة للعقل بالقوّة أو تكون موجودة له بالفعل؛ و الثاني إمّا أن تكون موجودة له بالوجود التفصيليّ بحيث يكون كلّ معقول متميّزا عن غيره أو تكون موجودة له بالوجود الإجماليّ، أي يكون لكلّها وجود واحد بسيط، فالعقل بالإعتبار الأوّل يسمّى عقلاً بالقوّة و بالاعتبار الثاني يسمّى عقلاً تفصيليّا و بالإعتبار الثالث يسمّى عقلاً إجماليّا.
أي كما أنّه لم يعقل شيئا من المعقولات بالفعل كذلك لا يكون نفسه معقولاً بالفعل،
إذ لو كان معقولاً بالفعل لكان عاقلاً بالفعل لاتّحاد العاقل و المعقول و قد فرض
عدم تعقّله شيئا من المعقولات بالفعل هذا خلف.
فإن قلت: إنّ المجرّد عاقل لنفسه دائما فكيف قلتم إنّ العقل بالقوة بالنسبة إلى
عامّة المعقولات.
قلت: المراد من المعقول هنا المعلوم بالعلم الحصوليّ لا الحضوريّ و النفس إذا كانت
عقلاً بالقوة خالية عن العلم الحصوليّ مطلقا حتّى بالنسبة إلى نفسها.
ليس المراد من الإجمال الإبهام المفهوميّ بل المراد بساطة وجود العقل الجامع للمعقولات.
توضيحه يتوقّف على أمرين:
الأوّل أنّه تقدّم أنّ المعقول في العلم الحصوليّ عبارة عن موجود مجرّد عقليّ يحضر
بوجوده الخارجيّ عند المدرك في حال التعقّل.
الثاني أنّ لكلّ ممكن نحوين من الوجود أحدهما وجوده التفصيليّ و هو وجوده الخاصّ به
و ثانيهما وجوده الإجماليّ و هو وجوده المنطوي في وجود علّته، فإنّ كلّ معلول قبل
وجوده الخاصّ به موجود بوجود علّته و هو وجود جامع للمراتب النازلة في عين بساطته،
فإذن إنّ لكلّ عقل نحوين من الوجود: أحدهما وجوده التفصيليّ و هو وجوده الخاصّ به و
ثانيهما وجوده الإجماليّ و هو وجوده المنطوي في العقول الّتي فوقه. فإنّ العقل
الأوّل مثلاً جامع لكلّ العقول الّتي بعده بوجوده البسيط فالعقول النازلة موجودة
بوجود بسيط جامع و هو وجود العقل الأوّل، فبناءاً على مراعات ما تقدّم نقول في
التقسيم: المدرِك إمّا أن يحضره الموجود المجرّد العقليّ أو لا يحضره ذلك فإن لم
يحضره الموجود المجرد العقليّ فالمدرِك عقل بالقوة و إن حضره ذلك فالحاضر امّا ان
يكون حاضرا بوجوده التفصيليّ و إما أن يكون حاضرا بوجوده الإجماليّ، فإن كان الأوّل
فالمدرك هو العقل التفصيليّ و إن كان الثاني فالمدرك هو العقل الإجماليّ.
هذا تقسيم باعتبار ترتيب حصول المعقولات له، فإنّ النفس في الابتداء خالية عن جميع المعقولات ثم تعقل البديهيّات ثانيّا ثم تعقل النظريّات باستنتاجها من البديهيّات، ثالثا ثم إذا تجرّدت تجرّدا تامّا عقليّا اتّحدت مع العقل الفعّال الّذي هو جامع للحقايق كلّها بوجوده البسيط، فتعقل الحقائق كلّها بالاتّحاد مع العقل الفعّال.
سمّي به لأنّ قوة الإدراك في المرتبة الأولى عدم و الإدراك في هذه المرتبة ملكة ذلك العدم.
توضيحه يتوقّف على أمرين: الأوّل أنّه تقدّم أنّ التعقل انّما هو باتّحاد العاقل و
المعقول، الثاني أنّه تقدّم أيضا أنّ العقول المفارقة جامعة بوجودها البسيط للحقائق
الّتي دونها و ذلك لأنّ العقول في طول علل ساير الممكنات و العلّة جامعة بوجودها
لمعلولها ولمعلول معلولها و هكذا.
إذا عرفت هذين نقول: إنّ النفس إذا تجرّدت تجرّدا تامّا عقليّا، فإنّها لتمام ذاتها
و كونها فعليّة محضة يمكن أن تعقل جميع ما يمكن أن يُعقل و كلّ ما كان للمجرّد
بالإمكان فهو له بالفعل، فالنفس إذا تجرّدت تجرّدا تامّا تعقل بالفعل جميع ما يمكن
أن يُعقل و ممّا يمكن أن يُعقل هو العقل الفعّال الّذي هو بوجوده البسيط المجرّد
جامع
للحقائق كلّها (كما تقدّم في الأمر الثاني) فالنفس عند التجرّد التامّ تعقل العقل
الفعّال لكن التعقّل إنّما هو باتّحاد العاقل و المعقول (كما تقدّم في الأمر
الأوّل) فالنفس عند التجرّد التامّ تتّحد مع العقل الفعّال و هو جامع بوجوده البسيط
لكلّ الحقائق فالمتّحد معه (و هو النفس) جامع للحقائق كلّها، فهي عالَم علميّ مضاهٍ
للحقائق العينيّ و هو المطلوب.
هذا معارض لما تقدّم في آخر الفصل الثالث من أنّ النفس تنشيء أحيانا صورا حقّة صالحة و أحيانا صورا جزافيّة تعبث بها فتدبّر.
تقدّم في آخر المرحلة الثامنة أنّ العلل الجسمانيّة لا تفعل إلاّ مع وضع خاصّ بينها و بين المادّة المنفعلة، فلو فرض أنّ الأمر المادّيّ يفيض هذه الصور المجرّدة للنفس لوجب ان يتخلّل بين ذلك الأمر المادّيّ و النفس المنفعلّة وضع خاصّ لكن لمّا كانت النفس مجرّدة و لا وضع بينها و بين غيرها كان شرط تأثير الأمر المادّيّ مفقودا فلا يمكن أن تكون المفيض أمرا مادّيّا.
لأنّ العقل المفيض من العلل العالية لسائر الممكنات (كما تقدّم في الفصل الثالث) و العلّة جامعة بوجودها لمعلولها و لمعلول معلولها، فالعقل المفيض جامع بوجوده البسيط المجرّد لحقائق الممكنات، فحقائق الممكنات معقولة له عقلا إجماليّا بسبب حضور ذاتها البسيطة الجامعة لحقاتق الممكنات لذاتها.
فإن قلت: الصورة العقليّة المفاضة إن كانت نفس ما تتّحد معه النفس الّذي هو
العقل المفيض كان العقل المفيض و الصورة العقليّة المفاضة على النفس شيئا واحدا و
هو محال، لاستلزامه تقدّم الشيء على نفسه.
و إن كانت غير ما تتّحد معه النفس كان هذا منافيا لما سبق من أنّ التعقل عبارة عن
اتّحاد العاقل و المعقول؛ فإنّ النفس في هذا الفرض تتّحد مع العقل المفيض لكنّها
تعقل صورة أخرى غيرما تتّحد معه.
قلت: يمكن الجواب عنه بأن يقال: إنّا نختار أنّ الصورة العقليّة المفاضة نفس ما
تتّحد معه النفس لكن نمنع استلزامه تقدّم الشيء على نفسه، لأنّ للعقل المفيض
المسمّى بالعقل الفعّال وجودا لنفسه و وجودا لأنفسنا، و بعبارة أخرى: إنّ المفاض
على النفس و المتّحد معه النفس ظهوراته لنا و ظهور الشيء عين الشيء بوجه و غيره
بوجه و المفيض على النفس وجه منه و هو وجوده لنفسه و المفاض على النفس و المتّحد
معها وجه آخر منه و هو وجوده و ظهوره لأنفسنا، فلا يلزم تقدّم الشيء على نفسه.
أي في الفصل السابق من المرحلة الخامسة ، ثمّ إنّ انحصار النوع المجرد في الفرد بعد تماميّة برهانه لايلزم منه أن تكون سلسلة العقول طوليّة لجواز أن يكون في كلّ حلقة عقول كثيرة مختلفة الماهيّة منحصرة في الفرد.
إنّ كثرة العقول المتبائنة تتصوّر على أحد وجهين: طوليّ و عرضيّ، و الأوّل و هو الكثرة الطوليّة أن يوجد عقل ثم يصدر منه عقل آخر ثم يصدر من العقل الثاني عقل ثالث و هكذا و كلّما وجد عقل زادت جهة أو جهات فيه حتّى ينتهي إلى عقل تتحقّق فيه جهات من الكثرة بحيث يفي بصدور النشأة الّتي بعد نشأة العقل، و الثاني و هو الكثرة العرضيّة أن ينتهي العقول الطوليّة إلى عقول لا علّيّة و لا معلوليّة بينها بحذاء الأنواع المادّيّة يدبّر كلّ منها ما بحذائه من النوع المادّيّ و تسمّى هذه العقول ارباب الأنواع و المثل الأفلاطونيّة.
لأنّ جهات الكثرة في العقل الأخير يفي بصدور الكثرات المادّيّة بخلاف العقول
العالية.
هذه تفسير لقوله «معلوم واحد»، فالمراد من وحدة المعلوم في التصوّر عدم تقارنه للإيجاب أو السلب لا عدم تعدّد التصوّرات كما توهّم فلا يرد عليه أنّ من التصوّر ما هو مركّب تركيبا ناقصا لا يصحّ السكوت عليه كالتركيب الإنضماميّ و مقدّم الشرطيّة، فلا تغفل.
لمّا كان التصديق قسما من العلوم الحصوليّة عرّفه المصنّف بأنّه هو الصورة الذهنيّة
الّتي معها إيجاب أو سلب و هذا بخلاف مذهب الحكماء حيث قالوا إنّ التصديق نفس الحكم
مع أنّ الحكم من العلوم الحضوريّة لا الحصوليّة.
قال صدر المتألّهين: «إنّ هيهنا أمورا ثلثة: أحدها نفس الحكم أي الإيقاع و الإنتزاع
و هو فعل نفسانيّ ليس من قبيل العلم الحصوليّ و الصورة الذهنيّة، و ثانيها تصوّر
هذا الحكم و هو أيضا من قبيل العلم الحصوليّ الصوريّ لكنّه ليس بتصديق بل من أفراد
مقابل التصديق ... و ثالثها التصوّر الّذي لا ينفكّ عن الحكم بل يستلزمه و هذا هو
التصديق المقابل للتصوّر القسيم له».(1)
1. راجع: رسالة التصوّر و التصديق لصدر المتألّهين.
فيه أنّ الموضوع و المحمول في الهليّات البسيطة شيء واحد في الخارج و لذا لا نسبة هناك؛ إذ لا معنى لتخلّل النسبة بين الشيء و نفسه، أمّا في الذهن فإنّهما متغايران و إلاّ لكانت القضيّة في الهليّات البسيطة مركّبة من جزئين و هما الموضوع و الحكم لا من أجزاء ثلاثة لكن التالي باطل فالمقدّم مثله، فإذن النسبة بين الموضوع و المحمول في الهليّات البسيطة متخلّلة، إذ وعاء القضيّة هو الذهن لا الخارج فالمعيار في تعداد أجزائها هو الذهن لا الخارج.
هكذا تكون العبارة في النسخ الموجودة عندنا لكن الظاهر أنّ العبارة الصحيحة هكذا: «إنّ القضيّة الحمليّة السالبة مؤلّفة من الموضوع و المحمول و النسبة الحكميّة الإيجابيّة و لا حكم فيها ...»؛ لأنّ السالبة ترفع ما تثبت الموجبة و إلاّ لم تكن السالبة نقيضا للموجبة، فالنسبة الموجودة في القضيّة السالبة هي النسبة الموجودة في الموجبة، أضف إلى هذا أنّ هذه العبارة المصحّحة موافقة للعبارة الموجودة في بداية الحكمة فراجع.
لمّا كان التقابل بين القضيّة الموجبة و السالبة تناقضا و كان مفاد القضيّة الموجبة
هو الحكم باتّحاد الموضوع و المحمول كان من الواجب أن تكون القضيّة السالبة فاقدة
للحكم لأنّ نقيض كلّ شيء رفعه، فالقضيّة السالبة ترفع فيها الحكم فتكون فاقدة للحكم
هذا من جانب و من جانب آخر إنّ القضيّة السالبة وجب أن يكون لها الحكم لوجهين:
الأوّل أنّه لو لم يكن في السالبة حكم لم تكن تامّة أي لم يصحّ السكوت عليها لكن
التالي باطل بالضرورة (فانّ السوالب تصحّ السكوت عليها كالموجبات) فالمقدّم مثله.
