المرحلة التاسعة
في القوّة و الفعل
و فيها أربعة‏عشر فصول

الفصل الأوّل

كلّ حادث زماني فإنّه مسبوق بقوّة الوجود
قوله: هذا الإمكان أمر موجود في الخارج و ليس اعتباريّا عقليّ

إن قلت: لا يلزم من نفي الامتناع و الوجوب إلاّ الإمكان الذاتيّ و الإمكان الذاتيّ أمر اعتباريّ غير موجود في الخارج فكيف قلتم إنّ هذا الإمكان أمر موجود في الخارج.
قلت: الإمكان عبارة عن لاضرورة نسبة شيء إلى شيء آخر، فإن كان أحد طرفي النسبة اعتباريّا كالماهيّة فتلك النسبة و لاضرورتها أيضا اعتباريّة كالإمكان الذاتيّ فإنّه اعتبار عقلي حيث إنّه عبارة عن لاضرورة نسبة الوجود إلى الماهيّة الإعتباريّة لكن إذا لم يكن طرفاها اعتباريّين فليست النسبة و لاضرورتها اعتباريّة بل هي من المعاني الموجودة في الخارج إن دلّ البرهان على وجوده (كما سيأتي).
إذا عرفت هذا نقول: الإمكان فيما نحن فيه ليس إمكانا ذاتيّا، لأنّ الإمكان الذاتيّ عبارة عن لاضرورة نسبة الوجود إلى الماهيّة فأحد طرفي النسبة في الإمكان الذاتيّ، الماهيّة لكن الإمكان المراد هنا ليس كذلك، لأنّ المراد من الحادث في بحث الحركة عبارة عن الأعراض و الصور اللاحقة بالشيء حين حركته، فتلك الأعراض و الصور اللاحقة تقاس إلى ذلك الشيء فيقال: إمّا أن يكون هذا الحادث اللاحق بالشيء واجب الوجود بالنسبة إلى ذلك الشيء أو ممتنع الوجود بالنسبة إليه أو ممكن الوجود بالنسبة إليه؛ و الأوّل و الثاني باطلان فثبت الثالث، فإذن أحد طرفي النسبة في هذا الإمكان ،الشيء الحادث فيه الصورة مثلاً و طرفها الآخر الصورة فليس إمكانا ذاتيّا حتّى يقال أنّه اعتباريّ لا وجود له و الحاصل إنّ الإمكان بالقياس (و هو لاضرورة شيء بالقياس إلى شيء) كالجنس للإمكانات المختلفة و بعض أنواعها اعتباريّ كالإمكان الذاتيّ و بعضها موجود في الخارج كالإمكان هنا.

قوله: لأنّه يتّصف بالشدّة و الضعف و القرب و البعد.

فإن قلت: «لا نعني بقرب استعداد الجنين للحياة و بعد استعداد النطفة لها مثلاً إلاّ أنّ الشرائط الحاصلة للجنين أكثر منها في النطفة و ليس وراء تلك الشرائط عرض آخر يحلّ فيه يسمّى بالقوّة أو الإمكان الاستعداديّ و حيث إنّ حصول الشرائط تدريجيّ عادة يعتبر الاستعداد أمرا يشتدّ شيئا فشيئا و هذا هو الذي يوهم أنّه أمر عينيّ يسير من الضعف إلى الشدّة و من النقص إلى التمام و من البعد إلى القرب و ليس كذلك في الواقع».
قلت: إنّا نمهّد للرملة الواحدة مثلاً الشرائط الخارجيّة الّتي تجب لنبت حبّة البرّ مثلاً و نرفع عن تلك الرملة الموانع الخارجيّة الّتي تمنع عن نبت الحبّة و مع ذلك نشاهد أنّ الرملة لا تنبت فإذن لابدّ أن يكون في حبّة البرّ خصوصيّة تكون الحبّة بها صالحة للنبت و الرملة غير صالحة له لفقدانها لها.
ثمّ إنّ تلك الخصوصيّة إمّا أن تكون جوهرا أو عرضا و الأوّل باطل لأنّا نقسم حبّة واحدة إلى نصفين أو نسخّن حبّة ثم نمهّد الشرايط الخارجيّة لنصف من الحبّة أو للحبّة المسخّنة و مع ذلك نشاهد أنّ ذلك النصف أو الحبّة المسخّنة لاينبت مع أنّ طبيعة البّر كما أنّها موجودة في كلّ الحبّة موجودة في نصفها أو في الحبّة المسخّنة و إنّما الاختلاف بالعرض لا بالجوهر، فإذن ثبت أنّ تلك الخصوصيّة الّتي بها يصحّ البرّ أن ينبت ليست إلاّ عرضا و هو المطلوب.
فإن قلت: بناءاً على أنّ الأعراض من شؤون الجواهر يكون اختلاف الأعراض بسبب اختلاف جواهرها الموضوعة لها فإذن بين الحبّة و نصفها أو المسخّنة منها فرق جوهرىّ.
قلت: سلّمنا ذلك لكن لابدّ أن يكون هناك اختلاف في الأعراض بسبب اختلاف جواهرها و تغيّرها، فالعرض الموجود في الحبّة و غير الموجود في الرملة و في الحبّة المسخّنة أو المنصّفة هو الّذي نقول أنّه إمكان استعداديّ.

قوله: و الإمكان في النطفة أيضا أشدّ منه في الغذاء مثلاً ...

فإن قلت: الإمكان الاستعداديّ وصف للمستعدّ له، فإنّ الامكان في قولنا: «الإنسان ممكن الوجود للنطفة» وصف للإنسان لا للنطفة و الإنسان قبل تحقّقه معدوم فوصفه معدوم أيضا، فكيف صوّرتم فيه التشكيك و القرب و البعد و الشدّة والضعف.
قلت: إذا قلنا إنّ الإنسان يمكن أن يوجد في الخارج للنطفة فهناك نسبة بين الإنسان و النطفة الموجودة في الخارج و تلك النسبة متّصفة باللاضرورة، أي الإمكان ثمّ إنّ طرفي هذه النسبة موجودان في الخارج لأنّ أحد طرفيها النطفة الموجودة في الخارج و طرفها الاخر الإنسان الّذي يوجد في الخارج للنطفة، فوعاء وجود طرفي النسبة، الخارج فلا بدّ أن يكون وعاء تلك النسبة الخارج أيضا، لأنّ وعاء النسبة وعاء طرفيها لكن لمّا كان الإنسان الذي يوجد في الخارج للنطفة لم يوجد بعد بحيث يترتّب عليه آثاره، وجب أن يكون الإنسان نفسه موجودا في الخارج للنطفة بوجود ضعيف لا يترتّب عليه آثاره، إذ لو لم يكن الإنسان موجودا للنطفة بوجوده الضعيف كما أنّه لم يوجد لها بوجوده القويّ لبطلت النسبة و ببطلان النسبة بطل الإمكان الّذي هو وصف للنسبة مع أنّ هذا الإمكان قد ثبت وجوده، فإذن يجب أن يكون الإنسان موجودا بوجوده الضعيف للنطفة بحيث لا يترتّب عليه الآثار و هذا الوجود الضعيف كلّما كان أقرب بالإنسان الذي يترتّب عليه الآثار كان أشدّ وجودا و أقوى فهو وجود تشكيكيّ ذو مراتب.
ثمّ لمّا كانت النسبة من الوجودات الرابطة كانت تلك النسبة و وصفها الذي هو الإمكان موجودة بوجود طرفيها و أحد طرفيها وجود تشكيكيّ ذو مراتب ـ كما تقدّم ـ فتلك النسبة و وصفها الّذي هو الإمكان أيضا لهما نوع تشكيك بتشكيك طرفها المتّحد معه و هو المطلوب و من هنا يمكن الجمع بين قول من قال: إنّ الإمكان الاستعداديّ من المقولة الإضافة و بين قول من قال: أنّه من مقولة الكيف فإنّ هذا الإمكان باعتبار اتّحاده مع النسبة من مقولة الإضافة و باعتبار اتّحاده مع وجود طرف النسبة من الكيف.

قوله: ليس جوهرا قائما بذاته ...

لأنّه أخذ في معناه النسبة و لو كان جوهرا لكان جوهرا مع قطع النظر عن النسبة مع أنّه ليس كذلك.

قوله: و إلاّ لم تحمل إمكانها ...

أي لو امتنع المادّة عن اتّحادها مع الصورة لم تكن الصورة ممكنة الوجود للمادّة، لأنّ وجود الصورة للمادّة عبارة عن اتّحاد هما ـ كما تقدّم في المرحلة الثانية ـ فلو امتنع اتّحادهما امتنع وجود الصورة للمادّة مع أنّ المفروض أنّ الصورة ممكنة الوجود للمادّة و المادّة تحمل هذا الإمكان.

قوله: إذ لو كانت ذات فعليّة في نفسها لامتنعت عن قبول فعليّة أخرى.

إذ المراد من قبول فعليّة أخرى هو اتّحادها معها و اتّحاد الفعليّتين محال، لأنّهما بعد الإتّحاد إن كانتا موجودتين كانتا إثنتين لا واحدة و إن كان إحديهما فقط موجودة كان هذا زوالا لإحديهما و بقاء للأخرى و إن لم يكن شيء منهما موجودا كان هذا زوالاً لهما و حدوثا لأمر ثالث و على التقادير فلا اتّحاد.
لكن هذا الدليل يثبت امتناع اتّحاد فعليّتين عرضيّتين لا طوليّتين بأن كان إحديهما مرتبة كاملة من الأخرى فانّه ليس بمحال بل ممكن واقع، إذ نختار انّهما موجودان بعد الاتّحاد بوجود الكامل منهما فالكامل موجود و كذا الناقص لأنّه مرتبة من مراتب وجود الكامل فوجوده منطوٍ في الكامل فإذن هما موجودان بوجود واحد و هو الاتّحاد.

قوله: بطلت الفعليّة السابقة ...

هذا مبنيّ على امتناع اتّحاد الفعليّتين فإنّ الصورة السابقة يجب أن تبطل حين حدوث الصورة اللاحقة و إلاّ لزم اتّحاد الفعليّتين، لأنّ كلاًّ منهما متّحد مع المادّة فتصيران متّحدتين بسبب اتّحادهما مع المادّة و هو محال ـ كما تقدّم ـ ، و هذه هي نظريّة الكون و الفساد، أي تحقّق الصورة اللاحقة و زوال الصورة السابقة، أمّا بناءاً على إمكان اتّحاد الفعليتين بل وقوعه فالصورة السابقة لاتبطل نفسها بل يبطل حدّها فتستكمل بالصّورة اللاحقة و هذه هي نظريّة اللبس بعد اللبس.

قوله: و هو محال ...

لا يقال: هذا تسلسل تعاقبيّ، أي أفراد السلسة غير مجتمعة في الوجود (إذ مادّة كلّ مادّة حادثة و إمكانها سابقتان عليها بالزمان) و التسلسل التعاقبيّ ليس محالاً ـ كما تقدّم.
لأنّه يقال أوّلاً إنّ بعض أدلّة بطلان التسلسل جارٍ في التسلسل التعاقبيّ كما تقدّم ـ و ثانيا أنّ كلّ مادّة حادثة لا تستغني عن المادّة السابقة في زمان وجودها فإذن يجب أن يكون أفراد السلسلة مجتمعة الوجود مع المادّة الحادثة في سلسلة المواد.

قوله: لو فرض للمادّة حدوث زمانيّ ...

و الفرق بين هذا الفرض و ما تقدّم أنّ المادّة في هذا الفرض حادثة مرّة واحدة و في الفرض السابق حادثة بتعداد حدوث الصور الحادثة.

قوله: فقوّة الشيء الخاصّ تعيّن قوّة المادّة المبهمة ...

هذا مبنيّ على القول المشهور من أنّ تشخّص الشيء بأعراضه و إلاّ إنّ العرض أي القوّة متأخّر وجوده عن وجود موضوعه أي المادّة و لا يتعيّن الشيء بما هو متأخّر عنه.

قوله: لا ينفكّ عن تغيّر ...

لأنّ الصورة أو الحالة السابقة تبطل بحدوث الصورة أو الحالة الحادثة و هذا تغيّر في الصورة أو في الحالة.
 

الفصل الثانى

في استيناف القول في معنى
وجود الشيء بالقوّة
قوله: في استيناف القول ...

ما تقدّم في الفصل السابق هو البيان الذي اعتمد عليه في الفلسفة المشّائيّة لإثبات الإمكان الاستعداديّ و إثبات الهيولى و ما يتفرّع عليهما و لمّا كان بعض ما تقدّم غير مرضيّ عند المصنّف كنظريّة الكون و الفساد و انفصال الصور المتعاقبة استئنف القول في معنى وجود الشيء بالقوّة حتّى يثبت به الحركة الجوهريّة و ما يتفرّع عليها.

قوله: إنّ ما بين أيدينا من الأنواع الجوهريّة يقبل أن يتغيّر ...

هذا شروع في الاستدلال الذي اخترعه المصنّف رحمه‏الله على الحركة الجوهريّة و نتائجها و لهذا الاستدلال مقدّمات نوضح كلّ مقدّمة في مقامها الخاصّ.
المقدّمة الأولى أنّ ما بين أيدينا أنواعا من الجواهر تتغيّر عمّا كانت و تقبل صورا غير موجودة فيها بالفعل كنطفة الإنسان فإنّها تتغيّر عمّا كانت و تقبل الصورة الإنسانيّة فتصير إنسانا ثمّ لمّا كان القبول معنى نسبيّا ـ و لذا لايعقل إلاّ بعد تعقّل قابل مّا و مقبول مّا ـ كان عند كلّ قبول ثلاثة أشياء: القابل و المقبول و النسبة بينهما، أي نسبة القابليّة و المقبوليّة.

قوله: و ذلك مع تعيّن القابل و المقبول ...

هذا شروع في المقدّمة الثانية و هي أنّ النسبة بين كلّ قابل و مقبوله نسبة موجودة في الخارج و ليست أمرا ذهنيّا اعتباريّا و ذلك لوجهين.
الأوّل: لا شكّ أنّ كلّ قابل لايقبل أي مقبول بل يقبل مقبولاً معيّنا، فإنّ نطفة الانسان تقبل الصورة الإنسانيّة فقط و لا تقبل الصورة الحماريّة مثلاً، فإذن لابدّ من ارتباط القابليّة و المقبوليّة بينهما في الخارج، إذ لو لم يكن في الخارج ارتباط القابليّة و المقبوليّة بين نطفة الإنسان و الصورة الإنسانيّة لكان حال نطفة الإنسان في الخارج بالنسبة إلى الصورة الإنسانيّة كحالها بالنسبة إلى الصورة الحماريّة؛ أي إنّ هذين الحالين متساويان في عدم تحقّق ارتباط القابليّة و المقبوليّة في الخارج، فلا مرجّح في الخارج لأن تكون نطفة الإنسان قابلة للصورة الإنسانيّة فقط فيجب حينئذٍ أن لا تقبل الصورة الإنسانيّة كما انّها لا تقبل الصورة الحماريّة أو تقبل الصورة الحماريّة كما أنّها تقبل الصورة الإنسانيّة لكن هذا التالي باطل، لأنّ نطفة الإنسان تقبل الصورة الإنسانيّة فقط فكذا المقدّم فإذن ثبت أنّ نسبة القابليّة و المقبوليّة بين نطفة الإنسان و الصورة الإنسانيّة مثلاً، نسبة خارجيّة موجودة في وعاء الخارج و هو المطلوب .
الثاني: إنّ النسبة بين القابل و المقبول تختلف بالقرب و البعد و الشدّة و الضعف في الخارج فتكون موجودة في الخارج، لأنّ ثبوت شيء لشيء في أيّ وعاء فرع لثبوت المثبت له في ذلك الوعاء.

قوله: و كلّ نسبة موجودة فإنّها تستدعي وجود طرفيها ...

