أي إذا اعتبرنا الإنسان الكامل في العلم مثلاً مبدءا و قايسنا العالم و الجاهل إليه، وجدنا اختلافا بين العالم و الجاهل في النسبة إلى ذلك المبدأ، فما للجاهل من نسبة القرب إلى ذلك المبدأ فهو موجود للعالم و لكن ليس ما كان للعالم من نسبة القرب إليه، للجاهل فالعالم مقدّم على الجاهل و كذا إذا اعتبرنا الإنسان الكامل في الشجاعة مبدءًا و قايسنا الشجاع و الجبان إليه وجدنا اختلافا بينهما في النسبة إلى ذلك المبدأ، فما للجبان من نسبة القرب إلى ذلك المبدأ فهو موجود للشجاع و لكن ليس ما كان للشجاع من نسبة القرب إليه ،للجبان فالشجاع مقدّم على الجبان.
الزمان وجود سيّال و الوجودات السيّالة كلّ جزء سابق منها يحمل قوّة الأجزاء اللاحقة كما تقدّم في بحث الحركة، فاليوم و الأمس يحملان قوّة الأجزاء اللاحقة بهما، فهما مشتركان في حمل قوّة الأجزاء اللاحقة لكن كلّ ما يحمله اليوم من القوى المحمولة يحمله الأمس و ليس كلّ ما يحمله الأمس يحمله اليوم، لأنّ الأمس يحمل قوّة اليوم (إذ اليوم من الأجزاء اللاحقة بالأمس) لكن اليوم لا يحمل قوّة اليوم لأنّ قوّة الشيء لا يجامع فعليّته، إذ الفعليّة يترتّب عليها الآثار و القوّة لا يترتّب عليها الآثار فلو اجتمعتا اجتمع النقيضان و هو محال، فالأمس مقدّم على اليوم.
أي لمّا كان قوّة الأجزاء اللاحقة محمولة بالأجزاء السابقة و قوّة الشيء لا تجامع فعليّته فالأجزاء السابقة الّتي تجامع قوّة الأجزاء اللاحقة، لا تجامع الأجزاء اللاحقة.
إذا كان الترتّب بين المقدّم و المؤخّر بوضع الواضع، فالتقدّم و التأخّر اعتباريّان كالتقدّم و التأخّر بالرتبة الوضعيّة فإنّ المقدّم فيه يمكن جعله مؤخّرا و بالعكس، و إذا كان الترتّب بين المقدّم والمؤخّر حقيقيّا لا بوضع الواضع فالتقدّم و التأخّر حقيقيّان و إن كان المقدّم و المؤخّر من الأمور الإعتباريّة كالتقدّم بالتجوهر فإنّ لأجزاء الماهيّة تقدّما عليها حقيقة لا بوضعنا و جعلنا، بمعنى أنّ الماهيّة لو تقرّرت لكان تقرّر أجزائها مقدّما على تقرّرها حقيقة، فإنّ هذا التقدّم حقيقيّ مبنيّ على ملازمة حقيقيّة بين طرفي هذه الشرطيّة و لا منافات بين كون هذا التقدّم حقيقيّا و كون الماهيّة و أجزائها اعتباريّة؛ لأنّ صدق الشرطيّة لا ينافي كذب طرفيها. ثمّ على هذا المعيار التقدّم و التأخّر في التقدّم و التأخّر بالرتبة من قبيل التقدّم و التأخّر الاعتباريّين و البواقي كلّها من قبيل التقدّم و التأخّر الحقيقيّين.
عطف على تقدّم العلّة الناقصة.
بل بناءًا على أصالة الوجود أيضا هذا التقدّم ثابت، لأنّ معناه أنّه لو جاز بفرض المحال تقرّر الماهيّة منفكّة عن كافّة الوجودات، لكانت ماهيّة الجنس و الفصل متقدّمتين على الماهيّة المركّبة منهما و هذه القضيّة الشرطيّة حقّة صادقة و إن كذب طرفاها كما تقدّم.
لمّا كانت العلّة أقوى وجودا من معلولها لم يكن المعلول في مرتبة وجود علّته، فالمعلول بمرتبته الخاصّة و مع حدّه المعيّن مسلوب عن تلك المرتبة، فالعلّة موجودة في تلك المرتبة و المعلول بحدّه الخاصّ غير موجود فيها، فيحصل الإنفكاك بين العلّة و المعلول في تلك المرتبة.
سيجيء في المرحلة الثانية عشرة أنّ العوالم الكلّيّة ثلاثة: عالم العقل و عالم المثال و عالم المادّة؛ و أنّ عالم العقل علّة لعالم المثال و عالم المثال علّة لعالم المادّة فبناءاً على هذا، إنّ عالم المادّة أخسّ وجودا من عالم العقل لكونه معلولاً لمعلول عالم العقل و المعلول أخسّ وجودا من العلّة، فليست نشأة المادّة من حيث مراتب الكمال الوجوديّة في مرتبة نشأة التجرّد العقليّ، فتكون مرتبة وجودها متأخّرة عن مرتبة وجود عالم العقل.
و هو مغاير لساير الأقسام، لأنّ المتأخّر في ساير الأقسام متّصف بملاك التقدّم و التأخّر بالحقيقة و لا يصحّ سلب الاتّصاف عنه و المتأخّر هنا لا يوصف بالملاك حقيقة بل بالمجاز و يصحّ سلب الاتّصاف عنه حقيقة.
لمّا كان تفسير العلّيّة و المعلوليّة عند صدر المتألّهين رحمهالله غير ما كان عند
جمهور الحكماء فهذا التقدّم و التأخّر غير التقدّم و التأخّر بالعلّيّة.