الثانيأنّه لو لم يكن في السوالب حكم لم يبق فرق بين القضايا السالبة و المشكوكة،
فإنّ السالبة و المشكوكة مشتركتان في تصوّر الموضوع و المحمول و النسبة بينهما، فلو
لم يكن افتراقهما بوجود الحكم في السالبة و عدم الحكم في المشكوكة لم يبق فرق،
بينهما لكن هذا التالي باطل بالضرورة (فإنّ بين العلم بعدم قيام زيد مثلاً و الشكّ
في قيامه فرقا بالضرورة) فكذا المقدّم، فإذن البرهان قائم بوجود الحكم و بعدمه معا
في السوالب، فهذه عويصة وجب حلّها، فنقول بعون اللّه إنّ القضايا السالبة
فاقدة للحكم بالذات واجدة له بالعرض.
بيان ذلك: أنّ القضيّة السالبة بما هي سالبة لا حكم فيها، لأنّ السالبة نقيض
الموجبة و مفاد الموجبة هو الحكم بالاتّحاد بين الموضوع و المحمول و نقيض الحكم
بالاتّحاد (الّذي هو مفاد السالبة) عدم الحكم بالاتّحاد، فإذن السالبة فاقدة للحكم
لكن النفس بعد مقايسة الموضوع و المحمول في السالبة تدرك مغايرتهما بحسب الوجود،
فتحكم بقضيّة أخرى موجبة، فإنّ النفس بعد مقايسة الإنسان و الحجر مثلاً تدرك
مغايرتهما وجودا، فتحكم بقضيّة «الإنسان مغاير للحجر»، فهذه قضيّة موجبة تحكم فيها
باتّحاد موضوعها و هو «الإنسان» ومحمولها و هو «مغاير للحجر»، ثم لمّا كانت قضيّة
«الإنسان مغاير للحجر» تلزمها قضيّة «الإنسان ليس بحجر»، (لأن الحكم بالمغايرة
يلزمه عدم الحكم بالاتّحاد) جعلت النفس هذا اللازم مكان الملزوم، فتوهّم انّ
القضيّة اللازمة (و هي السالبة) واجدة للحكم، ففي الحقيقة الحكم موجود في تلك
الموجبة لكن لمّا كانت تلك الموجبة ملازمة للسالبة توهّمت النفس أنّ الحكم موجود في
السالبة، فظهر أنّ السالبة لا حكم فيها بالذات و ان كان فيها موجودا بالعرض؛ و
تبيّن ممّا تقدّم: أوّلاً أنّ صحّة السكوت في السالبة إنّما هي بلحاظ كونها واجدة
للحكم بالعرض .
ثانيا أنّ الفرق بين السالبة و المشكوكة حاصل، لأنّ المشكوكة لا حكم فيها أصلاً لا
بالذات و لا بالعرض بخلاف السالبة، فإنّ فيها حكما بالعرض.
و ثالثا أنّ كلّ قضيّة سالبة لازم لقضيّة موجبة أخرى موضوعها موضوع السالبة و
محمولها عنوان «المغاير» منسوبا إلى المحمول المذكور في السالبة، كقولنا: «مغاير
للحجر» في المثال السابق.
و إلاّ لم يكن تقابل السلب و الإيجاب تقابل التناقض بل تقابل التضاد .
إذا كان المعيار في الحاجة إلى تصوّر النسبة هو الحكم فهذا المعيار موجود في
الهليّات البسيطة لأنّ من أجزائها الحكم كما اعترف به المصنّف رحمهالله فالنسبة في
الهليّات البسيطة متخلّلة و إن لم تكن من أجزائها.
فإن قلت: إنّ النسبة الحكميّة إنّما هي تصاحب القضايا من جهة كون المحمولات في
الهليّات المركّبة موجودة للموضوعات، فيضطرّ الذهن إلى تصوّر ارتباطها
بالموضوعات(1) أمّا الهليّات البسيطة لمّا لم تكن المحمولات فيها موجودة للموضوعات
بل إنّها عين الموضوعات فلا اضطرار للذهن إلى تصوّر ارتباطها بالموضوعات.
قلت: إنّ وجود الأشياء غير زائد على ماهيّاتها في الخارج، و أمّا في الذهن فإنّ
الوجود زائد على الماهيّة فليس المحمول عين الموضوع في الذهن، ففي الذهن الّذيهو
وعاء القضيّة تتخلّل النسبة بين الموضوع و المحمول (لأنّ المعيار و هو الحكم موجود)
و إن كان التخلّل في الخارج محإلاّ إذ لا معنى لتخلّل النسبة بين الشيء و نفسه.
1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 1 / 366.
توضيحه: أنّ للموضوع «كزيد» و المحمول «كالقائم» اتّحادا بحسب الوجود في الخارج و النفس عند ما تتلقّى زيدا القائم يحصل لها منه صورة واحدة و هي صورة زيد القائم، ثم إنّ النفس قد تجد زيدا قاعدا فيحصل لها منه صورة أخرى و هي صورة زيد القاعد، ثم تقيس النفس هاتين الصورتين فترى أنّهما مشتركتان في زيد و مختلفتان في القيام و القعود، فتستعدّ بذلك أن تفهم أنّ زيدا القائم ليس شيئا واحدا فحسب، بل له جهة كثرة في عين كونه شيئا واحدا، و بتعبير آخر: إنّ النفس قبل المقايسة تجد زيدا القائم شيئا واحدا و بعد المقايسة تجد ذلك الشيء الواحد معنونا بعنوانين: عنوان زيد و عنوان القائم، فتُجزّي ذلك الشيء الواحد إلى عنواني زيد والقائم، فإذن قد حصل هنا للنفس أمران: الأوّل أنّ ذلك الشيء الواحد ينحلّ إلى زيد و القائم، و الثاني أنّ زيدا و القائم متّحدان في الوجود؛ لأنّ النفس قد رأتهما صادقين على ذلك الشيء الواحد ثمّ النفس إذا أرادت حكاية ما وجدته من الخارج (و هو الاتّحاد بين زيد و القائم) أخذت زيدا و القائم المخزونين عندها فجعلتهما واحدا بعد ما وجدتهما كذلك في الخارج، فهذا الجعل المسبوق بإدراك الإتّحاد بين الموضوع و المحمول هو الحكم.
إنّ الحكم مسبوق بإدراك الإتّحاد بين الموضوع و المحمول، لأنّ النفس لا تجعل
الموضوع و المحمول واحدا من غير توجّه إلى ما وجدته من الخارج، بل النفس تجعلهما
واحدا بعد ما وجدتهما كذلك في الخارج و لذا نرى أنّ النفس عند الشكّ لا تحكم بحكم
أصلاً، فإذن الحكم فعل يصدره النفس مطابقا لما وجدته من الخارج فيكون حاكيا عن
الخارج و هذا بخلاف ساير أفعال النفس، فإنّ الارادة مثلاً فعل صادر من النفس لكنّها
لا تحكي عن الخارج، لأنّ النفس أوجدتها من غير توجّه إلى ما وجدته من الخارج.
المفهوم كلّما كان أعمّ كان أجزائه المأخوذة فيه عند التحليل أقلّ، فكان وضوحه عند الذهن أكثر و خفائه أقلّ و لذا كان المفاهيم العامّة الّتي لا أعمّ منها كالوجود و الشيء و الوحدة و غيرها أبده المفاهيم و لذا مثّل المصنّف بهذه المفاهيم.
لا يخفى أنّ الوجدانيّات ليست قسما برأسه بل هي قسم من المحسوسات و أيضا أنّ الحدسيّات و هي قسم من الأقسام الستّة لم تذكر في كلام المصنّف رحمهالله و لذا نقول «كما قالوا» إنّ البديهيّات ستة: الأوّل الأوّليّات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بمجرّد تصوّر طرفيها كالكلّ أعظم من الجزء، الثاني المحسوسات و يقال لها المشاهدات أيضا و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسطة الإحساس إمّا بواسطة الحسّ الظاهر و تسمّى الحسّيّات كالعلم بأنّ الشمس مضيئة و امّا بواسطة الحسّ الباطن و تسمّى الوجدانيّات كالعلم بأنّ لنا خوفا، و الثالث المتواترات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسطة السماع من جمع كثير أحال العقل تواطئهم على الكذب كالمكّة موجودة، و الرابع التجربيّات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بمشاهدة متكرّرة مفيدة لليقين كالحديد ينبسط عند التسخّن، و الخامس الفطريّات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسطة لا تغيب عن الذهن عند تصوّر حدودها كالأربعة زوج، فانّ من يتصوّر الأربعة و الزوج يتصوّر الإنقسام بمتساويين في الحال و يرتّب في ذهنه أنّ الأربعة منقسمة بمتساويين و كلّ منقسم بمتساويين فهو زوج فالأربعة زوج ، و السادس الحدسيّات و هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بحدس قويّ من النفس مفيد للعلم كالحكم بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس لاختلاف تشكّلاته النوريّة بحسب اختلاف أوضاعه من الشمس.
و لذا لا يمكن البرهان على هذه القضيّة البديهيّة إذ كلّ قضيّة مأخوذة في البرهان انّما صحّ أن يستدلّ بها اذا كانت يقينيّة الصدق حتّى تنتج اليقين، لكن إذا لم تمنع القضيّة من نقيضها كان ذلك النقيض محتمل الصدق و احتمال صدق النقيض يوجب احتمال كذب الأصل فلا يكون يقينيّ الصدق حتّى ينتج البرهان المركّب منها يقينا، و بعبارة أخرى: صدق القضيّة المأخوذة في برهانه متوقّف على صدق هذه القضيّة البديهيّة (إذ لولاها لكان نقيضها محتمل الصدق، فيوجب أن يكون أصل القضيّة محتمل الكذب فلا ينتج البرهان منها يقينا) فيلزم الدور.
و هو مركّب من مقدّمتين: إحديهما شرطيّة و الأخرى وضع أو رفع لأحد جزئي الشرطيّة و لمّا كانت الشرطيّة هنا منفصلة حقيقيّة أنتج وضع المقدّم رفع التالي و وضع التالي رفع المقدّم و رفع المقدّم وضع التالي و رفع التالي وضع المقدّم بأن نقول: إمّا أن يكون الإيجاب صادقا أو يكون السلب صادقا لكن الإيجاب صادق فليس السلب صادقا، أو نقول: لكن السلب صادق فليس الإيجاب صادقا، أو نقول: لكن الإيجاب ليس بصادق فالسلب صادق أو نقول لكن السلب ليس بصادق فالإيجاب صادق.
لأنّ الشكّ في قولنا: «إمّا أن تكون القضيّة صادقة أو نقيضها» معناه أنّ النقيض محتمل الصدق عند صدق الأصل لكن احتمال صدق النقيض يوجب احتمال كذب الأصل بالضرورة فلا يكون الأصل معلوم الصدق بل هو مشكوك الصدق.
و إلاّ أمكن كذب النقيضين عند صدق الواسطة و هو باطل بالضرورة.
تقدّم البحث عنه في الفصل السادس من المرحلة السابعة فراجع إن شئت.
كالعلم بانّ كلّ قضيّتين متناقصتينفإنّ إحديهما باطلة كاذبة و العلم بأنّهما لا يجتمعان و لا يرتفعان و كالعلم بوجود القضايا و أجزائها، لأنّ حكمه بصدق قضيّة أو كذبها فرع وجود القضيّة في موطنها الخاصّ فاُلزم بوجود القضيّة و أجزائها و موطنها الّذي هو الذهن، ثم لمّا كان الصدق و الكذب عبارة عن تطابق القضيّة و عدم تطابقها مع الواقع اُلزم بوجود الواقعيّات حتّى تكون القضيّة مطابقة أو غير مطابقة لها فتكون صادقة أو كاذبة.
فإن اعترف بالألم في بدنه فقد اعترف بعلم مّا فيضاف إليه تسليمه لقضيّة أولى الأوائل و تعقب ذلك علوم أخرى كما مرّ و إن لم يعترف بالألم، فليضرب ثانيا حتّى الإعتراف، هذا جواب له بالعمل أمّا الجواب العلميّ فنقول: إنّ إظهار الشكّ في الشكّ اعتراف بالشكّ أيضا، لأنّ الشكّ في الشكّ شكّ أيضا، فإظهاره اعتراف بالشكّ، و ثانيا إنّ الإنسان لو شكّ في شيء لم يمكن أن يشكّ في ذلك الشكّ، إذ فرض الشكّ في شيء عين فرض العلم بوجود ذلك الشكّ، لأنّ الشكّ معلوم بالعلم الحضوريّ و العلم الحضوريّ عين وجود المعلوم، ففرض الشكّ في الشيء عين فرض معلوميّة الشكّ فلا يمكن أن يكون الإنسان شاكّا في شكّه.