هذه مقدّمة ثالثة و توضيحها أنّه لمّا ثبت أنّ نسبة القابليّة والمقبوليّة موجودة في الخارج استنتج أنّ طرفيها يجب أن يكونا موجودين في الخارج لأنّ وعاء النسبة وعاء طرفيها، فإذا ثبت أنّ وعاء النسبة الخارج، ثبت أيضا أنّ وعاء طرفيها الخارج، فإذن يجب أن يكون القابل و المقبول موجودين في الخارج لكن لمّا كان المقبول بوجوده الخارجيّ الذي يترتّب عليه آثاره غير موجود بعدُ وجب أن يكون ذلك المقبول نفسه موجودا بوجود خارجيّ لا يترتّب عليه آثاره إذ لو لم يكن المقبول موجودا بوجود خارجيّ لا يترتّب عليه الآثار (كما أنّه لم يوجد بعدُ بوجوده الخارجيّ الذي يترتّب عليه الآثار) للزم أن تكون النسبة معدومة بانعدام أحد طرفيها مع أنّ هذا خلاف ما تقدّم في المقدّمة الثانية من أنّ تلك النسبة موجودة في الخارج.
فإن قلت: «انّ النسبة اعتبار عقليّ، ظرف عروضه هو الذهن و إنّما الخارج هو ظرف الاتّصاف بها».
قلت: إن اعترفتم أنّ الخارج ظرف الاتّصاف بالنسبة فقد تمّ البرهان؛ لأنّ معنى أنّ الخارج ظرف للاتّصاف بالنسبة، هو أنّ الخارج ظرف لثبوت النسبة لموصوفها الخارجيّ، أي إنّ الخارج ظرف لوجودها الرابط، فللنسبة وجودمّا في الخارج لأنّ ثبوت شيء لشيء في الخارج فرع ثبوت نفس الثابت في الخارج، و ببيان آخر لو لم يكن للنسبة أيّ ثبوت في الخارج فكيف يمكن أن يكون الموجود الخارجيّ متّصفا بها في الخارج و هل يمكن أن يتحقّق الاتّصاف في الخارج من دون أن يكون هناك وصف يتّصف به؟ و بعبارة ثالثة: الاتّصاف نفسه معنى نسبيّ ففرض تحقّقه في الخارج يستدعي وجود طرفيه فيه، و أحد طرفيه نفس النسبة، فهي موجودة في الخارج و إن لم تكن مستقلّة في الوجود.
فإن قلت: «انّه ربّما تعتبر النسبة بين موجود و معدوم كنسبة الأمس إلى اليوم و نسبة اليوم إلى الغد، فعلى فرض وقوع النسبة في الخارج لا يقتضي ذلك وجود طرفيها في زمان وقوعها».
قلت: كلاّ فإنّ النسبة متقوّمة الوجود بطرفيها و النسبة في المثالين المذكورين متقوّمة بالطرفين الموجودين حين وجودها أمّا في نسبة الأمس إلى اليوم، فلانّ فعليّة الأمس منطوية في فعليّة اليوم كما هو شأن الوجودات السيّالة فلا يكون الأمس معدوما مطلقا حين وجود النسبة و أمّا في نسبة اليوم إلى الغد فلانّ وجود الغد موجود في الأمس بوجوده الضعيف(1) كما في الحركة فلا يكون الغد معدوما مطلقا حين وجود النسبة.

قوله: و كون أحد طرفي النسبة للآخر ...

عطف على قوله «وجود طرفيها»، أي إنّ كلّ نسبة موجودة فإنّها تستدعي كون أحد طرفي النسبة للآخر.

1. سيأتي بحثه في الفصل الأوّل من المرحلة العاشرة.

فإن قلت: «إنّا نمنع اقتضاء النسبة كون وجود أحد الطرفين للغير كالنسبة المتكرّرة بين الأخوين أو بين الأب و الإبن».
قلت: لو سلّم عدم الاقتضاء في هذه الأمثلة لا نسلّم في نسبة القابليّة و المقبوليّة لأنّ المقبول ناعت للقابل؛ فإنّ نطفة الإنسان إنسان بالقوّة، فلو لم يكن المقبول موجودا للقابل لم يكن القابل منعوتا بالمقبول فلا تنعت النطفة بكونها إنسانا بالقوّة مثلاً فإذن أحد طرفي النسبة و هو المقبول موجود للآخر و هو القابل.

قوله: فللمقبول وجود واحد ذو مرتبتين ...

هذه نتيجة لما سبق إذ لمّا ثبت وجود النسبة في الخارج ثبت وجود طرفيها فيه و لمّا لم يكن المقبول بوجوده الذي يترتّب عليه الآثار موجودا بعدُ وجب أن يكون المقبول نفسه موجودا بوجود ضعيف لا يترتّب عليه الآثار، إذ لو لم يكن نفس المقبول موجودا بوجوده الضعيف للزم أن تكون النسبة معدومة بانعدام أحد طرفيها وهو خلاف المفروض، فإذن ثبت أنّ للمقبول وجودا ذا مرتبتين: مرتبة ضعيفة لا يترتّب عليه الآثار و هو وجوده بالقوّة و مرتبة شديدة يترتّب عليه الآثار و هو وجوده بالفعل.
فإن قلت: «إنّ ظرف وجود النسبة في الواقع هو ظرف وجود المقبول و في ذلك الظرف يكون القابل موجودا لما مرّ من لزوم بقاء القابل بعد تحقّق المقبول».
قلت: إنّ المقبول قبل وجوده الذي يترتّب عليه الآثار موجود للقابل، إذ المقبول قبل وجوده الذي يترتّب عليه الآثار ناعت لقابله، فإنّ النطفة إنسان بالقوّة مثلاً فالإنسان قبل وجوده الذي يترتّب عليه الآثار ناعت للنطفة، فيكون موجودا لها قبل وجوده الذي يترتّب عليه الآثار فتحقّق النسبة بينهما قبل وجوده الذي يترتّب عليه الآثار.

قوله: و إلاّ بطلت النسبة و قد فرضت ثابتة موجودة هذاخلف.

فإن قلت: «هل يوجد بين القابل و وجود المقبول المتأخّر أيضا نسبة أو لا؟ فإن كان الجواب بالإثبات لزم الاعتراف بوجود النسبة بين المتقدّم و المتأخّر مع اختلاف الزمان و فيه هدم لأساس الحجّة و إن كان الجواب بالنفي فلا يفي البيان بإثبات اتّحاد القابل و المقبول ذلك الاتّحاد الذي يطلب بهذه الحجّة لأنّ ملاك الاتّحاد على الفرض هو النسبة و هي مفقودة بين المتقدّم و المتأخّر».
قلت: نختار الجواب بالنفي و مع ذلك اتّحاد القابل و المقبول بوجوده المتأخّر محقّق و تلك النسبة ليست ملاك الاتّحاد ـ كما توهّم ـ حتّى يلزم من انتفائها الاتّحاد بل النسبة واسطة في إثبات الاتّحاد، فغاية ما يلزم من نفي النسبة بين القابل و المقبول بوجوده المتأخّر هو أنّ الاتّحاد بينهما لا يثبت من هذا الطريق لكن الطريق لا ينحصر فيه بل يمكن إثبات الاتّحاد من الطريق الذي سلكه المصنّف رحمه‏الله و هو أنّ المقبول بوجوده الضعيف و الشديد واحد و المقبول بوجوده الضعيف متّحد مع القابل فالمقبول بوجوده الشديد متّحد مع القابل.

قوله: و كذا المقبول بوجوده بالقوّة مع القابل موجودان بوجود واحد ...

تقدّم أنّ المقبول بوجوده الضعيف موجود للقابل، لانّه ناعت له فإنّ النطفة إنسان بالقوة مثلاً فالإنسان بوجوده بالقوّة ناعت للنطفة، فهو موجود لها و وجود الشيء للآخر وجود رابط و قد تقدّم في الفصل الأوّل في المرحلة الثانية أنّ تحقّق وجود الرابط و النسبة بين طرفين يوجب نحوا من الاتّحاد الوجوديّ بينهما.

قوله: فوجود القابل و وجود المقبول بالقوة و وجوده بالفعل جميعا وجود واحد.

فإن قلت:«غاية مايثبت بالبيان المذكور اتّحاد تلك الوجودات لا وحدتها، فإنّ الوحدة المشكّكة إنّما يوجد في مراتب وجود واحد يكون بعضها رابطا غير مستقلّ بالنسبة إلى الآخر لا رابطيّا متعلّق الوجود به و مقتضى البيان المذكور هو الثاني دون الأوّل».
قلت: الوجود الرابطيّ للمقبول عين وجوده الرابط؛ لأنّ المقبول إمّا عرض و إمّا صورة جوهريّة ،فإن كان عرضا فواضح أنّ وجوده الرابطيّ عين وجوده الرابط، إذ لو لم يكن ثبوته لموضوعه (الّذيهو وجوده الرابط) عين وجوده في نفسه (الذي هو وجوده الرابطىّ) للزم أن يكون ثبوته لموضوعه عارضا له، فيكون ثبوته لموضوعه متأخّرا عن وجوده في نفسه و معناه أنّ العرض في مرتبة ذاته جوهر مستقلّ عن الموضوع هذا خلف.
و إن كان صورة جوهريّة فواضح أيضا لأنّ المقبول هنا يجب أن يكون من الصور المادّيّة حتّى يفرض فيه الحركة و إذا كان من الصور المادّيّة لزم أن يكون ثبوتها للمادّة عين ثبوتها في نفسها و إلاّ كان ثبوتها للمادّة عارضا لها فيكون ثبوتها للمادّة متأخّرا عن وجودها في نفسها فتكون في مرتبة ذاتها غير مادّيّة مع أنّ تلك الصور مادّيّة ـ كما تقدّم ـ فإذن ثبت أنّ الصور الجوهريّة وجوداتها الرابطيّة عين وجوداتها الرابطة و هو المطلوب.

قوله: كان لجميع الحدود وجود واحد ...

لأنّ كلّ فعليّة سابقة قابلة للفعليّة اللاحقة فيكون لهما وجود واحد ـ لما تقدّم من أنّ للقابل و المقبول وجود واحد ذو مراتب، ثمّ الفعليّة اللاحقة قابلة للفعليّة الّتي بعدها فيكون لهما وجود واحد أيضا و هكذا، مثلاً أنّ النطفة قابلة لصورة العلقة فلهما وجود واحد و العلقة قابلة لصورة المضغة فلهما وجود واحد أيضا و المضغة قابلة لصورة الإنسان فلهما وجود واحد أيضا، فإذن للنطفة و العلقة و المضغة و الإنسان وجود واحد ذو مراتب.

قوله: فينطبق عليه حدّ الحركة ...

تقدّم أنّ للمقبول وجودين: وجود يترتّب عليه آثاره المطلوبة منه و وجود آخر قبله و هو الوجود الّذي يشتدّ حتّى ينتهي إلى المقبول الذي يترتّب عليه الآثار.
ثم إنّ المقبول بوجوده السابق كمال للقابل لأنّ حصول ما يمكن أن يحصل للشيء كمال له و كذا المقبول بوجوده اللاحق الذي يترتّب عليه الآثار كمال للقابل ـ لما تقدّم ـ فإذن للقابل كمالان: الأوّل الوجود السابق للمقبول و هو الّذي يشتدّ حتّى ينتهي إلى المقبول الذي يترتّب عليه الآثار و هذا الكمال يسمّى أوّلاً لتقدّمه على الكمال الثاني، والثاني وجود المقبول الذي يترتّب عليه الآثار.
ثمّ الكمال الأوّل أي المقبول بوجوده الذي لا يترتّب عليه الآثار، حاصل للقابل مادام لم يتحقّق الكمال الثاني (أي المقبول بوجوده الذي يترتّب عليه الآثار) و إلاّ اجتمع في القابل ترتّب الآثار و عدمه و هو باطل بالضرورة.
إذا عرفت هذه نقول: إنّ حدّ الحركة ينطبق على الوجود السابق للمقبول، لأنّه كمال أوّل للقابل (الذي هو بالقوّة بالنسبة إلى الكمال الثاني) من حيث إنّ القابل بالقوّة بالنسبة إلى الكمال الثاني (أي مادام لم يتحقّق الكمال الثاني في القابل).

قوله: فهذا الوجود الواحد المستمرّ وجود تدريجيّ سيّال ...

و ذلك لصدق حدّ الحركة عليه و لأنّه قد تقدّم أنّ المقبول بوجوده السابق و اللاحق وجود واحد و إنّما التفاوت بالشدّة و الضعف و تقدّم أيضا أنّ المقبول بوجوده السابق مقدّم بالزمان على المقبول بوجوده اللاحق، فإذن هناك وجود واحد ممتدّ منطبق على الزمان و لازم امتداده و انطباقه على الزمان أن يكون ذلك الوجود سيّالاً تدريجيّا لسيلان الزمان المنطَبق عليه. ثمّ بهذا تمّ البرهان الذي اخترعه المصنّف على الحركة الجوهريّة فاغتنمه.

قوله: تبيّن أنّ ما لوجوده قوّة فوجود سيّال تدريجيّ ...

و ذلك لأنّه تقدّم أنّ قوّة الشيء عين الشيء و إنّما التفاوت بالشدّة و الضعف و تقدّم أيضا أنّ قوّة الشيء سابقة عليه بالزمان، فإذن هناك وجود واحد ممتدّ منطبق على الزمان و لازم ذلك أن يكون ذلك الوجود سيّالاً تدريجيّا لسيلان الزمان المنطَبق عليه كما تقدّم.

قوله: و انّ ما ليس وجوده سيّالاً تدريجيّا أي كان ثابتا فليس لوجوده قوّة

هذه النتيجة عكس النقيض للنتيجة السابقة.
 

الفصل الثالث

في زيادة توضيح لحدّ الحركة
قوله: فالحركة خروج الشيء من القوّة إلى الفعل تدريجا ...

لمّا أورد على هذا التعريف أنّ التدريج وقوع الشيء في آن بعد آن، و الآن طرف الزمان و الزمان مقدار الحركة فالحركة مأخوذة في تعريف الحركة و هو الدور، أجاب عنه في الهامش أوّلاً بأنّ التدريج معنى بديهيّ التصوّر باعانة الحسّ عليه و لا يتوقّف معرفته على معرفة الحركة فلا يلزم الدور و ثانيا أنّ هذا التعريف ليس تعريفا حقيقيّا حتّى يراعي فيه شرائطه.

قوله: و حدّها المعلّم الأوّل ...

بيان هذا التعريف يتوقّف على أمور:
الأوّل أنّ حصول كلّ ما يمكن أن يحصل للشيء كمال له و الجسم الّذي لم يتحرّك بعدُ له قوّتان قوّة السلوك و قوّة الوصول إلى ما إليه السلوك لكن لمّا كان السلوك قبل الوصول و مقدّما عليه كان السلوك الحاصل للجسم كمالاً أوّلاً له و الوصول الحاصل له كمالاً ثانيا له.
الثاني كما أنّ السلوك كمال أوّل للشيء المتحرّك كذلك الصورة النوعيّة كمال أوّل له، إذ كما أنّ السلوك مقدّم على الوصول كذلك الصورة النوعيّة مقدّمة على الآثار المتفرّعة عليها.
الثالث أنّ الصورة النوعيّة كمال أوّل للشيء مطلقا سواء كان الجسم بالقوّة بالنسبة إلى الوصول أو بالفعل لكن السلوك كمال أوّل له من حيث إنّ الشيء المتحرّك بالقوّة، بالنسبة إلى الوصول إذ بعد ما يصير بالفعل بالنسبة إليه تنعدم الحركة فلا حركة حتّى يكون كمالاً أوّلاً.
إذا عرفت هذه نقول: «إنّ الحركة كمال أوّل للجسم الّذيهو بالقوة من حيث إنّه بالقوة»؛ فبقولنا: كمال أوّل للجسم خرج من التعريف الوصول، لأنّه كمال ثان له، و قولنا: للجسم الذي هو بالقوّة إشارة إلى أنّ للحركه خاصيّتين: الأولى أنّه لابدّ هناك من مطلوب ممكن الحصول و الثانية أنّ المطلوب لا يكون حاصلاً بالفعل للجسم؛ و بقولنا: من حيث إنّه بالقوّة خرجت الصور النوعيّة لأنّها كمال أوّل للجسم المتحرّك الذي هو بالقوّة بالنسبة إلى الوصول لكن لا من حيث إنّ الجسم بالقوّة بالنسبة إليه، أي انّ الصور النوعيّة ليست كمالاً أوّلاً للجسم بشرط عدم تحقّق الكمال الثاني الذي هو الوصول بل إنّها كمال أوّل للجسم مطلقا سواء كان الجسم بالقوّة بالنسبة إلى الوصول أو بالفعل و لذا لايزال كونها كمالاً أوّلاً عند الوصول بخلاف الحركة فانّها كمال أوّل للجسم إذا كان الجسم بالقوّة بالنسبة إلى الوصول.