بيان ذلك: أنّ المعلول عند صدر المتألّهين ليس له ذات منحازة عن ذات العلّة بأن كان
هناك ذاتان ذات للعلّة و ذات للمعلول بل المعلول عنده من شؤون وجود علّته المفيضة،
لأنّ المعلول عين الربط بالعلّة لا ذات ثبت لها الربط بالعلّة و إذا كان كذلك لا
يمكن أن يكون له ذات وراء ذات العلّة و منحازة عنها كما تقدّم بيانه مرارا و إذا لم
يكن له ذات منحازة عن ذات العلّة بل هو من شؤون وجود العلّة فالعلّيّة والمعلوليّة
ترجع إلى التشأن لا إلى ما يقوله الحكماء من أنّ للعلّة ذاتا و للمعلول ذاتا أخرى
مغايرة لذات العلّة، فبناءًا على هذا، الفرق بين التقدّم بالعلّيّة و التقدّم بالحق
هو أنّ التقدّم بالعلّيّة تقدّم ذات على ذات أخرى مغايرة لذات المقدّم، و التقدّم
بالحق تقدّم شأن على شأن آخر غير مغاير للمقدّم بحسب الذات.
أي ليس بينهما التأثير و التأثّر المعهودان عند الحكماء بأن تكون العلّة و المعلول
مغايرين بحسب الذات.
فإنّ الجوهر مقدّم على الجسم و هو مقدّم على الجسم النامي و هو مقدّم على الحيوان و هو مقدّم على الإنسان، هذا إذا كان المبدأ الجوهر و إذا كان المبدأ الإنسان فالأمر بالعكس.
فإنّ للجبان حظّا من الشجاعة و لا أقلّ من شأنه أن يكون شجاعا لكن شأنيّة الشجاعة من مراتب الشجاعة فالشجاع و الجبان مشتركان في فضيلة الشجاعة(1) لكن كلّ ما كان من الشجاعة للجبان فهو حاصل للشجاع و ليس كلّ ما كان من الشجاعة للشجاع حاصلاً للجبان.
لمّا كان الزمان من العوارض التحليليّة على الحركة، كان موجودا بوجود الحركة و الحركة من المبدأ الى المنتهى وجود واحد متّصل، فالزمان المتّحد مع الحركة أيضا وجود واحد متّصل، فالأجزاء المفروضة في الزمان مشتركة في هذا الوجود الواحد المتّصل و هذا الوجود الواحد المتّصل مختلط فيه القوّة و الفعل بحيث كلّ جزء
مفروض منه قوّة للفعليّة اللاحقة و فعليّة للقوّة السابقة و ذلك لأنّ الحركة الّتي هي متّحدة مع الزمان كان كذلك فإذا فرضنا جزئين مفروضين من الزمان كاليوم و الغد، كان كلّ منهما قوّة للأجزاء اللاحقه فاليوم و الغد مشتركان في كونهما قوّة للأجزاء اللاحقة، لكن كلّ ما كان الغد قوّة له كان اليوم قوّة له (لأنّ الأجزاء اللاحقة بالغد لاحقة باليوم أيضا) و ليس الغد قوّة لكلّ ما كان اليوم قوّة له، (لانّ الغد ليس قوّة لنفس الغد لكنّ اليوم قوّة للغد)، و الحاصل أنّ ملاك التقدّم و التأخّر في الزمان عبارة عن الوجود الواحد المتّصل للزمان من حيث كونه قوّة للأجزاء المفروضة اللاحقة، لأنّ هذا المعنى مشترك في المتقدّمات و المتأخّرات بالزمان و كلّ ما كان للمتأخّر من هذا الملاك فهو موجود للمتقدّم بدون العكس.
1. و هناك شعر بالّلغة الفارسية:
گربه شير است در برابر موش ليك موش است در مصاف پلنگ
أي لازم توقّف المتأخّر في الوجود على المتقدّم هو أنّه كلّما تحقّق وجود المتأخّر تحقّق وجود المتقدّم و ليس كلّما تحقّق وجود المتقدّم تحقّق وجود المتأخّر.
و ذلك لأنّ قوّة الشيء كما تقدّم في المرحلة السابقة هي وجود الشيء الضعيف بحيث لا يترتّب عليه آثاره المطلوبة و فعليّته هي وجوده القويّ بحيث يترتّب عليه الآثار فلو اجتمع قوّة الشيء و فعليّته لاجتمع النقيضان.
إنّ التقدّم و التأخّر في بعض الأقسام ذاتيّ و في بعض الأقسام عرضيّ و الأوّل كالتقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان عند الأكثر و الثاني كالتقدّم و التأخّر في الحوادث الزمانيّة، فإنّ التقدّم و التأخّر فيها بعرض التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان لا بحسب ذاتها، و التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان عند شيخ الإشراق من القسم الثّاني أي عرضيّ و ذلك؛ لأنّ المقدّم من الزمان بما أنّه علّة ناقصة لوجود المؤخّر، مقدّم عليه لا بما انّ الزمان نفسه و مع قطع النظر عن التوقّف الوجوديّ بين أجزائه يقتضي تقدّم بعض أجزائه على بعض و المصنّف رحمهالله و إن وافق و أيّد مذهب الشيخ في كون التقدّم و التأخّر في الزمان راجعين إلى التقدّم و التأخّر بالطبع إلاّ أنّه لا يسلّم كون التقدّم و التأخّر في الزمان عرضيّا كما عليه الشيخ و ذلك لأنّ المسلّم من كون التقدّم و التأخر ذاتيّا هو كونهما لازمين لوجود المقدّم و المؤخّر؛ أي الذاتيّ المراد هنا هو الذاتيّ في كتاب البرهان و هو محقّق في اجزاء الزمان و ذلك لأنّ التوقّف الوجوديّ الذي بين أجزاء الزمان هو من لوازم الوجود المقدّم و المؤخّر؛ لأنّ فعليّة كلّ جزء من الزمان يتوقّف على قوّتها السابقة عليها و القوّة السابقة متّحدة الوجود مع الجزء السابق، فكون الجزء السابق متوقّفا عليه، من لوازم وجوده بل عينه بوجه، فإذن أجزاء الزمان و إن كانت بلحاظ التوقّف الوجوديّ بينها، بعضها مقدّم على بعض لكن لمّا كان هذا التوقّف لازما لوجود الأجزاء و اللازم ذاتيّ في كتاب البرهان كان التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان ذاتيّا.