هكذا تكون العبارة في النسخ الموجودة عندنا لكن الصحيح هكذا: «فتسلم طرفي النقيض في المسألة بعد المسألة» كما في بداية الحكمة.
أي كما أنّ علمهم بوجود الأناسيّ كاشف عن وجود الأناسيّ في الخارج، كذلك علمهم بوجود الأشجار مثلاً كاشف عن وجود الأشجار في الخارج و لا فرق بينهما حتّى يقال: إنّ الأوّل كاشف عن وجود الأناسيّ في الخارج و الثاني غير كاشف عن وجود الأشجار.
فإنّ الباصرة ترى قرص القمر مثلاً أصغر بمراتب من مقداره الحقيقيّ و اللامسة تحسّ الحرارة من ماء، إذا كان مسبوقا بإحساس البرودة و تحسّ البرودة من نفس ذلك الماء إذا كان مسبوقا بإحساس الحرارة .
لأنّ الصدق و الكذب عبارة عن تطابق المدركات و عدمها مع الحقائق الخارجيّة، فلو لم تكن هناك حقائق خارجيّة تطابقها المدركات أو لا تطابقها، ليس للصدق و الكذب والصواب و الخطاء معنى.
الفرق بين هذا القول و الأقوال السابقة أنّ القائل بهذا القول يعترف بوجود الحقائق الخارجيّة وراء الإدراك لكن يقول إنّ إدراكاتنا لا تكون كاشفة عنها بخلاف الأقوال السابقة، فإنّ القائلين بالأقوال السابقة ينكرون الحقائق الخارجيّة وراء الإدراك أو يظهرون الشكّ فيها.
فإنّ قولكم: «لا شيء من المعلوم يطابق الخارج» نفسه قضيّة معلومة فهو محكوم بعدم المطابقة مع الواقع، فمن أين جاء اعتقادكم بصحّة هذا القول، و أيضا الحكم بعدم المطابقة فرع العلم بالواقع على ما هو عليه، لأنّ الإنسان لو لم يعلم الواقع لم يعلم أنّ الصورة الحاصلة في ذهنه مطابقة للواقع أو غير مطابقة له، فلازم الحكم بعدم كاشفيّة العلم عن الواقع الكاشفيّة عن الواقع و هذا هو التناقض المحال و استحالة التناقض تستلزم استحالة عدم كاشفيّة العلم عن الواقع.
قد تقدّم أنّ القائل بهذا القول يعترف بأنّ هناك حقائق خارجيّة وراء الإدراك لكن يقول انّ ادراكاتنا لا تكون كاشفة عنها، فنقول إنّ عدم كاشفيّة العلم يوجب الشكّ في جميع الأمور حتّى في قولكم: «إنّ هناك حقائق وراء الإدراك»، فمأل قولكم إنكار مطلق العلم الّذيهو السفسطة.
قد فسّر بعض المعاصرين القائلين بهذا القول، شرائط الوجود بالتغيّرات الحاصلة في
العلوم فإنّه قال إنّ التغيّر في كلّ علم يوجب التغيّر في كلّ المعارف البشريّة،
فالقضيّة الصادقة في زمان صارت كاذبة إذا ترقّت المعارف البشريّة، و يردّ هذا القول
امور:
الأوّل أنّ هذا القول يناقض نفسه كما سيأتي بيانه .
الثاني أنّ التغيّر في علم لو كان موجبا للتغيّر في جميع المعارف البشريّة للزم
الخلف أو التسلسل أو الدور، لأنّ حدوث حالة في علم إن لم يكن بسبب حدوث حالة أخرى
في علم آخر لم يكن زوال تلك الحالة في العلم المفروض بزوال حالة في سائر العلوم
لأنّ الشيء إذا لم يكن وجوده معلولاً لوجود شيء لم يكن عدمه معلولاً لعدم ذلك
الشيء، فتلك الحالة في العلم المفروض باقية ثابتة و إن زال عن سائر العلوم حالاتها،
فالعلم المفروض مصون عن التغيّر و إن حصل التغيّر في سائر العلوم و هذا خلف، إذ
المفروض أنّ التغيّر في كلّ علم يوجب التغيّر في جميع المعارف البشريّة، و إن كان
بسبب حدوث حالة في علم آخر نقلنا الكلام في تغيّر ذلك العلم الآخر و نقول: إنّ حدوث
حالة فيه أيضا بسبب حدوث حالة في علم آخر على الفرض و هلمّ جرّا، فإمّا أن يذهب
الأمر إلى غير النهاية و هو التسلسل أو يرجع إلى حدوث تلك الحالة الأولى في العلم
المفروض و هو الدور و التالى بشقوقه باطل فكذا المقدّم.
الثالث أنّ كاشفيّة العلم عن الواقع صفة لازمة ضروريّة الثبوت له، أي العلم بذاته
من دون دخل شيء آخر كاشف عن الواقع حاك عن الخارج بالضرورة و البرهان عليه أنّ
العلم لو لم يكن بذاته كاشفا عن الواقع للزم التناقض و التالي باطل بالضرورة فكذا
المقدّم، أمّا بيان الملازمة فإنّا إذا فرضنا أنّ «ج» معيار تامّ لثبوت «ب» لـ «ج»
كان «ج» «ب» بالضرورة؛ لأنّ تخلّف المعلول عن علّته التامّة محال، ثم
إنّا إذا فرضنا حصول العلم بانّ «ج» «ب» فإن كان علمنا بذلك مطابقا للواقع من دون
دخل للغير في المطابقة كان العلم بذاته كاشفا عن الواقع من دون دخل للغيّر في
كاشفيّته و هو المطلوب، و إن لم يكن علمنا بأنّ «ج» «ب» مطابقا للواقع لزم أن يكون
الواقع خلاف ما اعتقدناه من انّ «ج» «ب» فيجب أن لا يكون «ج» «ب» في الواقع، لكن
لمّا كان «ج» معيارا تامّا لثبوت «ب» لـ «ج» كان من الواجب أن يكون «ج» «ب» في
الواقع فيجب أن يكون «ج» «ب» و أن لا يكون «ج» «ب» و هذا هو التناقض، فإذن ثبت أنّ
العلم بذاته مـن دون دخل للغير كاشف عن الواقع.
برهان آخر إنّ العلم لو لم يكن بذاته كاشفا عن الواقع لكان جهلاً و التالي باطل
فكذا المقدّم أمّا الملازمة: فلأنّ الجهل ليس إلاّ عدم انكشاف الواقع للمدرك و
المفروض هنا أنّ الشيء كما هو عليه في الواقع لا ينكشف بنفس العلم فيكون العلم
بالشيء جهلاً به و أمّا بطلان التالي فلانّ العلم و الجهل متقابلان و المتقابلان لا
يمكن اجتماعهما في شيء واحد، فلا يمكن أن يكون العلم بالشيء جهلاً به فإذن ثبت أنّ
العلم بذاته كاشف عن الواقع ففرض تحقّق العلم بالشيء مساوق لفرض انكشاف ذلك الشيء
كما هو عليه في الواقع فلا يمكن تحقّق العلم بشيء بدون انكشاف ذلك الشيء كما هو
عليه في الواقع.
فإن قلت: الواقعيّات الخارجيّة متبدّلة دائما فلو كان العلم ثابتا لا يتغيّر للزم
عدم انطباق العلم على الواقع، فيكون كاذبا فلم يكن كاشفا عن الواقع فتغيّر العلم
بتبع تغيّر الواقع شرط في كاشفيّة العلم فلم يكن العلم بذاته كاشفا عن الواقع.
قلت: ليس معنى تغيّر العلم بتبع تغيّر الواقع بطلان العلم السابق و زوال صدقه بل
معناه حصول علم جديد بواقعيّة جديدة من دون أن يصير العلم السابق كاذبا، فانّا إذا
علمنا بقيام زيد في ساعة كان هذا العلم أي العلم بانّ زيدا قائم في تلك الساعة
صادقا كاشفا عن قيام زيد في تلك الساعة و لو لم يكن زيد قائما فيما بعد تلك الساعة.
ثم إذا ثبت أنّ العلم بذاته كاشف عن الواقع ثبت أنّ القضية المعلومة بما هي معلومة
ضروريّة الصدق، لأنّ الصدق عبارة عن مطابقة العلم للمعلوم الخارجيّ و العلم إذا كان
بذاته كاشفا عن الشيء كما هو عليه في الواقع كان مطابقا للواقع
بالضرورة، فكلّ قضيّة معلومة وجب أن تكون صادقة و إلاّ لم تكن كاشفة عن الواقع فلم
تكن معلومة و هذا خلف؛ فالصدق كالكاشفيّة صفة لازمة ضروريّة الثبوت للقضيّة
المعلومة و إذا ثبت أنّ الصدق صفة لازمة ضروريّة الثبوت للقضيّة المعلومة ثبت أنّ
زواله عن القضيّة المعلومة محال، لأنّ زوال اللازم الضروريّ عن ملزومه محال، فإذن
القضيّة إذا كانت صادقة في ظرف كما هو المفروض فهي صادقة دائما فلا يمكن أن تكون
صادقة في ظرف و كاذبة في ظرف آخر، فالترقّي في سائر المعارف البشريّة لا يؤثّر في
صدق قضيّة معلومة أصلاً، إذ لو أثّر لم يكن العلم بذاته صادقا مطابقا للواقع بل
يحتاج فيه إلى الغير فلم يكن بذاته كاشفا و قد تقدّم بطلانه، فإذن القول بانّ صدق
العلم نسبيّ باطل، نعم الإنسان قد يخطأ فيزعم ما ليس بعلم علما فيلتزم بصدق قضيّة
ثمّ ينكشف له خطائه في ذلك، فيلتزم بكذبها لكن هذا لا يضرّ بما تقدّم من أنّ
التغيّر في صدق القضيّة المعلولة محال لأنّ الواقع في تلك القضيّة المفروضة مجهول
حقيقة و لا علم لنا بذلك فالتغيّر فيه ليس تغيّرا في صدق قضيّة معلومة.
الدوام و الكلّيّة و الضرورة هنا بمعنى الدوام والكلّيّة و الضرورة في الصدق، أي المراد بها الدوام و الكلّيّة والضرورة في باب البرهان لا في باب القضايا و سيأتي تفسيرها في الفصل اللاحق.
إذ لو كان قولكم: «العلوم نسبيّة» نفسه من العلوم النسبيّة لكان اللازم أن يكون هذا القول صادقا في بعض الشرائط و غير صادق في بعض آخر و إذا لم يكن صادقا في بعض الشرائط كان اللازم أن يصدق نقيضه في تلك الشرائط و هو قولنا: «بعض العلوم ليس نسبيّا» فيكون ذلك البعض صادقا مطلقا فيناقض قولكم «العلوم نسبيّة».
سيأتي في الفصل اللاحق أنّ الإنسان يعتبر المفاهيم النفس الأمريّة الحقيقيّة لأنواع
الأعمال التي هي حركات مختلفة و متعلّقاتها، للحصول على غايات حيويّة
مطلوبة كاعتبار الرئاسة لرئيس القوم ليكون من الجماعة بمنزلة الرأس من البدن في
تدبير أموره، فهذه المفاهيم تابعة في اعتبارها للغايات المترتبة عليها فتكون
نسبيّة.
لأنّ الخارجيّة و الذهنيّة ليستا عين ذات الماهيّة بل الماهيّة لمكان عدم أصالتها فرع للوجود، فإن كان خارجيّا فخارجيّة تترتّب عليها الآثار و إن كان ذهنيّا فذهنيّة لا تترتّب عليها الآثار، ثم قيّد الماهيّة بقوله «المقولة ...» لأنّ الماهيّة بالمعنى الأعمّ (أي ما به الشيء هو هو) شامل لبعض الإعتباريّات كالوجود.
فإنّ الوجود مثلاً إن ترتّب عليه الآثار كان خارجيّا فلم يدخل الذهن الّذي حيثيّته حيثيّة عدم ترتّب الآثار، و إن لم يترتّب عليه الآثار كان ذهنيّا لكن ليس هذا نفس حقيقة الوجود الخارجيّ؛ لأنّ ترتّب الآثار نفس حقيقة الوجود الخارجيّ فلو سلب ترتّب الآثار عن الوجود انقلب عن حقيقته و عمّا هو عليه، فليس الداخل في الذهن نفس حقيقة الوجود فإذن لا يمكن دخول حقيقة الوجود في الذهن.