قوله: تحقيقا أو اعتبارا ...

إنّ الشيء إذا لم يكن متحرّكا فصار متحرّكا من حدّ كان للحركة مبدأ تحقيقا؛ لأنّ المبدأ هنا هو الحدّ الفاصل بين الحالين الموجودين حقيقة لا بالفرض و الاعتبار، و إذا كان الشيء في حال الحركة فكلّ حدّ من حدود المسافة كان مبدأ اعتبارا، لأنّ حدود المسافة حاصلة بفرض الانقسام في الحركة فكلّ حدّ بعد تحقّقه بالفرض و الاعتبار يصير مبدأ بالنسبة إلى ما بعده من مراحل الحركة ، و الأمر في المنتهى أيضا كذلك، فالشيء المتحرّك إذا صار ساكنا مثلاً في حدّ كان ذلك الحدّ منتهى تحقيقا لما تقدّم من موجوديّة الحدّ حقيقة، و ما لم يصر ساكنا بعدُ كان كلّ حدّ من حدود المسافة منتهى اعتبارا بالنسبة إلى ما قبله من مراحل الحركة.
 

الفصل الرابع

في انقسام التغيّر
قوله: و ان شئت فقل إمّا في ذاتيّه ...

عدل عن التعبير الأوّل إلى هذا التعبير؛ لأنّ ذات الشيء تنتزع من وجوده النفسيّ و ذاتيّ الشيء تنتزع من وجوده النعتيّ الّذي هو وجود لابشرط و سيأتي في الفصل السادس أنّ الشيء لا يتغيّر بوجوده النفسيّ بل بوجوده النعتيّ.

قوله: و التغيّر الدفعيّ بما أنّه يحتاج إلى موضوع ...

أراد أن يبيّن أنّ التغيّر الدفعيّ لا يمكن وقوعه إلاّ بعد وقوع حركة مّا و ذلك لأنّ الشيء الحادث بالتغيّر الدفعيّ لابدّ أن يكون قوّة وجوده مقدّمة عليه بالزمان لما تقدّم من أنّ كلّ حادث زماني فانّه مسبوق بقوّة وجوده و بحامل لتلك القوّة و تقدّم أيضا في الفصل الثاني أنّ قوّة الشيء (الّتي هي مقدّمة عليه بالزمان) عين الشيء وجودا و إنّما التفاوت بالشدّة و الضعف، فإذن لابدّ أن يكون هناك وجود ممتدّ ذو مراتب منطبق على الزمان و لازم ذلك أن يكون ذلك الوجود سيّالاً تدريجا و هو الحركة، ثمّ بانتهاء تلك الحركة الّذي وقع في الآن يتحقّق الحادث الدفعيّ، فإذن الحادث الدفعيّ لا يتحقّق إلاّ بعد تحقّق حركة.

قوله: كالوصول و الترك و الاتّصال و الانفصال ...

الوصول هو انتهاء الحركة إلى حدّ، و الترك هو ابتداء الحركة من حدّ و الفرق بين الوصول و الاتّصال بالاعتبار فإنّ الأوّل وصف للفاعل و الثاني وصف للقابل و كذا الأمر في الترك و الانفصال.

قوله: بحيث كلّ حدّ من حدود المسافة فرض ...

أي إنّ المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة فرض لا يكون قبل حصول فيه و لا بعد حصوله فيه حاصلاً فيه، و ببيان آخر: إنّ المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة لا يستقرّ أكثر من آن واحد .
ثمّ اعلم أنّ الحيثيّة هنا ليست قيدا احترازيّا بل هو تعبير آخر عن الحركة التوسّطيّة و تعريف آخر لها بخارج حقيقتها.
توضيح ذلك يتوقّف على أمرين: الأوّل أنّ المراد بالمنتهى هنا ما ينتهى إليه الحركة تحقيقا لا اعتبارا و إلاّ لم يكن المتحرّك بين المبدأ و المنتهى بل يكون في المنتهى دائما؛ لأنّ المتحرّك مستقرّ دائما في حدّ من حدود المسافة و تقدّم أنّ كلّ حدّ من الحدود منتهى اعتباريّ بالنسبة إلى ما مضى من مراحل الحركة، فالمتحرّك دائما في منتهى الحركة على هذا الفرض لا بين المبدأ و المنتهى و هذا خلف.
و الثاني أنّ المتحرّك لا يستقرّ في حدّ من الحدود آنين و إلاّ لم تبتدأ الحركة بعد أو انتهت فيكون المتحرّك إمّا في المبدأ أو في المنتهى، فلا يكون بين المبدأ و المنتهى لأنّ ذلك الحدّ المفروض إن كان منتقلاً عنه و استقرّ المتحرّك فيه آنين آن الانتقال و آن قبل الانتقال كان معناه أنّ المتحرّك المفروض ساكنا في ذلك الحدّ و لم ينتقل عنه بعد فلم تبتدأ الحركة بعد فيكون المتحرّك في مبدأ الحركة لا بين المبدأ و المنتهى و إن كان ذلك الحدّ المفروض منتقلاً إليه و استقرّ المتحرّك فيه آنين آن الوصول إليه و آن بعد الوصول كان معناه أنّ المتحرّك المفروض انتهت حركته بالوصول إلى ذلك الحدّ فيكون المتحرّك في المنتهى لا بين المبدأ و المنتهى فإذن لازم كون المتحرّك بين المبدأ والمنتهى هو أنّ المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة فرض لا يكون قبله و لا بعده فيه و إلاّ كان إمّا في المبدأ أو في المنتهى فلا يكون بينهما وهذا خلف.
إذا عرفت هذين نقول: إذا ثبت أنّ هذه الحيثيّة لازمة للحركة التوسّطيّة الّتي هي عبارة عن كون المتحرّك بين المبدأ و المنتهى ثبت أنّ هذه الحيثيّة ليست قيدا احترازيّا لأنّ لازم الشيء ليس أخصّ منه حتّى يكون مخصّصا له، نعم لو كان المنتهى عبارة عن الغاية المطلوبة الّتي يقصدها المتحرّك من أوّل الأمر و إن لم يصل إليها كان هذه  الحيثيّة قيدا احترازيّا؛ إذ لو صار المتحرّك ساكنا قبل وصوله إلى غايته الّتي قصدها من أوّل الأمر لصدق على سكونه في هذا الحدّ تعريف الحركة و هو كونه بين المبدأ و المنتهى مع أنّه ساكن فيه فيجب إخراج هذا السكون عن التعريف و هذه الحيثيّة تخرج هذا الحال؛ لأنّ الشيء المفروض و إن كان بين المبدأ و المنتهى بهذا المعنى إلاّ أنّه استقرّ في ذلك الحدّ أكثر من آن واحد و الحركة التوسّطيّه مقيّدة بعدم كونه كذلك.

قوله: و هي حالة بسيطة ثابتة

أمّا كونها بسيطة، فلأنّ المصحّح للانقسام هو اعتبار حدود المسافة وقياس الحركة إليها و هو منتف في الحركة التوسّطيّة و أمّا كونها ثابتة، فلأنّ هذا الحال أي كون الجسم بين المبدأ و المنتهى لا يزال باقيا إلى آخر الحركة و هو ظاهر.

قوله: لازم ذلك الانقسام إلى الأجزاء و الانصرام ...

أمّا الانقسام، فلأنّه يعتبر في هذه الحركة الحدود و تقاس الحركة إليها، فبازاء كلّ جزءِ من المسافة جزء من الحركة؛ و أمّا الانصرام، فلأنّ كلّ جزءِ سابق من الحركة قوّة للجزء اللاحق و كلّ جزءِ لاحق فعليّة للجزء السابق و قوّة الشيء و فعليّته لا تجتمعان (لأنّ القوّة لا تترتّب عليها الآثار بخلاف الفعليّة) فإذن فعليّة كلّ جزءِ شرطها انصرام الجرء السابق.

قوله: و الاعتباران جميعا موجودان في الخارج ...

في وجود الحركة القطعيّة في الخارج نظر، لأنّ حدود المسافة فرضيّة، أي ليس في مسافة الحركة انقسام بالفعل حتّى يكون في الخارج أجزاء و حدود متمايز بعضها من بعض بحسب الواقع و إذا كان حدود المسافة فرضيّة لا يمكن أن تكون الحركة القطعيّة موجودة في الخارج؛ لأنّ للحركة نسبة إلى حدود المسافة و هي غير موجودة إلاّ بحسب الفرض لا بحسب الخارج فالحركة القطعيّة بما إنّ حدود المسافة معتبرة في معناها و هي غير موجودة في الخارج، لا توجد في الخارج؛ الّلهمّ إلاّ أن يقال إنّ الحركة وجود مشكّك و وحدة الذات و كثرة المراتب كلتاهما حقيقيّتان في الوجود المشكّك و للحركة نسبة إلى المراتب الحقيقيّة تقتضي سيلان الوجود.

قوله: أمّا ما يأخذه الخيال.

بهذ المعنى فسّر بعض الحركة القطعيّة.(1)

1. راجع: شرح المنظومة، ص 241.

 

الفصل الخامس

في مبدأ الحركة و منتهاها
قوله: إذ لو كانت منقسمة بالفعل ...

توضيحه أنّ معنى انقسام الحركة بالفعل عبارة عن انفصال جزءِ منها عن جزءِ آخر و الإنفصال إنّما يتحقّق بعد أن ينتهي الجزء الأوّل من الحركة إلى حدّ دفعيّ الوقوع، إذ لو كان الحدّ الآخِر تدريجيّ الوقوع لصحّ انقسامه إلى نصفين و النصف الأوّل لا تنتهي الحركة به؛ لأنّ النصف الثانيموجود فلم تنته الحركة بعدُ فلابدّ أن يكون النصف الثاني هو الحدّ الآخر و هذا خلاف المفروض، لأنّ المفروض هو أنّ ذلك الحدّ كلّه الحدّ الآخِر لا نصفه، فإذن لابدّ عند الانفصال من حدّ دفعيّ الوقوع لكن وقوع الحدّ دفعيّا يوجب بطلان الحركة، لأنّ الحركة تدريجيّة فانقسام الحركة بالفعل يوجب بطلان الحركة و هو المطلوب.

قوله: إلى أجزاء دفعيّة الوقوع ...

اطلاق الجزء هنا تسامحيّ كما يقال: الخطّ يتشكّل من النقاط مسامحة.

قوله: و قد تقدّم بطلانها ...

أي الأدلّة الدالّة على بطلان جزءِ لا يتجزّى في الجسم جارية هنا، فمثلاً نقول: لو تحقّق جزء لا يتجزّى من الحركة لأمكن أن يفرض جزءٌ لا يتجزّى، منها بين جزئين كذلك، فإن كان يحجز عن ملاقاة الطرفين انقسم الجزء المفروض إذ كلّ من الطرفين يلقى منه غير ما يلقاه الآخر و إن لم يحجز عن ملاقاتهما استوى وجود الوسط و عدمه و هو ضروريّ البطلان.

قوله: لما تبيّن أنّ الجزء بهذا المعنى دفعيّ.

أي إنّ هذا الفرض ينجرّ إلى التناقض لأنّا قد فرضنا أنّ المبدأ أو المنتهى جزء من الحركة فلابدّ أن يكون تدريجيّا منقسما إلى الأجزاء و فرضنا أيضا أنّه لاينقسم فالانقسام وعدمه يجتمعان فيه و هو التناقض .

قوله: فهو تحديد لها بالخارج ...

و هذا نظير المبدأ و المنتهى في الخطّ و السطح و الحجم، فإنّ المبدأ و المنتهى في كلّ منها ليسا من سنخه فإنّ المبدأ و المنتهى في الخطّ النقطة و في السطح الخطّ و في الحجم السطح.

قوله: فتنتهي حركة الجوهر من جانب البدأ إلى قوّة لا فعل معها ...

لا يتوهّم أنّ انتهاء الحركة الجوهريّة من جانب المبدأ يلزمه الحدوث الزمانيّ للعالم المادّيّ، لأنّ معنى الحدوث الزمانيّ كون الشيء مسبوقا بالعدم الزمانيّ و العالم المادّيّ لا يسبقه العدم الزمانيّ إذ الزمان حاصل بحركة العالم فلا زمان سابق على العالم المادّيّ الذي هو عين الحركة حتّى يكون وعاءِ لعدم العالم المادّيّ و يكون العالم حادثا بالحدوث الزمانيّ.

قوله: في الحركة الطبيعيّة ...

سيأتي تقسيم الحركة بأقسامها الثلاثة في الفصل العاشر.
 

الفصل السادس

في المسافة
قوله: من الضروريّ أنّ الذاتيّ لا يتغيّر ...

لأنّ المراد من التغيّر هنا الحركة و الحركة لابدّ فيها من أمر ثابت لكن الذاتيّ لو تغيّر لم يبق فيه أمر ثابت، لأنّ التغيّر في كلّ ذاتيّ يستلزم التغيّر في جميع الذاتيّات؛ لأنّ ذاتيّات الشيء بعضها أعمّ من بعض و الذاتيّ المفروض فيه الحركة إن كان أعمّ استلزم تغيّره تغيّر جميع ما هو أخصّ منه لأنّ الأعمّ مبهم لا استقلال له بنفسه فتغيّره و ثباته بتغيّر الأخصّ و بثباته، فلا تغيّر في الأعمّ إلاّ بتغيّر ما هو أخصّ منه، فتغيّره آية لتغيّر ما هو أخصّ منه، و إن كان الذاتيّ المفروض أخصّ استلزم تغيّره تغيّر جميع ما هو أعمّ منه، لما تقدّم من أنّ الأعمّ لا استقلال له بنفسه بل هو تابع لما هو أخصّ منه، فتغيّر الأخصّ يوجب تغيّر الأعمّ فإذن ثبت أنّ الذاتيّ لو تغيّر لا ستلزم تغيّر جميع الذاتيّات سواء كانت أعمّ منه أو أخصّ منه، فلا يبقى هناك أمرٌ ثابت مع أنّ الحركة لابدّ فيها من أمر ثابت.
و أيضا الذاتيّ من سنخ الماهيّة و الماهيّة لا تشكيك فيها، لأنّ ما به التفاوت في الأشدّ و الأضعف إن كان جزءا ذاتيّا للأشدّ لزم أن يكون للأشدّ ماهيّة مغايرة للأضعف مع أنّه يجب في التشكيك أن يكون الأشدّ و الأضعف متّحدي المعني و إن كان مابه التفاوت خارجا عن الأشدّ لزم أن يكون التفاوت في خارج الماهيّة، فليس التشكيك في الماهيّة بل في خارجها، فإذن ثبت أن لا تشكيك في الماهيّة و إذا لم يكن فيها تشكيك لم يكن فيها حركة لأنّ الحركة، حقيقة مشكّكة ، هذا توجيه كلامه لكن هنا مجال تأمّل.

قوله: فلا حركة في مقولة بمعنى التغيّر في وجودها ...

اعلم أنّ لوجودات الماهيّات اعتبارين: الأوّل ثبوتها في نفسها و هو مفاد كان التامّة و يقال له الوجود في نفسه؛ و الثاني ثبوتها لمنعوتها و هو مفاد كان الناقصة و يقال له الوجود الناعت و الماهيّة تنتزع من الوجود بالاعتبار الأوّل لا الثاني؛ لأنّ الوجود بالاعتبار الثاني وجود رابط و حقيقة نسبيّة فلا ينتزع منه إلاّ المفهوم النسبيّ مع أنّ الماهيّات ليست كلّها مفاهيم نسبيّة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الحركة تقع في الوجود الناعت لا في الوجود في نفسه، إذ الماهيّة حدّ للوجود في نفسه، لأنّها منتزعة عنه فلو تغيّر الوجود في نفسه لوجب أن يتغيّر حدّه الماهويّ أيضا وهو باطل كما تقدّم، فإذن الحركة في المقولة راجعة إلى الحركة في الوجود الناعت و هو المطلوب.