المعلول واجب الوجود بالعلّة فوجوبه بالغير لكن العلّة واجب الوجود لا بالعلّة، فلا يكون وجوبه بالغير أي لايحتاج وجوب وجودها إلى العلّة الّتي يجب بها وجود المعلول، و ببيان آخر وجوب وجود العلّة لا يتوقّف على نفس العلّة لكن وجوب وجود المعلول يتوقّف على العلّة، فإذن يوجد في المعلول وجوبا غيريّا لا يوجد في العلّة؛ فبهذا اللحـاظ وجـوب العلّة بالـذات (و إن أمـكن لهـا وجوب غيريّ آخر) و وجوب المعلول بالغير.
أي لمّا كان أحدهما متوقّفا في وجوده على الآخر و ذلك الآخر غير متوقّف على نفسه كان المتوقّف ناقصا من حيث المراتب الوجوديّة بالنسبة إلى المتوقّف عليه؛ فليس المتوقّف في مرتبة وجود المتوقّف عليه ففي تلك المرتبة، المتوقّف عليه موجود و المتوقّف غير موجود، فلا يجامع المتوقّف مع المتوقّف عليه في تلك المرتبة.
فإنّ كلّ شأن حاصل للمعلول من الوجود فهو حاصل للعلّة من دون عكس إذ المعلول عين
الفقر والحاجة فلا استقلال له من دون العلّة، فما حصل له من الشؤون و
الحيثيّات فهو من شؤون علّته المفيضة من دون عكس.
لأنّ الجواهر المفارقة لا حركة فيها فلا زمان لها فلا تكون لها المعيّة أو التقدّم و التأخّر بحسب الزمان .
هذا تعريف باللازم، لأنّ المفروض أنّ المعيّة عدم الملكة، فالمعيّة من سنخ الأعدام فهي عبارة عن عدم اختلاف أمرين في معنى من شأنهما الاختلاف فيه، لكن لازم عدم اختلافهما في ذلك المعنى الاشتراك فيه، فيكون التعريف بالّلازم.
قيّد بالمتساويين لانّه لولا التساوي لما تحقّق المعيّة بينهما، فإنّ الجزء الأصغر جزء من الجزء الأكبر فيتقدّم الأصغر على الأكبر فلا معيّة بينهما، هذا إذا كان الأصغر جزء من الأكبر أمّا إذا كان الأصغر خارجا عن الأكبر تتحقّق المعيّة بينهما أيضا.
فيه نظر، إذ لو لم يتحقّق معيّة بين أجزاء الزمان لم يمكن أن يتحقّق معيّة بين
الحوادث الزمانيّة؛ لأنّ معيّة الحوادث الزمانيّة بعرض المعيّة في أجزاء الزمان و
ما بالعرض يجب أن ينتهي إلى ما بالذات فانتفاء ما بالذات يستلزم انتفاء ما بالعرض،
فإذن كما أنّ التقدّم و التأخّر في الحوادث الزمانيّة ينتهيان إلى التقدّم و
التأخّر في
أجزاء الزمان كذلك المعيّة في الحوادث الزمانيّة يجب أن تنتهي إلى المعيّة في أجزاء
الزمان و ما قاله المصنّف رحمهالله من «انّه لا يخلو جزآن منه من التقدّم و
التأخّر» ممنوع؛ فإنّ الزمان الناشيء من حركة اليد و الزمان الناشيء من حركة
المفتاح مثلاً معان و لا تقدّم و لا تأخّر لأحدهما بالنسبة إلى الاخر.
فإن قلت: ما ذكرتم صحيح في الأزمنة الناشية من الحركات العرضيّة الخاصّة لكن كلام
المصنّف ناظر إلى أجزاء الزمان الناشيء من الحركة الجوهريّة العامّة، فانّه لا يخلو
جزان منه من التقدّم و التأخّر.
قلت: إذا تحقّقت المعيّة في الأزمنة الناشية من الحركات العرضيّة الخاصّة يجب أن
تتحقّق في الزمان الناشيء من الحركة الجوهريّة العامّة؛ لأنّ ما بالعرض يجب أن
ينتهي إلى ما بالذات، فلابدّ من تحقّق المعيّة في ذلك الزمان الذي إليه ينتهي أمر
الأزمنة العرضيّة، و تصوير المعيّة هناك بأن يقال إنّ القطعة الّتي ينطبق عليها
زمان حركة اليد و زمان حركة المفتاح مثلاً، متكثّرة في عين كونها واحدة، أمّا كونها
واحدة فلمّا فرضناها قطعة واحدة و أمّا كونها متكثرة، فلأنّ زماني حركة اليد و حركة
المفتاح من شؤون ذلك الزمان بناءاً على ما تقدّم من أنّ الحركات العرضيّة و أزمنتها
الناشية منها من شؤون الحركة الجوهريّة العامّة و زمانها الناشيء منه، فلو لم يكن
ذلك الزمان في مرتبة ذاته متكثّرا لم يمكن أن يظهر منه الأزمنة المتكثّرة، فإذن ثبت
أنّ القطعة الّتي ينطبق عليها زمانا حركة اليد و المفتاح متكثّرة في عين كونها
واحدة و إذا ثبت هذا نقـول إنّ المعيّة تتحقّق في تلك القطعة، لأنّ تلك القطعة
قطعتان من دون تقدّم و تأخّر (لرجوعهما إلى قطعة واحدة) و هذا هو المعيّة.