«عنقاء شكار كس نشود دام بازگير».
و هي الصفات الّتي تتّحد مع الوجود مصداقا و تخالفه مفهوما فتكون من عوارض الوجود بتحليل الذهن.
لأنّ الوجود الذهنيّ وجود عارض على نفس ما يقبل الوجود الخارجيّ (و إلاّ لزم السفسطة كما تقدّم المرحلة الثالثة) و إنّما التفاوت في ترتّب الآثار و عدم ترتّب الآثار، فإنّ ما يعرضه الوجود الخارجيّ يترتّب عليه الآثار و ما يعرضه الوجود الذهنيّ لا يترتّب عليه الآثار، فلو فرض للعدم حيثيّة يعرضها الوجود الذهنيّ لوجب أن تكون تلك الحيثيّة نفس ما يقبل الوجود الخارجيّ مع أنّ المفروض أنّ العدم عين حيثيّة أنّه ليس في الخارج فلا يمكن أن يقبل الوجود إلاّ بانقلابه عن حيثيّته المفروضة له.
لما تقدّم من أنّ الوجود الذهنيّ عارض على نفس ما يقبل الوجود الخارجيّ، فلو لم يكن للشيء حيثيّة تقبل الوجود الخارجيّ لم يكن له وجود ذهنيّ و أيضا أنّ الوجود الذهنيّ وجود حاك فلو لم يكن للشيء وجود خارجيّ (و لو بالتقدير) يحكي عنه الوجود الذهنيّ لم يكن الوجود الذهنيّ وجودا ذهنيّا.
فإن قلت: على ما تقدّم من «أن لا وجود ذهنيّا لما لا وجود خارجيّا له» كيف يمكن أن
تكون لهذه المفاهيم مصاديق ذهنيّة فقط، فإنّه لو كان لهذه المفاهيم مصاديق ذهنيّة
لوجب أن يكون لها مصاديق خارجيّة و إلاّ بطلت القاعدة المتقدّمة.
قلت: إنّ القاعدة المتقدّمة تقول: إنّ الوجود الخارجيّ ثابت لما ثبت له الوجود
الذهنيّ، و الحيوان مثلاً بما أنّه مصداق لمفهوم الجنس ليس موجودا ذهنيّا و إن كان
موجودا في صقع النفس لكن ليس كلّ ما يوجد في النفس وجودا ذهنيّا لأنّ حيثيّة الوجود
الذهنيّ حيثيّة الحكاية عن الغير، فلا بدّ أن يكون ما به يُنظر إلى الغير لا ما
يُنظر إليه نفسه و الحيوان بما أنّه مصداق لمفهوم الجنس ليس ما به ينظر إلى مصاديقه
بل هو مصداق لمفهوم الجنس، فيُنظر إليه نفسه فإذن الحيوان الموجود في الذهن بهذا
الإعتبار ليس موجودا ذهنيّا حتّى يقال: إنّ ما كان له الوجود الذهنيّ لابدّ أن يكون
له الوجود الخارجيّ فتدبّر.
أي إنّ مصداقه يوجد في الذهن فقط و إن لم يكن هذا المصداق من الموجودات الذهنيّة لما تقدّم في الحاشية السابقة.
فانّ العلوم الحصوليّة منتزعة من المصاديق لما تقدّم في الفصل الثالث.
حاصله: أنّ النفس تحكم باتّحاد الموضوع و المحمول و الحكم الّذيهو فعل النفس وجود رابط تنشأه النفس بين الموضوع و المحمول، لأن تجعلهما واحدا ثم إنّ للنفس أن تنظر إلى فعله الّذيهو وجود رابط نظرا استقلاليّا مضافا إلى موصوفه بأن تتصوّر ثبوت المحمول للموضوع مستقلاًّ، كما أنّ للنفس أن تنظر إلى المعاني الحرفيّة نظرا استقلاليّا بأن تتصوّر معنى اسميّا كالابتداء لِمِن مثلاً، ثمّ إنّ النفس تجرّد هذا المعنى المضاف عن مايضاف إليه فتتصوّر الثبوت مفردا من غير إضافة و بهذا، تمّ انتزاع مفهوم الثبوت و الوجود عن مصداقه الموجود في صقع النفس.
تقدّم في الفصل الثامن أنّ النفس لا تجعل الموضوع و المحمول واحدا من غير توجّه إلى ما وجدته من الخارج بل النفس تجعل الموضوع و المحمول واحدا بعد ما وجدتهما واحدا في الخارج و لذا عند الشكّ لا تحكم بالاتّحاد، فإذن الحكم فعل من النفس يبيّن ما وجدته من الخارج فهو حاك عن الخارج.
أي ما صدق عليه مفهوم الوجود مثلاً و إن كان مصداقا لمفهوم الوجود لكن مصاديق الوجود ليست بأفراد ذاتيّة للوجود بل بالعرض بخلاف أفراد الماهيّات؛ فإنّ الأفراد الخارجيّة للماهيّات أفراد ذاتيّة لها، لانحفاظ الماهيّة في موطن الذهن و الخارج فصدق مفهوم الإنسان مثلاً على فرده الخارجيّ صدق على نفس حقيقته لا على أمر خارج من حقيقته، فمصداقه الخارجيّ مصداق حقيقيّ له لكن الأفراد الخارجيّة للوجود ليست أفرادا ذاتيّة للوجود، لأنّ الحاصل في الذهن من الوجود ليس هو حقيقة الوجود (لمامرّ توضيحه) فليس الوجود الخارجيّ متّحد الحقيقة مع الحاصل في الذهن من الوجود حتّى يكون صدقه على فرده الخارجيّ صدقا على فرده الحقيقيّ، فإذن ليس صدق الوجود على أفراده نظير صدق الماهيّة على أفرادها بل نظير صدق مفهوم الأبيض على أفراد الإنسان، فإنّ زيدا و عمروا و غيرهما ليسوا أفرادا ذاتيّة للأبيض بما هو البيض بل أفراد له بالعرض.
أمّا الوجوب فإنّ النفس إذا حكمت بثبوت الشيء لنفسه في قضيّة «الإنسان إنسان» مثلاً
تجد بالضرورة أنّ هذا الثبوت ثبوت ضروريّ و لمّا كان هذا الثبوت الّذي هو وجود رابط
تنشأه النفس بين الموضوع و المحمول معلوما للنفس بالعلم الحضوريّ كان الوجوب و
الضرورة الّذي هو وصف ذلك الثبوت معلوما للنفس بالعلم الحضوريّ أيضا ثمّ إنّ النفس
تأخذ من هذا المعلوم الحضوريّ مفهوم الوجوب و الضرورة.
و أمّا الوحدة فإنّ النفس جعلت الموضوع و المحمول واحدا في القضيّة الموجبة فتجد من
فعلها (و هو الحكم) واقعيّة الوحدة ثمّ تأخذ منها مفهوم الوحدة و كذا النفس في
القضيّة السالبة تجد مغايرة و تطاردا بين الموضوع و المحمول فتأخذ منها مفهوم
الكثرة.
و أمّا الفعل و هو حيثيّة ترتّب الآثار المطلوبة على الشيء، فإنّ النفس تجد ترتّب
آثار نفسها على ذاتها فتأخذ من هذا الترتّب (المعلوم بالعلم الحضوريّ) و أمثاله
مفهوم الفعل؛ و أمّا القوّة ففيها خفاء، لأنّ طريق حصول المفهوم للذهن كما تقدّم
عبارة عن إنتزاع الصورة الذهنيّة عن واقعيّة المدرك الّذي هو معلوم للنفس بالعلم
الحضوريّ و القوّة الّتي هي حيثيّة عدم ترتّب الآثار المطلوبة على الشيء غير موجودة
بواقعيتها عند النفس؛ إذ كلّما حضر واقعيّتها للنفس فهو مجرّد و لازم تجرّده ترتّب
جميع آثاره عليه، فلا يكون عند النفس وجود بالقوّة حتّى تأخذ منه مفهوم القوّة.
و يمكن أن يقال: إنّ النفس لمّا كانت متّحدة مع البدن المادّي تجد البدن المادّيّ
بالعلم الحضوريّ فتجد إمكانات البدن و إستعداداته للكمالات أيضا بتبع وجدانها
البدن ثم تأخذ من هذا المعلوم الحضوريّ الأخير مفهوم القوّة فتدبّر.
تقدّم في الفصل الثامن أنّ القضايا السالبة لا حكم فيها إلاّ بالعرض، بمعنى أنّ
السالبة بما هي سالبة لاحكم فيها لكن لمّا كان كلّ قضيّة سالبة لازما لقضيّة موجبة
أخرى و الموجبة واجدة للحكم جعلت النفس هذا اللازم مكان الملزوم فتوهّمت أنّ
السالبة، واجدة للحكم مع أنّ الحكم في الحقيقة للموجبة الّتي هي ملزومة للسالبة لا
لنفس السالبة بما هي سالبة فإذن النفس و إن لم تحكم في القضيّة السالبة بحكم لكنّها
اعتبرت عدم حكمها حكما مجازا بعلاقة اللزوم بين الموجبة الملزومة و السالبة اللازمة
و إذا اعتبرت عدم حكمها حكما تُجري خواصّ الحكم على عدم حكمها، لأنّها اعتبرته حكما
و من جملة خواصّ الحكم أنّه فعل النفس (كما تقدّم) فإذن كما اعتبرت عدم حكمها في
السالبة حكما كذلك تعتبر عدم حكمها فعلاً.
ثم لمّا اعتبرت عدم حكمها فعلاً أمكن أن تأخذ منه صورة ذهنيّة، لأنّ العدم بما هو
عدم لا شيئيّة له حتّى يمكن أخذ المفهوم عنه لكن النفس إذا اعتبرت عدم حكمها فعلاً
يخرج عدم الحكم عن كونه عدما محضا، فيصير موجودا و لو اعتبارا فيمكن أخذ الصورة عنه
و لذا تأخذ النفس صورة ذهنيّة من هذا العدم الّذي اعتبرته فعلاً، كما أنّها تأخذ
صورة ذهنيّة من حكمها الّذي هو فعل لها حقيقة، و هذه الصورة المأخوذة هي مفهوم سلب
المحمول عن الموضوع ثم إنّ النفس تحذف المضاف إليه عن هذا المفهوم فتتصوّر السلب و
العدم مطلقا.
لأنّ الحدّ يتركّب من الجنس و الفصل و الجنس و الفصل من أجزاء الماهيّة، فيكونان من سنخ الماهيّات فإذن الحدّ للماهيّة و بالماهيّة لكن المفاهيم الإعتباريّة ليست من الماهيّات حتّى يكون لها حدّ أو تؤخذ في حدّ.
فانّ المفهوم الكلّيّ عبارة عن ما لايأبى عن الصدق على كثيرين و لمّا كان أفراد الماهيّات أفرادا لها بالذات (لانحفاظ حقيقتها في الذهن و الخارج) كان صدق الماهيّة على أفرادها صدقا حقيقيّا، فكان اتّصاف الماهيّات بالكلّيّة اتّصافا حقيقيّا و بالذات و أمّا المفاهيم الإعتباريّة فلمّا لم يكن أفرادها أفرادا بالذات (لاختلافها مع أفرداها في الحقيقة) لم يكن صدقها على أفرادها صدقا حقيقيّا بل مجازيّا و بالعرض، فإذن اتّصاف المفاهيم الإعتباريّة بالكلّيّة اتّصاف مجازي و بالعرض.
فإنّ الإضافة موجودة بوجود طرفيها، إذ لو وجدت بوجود منحاز لوجب أن تتقوّم بموضوعها، لأنّها عرض و العرض متقوّم بموضوعه لكن التقوم بالموضوع نفسه من مقولة الإضافة فيعرض على الإضافة إضافة أخرى و هذه الإضافة أيضا وجودها منحاز على الفرض فيعرضها التقوم بالموضوع أيضا و هلمّ جرّا فيتسلسل.