قوله: فلا محذور في وقوع الحركة في مقولة ...

أي إنّ المحذور الّذيلزم من وقوع الحركة في الوجود في نفسه لايلزم من وقوع الحركة في الوجود الناعت؛ لأنّ الماهيّة لاتنتزع من الوجود الناعت حتّى يلزم تغيّرها بسبب تغيّر الوجود الناعت .

قوله: في العرضيّات دون الأعراض ...

إنّ لوجود الأعراض اعتبارين: الأوّل: وجودها في نفسها؛ و الثاني: وجودها لموضوعاتها و الأوّل تنتزع منه الماهيّات العرضيّة، أي الأعراض كالبياض و السواد و غيرهما و الثاني ينتزع منه العرضيّات و هي المفاهيم المشتقّة الناعتة للموضوعات كالأبيض و الأسود و غيرهما.

قوله: و إلاّ كان تغيّرا في الماهيّة ...

لأنّ الوجود الّذيتقع فيه الحركة وجود تشكيكيّ ذو مراتب، فالماهيّات المنتزعة عن مراتبه المختلفة بالكمال و النقص متفاضلة فلو كانت الماهيّة المنتزعة عن كلّ  مرتبة لاحقة عين الماهيّة المنترعة عن المرتبة السابقة بأن يلبث ماهيّة واحدة في جميع المراتب للزم أن تكون الماهيّة الواحدة متفاضلة ذات مراتب مختلفة و هذا هو التشكيك في الماهيّة الذي تقدّم استحالته عندهم.
 

الفصل السابع

في المقولات الّتي تقع فيها الحركة
قوله: في الجملة ...

إنّما قال في الجملة، لأنّ في وجود بعض الكيفيّات في الخارج شكّا كالألوان.

قوله: نظير الاستقامة و الاستواء و الاعوجاج ...

إن قلت: «قد مرّ في الفصل الثالت عشر من المرحلة السادسة أنّ تبدّل الخطّ المستقيم إلى المستدير ممتنع إلاّ بزوال الأوّل و حدوث الثاني فلا يصحّ عدّ هذا التغيّر حركة».
قلت: إنّ ما تقدّم في المرحلة السادسة يثبت التخالف بين الاستقامة و الاستدارة بحسب الوجود في نفسه و بحسب الماهيّة المنتزعة عن الوجود في نفسه و ما ذكر هنا يثبت الإتّحاد بين الاستقامة و الاستدارة بحسب الوجود الناعت. و بعبارة أخرى: إنّ للكيفيّة المختصّة بالكمّية في حال الحركة وجودا واحدا متّصلاً ذا مراتب و من مرتبة منه تنتزع الاستقامة و من مراتبه الأخرى تنتزع الاستدارات المختلفة و تقدّم في الفصل السادس من هذه المرحلة أنّ معنى الحركة في مقولة أن يرد على المتحرّك في كلّ آن من آنات الحركة نوع من أنواع تلك المقولة مباين للنوع السابق و للنوع اللاحق، فالتخالف النوعيّ بين الاستقامة و الاستدارة (الذي هو المراد ممّا تقدّم في المرحلة السادسة) لا ينافي الحركة في وجودهما الناعت الذي هو وجود واحد متّصل ذو مراتب كما هو المراد هنا.

قوله: منتظما ...

أي على التناسب الخاصّ الّذييقتضيه الجسم في الأقطار الثلاثة كالنموّ، أو في الطول والعرض كالسمن.

قوله: و قد اعترض عليه أنّ النموّ إنّما يتحقّق ...

حاصل الإشكال: أنّ الكمّ الكبير مغاير للكمّ الصغير بحسب الوجود، لأنّ موضوع الكمّ الصغير جزء لموضوع الكمّ الكبير و الجزء و الكلّ متغايران وجودا، فالكمّان الحاصلان من موضوعين متغايرين وجودا متغايران وجودا، مع أنّ الحركة لابدّ فيها من وحدة الوجود بين مراتبها المختلفة.
و الجواب أنّ الطبيعة الموجودة في موضوع الكمّ الصغير تبدّل الأجزاء المنضّمة و تجعلها متّحدة الوجود مع الأجزاء الأصليّة فلا يكون بعد التبدّل جزء بالفعل حتّى يقال إنّ كلّ جزء مغاير للكلّ وجودا.

قوله: أجيب عنه بأنّ انضمام الضمائم لا شكّ فيه ...

فيه: أنّ انضمام الضمائم لايمكن أن يكون تدريجيّا، إذ ما لم تتّصل تلك الضمائم بالجسم فلا زيادة في كمّيّة الجسم و إذا اتّصلت به فبمجرد اتّصالها إليه يزيد كمّيّة الجسم بمقدار تلك الضمائم لكن الاتّصال آنيّ الوقوع، فزيادة كمّيّة الجسم بمقدار تلك الضمائم تكون في الآن فليست تدريجيّة هذا و لكن مع ذلك يمكن وقوع الحركة الكمّية للأجسام الّتي هي قابلة للإمتداد و الزيادة في أقطارها من دون انضمام شيء من الخارج إليها كالحديد إذا تسخّن فانّه يزداد أقطاره عند التسخّن من دون أن ينضمّ إليه شيء من الخارج.

قوله: كون الأين مقولة مستقلّة في نفسها لا يخلو من شكّ ...

بل الأين ضرب من الوضع لأنّ المكان الّذيهو مقيس إليه في الأين ضرب من الخارج الّذيهو مقيس إليه في الوضع.

قوله: فلا فرد آنيّ الوجود لهما ...

هذه إحدى الإشكالات الّتي ترد على الحركة في المقولات الّتي هي متدرّجة بذاتها كالفعل و الانفعال و توضيحه يتوقّف على أمرين:
الأوّل انّه تقدّم في الفصل السادس أنّ معنى الحركة في مقولة أن يرد على المتحرّك في كلّ آن من آنات الحركة نوع من أنواع تلك المقولة. ثمّ لمّا كان النوع غير موجود إلاّ بوجود فرده كان معنى الحركة في مقولة أن يرد في كلّ آن من آنات الحركة فرد من المقولة مباين للفرد السابق و للفرد اللاحق؛ إذ لو لم يكن كذلك بأن لا يتبدّل الفرد المحقّق في هذا الآن مثلاً لكان معناه أنّ المتحرّك انقطعت حركته بالوصول إلى ذلك الفرد، فلا يكون متحرّكا بل ساكنا هذا خلف فوقوع الحركة في مقولة يستدعي أن يرد في كل آن من آنات الحركة فرد من المقولة مباين للفرد السابق و للفرد اللاحق.
الثاني أنّ المقولات إمّا أن يعتبر في معناها التدريج و إمّا أن لا يعتبر؛ و الأوّل كالفعل و الانفعال و المتى و كبعض أنواع الكمّ كالزمان‏فإنّ التدريج ذاتيّ لهذه المقولات أي إنّ التدريج لا يمكن انفكاكه عن حقايق هذه المقولات فلا تتحقّق إلاّ تدريجيّة؛ و الثاني كالكيف فإنّ الكيف لايعتبر في معناه التدريج و لذا يمكن تحققه آنيّا كما أنّه يمكن تحقّقه تدريجيّا.
إذا عرفت هذين نقول: إن كانت الحركة في الكيف مثلاً الّذيلا يعتبر في معناه التدريج فواضح أن لا إشكال هناك؛ لأنّ المتحرك في الكيف يرد عليه في كلّ آن من آنات الحركة فرد من الكيف مباين للفرد السابق و للفرد اللاحق لكن إن كانت الحركة في الفعل و الانفعال مثلاً الذي يعتبر في معناهما التدريج فواضح أنّ الحركة فيهما لا تقع؛ لأنّ معنى الحركة في مقولة الفعل مثلاً أن يرد على المتحرّك في كلّ آن من آنات الحركة فرد من‏المقولة لكن أفراد مقولة الفعل لايمكن أن تقع في الآن؛ لأنّ تلك الأفراد لو لم تكن تدريجيّة للزم انسلاب ذاتيّها عنها و لو كانت تدريجيّة للزم وقوع المتدرج في الآن و هما محالان بالضرورة.
ثمّ نظير هذا الإشكال جارٍ في الحركة في الكمّ غير القارّ كالزمان، فإنّ الحركة في الكمّ القارّ كالحجم لا إشكال فيه إذ لا يعتبر في الحجم التدريج فيمكن أن يرد على المتحرّك في كلّ آن فرد من الحجم لكن إن فرضنا الحركة في الكمّ غير القارّ كالزمان فإنّه محال لأنّ معنى الحركة في الزمان أن يرد على المتحرّك في كلّ آن من آنات الحركة فرد من الزمان و هذا محال؛ لأنّ الزمان لا يقع في الآن، فإنّ الحركة في السنة مثلاً معناها أن يرد على المتحرّك في كلّ آن سنة، لكن وقوع السنة في الآن محال، فالحركة من هذه السنة إلى سنة اخرى محال.

قوله: على أنّه يستلزم الحركة في الحركة ...

هذا إشكال ثان على الحركة في الفعل و الانفعال مثلاً؛ و توضيحه: أنّ المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة لا يمكن أن يستقرّ أكثر من آن واحد، إذ لو استقرّ في حدّ من حدود المسافة أكثر من آن واحد لانقطعت الحركة فصار المتحرّك ساكنا، هذا خلف.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ حدود المسافة إن لم تكن من الأمور الممتدّة المتدرّجة بل كانت من آنيّات الوجود، فواضح أنّ المتحرّك لا يستقرّ أكثر من آن واحد في كلّ حدّ بل المتحرّك بمجرّد الوصول إلى كلّ حدّ يخرج عنه إذ ليس في كلّ حدّ من الحدود امتداد حتّى يحتاج إلى الزمان في العبور عنه فإذن آن الوصول إليه هو بعينه آن الخروج عنه، أمّا إن كانت حدود المسافة من الأمور الممتدّة المتدرّجة فواضح أنّ المتحرّك يستقرّ في كلّ حدّ من الحدود أكثر من آن واحد، لأنّ لكلّ حدّ امتدادا على الفرض فآن الوصول إليه ليس بعينه آن الخروج عنه، فإذن لابدّ من زمان مّا حتّى يعبر المتحرّك عن ذلك الحدّ فيستقرّ المتحرّك في كلّ حدّ أكثر من آن واحد فصار ساكنا فيه كما تقدّم في المقدّمة هذا خلف؛ و الأمر في مقولة الفعل و الانفعال من هذا القبيل، لأنّ الحدود المفروضة في مقولة الفعل مثلاً اِن لم تكن ممتدّة متدرّجة فالعبور من حدّ إلى حدّ آخرليس حركة في مقولة الفعل، لأنّ تلك الحدود ليست متدرّجة على الفرض فليست من أفراد المقولة المفروضة حتّى يرد على المتحرك في كلّ آن فرد منها و إن كانت ممتدّة متدرّجة لزم سكون المتحرّك كما تقدّم، فإذن لازم الحركة في الحركة هو السكون و الإمعان في الحدود.

قوله: و لازم ذلك تحقّق حركة من غير متحرّك ...

قالوا: «لو وقعت حركة في الجوهر و اشتداد و تضعّف و ازدياد و تنقّص، فإمّا أن يبقى نوعه في وسط الإشتداد مثلاً أو لا يبقى، فإن كان يبقى نوعه فما تغيّرت الصورة الجوهريّة في ذاتها بل إنّما تغيّرت في عارض فيكون استحالة لا تكوّنا و إن كان الجوهر لا يبقى مع الإشتداد مثلاً فكان الإشتداد قد أحدث جوهرا آخر و كذا في كلّ آن يفرض للإشتداد يحدث جوهرا آخر».(1)

قوله: و يمكن المناقشة فيما أوردوه

اعلم أنّ القدماء اعتقدوا أنّ الحركة تقع في أربع مقولات و هي الكيف و الكمّ و الأين و الوضع؛ ثمّ أضاف صدر المتألّهين إلى الأربعة المذكورة الحركة الجوهريّة فصارت خمسة ثمّ المصنّف رحمه‏الله قد ناقش فيما قال الجمهور و اعتقد بوقوع الحركة في جميع المقولات فهو أوّل فيلسوف (فيمن نعلم) صرّح بوقوع الحركة في جميع المقولات.

قوله: و الاتّصاف بالتّبع غير الاتّصاف بالعرض ...

مثال الأوّل: حركة جالس السفينة، فإنّه اتّصف حقيقة بالحركة الأينيّة لكن بتبع حركة السفينة. و مثال الثاني: حركة الأبيض فإنّ الأبيض اتّصف بالحركة الأينيّة مثلاً بالعرض و المجاز؛ لأنّ الأبيض بما هو أبيض لا بما هو جسم، لا مكان له حتّى يتحرّك فيه حقيقة، بل الحركة للجسم فتنسب إلى الأبيض مجازا لاتّحاده مع الجسم.

1. الأسفار: 3 / 85.

 

الفصل الثامن

في تنقيح القول بوقوع الحركة
في مقولة الجوهر
قوله: من أو ضحها ...

إنّ لهذا البرهان مقدمتين منتظمتين على الشكل الأوّل هكذا:
الطبائع والصور النوعيّة علّة قريبة للأعراض المتغيّرة و العلّة القريبة للمتغيّر متغيّرة، ينتج أنّ الطبائع و الصور النّوعيّة متغيّرة؛ أمّا الصغرى فسيأتي بيانها في الفصل العاشر، و أمّا الكبرى فلأنّ العلّة لو كانت ثابتة لصار المعلول ثابتا بثبات العلّة و إلاّ تخلّف المعلول عن علته و هو محال.
أقول: يرد على هذا البرهان أنّه سلوك من المعلول إلى العلّة و قد تقدّم في أوّل الكتاب أنّ السلوك من المعلول إلى العلّة لايفيد اليقين.

قوله: و ان كانت ثابتة بماهيّتها قارّة في ذاتها ...

هذه إشارة إلى ما مرّ في الفصل السادس من أنّ الوجود الذي يقع فيه الحركة هو الوجود الناعت، أمّا الوجود في نفسه و كذا الماهيّة المنتزعة عنه لا تقع فيهما الحركة؛ لأنّ التشكيك في الماهيّة باطل عندهم.

قوله: أو غيرها ...

كالنّفس فإنّها فاعلة قريبة للحركات الإراديّة عند بعض.

قوله: كحصول مراتب البعد و القرب من الغاية ...

فإنّ الغاية مطلوبة للطبيعة، فهذا الطلب الجبليّ يوجب السلوك إلى الغاية المطلوبة خطوة مثلاً، فإذا قرب المتحرّك إلى الغاية خطوة اشتدّ ذلك الطلب الجبليّ، فيوجب السلوك إلى الغاية خطوة ثانية و هكذا حتّى يصل المتحرّك إلى الغاية المطلوبة.

قوله: و مصادفة موانع و معدّات ...

فإنّ القاسر يوجب تحقّق طبيعة جديدة في الجسم، فهذه الطبيعة المقسورة توجب الحركة خطوة مثلاً لكن مصادفة الهواء مثلاً و مقاومته توجب مرتبة من الضعف، فيها فالطبيعة المقسورة المضعّفة بالهواء توجب الحركة خطوة ثانية لكن مقاومة الهواء توجب أيضا مرتبة من الضعف فيها و هكذا كلّ ما تحقّق خطوة من الحركة ضعفت الطبيعة المقسورة و اشتدّت المقاومة حتّى توجب اشتداد المقاومة زوال الطبيعة المقسورة، فيسكن المتحرّك.

قوله: فلابدّ أن ينتهي إلى ما هو متجدّد بالذّات ...