قد تقدّم أنّ المعيّة عبارة عن اشتراك أمرين في معنى من شأنهما الإختلاف فيه بالتقدّم و التأخّر فبناءاً على هذا لا يمكن أن يكون بين معلولي علّة واحدة معيّة بالعلّيّة؛ إذ لا يكون من شأن معلولي علّة واحدة التقدّم و التأخّر، إذ معنى شأنيّتهما للتقدّم و التأخّر شأنيّة علّيّة أحدها للآخر فلا يكونان معلولين لعلّة واحدة بل أحدهما علّة للآخر و هذا خلاف المفروض و إذا ثبت أن لايكون من شأنهما التقدّم و التأخّر بالعلّيّة ثبت أن لا يكون بينهما معيّة بالعلّيّة؛ لأنّ موضوع العدم من شأنه الاتّصاف بالملكة و هنا ليس الأمر كذلك، فإذن الحق أنّه لا معيّة بالعلّيّة بين معلولي علّة واحدة كما أنّه لا معيّة بالعلّيّة بين العلّتين التامّتين الّلهم إلاّ أن يقال إنّ الشأنيّة هنا ليست بحسب الشخص بل بحسب النوع فإنّ وجوب الوجود الذي هو الملاك في التقدّم و التأخّر بالعلّيّة معنى من شأنه التقدّم و التأخّر فيه و لو كانت الشأنيّة في ضمن مورد آخر غير مورد معلولي علّة واحدة.
توضيحه: أنّ العلّتين التامّتين إمّا أن تكونا علّتين لمعلول واحد أو لمعلولين و الأوّل باطل، لامتناع توارد العلّتين المستقلّتين على معلول واحد فلا تتحقّق معيّة بينهما، و الثاني ممكن لكن لا معيّة بالعلّيّة بينهما إذ لا يكون من شأن العلّتين المستقلّتين التقدّم و التأخّر بالعلّيّة لأنّ معنى شأنيّتهما للتقدّم و التأخّر شأنيّة علّية أحديهما للأخرى؛ فلا تكونان علّتين مستقلّتين بل إحديهما صارت علّة للأخرى و هذا خلاف المفروض و إذا ثبت أن لا يكون من شأنهما التقدّم و التأخّر بالعلّيّة ثبت أن لا يكون بينهما معيّة بالعلّيّة لأنّ موضوع العدم من شأنه الاتّصاف بالملكة و هنا ليس الأمر كذلك؛ اللّهم إلاّ أن يقال إنّ الشأنيّة هنا بحسب النوع، فإنّ وجوب الوجود الّذيهو الملاك في التقدّم و التأخّر بالعلّيّة معنى من شأنه التقدّم و التأخّر فيه و لو كانت الشأنيّة في ضمن مورد آخر غير مورد العلّتين المستقلّتين. و بالجملة إنّ الشأنيّة إن كانت بحسب الشخص لم يتحقّق المعيّة بالعلّيّة لا بين معلولي علّة واحدة و لا بين علّتين تامّتين و إن كانت بحسب النوع تحقّقت المعيّة بين معلولي علّة واحدة و كذا بين علّتين تامّتين لمعلولين.
أي كما أنّ المعيّة بالعلّيّة في جانب المعلول ممكنة و في جانب العلّة غير ممكنة
كذلك المعيّة بالحقيقه و المجاز في جانب المجاز ممكنة و في جانب الحقيقة غير ممكنة؛
و
أيضا المعيّة بالحقّ في جانب المعلول ممكنة و في جانب العلّة غير ممكنة، أمّا إمكان
المعيّة في جانب المجاز في المعيّة بالحقيقة و المجاز فلأنّ اتّصاف أمرين بالمعنى
الواحد مجازا ممكن كما في اتّصاف الماهيّة الجنسيّة والفصليّة بالموجودية بعرض
اتّصاف وجود النوع بالموجوديّة و أمّا عدم إمكان المعيّة في جانب الحقيقه فلأنّ
معنى المعيّة بالحقيقة عبارة عن اتّصاف أمرين بوصف واحد حقيقة من غير تفاضل بينهما،
لكن هذا محال لأنّه من قبيل اتّصاف الكثير بما هو كثير بالمعنى الواحد بما هو واحد
و هو ممتنع و إلاّ كان الكثير واحدا و هو محال.
و أمّا إمكان المعيّة بالحقّ في جانب المعلول، فلأنّ معلولي علّة واحدة مشتركان في
كونهما من شوؤن وجود العلّة، فهما معان في كونهما رابطين و شأنين من شؤون وجود
العلّة، و أمّا عدم إمكان المعيّة بالحقّ في جانب العلّة، فلأنّ توارد العلّتين
المستقلّتين على معلول واحد محال فلا يكون هناك علّتان تامّتان حتّى اشتركتا في
كونهما علّتين لمعلول واحد.
أقول: الإشكال السابق في المعيّة بالعلّيّة جارٍ في المعيّة بالحقيقة و المجاز و في
المعيّة بالحق، لأنّ موضوع العدم يعتبر فيه الشأنيّة للملكة و الأمر فيهما ليس كذلك
فتدبّر.
كما في العقول العرضيّة على قول الإشراقيّين، فإنّهم قائلون بأنّ في عالم المجرّدات
النوريّة عقولاً عرضيّة، أي ليس بعضها علّة لبعض و لا معلولاً لبعض بل هما معلولان
لعلّة ثالثة، فعلى قولهم إنّ بين تلك العقول المعيّة بالدهر إذ لا تكون مرتبة بعضها
أقدم من البعض بحسب متن الواقعيّة.
بأن جعل الموضوع في الحدوث و القدم ، الموجود بما هو موجود لا الموجود المقيّد و ذلك لأنّ الواجب في الأبحاث الفلسفيّة البحث عن أحوال الموجود بما هو موجود.
بأن كان السبق فيهما حقيقيّا كالسبق بالعلّيّة، لا وضعيّا اعتباريّا كالسبق بالرتبة.
و ذلك لما تقدّم من أنّ الواجب هنا رعاية شرطين: الأوّل أن يكون موضوع الحدوث و
القدم الموجود بما هو موجود و يتحقّق هذا الشرط إذا كان موضوع السبق و اللحوق
المؤخوذين في القدم و الحدوث، الموجود بما هو موجود و إلاّ تقيّد الحدوث و القدم
بسبب تقيّد السبق و اللحوق، فيجوز ارتفاع الحدوث و القدم عن الموجود بما هو موجود
فلا يكونان من أحوال الموجود بما هو موجود، و الثاني أن يكون السبق حقيقيّا واقعيّا
لا وضعيّا اعتباريّا، فبناءاً على هذين الشرطين لا يصحّ أن يؤخذ في تعريف الحدوث و
القدم إلاّ أربعة أنواع من معاني السبق و اللحوق.