و ببيان آخر: إنّ الاعتبار هو إعطاء حدّ الشيء أو حكمه لشيء آخر بتصرّف الوهم.(1)
فإنّ الزوجيّة بين الرجل و المرئة مثلاً إذا كانت بالاستعارة و المجاز يصحّ سلبها عنهما حقيقة و إذا صحّ سلبها عنهما حقيقة صحّ سلب حدّ الزوجيّة عنهما حقيقة، لأنّ النسبة بين الحدّ و المحدود التساوي فلا يصدق الحدّ فيما لا يصدق المحدود، فإذن الحدّ منتفٍ في المعاني الإعتباريّة. نعم كما أنّ الزوجيّة بين الرجل و المرئة صادقة عليهما بالإستعارة و المجاز، كذلك حدّ الزوجية صادقة عليهما بالإستعارة و المجاز.
1. راجع: الرسائل السبعة للمصنّف، ص 129.
إعلم أنّ المراد من الضرورة و الدوام و الكلّيّة في باب البرهان غير ما يراد منها
في باب القضايا، فإنّ المراد من الضرورة في باب البرهان الضرورة في الصدق بمعنى أنّ
القضيّة يجب أن تكون واجبة الصدق و ممتنعة الكذب لا بمعنى وجوب ثبوت المحمول
للموضوع كما هو معنى الضرورة في باب القضايا، فإذن ربّما تكون القضيّة ضروريّة
بحسب ضرورة باب البرهان و هي غير ضروريّة بحسب ضرورة باب القضايا كقولنا: «الإنسان
موجود بالإمكان» هذه القضيّة و إن كانت ممكنة بحسب باب القضايا لكنّها ضروريّة بحسب
باب البرهان لأنّها واجبة الصدق و ممتنعة الكذب، و المراد من الدوام في باب البرهان
الدوام في الصدق أيضا بمعنى أنّ القضيّة يجب أن تكون دائمة الصدق لا بمعنى دوام
ثبوت المحمول للموضوع كما هو معنى الدوام في باب القضايا، فإذن ربّما تكون القضيّة
دائمة بحسب دوام باب البرهان و هي غير دائمة بحسب دوام باب القضايا كقولنا: «كلّ
إنسان متنفّس بالفعل» فإنّ ثبوت التنفّس للإنسان و إن كان في بعض الأوقات لكن هذا
القول صادق في جميع الأوقات، أي يصحّ في كلّ زمان أن يقال: الإنسان متنفّس في بعض
أوقات وجوده بخلاف قضيّة «القمر منخسف»، فإنّ هذه القضية غير دائمة في باب البرهان،
لأنّ انخساف القمر ليس دائم الصدق بل يكون صدقه في بعض الأوقات و هو وقت حيلولة
الارض بين الشمس و القمر، فإذن قضيّة «القمر منخسف» صادقة بحسب وقت الحيلولة فقط لا
في جميع الأوقات ، و المراد من الكلّيّة في باب البرهان الكلّيّة في الصدق أيضا
بمعنى أنّ القضيّة يجب أن تكون صادقة في جميع الأفراد المذكورة في القضيّة و في
جميع أحوال تلك الأفراد لا بمعنى ثبوت المحمول للموضوع لكلّ أفراد الموضوع كما هو
معنى الكلّيّة في باب القضايا، فإذن ربّما تكون القضيّة كلّيّة بحسب كلّيّة باب
البرهان و هي غير كلّيّة بحسب باب القضايا كقولنا: «بعض الحيوان ناطق» فإنّ هذه
القضيّة و إن كانت جزئيّة في باب القضايا لكنّها كلّيّة في باب البرهان، لأنّ هذه
القضيّة صادقة في جميع أحوال بعض الحيوان، فإنّ الإنسان (و هو بعض الحيوان) في جميع
أحواله ناطق بخلاف قضيّة «كلّ كاتب متحرّك الأصابع»، فإنّ هذه القضيّة و إن كانت
كلّيّة في باب القضايا (لأنّ المراد منها أنّ كلّ ذات ثبت لها الكتابة وقتا مّا ثبت
لها تحرّك الأصابع) إلاّ أنّها جزئيّة في باب البرهان؛ لأنّ هذه القضية صادقة في
حال ثبوت الكتابة لذات الموضوع لا في جميع الأحوال، فإنّ أفراد الكاتب في حال النوم
مثلاً لا يحرّكون أصابعهم.
ثم إنّ مقدمات البرهان يجب أن تكون ضروريّة و دائمة و كلّيّة؛ لأنّ اليقين الّذي
لابدّ منه في البرهان لا يحصل إلاّ بهذه القيود؛ إذ لو لم تكن المقدّمة ضروريّة
الصدق لكانت محتملة الكذب فليست يقينيّة و لو لم تكن دائمة الصدق لكانت كاذبة في
بعض الأوقات، فلم يبق لنا اليقين بمفادها و لو لم تكن كلّيّة الصدق لكانت كاذبة في
بعض الأحوال فلم يبق لنا اليقين أيضا.
و ذلك لأنّ المعاني الإعتباريّة بما أنّها استعارات ، يصحّ سلبها عن مصاديقها فلا تكون المقدّمة الّتي أخذت فيها الإعتباريّات، صادقة حقيقة، فضلاً عن كون صدقها ضروريّا أو دائميّا أو كلّيّا.
و ذلك لأنّ اعتبار تلك المعاني يكون للحصول على غايات نافعة في المجتمعات الإنسانيّة فغاياتها النافعة للمجتمعات توجب أن يعتبرها أفراد المجتمع كلّهم أو بعضهم فتطابق على الإعتقاد بها آرائهم أو آراء طائفة خاصّة منهم فتكون من المشهورات و يكون القياس المؤلّف منها جدلاً.
هذه هي النسبيّة الّتي ذكرها المصنّف رحمهالله و وعدها في الفصل السابق، فإنّ
القضايا المأخوذة فيها الإعتباريّات، صادقة عند من اعتبر معانيها الإعتباريّة و
كاذبة عند من لا يعتبرها؛ فإنّ قضية «زيد رئيس» صادقة عند من اعتبر أن يكون زيد
رئيسا بالنسبة إلى القوم و كاذبة عند من لا يعتبره كذلك و أيضا قضية «زيد مالك
بالنسبة إلى ما حازه من الربا» صادقة عند الآكلين للربا المجوّزين له و كاذبة عند
الشرع.
تقدّم أنّ معيار المعلوميّة عبارة عن موجوديّة شيء مجرّد لشيء مجرّد و هذا المعيار
موجود في علم الجواهر المجرّدة بنفسها، لأنّ كلّ جوهر مجرّد موجود لنفسه حاضر لذاته
بالضرورة فهو عالم بنفسه علما حضوريّا، لكن الالتزام بهذا المعيار في علم العلّة
بالمعلول يوجب إشكالاً؛ و ذلك لأنّ معلوميّة المعلول للعلّة على هذا المعيار تقتضي
أن يكون المعلول موجودا للعلّة لكنّ المعلول لا يكون موجودا للعلّة، لأنّ الوجود
للعلّة من أقسام الوجود للغير و الوجود للغير من أقسام الوجود المستقلّ و المعلول
بالنسبة إلى علّته ليس من الوجودات المستقلّة بل هو رابط بالنسبة إليها، فلا يكون
المعلول موجودا للعلّة حتّى يكون معلوما للعلّة؛ و المصنّف تفصّى عن هذا الإشكال
بإرجاع علم العلّة بالمعلول إلى علم العلّة بنفسها (كما تقدّم في الفصل الثاني).
بيان ذلك: إنّ المعلول لمّاكان وجودا رابطا بالنسبة إلى علّته كان متّحد الوجود مع
علّته فليس وجوده خارجا عن وجود علّته و العلّة موجودة لنفسها، فإذن لمّا كانت
العلّة موجودة لنفسها و المعلول غير خارج عنها كان من الواجب أن يكون المعلول
موجودا للعلّة و بذلك تحقّق معيار المعلوميّة في علم العلّة بالمعلول.
أقول: علم العلّة بالمعلول له مرتبتان؛ لأنّ المعلول كما أنّه موجود في مرتبته
الخاصّة كذلك موجود في مرتبة وجود علّته، فيكون العلم الحضوريّ بالمعلول الّذي هو
عين وجود المعلول ذا مرتبتين: الأولى علم العلّة بالمعلول في مرتبة وجود المعلول، و
الثانية علم العلّة بالمعلول في مرتبة وجود العلّة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الطريق الّذي سلكه المصنّف لدفع الإشكال وجيه في علم العلّة
بالمعلول في مرتبة وجود العلّة و أمّا في علم العلّة بالمعلول في مرتبة وجود
المعلول فلا، و ذلك لأنّ علم العلّة بنفسها عين وجود العلّة فليس لعلم العلّة
بنفسها مرتبتان، بل له مرتبة واحدة و هي مرتبة وجود العلّة فإذن إرجاع علم العلّة
بالمعلول إلى علم العلّة بنفسها ممكن إذا كان العلم المرجوع في مرتبة العلم
المرجوع، إليه كما في علم العلّة بالمعلول في مرتبة وجود العلّة، فإنّ هذا العلم
حيث كان في مرتبة علم العلّة بنفسها صحّ إرجاعه إلى علم العلّة بنفسها لكن علم
العلّة بالمعلول في مرتبة المعلول حيث لم يكن في مرتبة علم العلّة بنفسها لم يصحّ
إرجاعه إلى علم العلّة بنفسها.
و ببيان آخر: إنّ المعلول إن كان معلوما بمرتبته الخاصّة الّتي هي مرتبة الوجود
الرابط يرد عليه أنّ الوجود الرابط لايكون موجودا للغير حتّى يكون معلوما و إن كان
معلوما بمرتبة العلّة الّتي هي مرتبة الوجود المستقلّ يرد عليه أنّ المعلول بمرتبته
الخاصّة الخارجة عن العلّة لايكون في مرتبة العلّة حتّى يكون معلوما.
تقدّم في الفصل الثاني كيفيّة حضور العلّة للمعلول ببيان أنّ العلّة موجودة لنفسها
حاضرة لذاتها فهي عالمة بنفسها و المعلول غيرخارج عن العلّة العالمة بنفسها، فيكون
العلّة حاضرة للمعلول موجودة له بواسطة حضور العلّة لذاتها العالمة الّتي لايكون
المعلول خارجا عنها.
أقول: الإشكال السابق في علم العلّة بالمعلول جارٍ هنا أيضا، لأنّ المعلول إن كان
عالما بمرتبته الخاصّة الّتي هي مرتبة الوجود الرابط يرد عليه أنّ من المستحيل أن
يوجد للوجود الرابط شيء و إن كان عالما بمرتبة العلّة الّتي هي مرتبة الوجود
المستقلّ يرد عليه أنّ المعلول بمرتبته الخاصّة الخارجة عن العلّة لايكون في تلك
المرتبة حتّى يكون عالما.
تقدّم في الفصل الأوّل أنّ المعلوم عند العلم الحصوليّ موجود مجرّد مثالي أو عقليّ
يحضر بوجوده الخارجيّ للمدرك، فعلى ذلك المبنى علم الإنسان بالفرس مثلاً علم حضوريّ
مغاير للأقسام الثلاثة المتقدّمة فأقسام العلم الحضوريّ أربعة بزيادة قسم على
الأقسام الثلاثة.
توضيحه: أنّ المجرّد لتمام ذاته يمكن أن يكون معقولاً، لأنّ المانع من المعقوليّة هي المادّيّة فإذا فرض كون الشيء مجرّدا صارت المعقوليّة ممكنة و كلّما كان للمجرّد بالإمكان فهو له بالفعل (إذ لا حالة منتظرة في المجرّد و إلاّ لم يكن مجرّدا) فالمجرّد معقول بالفعل و هو المطلوب.
لأنّ التفاوت بينهما بالاعتبار، فإنّ مايعقل باعتبار وجوده سمّي عقلاً و بإعتبار ماهيّته سمّي معقولاً.
أقول: هذا طريق سهل السلوك لإثبات كون المجرّد عاقلاً لذاته و كونه معقولاً لذاته الّذي هو المدّعى السابق بأن يقال: إنّ المجرّد لمّا كان حاضرا لذاته التامّة و موجودا لنفسه المجرّدة بالضرورة كان عاقلاً و معقولاً لذاته، لأنّ العلم عبارة عن حضور مجرّد لمجرّد.
بأن يقال إنّ المجرّد لتمام ذاته يمكن أن يكون معقولاً لغيره و كلّما كان للمجرّد
بالإمكان فهو له بالفعل فينتج أنّ المجرّد معقول بالفعل لغيره و كذا إنّ المجرّد
لتمام ذاته يمكن أن يكون عاقلا لغيره و كلّما كان للمجرّد بالإمكان فهوله بالفعل،
فينتج أنّ
المجرّد عاقل بالفعل لغيره و لمّا كان العقل متّحدا مع المعقول كان المجرّد عقلاً
أيضا، فثبت أنّ المجرّد عقل و عاقل و معقول لغيره.