لمّا استشكل بأنّه إذا وجب أن يكون علّة المتجدّد متجدّدة ننقل الكلام في تجدّد علّته و هكذا في تجدّد علّة علّته فيؤدّي ذلك إمّا إلى التسلسل أو الى الدور أو إلى التغيّر في ذات الواجب، أجاب عنه بأنّ سلسلة المتجدّدات تنتهي إلى متجدّد بالذّات و هو الطبيعة الجوهريّة و حينئذٍ لا يبقى الإشكال .
بيان ذلك: تقدّم أنّ معيار الإحتياج إلى العلّة هو الإمكان فبناءاً على هذا نقول إن كانت نسبة ثبوت التجدّد إلى منعوته الذي هو المتجدّد، بالإمكان فواضح أنّ ثبوته لمنعوته يحتاج إلى علّة موجبة كما في الحركات الأينيّة فإنّ ثبوت الحركة من مكان إلى مكان آخر للجسم ممكن الوقوع و اللاوقوع، فيحتاج إلى علّة توجب الوقوع أمّا إن كان نسبة التّجدّد إلى منعوته بالوجوب و الضرورة فواضح أنّ ثبوته لمنعوته لا يحتاج إلى العلّة؛ لأنّ الوجوب و الضرورة ملاك الغناء عن العلّة كما تقدّم في محلّه، و التجدّد بالنسبة إلى الطبيعة الجوهريّة من هذا القبيل؛ لأنّ تجدّد الجوهر عين الطبيعة المتجدّدة كما سيأتي توضيحه، فيكون نسبة التجدّد إلى الطبيعة الجوهريّة عبارة عن نسبة الشيء إلى نفسه و نسبة الشيء إلى نفسه بالوجوب و الضرورة كما هو واضح؛ فإذن ثبوت التجدّد للطبيعة الجوهريّة لايحتاج إلى العلّة حتّى يقال: إنّ علّة المتجدّد يجب أن تكون متجدّدة، و بتلك الطبيعة المتجدّدة بالذّات تنتهي سلسلة المتجدّدات و هو المطلوب. ثمّ بتلك الطبيعة المتجدّدة بالذات يحصل الارتباط بين المتغيّرات المادّيّة والثابتات المجردّة.
بيان ذلك: أنّ للطبيعة مع كونها متجدّدة حيثيّة ثبات، إذ لو لم تكن ثابتة بوجه من الوجوه لزالت الطبيعة بجميع حيثيّاتها في ابتداء حركتها فلم يبق منها شيء حتّى يقال إنّها في حال الحركة؛ ثمّ إنّ حيثيّة ثباتها عين حيثيّة تجدّدها مصداقا و إلاّ كان هناك شيئان متغايران وجودا، إحدهما محض تجدّد و ثانيهما محض ثبات فيلزم المحذور السابق أيضا، فهذه الطبيعة الثابتة المتجدّدة بما هي ثابتة تصدر عن المبدأ الثابت و ترتبط به و بما هي متجدّدة ترتبط إليها تجدّد المتجدّدات و حدوث الحادثات، و هذا نظير الصادر الأوّل، فإنّ في الصادر الأوّل حيثيّتين: حيثيّة الفاعليّة و حيثيّة المعلوليّة و هما متّحدتان وجودا، فإنّ المعلوليّة صادقة على نفس الحيثيّة الّتي بها صار فاعلاً للصادر الثاني، إذ كلّ شيء معلول للواجب و هاتان الحيثيّتان و إن كانتا متّحدتين وجودا إلاّ أنّ الّتي توجب الإرتباط بين الصادر الأوّل و ما فوقه هي حيثيّة معلوليّته لا حيثيّة فاعليّته و إلاّ لزم أن يكون الواجب مرتبطا بما فوقه، إذ معيار الارتباط بما فوق و هو الفاعليّة موجود فيه و هو باطل بالضرورة ، و الّتي توجب الإرتباط بين الصادر الأوّل و ما دونه حيثيّة فاعليّته لا حيثيّة معلوليّته و إلاّ لزم أن يكون المعلول الأخير مرتبطا بما دونه، إذ معيار الإرتباط بما دون و هو المعلوليّة موجود فيه و هو باطل بالضرورة و إلاّ لم يكن المعلول الأخير معلولاً أخيرا؛ فإذن ثبت أنّ حيثيّة الفاعليّة و حيثيّة المعلوليّة و إن كانتا متّحدتين وجودا إلاّ أنّ الأولى مصحّحة لإرتباط الصادر الأوّل بما دونه و الثانية مصحّحة لارتباطه بما فوقه و ما نحن فيه من هذا القبيل.

قوله: قيل التجدّد الذي في الحركة العرضيّة ...

توضيحه: أنّ وجود الأعراض في نفسها ثابت لغيرها لا لنفسها فهي ناعتة لغيرها لا لنفسها و منعوتها غيرها لا نفسها، فوجود التجدّد إن كان من الحقائق العرضيّة كان وجوده في نفسه ثابتا لغيره لا لنفسه، فهو ناعت لغيره لا لنفسه و منعوته غيره لا نفسه فالناعت و المنعوت متغايران، فإذن إيجاد المتجدّد أي الجسم الذي يصير منعوتا بالتجدّد ليس بعينه إيجادا للتجدّد بل يحتاج هنا إلى جعلين جعل للجسم و هو المنعوت و جعل لتجدّد الجسم و هو نعته، فالتجدّد هنا يحتاج إلى سبب مستقلّ و سبب التجدّد يجب أن يكون له التجدّد كما تقدّم؛ مثلاً إيجاد الجسم ليس بعينه إيجادا للحركة الأينيّة بل حركته الأينية تحتاج إلى سبب آخر (كما تقدّم في الحاشية السابقة).
أمّا الجواهر فإنّ وجودها في نفسها ثابت لنفسها فهي ناعتة لنفسها لا لغيرها و منعوتها نفسها لا غيرها فالناعت و المنعوت هنا شيء واحد، فإذن لايحتاج هنا إلى جعلين، فوجود التجدّد إن كان من الحقائق الجوهريّة كان وجوده في نفسه ثابتا لنفسه لا لغيره، فهو ناعت لنفسه لا لغيره و المنعوت بالتجدّد نفس التجدّد لا الموضوع كما في الأعراض، فإذن إيجاد المتجدّد هنا عين إيجاد التجدّد فلا يحتاج هنا إلى سبب آخر حتّى يجعل الجوهر متجدّدا كالأعراض .

قوله: لا تجدّد لونه ...

أي إنّ تجدّد اللون لايكون ناعتا لنفس اللون بل يكون ناعتا لموضوع اللون.

قوله: فافهم.

يمكن أن يكون إشارة إلى إشكال و هو أنّ لوجود الأعراض و الجواهر اعتبارين ـ كما تقدّم ـ : وجودها في نفسها و وجودها لمنعوتها الذي هو الوجود الناعت.
إذا تذكّرت هذا نقول: إن كان المجعول بالأصالة الوجود في نفسه و المجعول بالتبع الوجود الناعت لا يتمّ صغرى البرهان؛ لأنّ وجود الأعراض المتجدّدة في نفسها ثابت لا متغيّر كما تقدّم في الفصل السادس فلا يحتاج إلاّ إلى علّة ثابتة؛ لأنّ المعلول و هو الوجود في نفسه ثابت على الفرض و وجودها لموضوعاتها و إن كان متجدّدا لكن لا يكون متعلَقا للجعل حتّى يحتاج إلى علّة متغيّرة.
و إن كان المجعول بالأصالة الوجود الناعت و المجعول بالتبع الوجود في نفسه، كان اللازم منه أنّ الجواهر بما هي متجدّدة ، مجعولة بالأصالة و بما هي ثابتة ، مجعولة بالتبع لأنّ الجعل على الفرض يتعلّق أصالة بالوجود الناعت الذي هو متجدّد لا بالوجود في نفسه الذي هو ثابت فإذا تعلّق الجعل بوجود الجواهر بما هي متجدّدة لا بما هي ثابتة وجب أن يكون الجاعل متجدّدا أيضا؛ لأنّ علّة المتجدّد متجدّدة كما تقدّم، فيختلّ بذلك مسألة ربط المتغيّر بالثابت.
فإن قلت: ما المانع أن يكون المجعول بالأصالة في الجواهر الوجود في نفسه و المجعول بالتبع الوجود الناعت و في الأعراض بالعكس؟
قلت: تقدّم أنّه في كلّ آن يرد علي المتحرّك نوع من المقولة مباين للنوع السابق و للنوع اللاحق و تقدّم أيضا أنّ النوع ينتزع من الوجود في نفسه، فاذن يتحقّق في كلّ آن وجود في نفسه مباين للوجود السابق و للوجود اللاحق .
إذا عرفت هذه نقول: إمّا أن يكون تلك الوجودات متّصلة و إمّا أن لا تكون متّصلة؛ فإن لم تكن تلك الوجودات متّصلة لزم أن لا يكون هنا حركة؛ لأنّ الحركة متّصلة ممتدّة و إن كان تلك الوجودات متّصلة لزم أن يكون في قطعة من الحركة الجوهريّة أفراد غير متناهية بالفعل؛ لأنّ كلّ متّصل ينقسم إلى غير النهاية، فلو فرض أنّ المجعول بالأصالة هو الوجود في نفسه، لزم أن يكون تلك الأفراد غير المتناهية موجودة بالفعل و هي بين الحاصرين و هو محال.

قوله: حجّة أخرى ...

توضيحها: أنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه بمعنى أنّ ارتباط وجود العرض بموضوعه و حاجته إليه ليس أمرا عارضا على وجود العرض بل كان عين وجوده، إذ لو كان ارتباط العرض بموضوعه و حاجته إليه عارضا على وجود العرض لكان وجود العرض في مرتبة ذاته غير محتاج إلى موضوعه، فليس العرض عرضا في ذاته؛ و بعبارة أخرى: ما فرضناه عرضا ليس عرضا حقيقة بل هو عرض بالعرض و هذا خلف، فإذن ثبت أنّ وجود العرض عين الحاجة إلى موضوعه الجوهريّ.
فإذا ثبت أنّ وجود العرض عين الحاجة و محض الفقر ثبت أنّ العرض بتمام هويّته و بجميع حيثيّاته المنطبقة عليه فقير إلى موضوعه، فلا يوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً و إلاّ كان وجود العرض محتاجا إلى موضوعه في بعض حيثيّاته فقط، فلا يكون وجود العرض عين الحاجة بل الحاجة حيثيّة من حيثيّاته و جزء من أجزائه و هذا خلف أيضا.
إذا عرفت هذا نقول: لو كان العرض متحرّكا و لم يتحرّك موضوعه الجوهريّ لكان معناه أنّ للعرض حيثيّة مستقلّة و هي حيثيّة حركته، لكن التالي باطل لما تقدّم أنّ وجود العرض لا حيثيّة مستقلّة فيه أصلاً، بل كلّ حيثيّة توجد فيه، فهي ثابتة له بعين ثبوت تلك الحيثيّة لموضوعه، لا بثبوت مستقلّ عن حيثيّة موضوعه، فإذن العرض إذا تحرّك تحرّك بعين حركة موضوعه، فموضوعه الجوهريّ متحرّك لا محالة و هو المطلوب.
فإن قلت: غاية ما يلزم من هذا البيان هو أنّ حركة العرض مفتقرة إلى حركة موضوعه الجوهريّ لا مستقلّة عنها، أمّا أنّ العرض متحرّك بعين حركة موضوعه فلا يلزم ممّا تقدّم.
قلت: ليس الأمركما توهّم بل هذا البيان وافٍ بهذا المطلوب لأنّ شيئيّة حركة العرض لو كانت مغايرة لشيئيّة حركة موضوعه لكان حركة العرض في تذوّتها و شيئيّتها مستقلّة عن شيئيّة موضوعه و من المعلوم أنّ الاستقلال بوجه مّا ينافي الفقر من كلّ وجه.
هذا غاية ما يمكن في توجيه هذه الحجة، لكن يرد عليها نظير ما أوردناه على الحجّة الأولى؛ توضيحه: أنّ حركة العرض إذا كانت ثابتة بعين ثبوت حركة الجوهر و كانت حركة الجوهر مشكوكة كما هو مقتضى الاستدلال عليها، كانت مشكوكة و المشكوك لا يفيد اليقين، فهذه الحجّة كالحجّة الأولى لا يفيد اليقين بالمطلوب.

قوله: لكن في الجوهر مع ذلك‏حركة اشتداديّة أخرى.

هذا في الصور الطوليّة كما سيأتي في الفصل التالي، فإنّ فيها حركتين: الأولى حركة الصورة المتبدّلة في كلّ آن و سيلانها، فإنّ للجوهر حركة توجب أن يرد على المادّة في كلّ آن صورة جوهريّة متبدّلة إلى صورة أخرى و الثانية حركة المادّة المتجدّدة في كلّ آن و اشتدادها، فإنّ كلّ صورة لاحقة بعد لحوقها على المادّة السابقة تصير من مراتب وجود المادّة السابقة، فتشتدّ بذلك المادّة آنا فآنا.

قوله: أيّامّا كانت ...

سواء كانت من الأعراض الأربعة الّتي قال الجمهور بوقوع الحركة فيها أو من الأعراض الباقية.

قوله: إذ لا معنى لثبات الصفات مع تغيّر الموضوعات ...

لأنّ وجود الأعراض من شؤون وجود موضوعاتها الجوهريّة و من مراتبه كما تقدّم، فسيلان موضوعاتها الجوهريّة يوجب سيلان الأعراض كلّها.

قوله: من غير أن يتخلّل جعل ...

لأنّ نسبة لازم الشيء إليه بالوجوب و الوجوب ملاك الغناء عن العلّة، فلا يحتاج إلى العلّة حتّى يحتاج إلى الجعل، فالموضوعات السيّالة تجعل الأعراض اللازمة السيّالة من غير احتياج إلى جعل و جاعل آخر فتدبّر.

قوله: فالوجه أن تعدّ حركتها من الحركة في الحركة ...

إذا استقرّ جسم في مكان «الف» مثلاً فهو بحسب النظر البدويّ ساكن فيه لكنّه حقيقة متحرّك بالحركة الأينيّة؛ لأنّ ذلك الجسم متحرّك بالحركة الجوهريّة، فيتجدّد آنا فانا، فالهيأة الحاصلة من نسبة ذلك المتجدّد إلى مكان «الف» (و هي الأين) متجدّدة، فللجسم حركة أينيّة بتبع حركته الجوهريّة، ثمّ إذا سنح لذلك الجسم حركة أينيّة أخرى بخروجه من مكان «الف» إلى مكان «ب» مثلاً يجب أن تكون هذه الحركة الأينيّة الثانية من قبيل الحركة في الحركة؛ لأنّ هذه الحركة وقعت في الأين الّذي قد وقعت فيــه الحركة بتبع حركة موضوعه الجوهريّ، فهذه حركة أينيّة في حركة أينيّة أخرى.
و ببيان آخر: إنّ الأين عبارة عن هيأة حاصلة من نسبة الشيء إلى المكان، فالنسبة مأخوذة في حقيقة الأين ثمّ إنّ النسبة تابعة في ثباتها و تجدّدها لطرفيها؛ لأنّها متقوّمة بهما، فإذا تجدّد أحد طرفيها كالجسم في جوهره تجدّد النسبة و الهيأة الحاصلة من النسبة المتجدّدة بتجدّد الجسم، ثمّ إذا تجدّد طرفها الاخر و هو المكان مضافا إلى تجدّد الجسم تجدّد النسبة (الّتي هي متجدّدة بتجدّد الجسم) بتجدّد طرفها الاخر، أي المكان، فهذه تجدّد و حركة ثانية تقع في تجدّد و حركة أولى ثمّ أمر الحركة في الحركة في مقولة الوضع على هذا القياس و كذا الأمر في الكمّ و الكيف، فإنّ الجسم إذا تحرّك بالحركة الجوهريّة فكمّه متجدّد بتجدّد الجسم فهذه حركة كمّيّه بتبع حركته الجوهريّة (و ان لم يكن هناك زيادة في أقطار الجسم)، ثمّ إذا تحرّك الجسم في كمّه بالزيادة في أقطاره يجب أن يكون هذه الحركة من قبيل الحركة في الحركة، لأنّ هذه حركة كمّيّة وقعت في حركة كمّيّة أخرى.

قوله: و الإشكال في إمكان تحقّق الحركة في الحركة ...

هذا هو الإشكال الذي قد ورد على الحركة في الحركة و تقدّم توضيحه مفصلاً في الفصل السابع و حاصله: لابدّ في الحركة من أفراد آنية الوقوع حتّى يرد على المتحرّك في كلّ آن فرد منها، إذ لو لم يكن كذلك بأن يبقى الفرد المحقّق في هذا الآن مثلاً أكثر من آن واحد لانقطعت الحركة و صار المتحرّك ساكنا، هذا خلف، لكن لا يمكن أن توجد الأفراد الآنية في الحركة في الحركة؛ لأنّ المقولة الّتي تقع فيها الحركة تدريجيّة فلا فرد آنيّ الوقوع لها حتّى يرد في كلّ آن فرد منها فيمتنع الحركة فيها.