بيان ذلك: أمّا في السبق بالتجوهر، فلأنّ موضوع السبق و اللحوق فيه الماهيّة
الإعتباريّة؛ و أمّا في السبق و اللحوق بالحقيقة و المجاز فلانّ موضوع اللحوق فيه
الماهيّة الموجودة مجازا؛ و أمّا في السبق بالرتبة فلانّ السبق فيه وضعيّ غير
حقيقيّ و أمّا السبق بالشرف فلأنّ الموضوع فيه ليس الموجود بما هو موجود بل الموجود
المحدود، لأنّ كمالات كلّ نوع موضوعها النوع و هو الموجود المحدود؛ و أمّا السبق
بالطبع فلأنّ الموضوع فيه ليس الموجود بما هو موجود و لذا يمكن خلوّ بعض الموجودات
عن السبق و اللحوق بالطبع كوجود الواجب، فانّه ليس سابقا ولا لاحقا بالطبع فتدبّر.
العدم السابق المعتبر في كلّ حدوث إمّا أن يكون مجامعا مع الوجود اللاحق و إمّا أن يكون غير مجامع معه؛ و الأوّل كالعدم المعتبر في الحدوث الزمانيّ، فإنّ العدم السابق فيه لا يجامع الوجود اللاحق لانّ التقدّم و التأخّر الزمانيّين يكونان بحسب التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان و تقدّم أنّ الأجزاء اللاحقة من الزمان لا تجامع الأجزاء السابقة (ولامتناع اجتماع القوّة و الفعل)، و الثانيكالعدم المعتبر في الحدوث الذاتيّ، فإنّ العدم السابق فيه يجامع الوجود اللاحق، لأنّ خلوّ الماهيّة في مرتبة ذاتها عن الوجود لا ينافي اتّصافها بالوجود في مرتبة زائدة على ذاتها كما سيأتي فهذا العدم السابق يجامع الوجود اللاحق؛ ثمّ لنا في هذا البحث كلام سيأتي في آخر المرحلة.
لأنّ العدم بما هو عدم لا ذات له حتّى يحكم عليه بحكم مّا، فإذا حكم عليه بحكم مّا فهو بحسب وجود ما يضاف إليه العدم و بلحاظ سراية بعض أحكامه إليه، فلو لم يكن الوجود زمانيّا لا يسري الزمانيّة إلى العدم و قد فرض أنّ العدم زمانيّا هذا خلف.
قد عرفت أنّ الحدوث عبارة عن كون الشيء مسبوق الوجود بعدم زمانيّ كما أنّ القدم
عبارة عن عدم كون الشيء مسبوق الوجود بعدم زمانيّ، فالحدوث و القدم متقابلان
بالضرورة، ثم هذا التقابل إمّا أن يكون بالسلب و الإيجاب أو بالعدم و الملكة.
فإن كان بالسلب و الإيجاب فواضح أنّ نفس الزمان قديم زمانيّ، لأنّ ارتفاع النقيضين
محال، فإذا لم يكن الزمان حادثا زمانيّا وجب أن يكون قديما زمانيّا، لكن لمّا كان
للحادث الزمانيّ زمان متناه في جانب الماضي وجب أن لا يكون للقديم الزمانيّ، الزمان
المتناهي و سلب الزمان المتناهي عن القديم إمّا بأن لا يكون له زمان اصلاً أو بأن
يكون له زمان لكنّه غير متناه؛ فللقديم الزمانيّ فردان: فرد لا يكون له زمان أصلاً
كنفس الزمان و كالعقول المفارقة و فرد يكون له زمان لكنّه غير متناه كالعالم
الجسمانيّ.
و إن كان تقابلهما بالعدم و الملكة فواضح أيضا أنّ نفس الزمان لا يتّصف بالحدوث و
القدم الزمانيّين، فيجب حينئذٍ أن يكون من شأن القديم و الحادث الإستقرار في الزمان
و الانطباق عليه لكن ليس للزمان زمان حتّى ينطبق عليه، فيكون قديما أو حادثا و كذا
العقول المفارقة ليست زمانيّة حتّى تكون قديمة أو حادثة بالزمان. ثمّ المصنّف سلك
في البداية(1) الطريق الأوّل و هنا الطريق الثاني.
أي عدم وجوده الذي يترتّب عليه الآثار، فلا يقال إنّ هذا ينافي ما تقدّم من أنّ كلّ جزء لاحق موجود بوجود الجزء السابق و ذلك لأنّ ذلك الوجود وجوده الذي لا يترتّب عليه الآثار والوجود المنفيّ عنه هنا وجوده الذي يترتّب عليه الآثار.
و ذلك لأنّ حقيقة الكلّ عين حقيقة الجزء، و ببيان آخر: الكلّ جزئيّ من جزئيّات طبيعة الجزء و فرد من أفرادها و ذلك لأنّ الحقائق المتّصلة كالخطّ و غيره الكلّ كالجزء في كونه فردا من أفراد الطبيعة فحكم الكلّ حكم ساير أفراد تلك الحقيقة، إذ حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد، فإذا ثبت أنّ أجزاء الزمان حادثة بالحدوث الزمانيّ ثبت أيضا أنّ كلّ الزمان حادث بالحدوث الزمانيّ.
1. بداية الحكمة، الفصل الثالث، من المرحلة التاسعة.
فإن قلت: «إذا فرض الزمان غير متناه من جهة البدأ فلا يتصوّر مسبوقيّة بجزء
زمانيّ آخر، كما لا يتصوّر له مبدء آنيّ، فقياس الكلّ على الأجزاء هيهنا في غير
محلّه إلاّ على القول بتناهيه حيث يتصوّر له حينئذٍ مبدأ آنيّ».