أقول: إنّ هيهنا إشكالاً يمنع من جريان البرهان المذكور في كون المجرّد عاقلاً و
معقولاً لغيره.
بيان ذلك: أنّ تقسيم الوجود إلى ما لنفسه و ما لغيره يوجب التباين بينهما و لازم
ذلك أن يمتنع معقوليّة الجوهر المجرّد لغيره لأنّ الجوهر المجرّد موجود لنفسه
فيمتنع أن يكون موجودا لغيره و إذا امتنع أن يكون موجودا لغيره امتنع أن يكون
معقولاً لغيره، لأنّ معقوليّة الشيء للغير فرع وجوده لذلك الغير و إذا امتنع
معقوليّة الجوهر المجرّد لغيره صارت صغرى البرهان المذكور كاذبة فلا ينتج المطلوب و
مجرّد تجرّد المجرّد لايجدي في إمكان المعقوليّة للغير كما يجدي في المعقوليّة
للذات، لأنّ المانع لا ينحصر في المادّيّة حتّى يكون رفعه موجبا لإمكان المعقوليّة؛
نعم لمّا لم يكن في المعقوليّة للذات مانع غيرالمادّيّة كان رفعها موجبا لإمكان
المعقوليّة؛ بخلاف مانحن فيه، فإنّ هنا مانعا آخر من المعقوليّة و هو عدم إمكان كون
الموجود لنفسه موجودا لغيره.
ثم أنّه إذا ثبت امتناع المعقوليّة للغير ثبت أيضا امتناع العاقليّة للغير، لأنّ
العاقليّة و المعقوليّة متضائفتان فامتناع إحديهما امتناع للأخرى.
ثمّ إنّ المصنّف قال:(1) إنّ الإشكال المذكور مندفع فيما يتحقّق العلّيّة بين
العاقل و المعقول فإنّ العلّة و إن كانت موجودة لنفسها فلها نوع وجود لمعلولها و
المعلول و إن كان موجودا لنفسه فله نوع وجود لعلّته.
أقول: قد تقدّم توضيح وجود العلّة للمعلول و وجود المعلول للعلّة في الفصل السابق و
تقدّم أيضا أنّ في علم العلّة بالمعلول و علم المعلول بالعلّة إشكالاً لم يندفع بما
ذكره المصنّف، فراجع إن شئت.
1. راجع: تعليقته على الأسفار: 3 / 354.
توضيح الجواب: إنّ المجرّد التامّ لا حالة منتظرة فيه، لا بحسب ذاته و لا بحسب
فعله، فإذا أمكن له شيء كان الشيء الممكن له موجودا له بالفعل بالضرورة و إلاّ لم
يكن المجرّد المفروض تامّا هذا خلف لكن النفس حيث لم يكن تجرّدها تامّا يوجد لها
حالات منتظرة بحسب أفعالها، الّتي منها تعقّلها فلا يصحّ أن يقال كلّما كان للنفس
بالإمكان فهو لها بالفعل، فإذن كبرى البرهان المذكور صادقة في المجرّدات التامّة و
كاذبة في النفس، فلا ينتج البرهان المذكور أنّ النفس عاقلة لكلّ مجرّد مفروض.
أقول: الإشكال المذكور و إن اندفع بما ذكر، لكن يمكن ايراده بحيث لا يندفع بما ذكر
و هو أن يقال: إنّ المجرّدات التامّة لتمام ذاتها يمكن أن تكون معقولة للنفس و
كلّما كان للمجرّد التامّ بالإمكان فهو له بالفعل؛ أمّا الكبرى فواضحة ممّا مرّ، و
أمّا الصغرى فلما تسلّمه المستدلّ من أنّ التجرّد يوجب إمكان المعقوليّة فينتج أنّ
المجرّدات التامّة معقولة للنفس بالفعل، ثم لمّا كانت العاقليّة و المعقوليّة
متضائفتين و ثبت أنّ المجرّدات معقولة للنفس بالفعل كان من الواجب أن تكون النفس
عاقلة للمجرّدات بالفعل فثبت أنّ النفس عاقلة لكلّ مجرّد مفروض و هو خلاف الضرورة.
المشار إليه بهذا هو قوله السابق أي قوله: « و إذ كانت ذاته موجودة لذاته فهو عاقل لذاته»، فإنّ هذا البيان لا يجري في الأعراض لأنّ الأعراض ليست موجودة لذواتها بل لموضوعاتها فليس العاقل لها ذواتها بل العاقل لها موضوعاتها الّتي كانت الأعراض موجودة لها.
فإنّ النسب موجودة في غيرها فإذا كان ذلك الغير موجودا مجرّدا كان ذاته معقولة
لذاته و النسب غير خارجة من تلك الذات المعقولة فتكون معقولة لذلك الغير بواسطة
معقوليّة ذلك الغير لذاته.
أي ما يرتبط بالسبب لأن يصير السبب تامّا موجبا لصدور ذي السبب، و ببيان آخر: إنّ العلم بالمعلول لا يحصل إلاّ من طريق العلم بعلته التامّة، فإنّ المعلول كما أنّه لايوجد إلاّ من طريق علّته التامّة كذلك لا يعلم إلاّ من طريق علّته التامّة لما سيأتي من الدليل.
أي إنّ هذا البحث يتعلّق بالعلّة بعنوان أنّها علّة، و كون العلّة من الوجودات أو من الماهيّات لا يكون دخيلاً في البحث حتّى يكون هذا الحكم صادقا في العلل الوجوديّة مثلاً دون العلل الماهويّة، فإنّ المعلول سواء كان معلولاً للماهيّة أو معلولاً للوجود لايعلم إلاّ من طريق علّته التامّة.
1. راجع: الفصل الثامن من المقالة الاولى في كتاب البرهان.
2 الأسفار: 3 / 396.
إعلم إنّ لإثبات هذا المدّعى طريقين: طريق سلكه الشيخ في الشفاء(1) و طريق سلكه
صدرالمتألّهين في الأسفار(2)؛ أمّا طريق الشيخ فقد تقدّم بيانه في مدخل
الكتاب في ذيل قول المصنّف: «إنّ السلوك من المعلول إلى العلّة لا يفيد يقينا». و
أمّا طريق صدر المتألّهين فقد سلكه المصنّف رحمهالله هنا و إن كان الظاهر من
تعليقاته على الأسفار(1) عدم الرضا بهذا الطريق. و بالجملة توضيح هذا الطريق يتوقّف
على تذكّر مقدّمة و هي أنّ الماهيّة الذهنيّة عين الماهيّة الخارجيّة و إنمّا
التفاوت بينهما بالوجود الزائد على الماهيّة الذهنيّة و الخارجيّة فالإنسان الموجود
في الذهن مثلاً عين الإنسان الموجود في الخارج بحسب الماهيّة لا بحسب الوجود الزائد
على الماهيّة.
إذ تذكرّت هذه نقول: إنّ العلم بالشيء إن كان علما حضوريّا فواضح أنّ هذا العلم
لايحصل إلاّ من طريق العلم بعلّته؛ لأنّ العلم الحضوريّ بالشيء عين وجود الشيء،
فكما أنّ الشيء لايحصل إلاّ من طريق علّته كذلك العلم الحضوريّ بالشيء الّذي هو عين
الشيء لايحصل إلاّ من طريق علّته، و ببيان آخر: انّ حضور المعلول للعالم عين وجود
المعلول للعالم و وجود المعلول تابع لوجود العلّة إذ لا استقلال للمعلول من علّته
فلولم تكن العلّة حاضرة الوجود للعالم لم يكن المعلول حاضر الوجود للعالم فإذن
العلم الحضوريّ بالمعلول لا يحصل إلاّ من طريق العلم الحضوريّ بالعلّة.
1. الأسفار: 3 / 396.
و إن كان العلم بالشيء علما حصوليّا فواضح أيضا أنّه لا يحصل إلاّ من طريق العلم
بعلّته لأنّ المفروض في العلم الحصوليّ (كما تقدّم في المقدّمة) أنّ الماهيّة
الذهنيّة من حيث الماهيّة عين الماهيّة الخارجيّة فهما مثلان في الماهيّة و حكم
الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد فالأحكام الجارية على الماهيّة الخارجيّة بما هي
ماهيّة لا بما هي خارجيّة، جارية على الماهيّة الذهنيّة أيضا فكما أنّ الماهيّة
الخارجيّة معلولة لغيرها على الفرض كذلك الماهيّة الذهنيّة معلولة لغيرها و اذا
كانت معلولة لغيرها لزم أن لايحصل إلاّ من طريق علّتها (و إلاّ يلزم أن يكون لمعلول
واحد علّتان مستقلّتان و هو محال)، فإذن تبيّن أنّ الماهيّة الذهنيّة لا تحصل في
الذهن الاّ من طريق حصول علّتها.
ثم نقول إنّ العلّة الّتي لايحصل الماهيّة الذهنيّة إلاّ من طريقها، يجب أن تكون
متّصفة بصفتين: الأولى كونها من الموجودات الذهنيّة، و الثانية اتّحادها مع علّة
الماهيّة الخارجيّة بحسب الحقيقة أمّا الأولى فلأنّ المعلول مسانخ مع علّته في وعاء
التقرّر
(لأنّهما متلازمان ففي أيّ وعاء تقرّر أحدهما تقرر الآخر في ذلك الوعاء) فحينئذٍ
إذا كانت الماهيّة المعلولة موجودة ذهنيّة كما هو المفروض، وجب أن تكون علّتها
موجودة ذهنيّة أيضا. و أمّا الثانية فلأنّ الماهيّة الذهنيّة و الخارجيّة مثلان،
فهما مشتركتان في الأحكام، فأيّ علّة يستدعيها الماهيّة الخارجيّة بلحاظ كونها
ماهيّة معلولة، يستدعيها نفسها الماهيّة الذهنيّة أيضا فالحقيقة الّتي تكون علّة
للماهيّة الخارجيّة هي نفسها علّة للماهيّة الذهنيّة، فإذن ثبت أنّ تلك العلّة
الّتي لايحصل الماهيّة الذهنيّة إلاّ من طريقها، موجودة ذهنيّة و متّحدة مع علّة
الماهيّة الخارجيّة بحسب الحقيقة و معنى هذا أنّ تلك العلّة وجود علميّ لعلّة
الماهيّة الخارجيّة، فإذن ثبت أنّ الماهيّة المعلولة لا تحصل في الذهن إلاّ من طريق
العلم بعلّة الماهيّة، مثلاً إنّ الماهيّة الإنسانيّة في الخارج معلولة في قوامها
لأجزائها الماهويّة كالحيوان و الناطق، فنقول: كما أنّ الإنسان الخارجيّ متقوّم
بالحيوان و الناطق، كذلك الإنسان الذهنيّ متقوّم بهما، و كما أنّ الإنسان الخارجيّ
لايحصل ذاتها إلاّ من طريق حصول الحيوان و الناطق في الخارج، كذلك الإنسان الذهنيّ
لايحصل ذاتها إلاّ من طريق حصول الحيوان و الناطق في الذهن، فالعلم بالإنسان لايحصل
إلاّ بالعلم بأجزائه الّتي هي علل قوامه و أيضا إنّ زوجيّة الأربعة مثلاً معلولة
للأربعة، فنقول: كما أنّ زوجيّة الأربعة في الخارج معلولة للأربعة كذلك زوجيّة
الأربعة في الذهن معلولة للأربعة بحكم تماثلهما كما تقدّم، و كما أنّ زوجيّة
الأربعة في الخارج لايحصل إلاّ من طريق الأربعة كذلك زوجيّة الأربعة في الذهن
لايحصل إلاّ من طريق الأربعة إلاّ أنّ الأربعة الّتي علّة للزوجيّة الخارجيّة
خارجيّة و الأربعة الّتي هي علّة للزوجيّة الذهنيّة ذهنيّة، و ذلك لما تقدّم من أنّ
المعلول مسانخ مع علّته في وعاء التقرّر فالعلم بزوجيّة الأربعة لايحصل إلاّ من
طريق العلم بعلّتها الّتي هي الأربعة.
قيل: «هذه إشارة إلى قاعدة امتناع صدور الواحد عن الكثير وقد عرفت منع شمولها لمثل
العلل المركّبة و لو كانت جارية فيها لكان الدليل أيضا مفيدا لليقين مطلقا على أنّ
هذه المقدّمة مستغنى عنها؛ لأنّ العلم بأحد السببين التامّين أيضا يوجب العلم
بالمسبّب كما أنّ النسبة بينه و بين معلوله ضروريّة فافهم».