قوله: على أنّ لازم الحركة ...

هذا أيضا هو الإشكال الثانيالذي تقدّم توضيحه في الفصل السابع و حاصله: أنّ المتحرّك في كلّ حدّ من حدود المسافة لا يمكن أن يستقرّ أكثر من آن واحد و إلاّ صار ساكنا فيه.
ثمّ الحدود إن لم تكن ممتدّة فواضح أنّ المتحرّك لا يستقرّ أكثر من آنٍ واحد فيها، فآن الوصول إليها هو بعينه آن الخروج عنها، و إن كانت ممتدّة فواضح أنّ المتحرّك يستقرّ أكثر من آن واحد فيها؛ لأنّ كلّ واحد منها ممتدّ تدريجيّ على الفرض، فآن الوصول إليه ليس بعينه آن الخروج عنه، فإذن لابدّ للمتحرّك أن يستقرّ في كلّ حدّ أكثر من آن واحد و هذا هو السكون و الإمعان في الحدود، و الحركة في الحركة من هذا القبيل؛ لأنّ المقولة الّتي تقع فيها الحركة، نفسها من سنخ الحركة، فالأفراد المفروضة فيها ممتدّة تدريجيّة، فالعبور من فرد منها إلى فرد آخر عبارة عن الحركة في الأجزاء و الحدود التدريجيّة و هو يستلزم السكون كما تقدّم.

قوله: يدفعه أنّ الّذينسلّمه...

توضيحه يتوقّف علي أمرين:
الأوّل: إنّ للمقولات السيّالة كالفعل و الانفعال أفرادا آنية كسائر المقولات؛ لأنّ السيلان و التدرّج لا يؤخذ في ماهيّتيهما، إذ لو أخذا في ماهيّتيهما لزم التشكيك في الماهيّة و هو باطل عندهم، فلمّا لم يكن التدرّج مأخوذا في ماهيّتيهما جاز أن يكون لهما أفراد آنيّة الوقوع كما جاز أن يكون لهما وجودات سيّالة.
فإن قلت: إنّهم عرّفوا مقولة الفعل مثلاً بأنّها هيأة حاصلة في المؤثّر من تأثيره مادام يؤثّر، فاعتبروا التدرّج (الظاهر من قولهم مادام) في مفهوم المقولة، فكيف يمكن وقوع الأفراد الانية منها؟
قلت أوّلاً إنّ هذا التعريف ليس حدّا للمقولة، لأنّ المقولات بسائط فلايمكن أن يكون لها تعاريف حدّيّة، فالتدرّج ليس ذاتيّا لمقولة الفعل حتّى لا يمكن وقوعها بدون التدرّج.
و ثانيا إنّ الظاهر من اعتبار التدرّج في مقولة الفعل مثلاً الاحتراز عن التأثير الإبداعىّ، أي التأثير الذي يتحقّق بدون وقوع الحركة في الفاعل كتأثير الواجب في العقل الأوّل أمّا التأثيرات الآنيّة الّتي لا تتحقّق إلاّ بالحركة (لأنّ التأثير الآنيّ حاصل من انقطاع الحركة، فهو لا يتحقّق إلاّ بالحركة) فالتعريف شامل لها؛ و هذا نظير ما قاله الحكماء في «المتى»، فانّهم بعد ما عرّفوا «المتى» بأنّها هيأة حاصلة من كون الشيء في الزمان، قالوا: كون الشيء في الزمان أعمّ من كونه فيه و من كونه في حدّ منه و هو الآن، فالمتى الآنيّ من أفراد مقولة المتى و كذا التأثير و التأثّر الآنيّان من أفراد مقولتي الفعل و الانفعال، فإذن يمكن تحقّق أفراد آنيّة للفعل و الإنفعال و المتى كسائر المقولات.
الثاني إذا فرضنا حركة في مقولة الفعل مثلاً، فلوجود المقولة حركتان: حركة نفس المقولة و حركة عارضة على المقولة؛ ثمّ كلّ حركة منهما إذا انقسم حصل لأجزائها المفروضة أفراد آنيّة، فالحركة العارضة إذا انقسمت حصل لها أفراد آنيّة بحسبها لكن هذه الأفراد الآنية ، لها تدرّج بحسب الحركة المعروضة و لا ضير فيه، فإنّ كون الشيء آنيّا من جهة لا ينافي تدرّجه من جهة أخرى كما أنّ عدم الانقسام من جهة لا ينافي الانقسام من جهة أخرى فإنّ، ثلاث عشرات مثلاً إذا انقسم إلى عشرة وعشرة و عشرة لا ينقسم كلّ عشرة من حيث كونها عشرة و إن انقسمت من حيث الآحاد الموجودة فيها و كذا الأفراد الآنية من الحركة العارضة ليست متدرّجة بحسب الحركة العارضة، لكنّها متدرّجة بحسب الحركة المعروضة، و هذا نظير جالس السفينة المتحرّكة، فإنّ جالس السفينة المتحرّكة إذا تحرّك، له حركتان، حركة من نفسه و حركة بتبع السفينة، فاذا انتهت حركة نفسه حصل له فرد آنىّ بحسب حركة نفسه و إن كان هذا الفرد الآني متدرّجا بحسب الحركة الّتي حصل له بتبع حركة السفينة.
إذا عرفت هذين نقول: إنّ الإشكال الأوّل على الحركة في الحركة مندفع، لأنّ حاصله هو أنّ الحركة لابدّ فيها من أفراد آنيّة الوقوع لكن لا توجد في المقولات السيّالة أفراد آنية الوقوع، و الجواب: أنّ كلّ حركة لابدّ فيها من أفراد آنيّة الوقوع بحسبها و هي موجودة في الحركة في الحركة، لأنّه يوجد هناك حركتان، حركة عارضة و حركة معروضة؛ و الحركة العارضة يمكن انقسامها فيحصل لها أوّلاً أفراد آنيّة بحسبها و إن كانت متدرّجة بحسب الحركة المعروضة، ثم الحركة المعروضة أيضا يمكن انقسامها ثانيا فيحصل لها أفراد آنيّة بحسبها، فإذن حصل في الحركة في الحركة الأفراد الآنيّة الوقوع بحسب كلّ حركة فلا إشكال في الحركة في الحركة.

قوله: أمّا حديث الإمعان في الحدود...

هذا جواب للإشكال الثاني و توضيحه يتوقّف علي مقدّمة و هي: أنّ حركة كلّ مقولة ليست صفة زائدة على وجود المقولة بل حركة المقولة عين وجودها؛ لأنّ الحركة تجدّد وجود المقولة كما تقدّم بمعنى أن يرد على المتحرّك في كلّ آن فرد من المقولة، فلو كانت الحركة صفة زائدة على وجود المقولة لكانت الحركة تجدّدا لنفسها لا تجدّدا للمقولة أي إنّ نفس المقولة لا تتجدّد أفراده آنا فآنا بل صفتها الزائدة عليها تتجدّد آنا فآنا، هذا خلف، فإذن ثبت أنّ حركة المقولة هي عين وجود المقولة.
إذا عرفت هذه نقول:إن وقعت الحركة في مقولة سيّالة كالفعل مثلاً وجب أن تكون حركة المقولة موجودة بعين وجود المقولة؛ ثم لمّا كانت المقولة المعروضة سيّالة قبل عروض الحركة، جاز أن ينقسم بسبب سيلانها إلى أفراد آنيّة، فهذه الأفراد حدود آنيّة لنفس المقولة، لكن وجود الحركة عين وجود المقولة و ليس زائدا عليه كما تقدّم، فيجب أن يكون حدود المقولة الآنيّة حدودا لحركة المقولة أيضا فللحركة حدود آنيّة و إذا كان لها حدود آنيّة يندفع الإشكال، لأنّ حدود الحركة فيها ليست ممتدّة بل آنيّة الوقوع نهاية، فآن الوصول إلى كلّ حدّ هو بعينه آن الخروج عنه، فلا يستلزم الحركة في الحركة السكون و الإمعان في الحدود.
نعم لمّا كان حدود المسافة في الحركة العارضة ممتدّة (بحسب الحركة‏المعروضة) ثمّ تنتهي إلى حدود آنيّة احتاج المتحرّك في العبور عن تلك الحدود الممتدّة إلى زمان مّا، لأنّ آن الوصول إلى كلّ حدّ منها ليس بعينه آن الخروج عنه و هذا هو السبب لبطؤ الحركة.
ببيان آخر: إنّ هناك حركتين متّحدتين في الوجود كما تقدّم و اتّحادهما في الوجود يستلزم اتّحاد لوازمهما، فإذا فرضنا للحركتين مسافة واحدة فلابدّ أن يصير زمانهما المتّحد أكثر أو أقلّ و إلاّ لا يتفاوت حال الحركتين بعد الاتّحاد و قبله مع أنّه لابدّ بعد الاتّحاد من تغيّر مّا بالضرورة، فحينئذٍ إن صار زمانهما المتّحد أكثر، صارت حركتهما المتّحدة أبطأ، و إن صار زمانهما المتّحد أقلّ صار حركتهما المتّحدة أسرع و من هنا يعلم أنّ الحركة لا تكون سببا للبطؤ دائما بل بعض أنواعها موجب للسرعة و لذا يُشاهد من قول المصنّف رحمه‏الله «من الجائز» نوع من الترديد، و مثال ذلك: أنّا إذا فرضنا نقطة على سطح كرة ثمّ فرضنا حركة الكرة على محورها، فإنّ النقطة تتبدّل نسبتها إلى نقطة في الخارج فهذه حركة في الوضع ثمّ إن فرضنا حركة لتلك النقطة الخارجة ، في خلاف جهة حركة الكرة تحقّقت الحركة في الحركة؛ لأنّ أحد طرفي نسبة النقطة الموجودة في الكرة متحرّك أوّلاً، فالوضع متحرّك ثمّ يصير طرفها الاخر متحرّكا أيضا، فهذه حركة عارضة على الحركة السابقة و هذه الحركة في الحركة أسرع، لأنّ تبدّل نقطة سطح الكرة بالنسبة إلى النقطة الخارجة المتحرّكة أشدّ و أكثر.
قوله: هو تركّب الحركة ...
ليس المراد من التركّب هنا التركّب الانضماميّ بأن يكون هناك حركة ثم تنضمّ إليها حركة أخرى بوجود آخر، إذ ليس للشيء كمّان مثلاً حتّى يكون هناك حركة كمّيّة بتبع حركة الجوهر و حركة كمّيّة أخرى عارضة على الحركة السابقة بل المراد منه التركّب الاتّحاديّ (نظير اتّحاد الصور اللاحقة بموادّها السابقة) فإنّ الكمّ المتحرّك بتحرّك موضوعه الجوهريّ إذا عرضت عليه حركة كمّيّة أخرى اتّحد معها وجودا.

قوله: نعم لها وحدة مبهمة ...

إذ الهيولى قوّة محضة فلو كان لها خصوصيّة تتعيّن بها لخرجت عن كونها قوّة محضة هذا خلف.

قوله: فاذ كانت هي موضوع الحركة العامّة الجوهريّة ...

لمّا كانت الهيولى صرف القوّة وجب أن تكون واحدة بالعدد، لأنّ صرف الشيء لا يتثنّى و لا يتكرّر، فلو تعدّدت الهيولى لاحتاج كلّ منها إلى مميّز ذاتيّ و بذلك يخرج كلّها عن صرافة القوّة هذا خلف، فإذن ثبت أنّ الهيولى واحدة بالعدد و إذا كانت الهيولى واحدة بالعدد وجب أن يكون صورة العالم الجوهريّة واحدة بالعدد أيضا، لأنّ تعدد الصور يلازم تعدّد الهيولى إذ الهيولى في وحدتها و كثرتها تابعة للصورة، فإذن ثبت انّ عالم المادّة حقيقة واحدة؛ ثمّ لمّا ثبت أنّ الصورة الجوهريّة متحرّكة ثبت أنّ عالم المادّة الّذيهو حقيقة واحدة، سيّال متوجّه من القوّة المحضة إلى الفعليّة المحضة.
فإن قلت: غاية ما يثبت بما تقدّم وجود الحركة الجوهريّة في بعض الأجسام لا في كلّها لعدم ثبوت الحركات العرضيّة في جميع الأجسام.
قلت: الحركة الجوهريّة ليست صفة زائدة على ذات المتحرّك المادّيّ حتّى يمكن فرض الجوهر المادّيّ بدون حركته الجوهريّة بل الحركة الجوهريّة عين ذاته المتحرّكة؛ لأنّ الصورة السيّالة الجوهريّة وجودها في نفسها عين وجودها لنفسها، فهي ناعتة لنفسها، لا لغيرها، فالذوات الجوهريّة المادّيّة حركة و متحرّكة بوجود واحد، ففرض سلب الحركة الجوهريّة عن الذوات المادّيّة مساوق لنفي ذواتها المادّيّة فلا يوجد جوهر مادّي ساكن، و ببيان آخر: إنّ الحركة عين الجوهر المادّي المتحرّك فلو كان هناك جوهر مادّيّ ساكن للزم أن لا تكون الحركة عين الجوهر المادّيّ المتحرّك، لأنّ الجوهريّة المادّيّة مشتركة بينهما و الحركة غير مشتركة بينهما و غير المشترك غير المشترك .
فإن قلت: غاية ما يلزم ممّا تقدّم هو أنّ العالم المادّيّ متحرّك متوجّه من النقص إلى الكمال فما الدليل أنّه على متوجّه إلى الفعليّة المحضة و ما الدليل على أنّه يصل إلى هذه الغاية النهائيّة؟
قلت: أمّا أنّه متوجّه إلى الفعليّة المحضة فلانّ الهيولى قوّة محضة ففيها استعداد كلّ فعليّة، فلو لم يكن العالم المادّيّ متوجّها إلى الفعليّة المحضة لكانت الإستعدادات الموجودة في هيولى العالم باطلة ضائعة و هو ينافي حكمته تعالى.
و أمّا أنّه واصل إلى الفعليّة المحضة، فلأنّ المتحرّك لا يصل إلى غايته المطلوبة بسبب موانع و عوائق مزاحمة و الموانع موجودة في متن العالم المادّيّ فقط أمّا العالم المادّي جملة الذي هو قافلة واحدة فلا مانع له من خارجه حتّى يمنعه عن الوصول إلى كماله النهائيّ، فإذن ثبت أنّ العالم السيّال المادّيّ متوجّه و متحرّك إلى دار القرار و سيصل إلى دار البقاء «يا قوم إنّما هذه الحيوة الدنيا متاع و إنّ الاخرة هى دار القرار».(1)

1. سورة الغافر، الآية 39.

 

الفصل التاسع

في موضوع الحركة
قوله: كانت المادّة الّتي هي موضوع الحركة في بدئها هي الموضوع بعينه.

لمّا كانت الصورة السابقة و الصورة اللاحقة ممّا لاتجتمعتان (لأنّ السابقة في عرض‏اللاحقة) وجب ان تُخلع الصورة السابقة عن المادّة عند لحوق الصّورة الجديدة، فلا تصير الصورة السابقة عند لحوق الصورة الجديدة من مراتب وجود المادّة، فلذا لا يتحقّق اشتداد في وجود المادّة بل المادّة في طول الحركة ثابتة فهي في آخر الحركة عين ما كانت في أوّل الحركة من دون اشتداد فيها، مثلاً الصورة الجماديّة و الصورة النباتيّة لاتجتمعتان فإذا تحرّك التراب و هو الجسم الجامد إلى النبات و هو الجسم النامي تُخلع الصورة الجماديّة عن الجسم و هو الموضوع و تأتي مكانها الصورة النباتيّة فيصير جسما ناميا و المادّة عند الصّورة الجماديّة و النباتيّة واحدة وهي الجسم.