قلت: توضيح المراد بحيث يندفع به هذه الشبهة و أمثالها يتوقّف على أمرين:
الأوّل أنّ أجزاء الزمان حادثة بالحدوث الزمانيّ و ذلك لأنّ الزمان مقدار الحركة و
كلّ جزء من الحركة حادثة بالحدوث الزمانيّ؛ لأنّ فعليّة كلّ جزء لاحق من الحركة
مسبوقة بقوّتها السابقة و القوّة السابقة مصداق لعدم فعليّته، ففعليّة كلّ جزء لاحق
من الحركة مسبوقة بعدمها، فإذن كلّ جزء من الحركة حادث بالحدوث الزمانيّ و كذا
الزمان لأنّ الزمان مقـدار الحركة بل متّحد مع الحركة فحدوث أجزاء الحركة يلازم
حدوث أجزاء الزمان.
الثاني أنّ حدوث كلّ حقيقة ممتدّة كالخطّ و الحركة و الزمان و غيرها ليس في
ابتدائها بل في انتهائها و ذلك لأنّ الحدوث وصف الوجود فهو متأخّر عنه و وجود
الممتدّات يتحقّق بعد انتهائها، إذ قبل الانتهاء لم يوجد بعدُ، فالممتدّ لا يكون
حادثا إلاّ بعـد انتهـائه فحـدوث عامنـا هذا (مثلاً و هو عام الف و أربعمائة و عشر
من الهجرة النبويّة صلىاللهعليهوآله ) ليس في ابتداء المحرّم بل في انتهاء ذي
الحجة.
إذا عرفت هذين الأمرين نقول: إنّ مجموع الزمان و إن فرض عدم تناهيه من جهة البدأ،
لكنّه حادث بالحدوث الزمانيّ، لأنّ مجموع الزمان من الأزل إلى كلّ حدّ مفروض، مسبوق
الوجود بعدمه الذي مصداقه مجموع الزمان من الأزل إلى كلّ حدّ سابق علىالحدّ
المفروض و هذا العدم السابق لمجموع الزمان لا يجامع وجوده اللاحق، لأنّ مجموع
الزمان من الأزل إلى كلّ حدّ سابقٍ على ذلك الحدّ المفروض، وجود بالقوّة لمجموع
الزمان من الأزل إلى ذلك الحدّ المفروض و قوّة الشيء لا تجامع فعليّته ففعليّة
مجموع الزمان من الأزل إلى ذلك الحدّ المفروض مسبوق الوجود بعدمه السابق الذي لا
يجامعها فهي حادثة بالحدوث الزمانيّ، مثلاً إنّ مجموع الزمان من الأزل إلى يومنا
هذا، حادث بالحدوث الزمانيّ لأنّ هذا المجموع قبل تحقّق اليوم موجود بالقوّة، إذ لم
يوجد بعدُ بتمام وجوده الذي يترتّب عليه آثاره و وجوده بالقوّة متّحد المصداق مع
مجموع الزمان من الأزل إلى الأمس مثلاً و مجموع الزمان من
الأزل إلى الأمس لا يجامع مجموع الزمان من الأزل إلى يومنا و هو ظاهر، فمجموع
الزمان من الأزل إلى يومنا مسبوق الوجود بعدمه السابق الذي لا يجامعه، فمجموع
الزمان من الأزل إلى يومنا حادث بالحدوث الزمانيّ لكن ليعلم أنّ حدوث هذا المجموع
ليس في الأزل حتّى يقال: «لا يتصوّر مسبوقيّته بجزء زماني آخر» بل حدوثه في اليوم
كما عرفت في الأمر الثاني، فتصوّر مسبوقيّته بالعدم السابق ممكن فتدبّر و اغتنم هذا
البيان البكر فإنّ المدّعى من مزال أقدام الفكر و الحمدللّه.
و ذلك بأن كان للزمان مبدأ يبتدأ منه و كان العدم السابق سابقا على ذلك المبدأ بالزمان، فإنّ الحدوث الزمانيّ بهذا المعنى للزمان محال لاستلزامه التناقض، إذ لابدّ لهذا الحدوث من زمان هو ظرف للعدم السابق على ذلك المبدأ مع أنّ المفروض أن لا وجود للزمان قبل ذلك المبدأ و هذا هو التناقض و هذا بخلاف الحدوث التجدّديّ للزمان كما تقدّم، فإنّ العدم السابق على مجموع الزمان من الأزل إلى يومنا مثلاً، ينتزع من وجود مجموع الزمان من الأزل إلى الأمس مثلاً؛ فإنّ هذا المجموع وجود بالقوّة لذلك المجموع و قوّة الشيء عين الشيء بوجه (و إن كانت غيره بوجه آخر بمعنى أنّه لا يصدق عليها الشيء بحدّه) فالعدم السابق في الحدوث التجدّديّ ليس خارجا عن وجود الشيء بل ينتزع من مرتبة من مراتب وجود الشيء الحادث و مصداقه عبارة عن وجود المراتب السابقة على ذلك المجموع الحادث المفروض لكن وجود تلك المراتب السابقة عين وجود المجموع الحادث بوجه.
إذ كلّما فرضنا بداية للزمان وجب أن نفرض زمانا آخر قبل ذلك المبدأ حتّى يكون هو ظرفا للعدم السابق لكن ذلك الزمان السابق أيضا حادث على الفرض فوجب أن نفرض مبدأ آخر له و زمانا سابقا على ذلك المبدأ و هلمّ جرّا فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هذا هو القدم.
أي كما أنّ زمان الحركة العامّة الجوهريّة للعالم يستحيل أن يكون أوسع
منالحركة الراسمة للزمان و لذا لايمكن الحدوث الزمانيّ للعالم بمعنى أن يكون
العالم معدوما في زمان يرسمه، كذلك الزمان للحركات الجزئيّة الموجودة في العالم
تستحيل أن تكون أوسع من نفس تلك الحركات الراسمة لتلك الأزمان و لذا لا يمكن حدوث
هذه الحركات بمعنى أن تكون هذه الحركات معدومة قبل تحقّقها في زمان ترسمه نفس هذه
الحركات، إذ قبل وجود تلك الحركات لا يوجد الزمان الّذي ترسمه هذه الحركات حتّى
تكون عدم الحركات في تلك الأزمان فهذه الحركات ليست حادثة بحسب الأزمان الّتي
ترسمها هذه الحركات و اذا لم تكن حادثة بحسب تلك الأزمان فهي قديمة بحسبها، أي إنّ
وجوداتها غير مسبوقة بالعدم الزمانيّ لكن بحسب الزمان الّذي ترسمه تلك الحركات.