قلت: ليس مراد المصنّف من هذا الكلام الإشارة إلى قاعدة امتناع صدور الواحد عن
الكثير كما توهّمه المستشكل بل المراد منه أنّ المعلول لايمكن أن يتحقّق من طريقين:
من طريق علّته (سواء كانت العلّة واحدة أو متعدّدة) و من طريق ما ليس علّته، فإنّ
هذا الفرض محال بالضرورة سواء كان صدور الواحد عن العلل الكثيرة ممتنعا أو لا؛ لأنّ
الحصول من طريق ما ليس علّة يلازم التناقض، لأنّ المعلول إذا حصل من طريق شيء كان
ذلك الشيء علّة له و قد فرض انّه ليس بعلّة و هذا هو التناقض فإذا تبيّن هذا نقول
كما أنّ الماهيّة الخارجيّة لا تحصل إلاّ من طريق علّتها كذلك الماهيّة الذهنيّة لا
تحصل إلاّ من طريق علّتها إلى آخر البرهان ... .
أقول: هذا الإشكال مندفع بنفس ماتقدّم في برهان المدعى من دون أن يحتاج دفعه إلى ما
ذكره المصنّف رحمهالله .
بيان ذلك: أنّ البرهان المذكور كان مبنيّا على مقدّمة و هي أنّ الصورة العلميّة من
الشيء عين ذلك الشيء بحسب الحقيقة و مطابق له ذاتا، فحيث تكون هذه المقدّمة صادقة
يكون البرهان المذكور منتجا كما في الماهيّات، فإنّ الماهيّة الذهنيّة عين الماهيّة
الخارجيّة كما تقدّم فالبرهان المذكور جارٍ في العلم بالماهيّات المسبّبة ـ كما
تقدّم بيانه ـ ، و حيث لا تكون هذه المقدّمة صادقة لا يكون البرهان المذكور منتجا
كما في العلم بالوجودات و صفاتها الحقيقيّة فإنّ الصورة العلميّة من الوجودات و
صفاتها الحقيقيّة لا تكون متّحدة الحقيقة مع الوجودات الخارجيّة و صفاتها ـ كما
تقدّم في الفصل العاشر من هذه المرحلة و الفصل الثاني من المرحلة الأولى ـ ، و إذا
لم تكن الصورة العلميّة من الوجودات متّحدة الحقيقة مع الوجودات كان من الجايز أن
تكون لها علّة مغايرة الحقيقة مع علّة الوجودات لأنّ تلك الصور لم تكن مثل الوجودات
في الحقيقة حتّى يقال: «حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد، فإذن يجوز أن يحصل
في الذهن الصورة العلميّة من طريق علّة مغايرة الحقيقة مع علّة الوجودات الخارجيّة
و معنى هذا انّه يجوز حصول الصورة العلميّة من الوجودات من دون أن يحصل في
الذهن حقيقة علّة الوجودات أي يجوز العلم بوجود الشيء من غير طريق العلم بعلّة
وجوده، و ببيان آخر: إنّ الوجودات الخارجيّة و إن كانت لها أسباب إلاّ أنّ الصورة
العلميّة منها ليست علما بها حقيقة حتّى يقال: إنّ هذا العلم علم بذي السبب و العلم
بذي السبب لايحصل إلاّ من طريق العلم بسببه، و ببيان ثالث: إنّ مجرى برهان هذه
القاعدة علمان: الأوّل العلم الحضوريّ و الثانيالعلم بالماهيّات المعلولة و العلم
بوجود المحسوس ليس من هذين العلمين حتّى يكون ناقضا للقاعدة.
توضيح الجواب: أنّ الشيء إذا كان معلولاً لغيره فالعلم به لايحصل إلاّ من طريق
العلم بعلّته، لكن إذا لم يكن معلولاً لغيره فالعلم به يحصل من طريق الملازمة الّتي
بينه و بين شيء آخر لا من طريق العلّة، إذ لا علّة له على الفرض حتّى يحصل العلم به
من طريقها و هذا نظير الأحكام الجارية على الوجود بما هو وجود، فإنّ الأحكام
الجارية على الوجود بما هو وجود لا سبب لها، لأنّ ثبوت تلك الأحكام بعين ثبوت
الوجود لا بوجود زائد و الوجود بما هو وجود لا سبب له، إذ لا غير حتّى يكون سببا له
فالأحكام الجارية على الوجود، بما هو وجود لا سبب لها أيضا، فإذا كان بعض تلك
الأحكام معلوما لنا و ملازما لحكم آخر أمكن لنا السلوك من الحكم المعلوم إلى الحكم
المجهول.
مثال ذلك: أنّ حقيقة الوجود صرف، إذ لا غير حتّى يتخلّل في حقيقته و الصرافة تلازم
الوحدة و لذلك نقول إنّ حقيقة الوجود صرف و صرف الشيء واحد لايتكرّر فينتج أنّ
حقيقة الوجود واحدة لاتتكرّر ففي هذا البرهان سلكنا عن أحد الملازمين غير المعلولين
و هو الصرافة إلى الملازم الآخر و هو الوحدة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ العلم بوجود المحسوس في الخارج قدحصل لنا من الطريق الثاني
لا من الطريق الأوّل فلا ينتقض بهذا العلم القاعدة القائلة بأنّ العلم بذي السبب
لايحصل إلاّ من طريق العلم بسببه.
بيان ذلك: أنّ الاستقلال عن شيء مّا و عدم الاحتياج إلى بعض الأشياء، حكم من أحكام
الوجود بما هو وجود لأنّه حكم عامّ و صفة شاملة لكلّ الموجودات فإنّ
كلّ موجود لايحتاج إلى جميع الأشياء بل هو مستقلّ عن شيء مّا بالضرورة، ثمّ استقلال
شيء عن شيء يلازم الموجوديّة، لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، فإذن نقول
المحسوس الّذي يناله الإنسان مستقلّ عن نفوسنا مثلاً، إذ لاصنع لنفوسنا فيه و كلّ
مستقلّ عن شيء مّا موجود، فينتج أنّ المحسوس موجود فإذن إنّا قد سلكنا في هذا
البرهان من أحد الملازمين العامّين و هو الإستقلال عن شيء مّا إلى الآخر و هو
الوجود، و الاستقلال عن شيء مّا و الوجود ممّا لا سبب لهما كما تقدّم، فالعلم بوجود
المحسوس في الخارج لايكون ناقضا للقاعدة السابقة، هذا توضيح الجواب لكن في هذا
الجواب نظر من وجهين:
الأوّل: أنّ المحسوس الّذي يناله الإنسان (و هو الموضوع في الصغرى) إن كان معلوم
الوجود قبل إسناد الاستقلال إليه الّذي هو الحدّ الأوسط فالبرهان لغو، لأنّ النتيجة
قبل إقامة البرهان حاصلة و معلومة بل البرهان مصادرة على المطلوب لأنّ النتيجة قد
أخذت في مقدّمات البرهان و إن كان مشكوك الوجود قبل إسناد الإستقلال إليه لزم أن
تكون الصغرى مشكوكة الصدق، لأنّ الشكّ في وجود الموضوع يلزم منه الشكّ في ثبوت
المحمول للموضوع، إذ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له و إذا كانت الصغرى مشكوكة
الصدق فالبرهان المركّب منها و من غيرها عقيم.
و الثاني: أنّ للمستشكل أن يقول إنّ المدعى هو العلم بوجود المحسوس في الخارج بوجود
خاصّ و كون هذا الوجود الخاصّ ممّا لا سبب له ممنوع بل باطل قطعا، فقولكم «هذا سلوك
من أحد الملازمين غير المعلولين إلى الآخر» ممنوع.
فإذن الحق في الجواب أن يقال (كما تقدّم): إنّ مجرى البرهان في هذه القاعدة علمان:
الأوّل العلم الحضوريّ، و الثاني العلم بالماهيّات المعلولة الّتي هي حاصلة في
الذهن بأنفسها و العلم بوجود المحسوس ليس من هذين العلمين حتّى يكون ناقضا للقاعدة.
أو يقال في الجواب: إنّا نمنع أن يحصل لنا العلم بوجود المحسوس من طريق الحسّ، لأنّ
خطاء الحس غير مأمون، فلا علم و لا يقين لنا بوجود المحسوس من هذا الطريق، و لأنّ
العلم بعلّة المحسوس لو لم يكن حاصلاً قبل العلم بوجود المحسوس كما هو المفروض لكان
وجود العلّة مشكوكا و الشكّ في وجود العلّة يستلزم الشكّ في
وجود معلولها فلا يكون العلم بوجود المحسوس حاصلاً لنا حتّى يكون هذا العلم ناقضا
للقاعدة.
أقول: إنّ السلوك من أحد الملازمين إلى الآخر في الشكل الأوّل هو بأن يجعل أحد الملازمين محمولاً على الأصغر و الآخر محمولاً على الأوسط فبناءا على هذا أنّ القياس الّذي يتشكّل من كون الشيء مستقلاًّ عن شيء مّا و كونه مغايرا لذلك يكون هكذا: «المحسوس الّذي يناله الإنسان مستقلّ عن شيء مّا و كلّ مستقلّ عن شيء مّا مغاير له فينتج أنّ المحسوس مغاير له» و هذا القياس كما ترى مغاير للقياس الّذي ذكره في صدر الجواب، لأنّ الملازمين في القياس السابق عبارة عن الاستقلال عن شيء مّا و الموجوديّة، و في هذا القياس عبارة عن الاستقلال عن شيء مّا و المغايرة و لعلّ التشويش في العبارة ناشٍ عن عدم تماميّة الجواب بهذا البيان و على أيّ تقدير هذا الجواب غير تامّ أمّا على فرض كون الملازمين الإستقلال و الموجوديّة، فلمّا ذكرناه في الحاشيّة السابقة من المصادرة و غيرها و أمّا على فرض كون الملازمين الإستقلال و المغايرة، فلأنّ السلوك من الإستقلال إلى المغايرة ينتج العلم بمغايرة المحسوس لنفوسنا و الخصم لم يدّع العلم بمغايرة المحسوس لنفوسنا حتّى يقال في جوابه: إنّ هذا العلم حاصل من طريق الملازمات العامّة بل ادّعى العلم بوجود المحسوس في الخارج من غيرطريق العلم بعلّته، فعلى المجيب أن يحلّ العقدة الّتي ذكرها الخصم و القياس الثاني بعد فرض تماميّته لايفيد حلّ هذه العقدة.
لأنّهما من أحكام الوجود بما هو وجود و أحكام الوجود بما هو وجود لا سبب لها كما تقدّم بيانه.
لأنّ وجود المحسوس موضوع في الصغرى و في النتيجة، فيحمل عليه أحد الملازمين في الصغرى و الآخر في النتيجة فيكون من مصاديق هذين الملازمين.
لأنّ العلم بالمعلول لايحصل إلاّ من طريق العلم بالعلّة فلو حصل العلم بالعلّة من
طريق العلم بالمعلول لدار.
المراد من ذاتيّة العلوم للنفس هو أن تكون النسبة بين النفس و علومها نسبة الضرورة
و الوجوب بمعنى أنّه لا يمكن وجود النفس من دون أن يحصل لها علومها بالفعل.
ثمّ أنّه احتجّ على ذاتيّة العلوم للنفس بأنّ العلوم لولم تكن حاصلة للنفس بالفعل
لاحتجنا في حصولها إلى الطلب لكن طلب المجهول محال، لأنّ الطالب إذا وجده لايمكن أن
يعرف أنّه هو الّذي كان مطلوبا له، فإنّ الّذي لا يعرف العبد الآبق إذا وجده كيف
يعرف أنّه هو ذلك العبد.
و الجواب: أنّ المطلوب إن كان مجهولاً مطلقا لايمكن طلبه لما ذكر أمّا إذا كان
مجهولاً من وجه و معلوما من وجه آخر يمكن طلبه؛ فإنّ العبد الآبق إذا كانت له علامة
لا يشاركه فيها غيره فالعالم بتلك العلاّمة إذا وجد تلك العلاّمة لابدّ أن يعرف ذلك
العبد و كذا إنّا إذا جهلنا بأنّ العالم حادث لكن علمنا بانّه متغيّر في ذاته و
علمنا بأنّ المتغيّر في ذاته حادث أمكن لنا حصول العلم بحدوث العالم.