قوله: لازم ذلك أن يكون الحركة اشتداديّة

لأنّ الصورة السابقة عند لحوق الصورة الجديدة لا تُخلع عن المادّة، لأنّ الصورة الجديدة في طول الصورة السابقة فهما ممّا تجتمعان، بل مادّة الصورة السابقة و الصورة السابقة معا تصيران مادّة للصورة الجديدة فعند اشتداد الصورة آنا فآنا اشتدّت المادّة آنا فآنا و لذا كانت الحركة في هذا القسم مركّبة من اشتدادين اشتداد نفس الصورة بتجدّدها آنا فآنا و اشتداد المادّة بسبب لحوق الصور بالمادّة آنا فآنا بخلاف الحــركة في القسم السابق، فإنّ فيها اشتدادا واحدا و هي اشتداد الصورة آنا فآنا.

قوله: و لا فعليّة إلاّ واحدة ...

لأنّ الصورة هي الفصل إن أخذت لا بشرط و الفصل الأخير محمول على الفصول و الأجناس السابقة فلكلّها وجود واحد فقط و إلاّ لا يمكن الحمل بينها.

قوله: لاستلزامها كون فعليّة مّا قوّة لقوّته ...

قد عرفت أنّ لكلّ فعليّة لاحقة وجودا آخر قبلها لا يترتّب عليه آثارها، متّحدا مع الفعليّة الموجودة و هذا هو الذي يسمّى قوّة بالنسبة إلى الفعليّة اللاحقة.
إذا تذكّرت هذا نقول: لو تحقّقت الحركة النزوليّة لكانت الفعليّة الموجودة قوّة للفعليّة النازلة اللاحقة و الفعليّة النازلة نفسها قوّة للفعليّة الموجودة المفروضة (و لذا قد تبدّلت فيما قبل إلى الفعليّة الموجودة المفروضة) فتصير الفعليّة الموجودة قوّة لقوّة الفعليّة الموجودة، هذا بيان الملازمة، أمّا بيان بطلان اللازم فلأنّه يلزم منه التناقض، لأنّ الفعليّة الموجودة باعتبار كونها فعليّة لنفسها يجب أن يترتّب عليها آثارها و باعتبار كونها قوّة لنفسها يجب أن لا يترتّب عليها آثارها و هو التناقض.

قوله: فمايترائى منه الحركة التضعفيّة حركة بالعرض ...

اعلم أنّ البرهان المذكور يثبت استحالة الحركة النزوليّة الّتي هي بمعنى تبدّل الفعليّة الموجودة إلى نفس الفعليّة السابقة الّتي هي حاملة لقوّة نفس الفعليّة الموجودة و أمّا الحركة النزوليّة الّتي هي بمعنى تبدّل الفعليّة الموجودة إلى فعليّة أخرى مشابهة للفعليّة السابقة في الضعف، فالبرهان المذكور لا يثبت استحالتها و ذلك لأنّ لازم الحركة النزوليّة بالمعنى الأوّل ، التناقض كما تقدّم أمّا الحركة النزوليّة بالمعنى الثاني لا تلزم منها التناقض، لأنّ فعليّة الشيء تجتمع مع قوّة غيره إذ مقتضي الفعليّة ترتّب آثارها و مقتضى قوّة الغير عدم ترتّب آثار الغير و من الضروريّ انّهما يجتمعان؛ و الإستدلال بأنّ الحركة هي الخروج من القوّة إلى الفعل و من النقص إلى الكمال فلا يمكن وقوع الحركة النزوليّة مطلقا، مندفع بأنّ غاية مايلزم من تعريف الحركة هو أنّ فعليّة كلّ قوّة متبدّلة يجب أن تكون أقوى و أكمل من نفس تلك القوّة المتبدّلة؛ أمّا أنّ الفعليّة اللاحقة يجب أن تكون أقوى و أكمل من الفعليّة السابقة الّتي هي حاملة لقوّة  الفعليّة اللاحقه، لا يلزم من التعريف فإذن الحركة النزوليّة بالمعنى الثاني ممكنة بل واقعة فما يترائى من الحركة النزوليّة كالذبول حركة حقيقة لا حركة بالعرض.

قوله: حكم المجموع أيضا حكم الأبعاض ...

لأنّ المجموع و الأبعاض مماثلان في طبيعة السيلان و حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد.

قوله: فالجزء بهذا المعنى لا يخرج من القوّة إلى الفعل ...

لأنّ الجزء بهذا المعنى آنىّ الوقوع؛ و الخروج من القوّة إلى الفعل ـ و هو الحركة ـ تدريجيّ الوقوع.
 

الفصل العاشر

في فاعل الحركة و هو المحرّك
قوله: و هو المتحرّك بالحقيقة ...

و ذلك لما تقدّم أنّ وجود الجوهر في نفسه عين وجوده لنفسه، فالجوهر ناعت لنفسه لا لغيره فالحركة إذا كانت جوهريّة كانت ناعتة لنفسها، فإذن الحركة الجوهريّة في عين أنّها حركة ، متحرّكة و هذا نظير ما نقل عن بهمنيار من «أنّ الحرارة لو كانت جوهرا لكانت حارّة وحرارة معا» .

قوله: فرض كون الشيء فاعلاً موجدا لنفسه

لأنّ المتحرّك عين الحركة كما تقدّم فلو كان المتحرّك موجدا للحركة للزم أن يكون المتحرّك موجدا لنفسه.

قوله: و هو جوهر مفارق ...

لمّا ثبت أنّ العالم المادّيّ حقيقة واحدة متحرّكة بالحركة الجوهريّة و ثبت أنّ المحرّك يجب أن يكون غير المتحرّك وجب أن يكون المحرّك خارجا عن العالم المادّيّ فيكون جوهرا مفارقا و هو المطلوب.

قوله: على ما تقدّم ...

أي في الفصل السادس من المرحلة السادسة.

قوله: إذ لو تخلّل الجعل و كان المتحرّك و هو مادّيّ فاعلاً ...

اعلم أنّ المدّعى هنا عبارة عن أنّ المحرّك في الحركات اللازمة العرضيّة ليس نفس المتحرّك الذي هو موضوع الحركة و البرهان الذي ثبت به المصنّف هذا المدّعى هو أنّ الموضوع لهذه الأعراض اللازمة موجود مادّيّ و الفاعل المادّيّ يحتاج في التأثير إلى الوضع مع أن لا وضع بين الموضوع و عرضه اللازم فالموضوع لهذه الحركات و هو المتحرّك لا يكون محرّكا لهذه الحركات و هو المطلوب.
أقول: في الدليل و المدّعى نظر، أمّا الدليل فلأنّ هذا الدليل متوقّف على قاعدة «أنّ الفاعل المادّيّ يحتاج في التأثير إلى الوضع» لكن هذه القاعدة لم يتمّ برهانها لما تقدّم في الفصل الخامس عشر من المرحلة الثامنة و المصنّف نفسه تلقّاها بنوع من الترديد، ثمّ لو سلّم تماميّتها لا نسلّم أنّ هذه القاعدة جارية فيما إذا كان أثر الفاعل عرضا من أعراض الفاعل، بل القاعدة تجري فيما يتعلّق أثر الفاعل بمنفعل مغاير ذاته لذات الفاعل و لأنّ دليل القاعدة كان هكذا:«إنّ إيجاد الفاعل المادّيّ متفرّع على وجوده و وجوده وجود وضعيّ فإيجاده أيضا وضعيّ»؛ و من الواضح أنّ كبرى هذا الدليل صادقة فيما ذكرناه فقط إذ الوضع يتحقّق بين وجود الفاعل و الأشياء الخارجة عنه لا بينه و بين أعراضه، فالوجود المادّيّ وضعيّ بالنسبة إلى الأشياء الخارجة عنه لا بالنسبة إلى أعراضه؛ فإذن إيجاد الفاعل المادّيّ لأعراضه لا يكون وضعيّا؛ لأنّ الإيجاد متفرّع على الوجود، فكما أنّ بين وجود الفاعل المادّيّ و أعراضه لا يتخلّل الوضع، فكذلك بين إيجاده لأعراضه و أعراضه لا يتخلّل الوضع؛ و المؤيّد لما ذكرنا هو أنّ الحكماء قالوا: إنّ الطبيعة فاعلة مباشرة للأعراض الأربعة السيّالة مع أنّه لا يمكن تخلّل الوضع بين الطبيعة و أعراضها، فهذه المقالة منهم تكشف عن أنّ مجرى القاعدة ما إذا تعلّق أثر الفاعل بمنفعل مغاير ذاته لذات الفاعل.
و أمّا المدّعى، فلأنّ الموضوع لولم يكن فاعلاً لعرضه اللازم لكان فاعله إمّا فاعل الموضوع أو غيره، فإنّ كان فاعله فاعل الموضوع لزم صدور الكثير عن الواحد و هو باطل و إن كان فاعله غير فاعل الموضوع أمكن انفكاك الملزوم عن لازمه، إذ من الممكن أن يؤثّر فاعل الموضوع من دون أن يؤثّر فاعل العرض اللازم، فيتحقّق الملزوم بدون تحقّق عرضه اللازم و هو محال .
فإن قلت: لو كان فاعل العرض اللازم نفس موضوعه للزم اتّحاد الفاعل و القابل و هو محال.
قلت: أوّلاً إنّ اتحاد الفاعل و القابل محال فيما كان النسبة بين القابل و المقبول بالإمكان و هذا الشرط منتف هنا، لأنّ النسبة بين اللازم و ملزومه بالوجوب و ثانيا إنّ الموضوع يقبل العرض بمادته و يفعل العرض بصورته فلا اتّحاد بين القابل و الفاعل.

قوله: المعرّفة بأنّها مبدأ حركة ما هي فيه و سكونه ...

الضمير «هي» راجع إلى المبدأ و أنّث باعتبار كون المبدأ هي الطبيعة. و احترز بما الموصولة عن المبادى الصناعيّة، فإنّها مبدأ للحركة لكن لا لحركة ما يكون المبدأ فيه، بل لحركة غيره، فإنّ القوّة المحرّكة في يد البنّاء مثلاً مبدأ لحركة يده ولحركة الآجر فهي بالنسبة إلى حركة اليد طبيعة و بالنسبة إلى حركة الآجر مبدأ صناعيّ، ثمّ إنّ الطبيعة ليست علّة تامّة للحركة و إلاّ لا يمكن أن تكون مبدأ للسكون بل هي علّة فاعلة للحركة أو السكون يحتاج تماميّتها إلى الأشياء الأخر.

قوله: و كلّ منهما...

أي كلّ واحد من الفاعلين المباشرين في القسم الأوّل و القسم الثانياللذين لا شعور لهما في فعلهما إمّا أن يكون فعله ملائما لنفسه بحيث لو خلّي و نفسه لفعله و هو الحركة الطبيعيّة و إمّا أن لا يكون كذلك و هو الحركة القسريّة و هذان قسمان من الحركة، فإذا أضيف إليهما الحركة النفسانيّة و هي الحركة الّتي يكون فاعلها ذا إرادة في فعله ، صارت الأقسام ثلاثة.

قوله: فلأنّ الطبيعة انّما تنشيء الحركة عند زوال صورة ملائمة.

مثلاً إنّ للأجسام القابلة للامتداد كالتكّة (وهي رباط السراويل) كمّيّة بحسب طبيعتها، فإذا مددناها عرض لها كمّيّة غير ملائمة و هيأة منافرة لطبيعتها لكن طبيعتها طالبة لكمّيّتها الطبيعيّة فهذا الطلب الجبلّيّ في الطبيعة موجب لحركتها إلى كمّه الطبيعيّ.

قوله: ففاعلها الصورة و قابلها المادّة ...

فلا يلزم اتّحاد الفاعل و القابل من جهة واحدة.

قولة : فلأنّ القاسر ربّما يزول و الحركة القسريّة على حالها...

فإن قلت: «يمكن أن يقال: إنّ القاسر بالذات أمر يدخل في المقسور و يبقى فيه مادامت الحركة باقية و يؤيّده ما يقول علماء الفيزياء اليوم من انتقال الطاقة إلى الجسم المتحرّك».
قلت: إنّ الطاقة بحسب التفسير الفلسفيّ إن كانت من الجواهر فذلك الجوهر ينطبق على الطبيعة المقسورة، لأنّ الطبيعة الأولى قد بطلت و الحركة على خلاف مقتضاها؛ و إن كانت من الأعراض فلابدّ أن يكون متجدّدا حتّى يكون سببا للحركة القسريّة فنقلنا الكلام في تجدّدها فلابدّ أن ينتهي إلى ما هو متجدّد بالذات و هو الطبيعة كما تقدّم بحثه في الفصل الثامن.
 

الفصل الحادى عشر

في الزمان
قوله : لكنّا كلّما رفعنا الحركة من المورد ارتفع ...

و ذلك لأنّ الزمان سيّال فيجب أن يكون موضوعه سيّالاً فليس الموضوع إلاّ الحركة، فإذن كلّما رفعنا الحركة ارتفع الزمان و إذا وضعناها ثبت.

قوله: ماهيّته أنّه مقدار متّصل غير قارّ ...

فيه أنّ السيلان وعدم القرار إن كان لوجود الزمان كما هو الحق(1) لزم أن لا يكون هذا التعريف ماهيّة للزمان، لأنّ الوجود زائد على الماهيّة و إن كان لماهيّته، لزم التشكيك في الماهيّة و ذلك لأنّ السيلان في ماهيّة الزمان يوجب أن يكون تقدّم بعض أجزاء الزمان على البعض بحسب نفس الماهيّة و هذا هو التشكيك في الماهيّة و هو باطل عندهم.
فالحقّ أنّ الزمان ليس من الماهيّات، لأنّ الزمان من العوارض التحليليّة للحركة(2) و العوارض التحليليّة لا وجود لها في الخارج إلاّ بنفس وجود معروضاتها، إذ لا عارضيّة و لا معروضيّة بينها إلاّ بحسب الاعتبار الذهنيّ، فلا مصداق بالذات للزّمان في الخارج حتّى ينتزع عنه ماهيّة الزمان بل الزمان من أنحاء الوجود، لأنّه متّحد الهويّة مع الحركة و الحركة من أنحاء الوجود لا من الماهيّات.

1. راجع: تعليقة المصنّف رحمه‏الله على الأسفار، ج 3، ص 264.
2. راجع: الأسفار، ج 3، ص 141 و 245.

قوله: إنّ نسبة الزمان إلى الحركة ...

أي كما أنّ الجسم بما هو جسم لا تعيّن له بحسب المقدار (لأنّ التعيّن المقداريّ عارض له فهو في مرتبة ذاته لا تعيّن له) بل يعيّنه المقدار العارض له كذلك الحركة لا تعيّن له بحسب المقدار لما تقدّم، بل يعيّنها الزمان العارض لها، لكن تقدّم أنّ هذا الكلام في الجسم الطبيعيّ و التعليميّ و أمثاله مبنيّ على رأي الجمهور من أنّ تشخّص الشيء بأعراضه و إلاّ أنّ العرض المتأخر وجوده عن وجود موضوعه لا يمكن أن يعيّن موضوعه.

قوله: و هو أمر عدميّ ...

لأنّ الآن حدّ للزمان و حدّ الشيء انتهاء وجوده فهو نفي وجود الزمان.

قوله: و ما هذا حاله لا يتحقّق منه إثنان ...

لمّا كان تحقّق الآن بتحقّق الزمان و بانتهائه فإذن لو لم يكن بين الآن الأوّل و الآن الثاني زمان، لم يتحقّق الآن الثاني حتّى يتحقّق التتالي و لو كان بينهما زمان لتحقّق الآن الثاني لكن لا يتحقّق التتالي لأنّ التتالي؛ عبارة عن وقوع الآن الثاني بعد الآن الأوّل من دون فصل.

قوله: فالحركة القطعيّة منطبقة علي الزمان بلا واسطة ...

لأنّ الحركة القطعيّة منقسمة إلى الأجزاء، فينطبق كلّ جزء منها على جزء من الزمان.

قوله: كالوصول و الترك و الإتّصال و الإنفصال ...

الإتّصال و الإنفصال مطاوعة الوصول و الترك، ثم إنّ وصول كلّ نقطة من الجسم الواصل إلى نقطة أخرى لم يكن في الزمان بل في الآن، لأنّ النقطة لا تنقسم و ليس لها بُعد حتّى يحتاج في وصولها إلى نقطة أخرى إلى الزمان و كذا المتحرّك يصل إلى كلّ حدّ من حدود المسافة الآنيّة في الآن، لأنّ الحدّ المفروض لا ينقسم حتّى يحتاج إلى الزمان في الوصول إليه و كذا الأمر في الترك و الاتّصال و الانفصال .