تقدّم أنّ الماهيّة من حيث هي هي ليست إلاّ هي لا موجودة و لا معدومة؛
ببين ماهيتت را بى كم و بيش نه موجود و نه معدوم است در خويش
فإذن ليس في متن الماهيّة و حريم ذاتها ، الوجود و هذا السلب ذاتيّ للماهيّة إذ لا
يحتاج في الاتّصاف به إلى أمر زائد على الماهيّة بخلاف اتّصاف الماهيّة بالوجود
الزائد فانّه ليس ذاتيّا لاحتياجه إلى أمر زائد على الماهيّة و هو العلّة ثمّ ما
بالذات مقدّم على ما بالغير، فيكون وجود الماهيّة مسبوقا بالعدم المتقرّر في مرتبة
ذاتها و هذا هو الحدوث الذاتيّ.
لعلّ هذا التعبير إشارة إلى اعتراض أورده عليهم و هو أنّ المطلوب في الحدوث الذاتيّ ليس عبارة عن كون استحقاق الماهيّة للوجود مسبوقا بلا استحقاق الوجود بل المطلوب عبارة عن كون وجود الماهيّة مسبوقابعدمها الذاتيّ، لكن دفع هذا الإشكال بأنّ المراد أنّ الوجود محمول على الماهيّة و الماهيّة موضوعة له و الموضوع بحسب النظر العقليّ مقدّم على المحمول بالضرورة.(1)
1. راجع: تعليقته على الأسفار، 3 / 247.
قول الحكماء: «إنّ كلّ ممكن يستحقّ العدم لذاته» قضيّة موجبة، فتوهّم المعترض من ظاهرها أنّ استحقاق الممكن للعدم من قبل ذاته، فقال كما أنّ استحقاق الممكن للوجود من قبل العلّة كذلك استحقاقه للعدم من قبل العلّة و إلاّ صار الممكن ممتنعا بالذات، و الجواب أنّ المراد من قولهم؛ «الممكن يستحقّ العدم لذاته» هو قولهم «الممكن لا يستحقّ الوجود لذاته» و هذه القضيّة سالبة محصّلة و إن عبرّوا عن معناها المراد بالقضيّة الموجبة المعدولة حيث حمل استحقاق العدم على الممكن لكن لمّا كان المراد منها، عدم استحقاق الوجود لا استحقاق العدم و هذا المعنى المراد ثابت للمكن من قبل ذاته لا من قبل العلّة كما تقدّم توضيحه، اندفع الإشكال.
للحدوث الذاتيّ تعريفان: الأوّل كون وجود الشيء مسبوقا بعدمه لذاته، و الثاني كون وجود الشيء مسبوقا بالغير لذاته. و الحجّة الأولى مبنيّة على التعريف الأوّل كما أنّ الحجة الثانية مبنيّة على التعريف الثاني، و التعريف الثاني يلازم التعريف الأوّل؛ لأنّ مسبوقيّة الشيء بالغير لذاته تلازم مسبوقيّته بالعدم المتقرّر في ذاته، إذ الوجود لو لم يكن مسلوبا عن مرتبة ذات الشيء لكان ذلك الشيء واجبا بالذات و هذا خلاف المفروض إذ المفروض أنّ ذلك الشيء ممكن محتاج في وجوده الى الغير.
أي كان وجوده مسبوقا بغيره و منشأ هذه المسبوقيّة ذاته الخالية في مرتبتها عن الوجود.
و ذلك لما تقدّم من أنّ مسبوقيّة الشيء بالغير لذاته تلازم مسبوقيّته بالعدم المتقرّر في ذاته و إلاّ كان ذلك الشيء واجبا بالذات هذا خلف.
و ذلك لأنّ كلّ ممكن حادث ذاتيّ فينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: «كلّ ما
ليس حادثا ذاتيّا بل قديم بالذات فليس بممكن بل واجب الوجود» و أيضا أنّ كلّ ذي
ماهيّة حادث ذاتيّ فينعكس إلى قولنا: «كلّ ماليس حادثا ذاتيّا بل قديم بالذات، فليس
بذي ماهيّة».
لمّا زاد صدر المتألّهين على أقسام التقدّم و التأخّر قسما آخر و هو التقدّم و التأخّر بالحقّ اقترح بأن يصطلح قديم و حادث على أساس هذا التقدّم و التأخّر فقال: «لا بأس بأن يصطلح في القديم والحادث على هذا المعنى و إن لم يشتهر من القوم»(1)؛ فهذا التعريف إجابة من المصنّف رحمهالله لا قتراح صدر المتألّهين.
إنّما فسّره بمسبوقيّة وجود المعلول بوجود العلّة لا بعدم نفس المعلول لأنّ العدم لا تقرّر له في الأعيان حقيقة إلاّ بحسب انتزاع العقل العدم من وجود غيره، فلا يُسبق الوجود بالعدم حقيقة، فمسبوقيّة وجود المعلول بعدمه راجعة بحسب الدقّة إلى مسبوقيّة وجود المعلول بوجود العلّة الّذي يُنتزع منه عدم المعلول.
1. الأسفار: 3 / 250.
هذه إشارة إلى وجه الفرق بين الحدوث و القدم بالحقّ و الحدوث و القدم الذاتيّين و هو أنّ وصفي الحدوث و القدم بالحقّ وصفان بالذات و لا مع الواسطة و في الحدوث و القدم الذاتيّين وصفان بالعرض و مع الواسطة، و ذلك لأنّ وصفي الحدوث و القدم وصفان للوجود أوّلاً و بالذات و للماهيّة الموجودة ثانيا و بالعرض و الموصوف بهما في الحدوث و القدم بالحقّ نفس وجود المعلول و وجود العلّة و في الحدوث والقدم الذاتيّين الماهيّة الموجودة للمعلول و للعلّة، فالحـدوث و القدم في الأوّل بالذات و لا مع الواسطة و في الثاني بالعرض و مع الواسطة.