أي إنّ علاقة النفس بالبدن الّتي هي علاقة التدبير ليست صفة عارضة على هويّة النفس
بل هذه العلاقة و الإرتباط عين هويّة النفس لأنّ ارتباط النفس بالبدن لو كانت صفة
عارضة على هويّة النفس للزم أن تكون النفس موجودة قبل تعلّقها
بالبدن لأنّ مرتبة وجود المعروض قبل وصفه العارض عليه لكن هذا التالي باطل؛ لأنّ
النفس في تلك المرتبة السابقة على تعلّقها بالبدن المادّيّ يجب أن تكون مجرّدة؛ إذ
المفروض أنّ النفس فيالمرتبة السابقة لا علاقة لها مع البدن المادّيّ فنقول: إنّ
النفس المجرّدة في تلك المرتبة السابقة إمّا أن تكون قديمة بالزمان و إمّا أن تكون
حادثة بالزمان و الأوّل باطل لما سيأتي في جواب الأفلاطون و الثاني باطل أيضا لأنّ
كلّ حادث زماني يسبقه المادّة الحاملة للإستعداد و النفس المجرّدة لا مادّة لها
حتّى تحمل استعدادها فإذن التالي بشقيه باطل فالمقدّم، مثله فثبت أنّ علاقة النفس
بالبدن عين هويّة النفس.
فإن قلت: «عدّ تدبير البدن أمرا ذاتيّا بمعنى كونها علّة تامّة له ينافي القول
بقدمها كما ينافي القول ببقائها بعد مفارقة البدن، لاستلزامها تخلّف الذاتيّ عن
الذات فلابدّ من تأويله إلى الاقتضاء و عليه فلا منافاة بين تزاحمه مع الإلتفات إلى
علومه».
قلت: أوّلاً إنّ تعلق التّدبير ذاتيّ للنفس ليس معناه ما فسّرته من أنّ النفس علّة
تامّة للتعلّق، و إلاّ لزم أن تكون النفس متقدّمة على تعلّقها بالبدن فكانت في تلك
المرتبة المتقدّمة إمّا قديمة أو حادثة و قد تقدّم بطلانهما، بل المراد من الذاتيّة
أنّ تعلق التدبير عين وجود النفس و نفس هويّتها.(1)
و ثانيا ليس المراد ببقاء النفس بعد المفارقة بقائها حالكونها نفسا حتّى يلزم من
الذاتيّة تخلف الذاتيّ عن الذات، فإنّ النفس بعد المفارقة عن البدن مطلقا ليست نفسا
بل هي عقل في ذلك المقام و إنّما التعلّق ذاتيّ للنفس في مرتبتها النفسيّة و أمّا
في مرتبتها العقليّة فالتعلّق و النفسيّة كلاهما مسلوبان، نعم إنّ نفسيّة النفس بعد
المفارقة عن البدن المادّي باقية لكن لا ضير فيه، لأنّ التعلّق بالبدن المثاليّ
باق؛ فإنّ لوجود النفس مراتب و درجات و التعلّق بالبدن المادّيّ ذاتيّ لمرتبة منه و
التعلّق بالبدن المثاليّ ذاتيّ لمرتبة أخرى، فاذا فارقت من البدن مطلقا خرجت من
المرتبة النفسيّة و صارت عقلاً.
1. راجع: الاسفار: 8 / 13.
لأنّ مقتضى ذاتيّة العلوم للنفس هو أنّ النفس بذاتها لاتكون علّة للغفلة عن علومها الذاتيّة (لأنّ الغفلة نوع من البعد و الشيء لايبعّد لازمه الذاتيّ) و مقتضى كون التعلّق بالبدن علّة للغفلة هو أنّ النفس بذاتها علّة للغفلة، لأنّ التعلّق بالبدن عين هويّة النفس ـ كما تقدّم ـ فيلزم أن تكون النفس بذاتها علّة للغفلة و أن لاتكون علّة للغفلة و هو التناقض، نعم بناءاً على ما ذهب إليه الأفلاطون من أنّ النفس قديمة و أنّ تعلق النفس بالبدن حادثة و عارضة على وجود النفس يتّجه أن يقال: إنّ علّة الغفلة هو التعلّق بالبدن لأنّ تعلق النفس بالبدن في هذا المبنى ليس عين هويّة النفس (لأنّ التعلّق حادثة و النفس قديمة) فلا يمكن أن يقال: إنّ مقتضى كون التعلّق بالبدن علّة للغفلة أنّ النفس بذاتها علّة للغفلة، فإذن إشكال التناقض لا يأتي هنا فيتّجه ذلك القول.
بيانه: أنّ النفس قبل تعلّقها بالبدن إمّا أن تكون واحدة أو كثيرة، فإن كانت واحدة لزم أن تكون النفس الواحدة نفسا لكلّ بدن و هو باطل و إلاّ كان ما علمه إنسان علمه كلّ إنسان؛ و ما جهله إنسان جهله كلّ إنسان و إن كانت قبل التعلّق كثيرة فلابدّ و أن يمتاز كلّ واحدة منها عن صاحبها إمّا بالماهيّة أو بلوازمها أو بعوارضها و الأوّل و الثاني محالان لأنّ النفوس الإنسانيّة متّحدة بالنوع فيتساوى جميع أفرادها في جميع الذاتيّات و لوازمها فلا يمكن وقوع الإمتياز بها، و أمّا العوارض اللاحقة فحدوثها مسبوق بمادّة حاملة لإستعداد تلك العوارض و قبل تعلّق النفس بالبدن لا مادّة لها حتّى تكون حاملة لإستعداد تلك العوارض، فلا يمكن أن يحدث هناك عوارض لاحقة، فثبت أنّه يمتنع وجود النفس قبل البدن واحدة كانت أو كثيرة فإذن القول بقدمها باطل فتدبر.
و الفرق بين هذا القول الّذي هو قول صدر المتألّهين و القول السابق أنّ النفس حادثة في المادّة على هذا القول و حادثة مع المادّة على القول السابق، و ببيان: آخر إنّ النطفة و ما يجري مجريها كالعلقة على هذا القول حاملة لاستعداد النفس أوّلاً ثم تخرج إلى الفعليّة فتصير نفسا بالفعل بعد ما كانت بالقوّة بخلاف القول الثاني، فإنّ النطفة ليست حاملة لاستعداد النفس.
الموجِّه هو صدرالمتألّهين؛ و توضيحه: أنّ للأشياء الموجودة في هذه النشأة وجودا عقليّا سابقا على وجودها المادّيّ (و قد تقدّم هذه المقدّمة في الفصل الثالث) فإذن إنّ للنفس الموجودة في هذه النشأة وجودا عقليّا سابقا على وجودها في هذه النشأة و ذلك الوجود لمّا كان من العالم العقليّ لم يمكن أن يكون حادثا بالحدوث الزمانيّ، لأنّ كلّ حادث زمانيّ مسبوق بمادّة حاملة الإستعداد الحادث لكن العالم العقلي منزّه عن المادّة، فإذن النفس الإنسانيّة بلحاظ مرتبتها العقليّة قديمة.
لأنّ علوم النفس في مرتبتها العقليّة و إن كانت ذاتيّة (حيث إنّ كلّ صفة ممكنة
للعقل فهي له بالفعل) إلاّ أنّ ذاتيّة العلوم للنفس في مرتبتها العقليّة لايلزم
منها ذاتيّة العلوم للنفس في مرتبتها النفسيّة و مورد البحث النفس بلحاظ مرتبتها
النفسيّة لا بلحاظ مرتبتها العقليّة.
أقول: تقدّم أنّ المعلوم عند العلم الحصوليّ عبارة عن موجود مجرّد مثاليّ أو عقليّ
يحضر بوجوده الخارجيّ للمدرك ثمّ العقل يأخذ من ذلك الموجود المجرّد صورة ذهنيّة و
هي العلم الحصوليّ.
إذا تذكّرت هذه نقول: إنّا إذا التزمنا بهذه المقدّمة وجب علينا أن نلتزم بأنّ
العلوم ذاتيّة للنفوس، و معلوميّة تلك المجرّدات المثاليّة أو العقليّة للنفوس
ممكنة و كلّ ما أمكن للمجرّد التامّ فهو له بالفعل (إذ ليس في المجرّد التامّ حالة
منتظرة) فلابدّ أن تكون المجرّدات معلومة لنا بالفعل (و إلاّ كانت معلوميّتها لنا
ملحقة على وجوداتها و هو محال في المجرّد التام) نعم إنّ النفس إذا اتّصلت من طريق
الحواس بالخارج المادّيّ استعدت لأنّ تأخذ من ذلك المجرّد المثاليّ أو العقليّ صورة
ذهنيّة فما لم تتّصل بالخارج لايحصل لها تلك الصورة الذهنيّة و الجهل المشهود من
الإنسان ينشأ من عدم أخذ الصورة الذهنيّة من معلومها المثاليّ أو العقليّ، فإذن إذا
التزمنا بانتهاء العلوم الحصوليّة إلى العلوم الحضوريّة و كان مراد القائلين
بذاتيّة العلوم للنفوس ذاتيّة العلوم الحضوريّة (كما هو الظاهر) كان الحقّ معهم، و
إلى هذا المقام أشار الحافظ في قوله.
سالها دل طلب جام جم از ما مىكرد آنچه خود داشت ز بيگانه تمنّا مىكرد
و في الحديث عن مولانا أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه قال: «ليس العلم في السماء فينزل عليكم و لا في تخوم الأرض فيخرج لكم و لكن العلم مجبول في قلوبكم تأدّبوا بآداب الروحانيّين يظهرلكم».(1)
1. بحر المعارف، ص 292.
لأنّ العلم من الحقائق الموجودة فهو إمّا من الوجودات و إمّا من الماهيّات الموجودة بالوجود، لكن الثاني باطل لأنّ العلم محمول على الواجب و الممكن و يوجد في أكثر من مقولة واحدة ـ كما سيأتي ـ فلايكون من الماهيّات فيكون من الوجودات.
إذ الجنسيّة و النوعيّة من أحكام الماهيّات و الوجود ليس من الماهيّات.
لأنّ العلم وجود و الوجود متشخّص و بسيط.
لأنّ النفس متّحدة مع الجوهر المعلوم و الجوهر المعلوم متّحد مع صفاته العرضيّة، فالنفس متّحدة مع تلك الصفات العرضيّة و إذا اتّحدت النفس مع تلك الصفات صارت الصفات معلومة للنفس لأنّ العلم هو الاتّحاد مع المعلوم ـ كما تقدّم ـ .
لأنّ العلم إمّا أن يكون مبدأ لحصول المعلوم في الخارج أو لا، فإن كان الأوّل فهو العلم الفعليّ و ذلك مثل المهندس إذا ارتسم في خياله شكل معيّن بهيئة معيّنة، فإنّ ذلك التصوّر يصير مبدءا لحصول المعلوم في الخارج، و الثاني لا يخلو إمّا أن يكون المعلوم في الخارج مبدءا لحصوله في الذهن أو لا، فإن كان الأوّل فهو العلم الإنفعاليّ، مثل من نظر إلى البناءا و تصوّر منه صورة فذلك التصوّر علم إنفعاليّ؛ و إن كان الثاني فهو العلم الّذي ليس فعليّا و لا انفعاليّا مثل علم الذوات العاقلة بأنفسها، فإنّ الشيء لا يؤثّر في نفسه و لا يتأثّر من نفسه و مثل علم الذوات العاقلة بالأمور الّتي لا تغيب عنها فانّ تلك الأمور معلومة للذوات العاقلة بالعلم الحضوريّ و العلم الحضوريّ عين المعلوم في الخارج فلا معنى لأن يكون هذا العلم مبدءا للمعلوم في الخارج و لا لأن يكون المعلوم في الخارج مبدءا للعلم، لأنّ الشيء لا يؤثر في نفسه و لا يتأثر من نفسه.
و هذا نظير الشمس، فإنّ شدّة ظهور الشمس و جلائها تمنع عن رؤيتها، فجهة خفائها
علينا بعينها جهة ظهورها و جلائها و كذا الواجب تعالى فإنّ شدة ظهوره و جلائه تمنع
عن إداركه و نعم ما قاله الحكيم السبزواري في المقام:
يامن هو اختفى لفرط نوره الظاهر الباطن في ظهوره
لأنّ العلم بحقيقة العلّة عين وجود العلّة (لأنّ هذا العلم علم حضوريّ و العلم و المعلوم متّحد فيه) و وجود العلّة أشدّ و أولى و أقدم من وجود معلولها و كذا الأمر في العلم بحقيقة الجوهر و العرض، فإنّ وجود الجوهر علّة لوجود العرض فيأتي فيه ما تقدّم من أنّ العلم بحقيقة العلّة أشدّ و أولى و أقدم بالقياس إلى العلم بحقيقة معلولها.