قوله: و الحركة التوسّطيّة منطبقة عليه بواسطة القطعيّة ...

الحركة التوسّطيّة بسيطة لا جزء لها حتّى ينطبق كلّ جزء منها على جزء من الزمان، نعم لمّا كانت الحركة التوسّطيّة متّحدة الوجود مع الحركة القطعيّة و الحركة القطعيّة ينطبق أجزائها المفروضة على أجزاء الزمان صحّ أن يقال: إنّ الحركة التوسّطيّة منطبقة على الزّمان لكنّه على سبيل المجاز، إذ يحتاج في الانطباق عليه إلى واسطة و هي الحركة القطعيّة.

قوله: الذي يرسم الامتداد الزمانيّ ...

قالوا كما أنّ الحركة التوسّطيّة ترسم بسيلانها الحركة القطعيّة كذلك الآن يرسم بسيلانها الزمان و كما أنّ الزمان وعاء للحركة القطعيّة و تنطبق عليه بلا واسطة كذلك الآن السيّال وعاء للحركة التوسّطيّة و تنطبق عليه بلا واسطة.

قوله: كيف و الزمان كمّ منقسم بالذات ...

توضيحه: أنّ الزمان حقيقة ممتدّة، فما لم يفرض هناك امتداد لا يتحقّق الزمان و الآن لا امتداد فيه حتّى يتحقّق به الزمان و أمّا سيلانه فمتوقّف على وجوده و وجوده متوقّف على الزمان، فلو توقّف وجود الزمان على سيلانه للزم منه الدور.

قوله: في غير محلّه ...

توضيحه: أنّ الوحدة في وجودها مستقلّة عن العدد فيمكن فرض الوحدة أوّلاً ثمّ تكرارها ثانيا فيتحقّق بتكرارها الأعداد، لكن الآن في وجوده متوقّف على الزمان، فلا يمكن فرض الآن قبل تحقّق الزمان حتّى يتحقّق به الزمان و إلاّ لزم منه الدور كما تقدّم.

قوله: و النقطة نهاية عدميّة و تألّف الخطّ منها وهميّ ...

أي الأمر في النقطة كالأمر في الآن فلا امتداد لها بنفسها فلا يتحقّق بها الخطّ الممتدّ و أمّا سيلانها فيلزم منه الدور كما تقدّم.

قوله: إنّ الزّمان لا يتقدّم عليه شيء إلاّ بتقدّم غير زمانيّ ...

إذ ليس للزمان زمان آخر حتّى يتقدّم على الزمان شيء بالزمان.
أقول: بناءاً على ما تقدّم من أنّ لكلّ حركة زمانا خاصّا بها و أنّ الحركات في الأعراض حركات ثانية عارضة على حركات موضوعها، يمكن أن يتحقّق للزمان زمان آخر، فإنّ الزّمان الناشيء من الحركة الثانية العارضة ينطبق على الزمان الناشي من حركة موضوعها، فيمكن تصوير تقدّم شيء على الزمان بتقدّم زمانيّ. نعم ما ذكره المصنّف رحمه‏الله صحيح في الزمان الناشي من الحركة الجوهريّة العامّة إذ ليس لذلك الزمان زمان آخر حتّى يتقدّم عليه شيء بتقدّم زمانيّ.

قوله: السّابـع ... إلاّ و بينهمـا زمان مشترك ينطبقان عليه

أي يجب أن يكون زمانهما واحدا بحسب الذات و إن كان أحدهما مقدّما على الآخر بحسب الرتبة و الدليل عليه أنّ التقدّم و التأخّر في الزمانيّات بعرض التقدّم و التأخّر في الزمان و الزمان حقيقة مشكّكة و الحقيقة المشكّكة واحدة بحسب ذاتها، مختلفة بحسب مراتبها، فزمان المتقدّم و المتأخّر الزمانيّين واحد بحسب الذات، مختلف بحسب الرتبة.

قوله: بالنسبة إلى حركة أو متحرّك ...

الأوّل كما في تقدّم أجزاء الحركة العرضيّة بعضها على البعض، و الثانيكما في تقدّم متحرّك جوهريّ على متحرّك جوهريّ آخر، فإنّ الحركة و المتحرّك في الجواهر شيء واحد كما تقدّم و أجزاء الحركة الجوهريّة متقدّم بعضها على البعض، فالمتحرّك الجوهريّ متقدّم بعضه على بعض.

قوله: و لازم ذلك تحقّق حركة مشتركة ...

إنّ الزمان في وحدته و كثرته تابع للحركة الّتي هي منشأه، فاشتراك الشيئين في زمان واحد يستدعي اشتراكهما في حركة واحدة، و إشتراكهما في حركة واحدة يستدعي اشتراكهما في مادّة واحدة .
فإن قلت: «بناءاً على أنّ زمان كلّ متحرّك قائم بنفس ذلك المتحرّك، لايبقى للزّمان المشترك بين الحركتين إلاّ زمان متحرّك آخر أطول امتدادا منهما، فينطبق زمان كلّ منهما على جزئه، فكيف استلزم ذلك لوجود مادّة مشتركة بينهما»؟
قلت: كما أنّ جميع حركات العالم على كثرتها راجعة إلى حركة واحدة جوهريّة عامّة و أنّ تلك الحركات المتكثرّة من شؤون حركة جوهريّة عامّة(1) كذلك جميع الأزمنة المختلفة على كثرتها راجعة إلى زمان واحد و هو الزمان الناشي عن الحركة الجوهريّة العامّة و إذا رجعت إلى زمان واحد كانت تلك الأزمنة من شؤون ذلك الزمان الواحد و ذلك الزمان الواحد يستدعي حركة واحدة و متحرّك واحد.

1. قد تقدّم بحثه في آخر الفصل الثامن.

قوله: تنبيه

لا شكّ أنّ لبعض الأشياء بالنسبة إلى بعض معيّة، و هي قد تكون بين متغيّر و متغيّر آخر و قد تكون بين ثابت و متغيّر و قد تكون بين ثابت و ثابت آخر، فإن كانت المعيّة بين المتغيّرين كانت زمانا و إن كانت بين ثابت و متغيّر سمّيت دهرا و إن كانت بين الثابتين سمّيت سرمدا.
ثمّ إنّ المعيّة بين الشيئين إمّا أن تكون بالذات أو بالعرض و المعيّة بالذات يجب أن تكون عين الذات الّتي تحقّقت لها المعيّة و إلاّ كانت معيّة تلك الذات بغيرها، فننقل الكلام فيه، فيذهب الأمر إلى غير النهاية، فيلزم التسلسل و هو محال، فإذن المعيّة في الذات الّتي تحقّقت لها المعيّة بالذات هو نفس تلك الذات، و هذا نظير التقدّم و التأخّر في أجزاء الزمان، فإنّ المتقدّم في الزمان متقدّم بنفس ذاته لا بتقدّم زائد علي ذاته، فالتقدّم في الزمان نفس المتقدّم و كذا الأمر في التأخّر.
إذا عرفت هذا نقول: لمّا كانت المعيّة في الزمانيّات بعرض المعيّة في الزمان و كانت المعيّة في الزمان بالذات، كانت المعيّة في الزمان نفس الزمان و كذا الأمر في المعيّة الدهريّة و السرمديّة، فإنّ المعيّة الدهريّة إذا كانت بالذات كانت نفس وجود الثابتات إذا قيست إلى المتغيّرات و كذا المعيّة السرمديّة إذا كانت بالذات كانت نفس وجود الثابتات إذا قيست إلى ثابتات أخرى، فالدهر و هو المعيّة بين الثابت و المتغيّر عبارة عن وجود الثابتات إذا قيست إلى المتغيّرات و السرمد و هو المعيّة بين الثابتين عبارة عن وجود الثابتات إذا قيست إلى ثابتات أخرى.

قوله: و لا في حركة ...

أي و لا في حال الحركة، أي ليست متحرّكة.
 

الفصل الثاني عشر

في معني السرعة و البطؤ
قوله: فهما وصفان إضافيّان غير متقابلين ...

أمّا أنّهما إضافيّان فلأنّ السرعة عبارة عن قطع مسافة كثيرة في زمان قليل، كما أنّ البطؤ عبارة عن قطع مسافة قليلة في زمان كثير، فالقلّة و الكثرة اللتان هما من المعاني الإضافيّة، معتبرتان في السرعة و البطؤ، فيلزم أن يكون السرعة و البطؤ إضافيّتين أيضا.
أمّا أنّهما غير متقابلين، فلأنّ الاختلاف بينهما اختلاف تشكيكيّ و ذلك لأنّ الصفة الثابتة الواقعيّة للحركة السرعة فحسب و هي حالة المرور و الانقضاء الّتي في كلّ حركة و هي لمّا كانت مختلفة في الحركات نسب بعض مصاديقها إلى بعض فحصلت السرعة و البطؤ النسبيّتان، فما من سرعة إلاّ و هي بطؤ بالقياس إلى أخرى و كذا الحال في جانب البطؤ.
فالسرعة و هي حالة المرور و السيلان مساوقة للحركة مع أنّ الحركة تنقسم إلى السريعة و البطيئة فالحركة السريعة و البطيئة كلّ منهما مصداق للسرعة، فيكون ما به الاختلاف بينهما راجعا إلى ما به الاتّحاد، إذ الحركة السريعة و البطيئة مشتركتان في السرعة الّتي هي حالة المرور و مختلفتان فيها لإنّ السريعة أشدّ مرورا من البطيئة و هذا هو التشكيك(1) فإذا ثبت أنّ الإختلاف بينهما اختلاف تشكيكيّ ثبت أنّهما غير متقابلين لأنّ المتقابلين، ممّا لايجتمعان إذ بينهما تطارد ذاتيّ على ما تقدّم لكن المختلفين بالإختلاف التشكيكيّ ممّا يجتمعان في الوجود لإنّهما مختلفان بحسب المرتبة و مرتبة الشيء لا يباينه بحسب أصل الوجود بل متّحد معه.

1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار ج 3، ص 198.

قوله: تبيّن فيما تقدّم أنّ الحركة متّصلة ...

أي في الفصل الثاني و حاصله أنّه تقدّم أنّ لكلّ فعليّة لاحقة في الحركة وجودا لا يترتّب عليه الآثار و هو عين وجوده الذي يترتّب عليه الآثار بحسب أصل الوجود و إن اختلفا بحسب المرتبة و هذا هو الذي يسمّي بقوّة الشيء و تقدّم أيضا أنّ قوّة الشيء مقدّمة عليه بالزمان فإذن وجب أن يكون هناك وجود واحد ممتدّ منطبق على الزمان و هذا هو الاتّصال.

قوله: و هما غير متلازمين في واحد من الوجودين ...

أمّا عدم تلازمهما في الوجود الخارجيّ فلأنّ قطع مسافة مأة كيلومتر في الساعة الواحدة، سرعة بالنسبة إلى قطع تلك المسافة في الساعتين مع أنّ كلاًّ منهما يمكن أن يوجد بدون الآخر و أمّا عدم تلازمهما في الوجود الذهنيّ و التعقّل فلأنّ قطع مسافة مأة كيلومتر في الساعة الواحدة، سرعة بالنسبة إلى قطع تلك المسافة في الساعتين كما تقدّم مع أنّ كلاً منهما يمكن أن يعقل بدون الآخر.
هذا و لكن هذا صحيح إذا كان المراد من القليل و الكثير المعتبرين في السرعة والبطؤ معروض القلّة و الكثرة أي نفس المقدار الذي يعرضه القلّة و الكثرة. فإنّ الساعة الواحدة أقلّ من الساعتين و تعقل ذات كلّ منهما بدون الآخر ممكن؛ أمّا إذا كان المراد معروض القلّة مع القلّة و معروض الكثرة مع الكثرة لا يمكن تعقّل أحدهما بدون الآخر، لانّهما مضائفان و كذا السرعة والبطؤ فتدبّر.

قوله: إذ مـا مـن سريـع إلاّ و يمكن أن يفرض ما هو أسرع منه.

إذ ما من زمان إلاّ و يمكن أن يفرض زمان أصغر منه، فالحركة فيه في المسافة المساوية أسرع .

قوله: و مـا مـن بطيـى‏ء إلاّ و يمكن أن يفرض ما هو أبطأ منه.

إذ ما من مسافة إلاّ و يمكن أن يفرض مسافة أصغر منها، فالحركة فيها في الزمان المساوي أبطأ.
 

الفصل الثالث عشر

في السكون
قوله: ليس الوجودات الثابتة و هي المجرّدات بسكون و لا ذوات سكون.

لمّا كان المراد هنا بيان مفهوم السكون اعتمد على المرتكزات الذهنيّة من السكون، فقال: و ليس الوجودات الثابتة و هي المجرّدات بسكون و لا ذوات سكون، فانّ الواجب مثلاً لا يطلق عليه السكون و لا الساكن و من هذا يعلم أنّ المعنى المرتكز في الذهن من السكون ليس معنى ثبوتيّا و إلاّ يمكن إطلاقه على المجرّدات.

قوله: ليس للسكون مصداق في شيء من الجواهر المادّية ...

فإن قلت: إنّا أثبتنا الحركة الجوهريّة من طريق حركة الأعراض و من الضروريّ عدم ثبوت الحركات العرضيّة في جميع الأجسام فإذن غاية مايثبت بتلك البيانات وجود الحركة الجوهريّة في بعض الأجسام لا في كلّها، فيمكن أن يكون للسكون مصداق في شيء من الجواهر المادّيّة.
قلت: الحركة الجوهريّة ليست صفة زائدة على ذات المتحرّك في الجواهر المادّيّة حتّى يمكن فرض الجواهر المادّية بدون حركتها الجوهريّة بل الحركة الجوهريّة عين ذواتها المتحرّكة كما تقدّم فالذوات الجوهريّة المادّيّة حركة و متحرّكة بوجود واحد، ففرض سلب الحركة الجوهريّة عن الذوات المادّيّة مساوق لنفي ذواتها المادّيّة، فإذن لا يوجد في الذوات المادّيّة شيء هو مصداق للسكون.

قوله: هناك سكون نسبيّ ...

و هو الّذي يحصل من انتهاء الحركة في الحركة، فتنحلّ الحركة المركّبة إلى الحركة البسيطة، فإنّ تجدّد الأين الحاصل من تجدّد الجوهر و من الانتقال من مكان إلى مكان، ينحلّ بعد الاستقرار في المكان الثاني إلى التجدّد الحاصل من تجدّد الجوهر فقط.
 

الفصل الرابع عشر

في انقسامات الحركة
قوله: قالوا إنّ الفاعل القريب ...

كانّ هذا التعبير اعتراض على الحكماء في التقسيم المذكور و ذلك‏لأنّ الفاعل في الحركة النفسانيّة في طول الفاعل في الحركة الطبيعيّة و القسريّة، فالحركة النفسانيّة مجتمعة الوجود مع الحركة الطبيعيّة و القسريّة مع أنّ مقتضى التقسيم كون كلّ قسم في عرض القسم الآخر غير مجتمع مع القسم الآخر.

قوله: انّ المتوسّط بين الطبيعة و بين الحركة هو مبدأ الميل ...

توسّط الميل بين الطبيعة و الحركة عند التحريك لا يخرج الطبيعة عن كونها مبدأ قريبا، لأنّ الميل بمنزلة آلة لها، فإذا أخذت الطبيعة أن تُحرّك الجسم يُحدث أوّلاً الميل إلى الحركة، ثمّ يصدر عنها الحركة بواسطته؛ قالوا: سبب الاحتياج إلى وساطة الميل هو انّ الحركة تختلف بالشدّة و الضعف و الطبيعة لا تختلف بهما، لأنّها جوهر، و الجوهر لا يقبل الاشتداد و التضعّف عندهم، فيجب أن لا يكون اختلاف الحركة من الطبيعة بالذات بل بتوسّط أمر يقبل الشدّة و الضعف و هو الميل فتدبّر.

قوله: سميّت قدرة الحيوان ...

انّما قيّد القدرة بكونها للحيوان، لأنّ قدرة الواجب لا يعتبر فيه المشيّة و الإرادة كما سيأتي في المرحلة الثانية عشرة.