لمّا لم يوجد في العلّة المسبوقيّة الّتي توجد في معلولها (و ذلك لأنّ المعلول
مسبوق الوجود بوجود هذه العلّة لكن العلّة ليست مسبوقة الوجود بوجود نفسها) كانت
العلّة قديمة بالنسبة إلى معلولها و إن كانت حادثة بالنسبة إلى علّتها إذا كان لها
علّة أخرى.
لمّا كانت العلّة أقوى وجودا من معلولها لم يكن المعلول في مرتبة وجود علّته فالمعلول بمرتبته الخاصّة و مع حدّه المعيّن مسلوب عن تلك المرتبة و العلّة موجودة فيها، فإذن تَقرّر في مرتبة العلّة وجود العلّة و عدم المعلول بحدّه و لمّا كانت العلّة أقدم وجودا من المعلول وجب أن يكون عدم المعلول المتقرّر في مرتبة وجود العلّة أقدم من وجود المعلول فعدم المعلول، بحدّه سابق على وجوده فوجود المعلول مسبوق بعدمه المتقرّر في مرتبة علّته و هذا هو الحدوث الدهريّ.
العبارة في النسخ الموجودة عندنا هكذا، لكنّ الصحيح «فعلّتها قبلها».
لمّا كان عدم المعلول بحدّه متقرّرا في مرتبة وجود العلّة لا يمكن أن يتقرّر وجوده بحدّه في تلك المرتبة و إلاّ اجتمع النقيضان، فإذن عدم المعلول بحدّه، السابق على وجوده لا يجامع وجوده اللاحق.
هذا المعنى للقدم و إن كان ثابتا لوجود العلّة حيث إنّ العلّة غير مسبوقة بوجود
معلولها إلاّ أنّ الظاهر أنّ المراد من القدم الدهريّ ليس هذا و ذلك لوجهين:
الأوّل قال المحقّق الداماد: «القدم الدهريّ و يعبّر عنه بالازليّة السرمديّة هو
كون الوجود الحاصل بالفعل غير مسبوق بالعدم الصريح في متن الدهر».(1)
هذه العبارة صريحة في أنّ العدم المسلوب سبقه في القدم الدهريّ، وعائه الدهر و إذا كان كذلك وجب أن يكون الوجود الذي يتقرّر في مرتبته هذا العدم وعائه الدهر أيضا، لكن إذا جعل هذا الوجود وجود المعلول (كما فعل المصنّف في التعريف) لا يكون وعاء ذلك العدم الدهر؛ لأنّ عالم المادّة مثلاً الذي هو معلول لعالم العقل، وعائه الزمان لا الدهر، فلو اعتبر عدم مسبوقيّة العلّة بهذا الوجود لكان العدم المتقرّر في مرتبة هذا الوجود ، وعائه الزمان لا الدهر و هذا خلف.
1. القبسات، ص 18.
الثاني لمّا كانت المسبوقيّة في الحدوث الدهريّ بالقياس إلى وجود العلّة كان الواجب
أن يكون عدم المسبوقيّة في القدم الدهريّ بالقياس إلى وجود العلّة أيضا.
فإذن ينبغي تعريف القدم الدهريّ بكون الماهيّة الموجودة غير مسبوقة بوجود العلّة
الّتي هي سابقة في الحدوث الدهريّ، ثمّ بقي الكلام في أنّ الحدوث و القدم الدهريّين
هل هما غير الحدوث و القدم بالحقّ بالتغاير النوعيّ أو لا؟ الحقّ هو الثاني لأنّ
الفرق بينهما هو الفرق بين الموصوف بالذات و الموصوف بالعرض و ذلك لأنّ الحدوث و
القدم وصفان لوجود المعلول و لوجود العلّة أوّلاً و بالذات كما في الحدوث و القدم
بالحقّ و هما وصفان للماهيّة الموجودة للمعلول و للماهيّة الموجودة للعلّة ثانيا و
بالعرض كما في الحدوث و القدم الدهريّين.
حاصله: أنّا إذا قلنا إنّ المعلول لا يكون موجودا في مرتبة وجود العلّة ليس معناه أنّ مرتبة وجود العلّة خالية عن وجود المعلول (لانّ ذلك محــال، إذ فاقد الشيء لايكون معطيا له) بل المراد أنّ المعلول مع حدّه الخاصّ مسلوب عن العلّة و بعبارة أخرى العلّة يسلب عنها المعلول بالحمل الشايع و يصدق عليها المعلول بالحمل الحقيقة و الرقيقة فلا منافاة بينهما.
أقول: كلّ قسم من الأقسام التسعة للتقدّم و التأخّر، المتقدّم فيه لا يجتمع المتأخّر بحسب نفس الملاك الموجود في ذلك القسم و ذلك لما تقدّم في ملاك التقدّم و التأخّر من أنّ المتأخّر في كلّ قسم كلّ ما يوجد له من الملاك فهو يوجد للمتقدّم و ليس كلّ ما يوجد للمتقدّم منه يوجد للمتأخّر فإذن المرتبة الّتي يكتسبها المتقدّم من ملاك كلّ قسم لم يكتسبها المتأخّر فالمتقدّم و المتأخّر لا يجتمعان في شيء من الأقسام التسعة سواء كانا بالزمان أو بالحقّ أو بالدهر أو بغيرها، فما يقال من أنّ عدم الإجتماع من خواصّ التقدّم و التأخّر بالزمان كما تقدّم في الفصل الأوّل و الخامس، فهو في غير محلّه، نعم المتقدّم و المتأخّر في كلّ قسم من الأقسام يمكن اجتماعهما بلحاظ ملاك قسم آخر كالمتقدّم و المتأخّر بالطبع أو بالشرف أو بالرتبة أو غيرها، فانّهما فيها يمكن اجتماعهما بلحاظ ملاك التقدّم و التأخّر بالزمان لا بلحاظ الملاك الموجود في كلّ منها.