أي ليستا في الماهيّة ولا في صيرورة الماهيّة موجودة بل هما في الوجود و هذا هو الّذي يعبّر عنه بأصالة الوجود في الجعل.
بيانه: أنّ الماهيّة في حدّ ذاتها ليست موجودة و لا معدومة، أي ليس الوجود و لا
العدم في متن الماهيّة وحريم ذاتها و إلاّ صارت واجبة الوجود بالذات لو كان الوجود
مأخوذا فيها، أو صارت ممتنعة الوجود بالذات لوكان العدم مأخوذا فيها و هذا خلف.
و كذا ليس اتّصافها بالوجود الخارج من ذاتها بسبب ذاتها و إلاّ امتنع اتّصافها
بالعدم و ليس اتّصافها بالعدم الخارج من ذاتها بسبب ذاتها و إلاّ امتنع اتّصافها
بالوجود.
فإذن لمّا لم يكن الوجود و العدم في متن الماهيّة و لم تكن الماهيّة بذاتها مقتضية
للوجود أو العدم كان من الواجب أن تحتاج الماهيّة في اتّصافها بالوجود و العدم إلى
الغير.
بيانه بشكل منطقيّ هكذا:
« الماهيّة ليست مرتبطة بالعلّة» و« كلّ مجعول بالذات مرتبط بالعلّة» فينتج من
الشكل الثاني« أنّ الماهيّة ليست مجعولة بالذات»؛ أمّا الكبرى فلأنّ المجعول بالذات
هوالمعلول الحقيقيّ و المعلول مرتبط بعلّته ارتباطا عينيّا خاصّا كما سيأتي بيانه،
فالمجعول بالذات مرتبط بعلّته ارتباطا عينيّا خاصّا و أمّا الصغرى فلأنّ الماهيّة
المفروضة فيما نحن فيه هي الماهيّة من حيث هي هي لا الماهيّة باعتبار أمور زائدة
عليها ( و إلاّ ليست مجعولة بالذات بل المجعول بالذات ذلك الأمر الزائد) و الماهيّة
من حيث هي هي ليست الاّهي، فليست مرتبطة بالعلّة فإذن المطلوب ثابت.
فإن قلت: وجود المعلول أيضا من حيث هو هو ليس إلاّ إيّاه فليس مرتبطا بالعلّة.
قلت: سيأتي أنّ وجود المعلول عين الربط بالعلّة فهو مرتبط بالعلّة في مرتبة ذاته لا
في مرتبة زائدة.
أي ليس ارتباط المعلول بعلّته محض اعتبار يختلقه الذهن، بل هو نحو ارتباط خاصّ موجود في الخارج، إذ لو لم يكن كذلك بأن لم يكن ارتباط عينيّ في الخارج أو كان و لم يكن ارتباطا خاصّا معيّنا لكان للذهن أن يعتبر العلّيّة و المعلوليّة بين كلّ شيئين وجاز أن يكون كلّ شيء علّة لكلّ شيء و كلّ شيء معلولاً لكلّ شيء، إذ المفروض أن ليس هناك ارتباط واقعيّ خاصّ حتّى يخصّص هذا المعلول بتلك العلّة و تلك العلّة بهذا المعلول، فإذن جاز استناد كلّ معلول إلى كلّ علّة و إيجاد كلّ علّة كلّ معلول، مع أنّ هذا بديهيّ البطلان ضرورة أنّ حرارة الشمس لا تستند إلى برودة الثلج مثلاً و مقدارا قليلاً من السكّر لا يوجب أن يكون البحر حلوا، فإذن ارتباط المعلول بعلّته ارتباط خاصّ موجود في الخارج.
فإن قلت: قد ثبت أنّ المجعول بالذات هو وجود المعلول فما البرهان على أنّ الجاعل
بالذات هو وجود العلّة؟
قلت: إذا كان المجعول بالذات وجود المعلول وجب أن يكون الجاعل بالذات وجود العلّة و
إلاّ كان فاقد الشيء معطيا له وهو محال.
بيانه: أنّ المعلول محتاج في وجوده إلى العلّة لكن حاجته إلى العلّة ليست صفة عارضة
على ذات المعلول بأن كان هناك ذات معروضة وحاجة عارضة عليها بل ذات المعلول هي عين الحاجة إلى العلّة والبرهان على ذلك أنّ الحاجة لو كانت صفة
عارضة على ذات المعلول، لكان المعلول في مرتبة ذاته متقدّما على تلك الصفة العارضة
عليها و كانت حاجته إلى العلّة في مرتبة متأخّرة عن ذات المعلول، لأنّ الصفة
الزائدة متأخّرة عن الموصوف في الوجود فإذن المعلول محتاج إلى العلّة لكن هذه
الحاجة في مرتبة متأخّرة عن مرتبة ذاته، فليس في مرتبة ذاته احتياج إلى العلّة بل
هو مستغن عن العلّة في تلك المرتبة مع أنّ الاستغناءعن العلّة و الاستقلال عنها
ينافي المعلوليّة وهذا خلف.
أقول: في هذا البيان نظر، إذ لايلزم من سلب الحاجة عن مرتبة الذات ( كما هو المفروض
) إثبات الإستغناء، في مرتبة الذات حتّى يقال: إنّ الحاجة لوكانت متأخّرة عن مرتبة
الذات لكان المعلول مستغينا عن العلّة في مرتبة ذاته وذلك لأنّ المعاني المتقابلة
حتى النقيضين مسلوبة عن مرتبة ذات الأشياء و لا فرق بين أن يكون المسلوب عنه ماهيّة
من الماهيّات أو وجودا من الوجودات، فإنّ وجود الفرس مثلاً وعدمه كليهما مسلوبان عن
وجود الإنسان فليس وجود الفرس و لا عدمه مأخوذين في مرتبة وجود الإنسان أي ليس وجود
الإنسان هوعين وجود الفرس كما هو واضح و لا عين عدمه، لأنّ حيثيّة الوجود غيرحيثيّة
العدم و ليس هذا من قبيل ارتفاع النقيضين، لأنّ نقيض أخذ وجود الفرس في مرتبة وجود
الإنسان عدم أخذ وجود الفرس في مرتبة وجود الإنسان لا أخذ عدم الفرس في مرتبة وجود
الإنسان، هذا.
ثم يمكن تقرير البرهان بوجه لا يرد عليه الإشكال المذكور بأن يقال: انّا إذا فرضنا
أنّ «الف» علّة لـ «ب» وجب أن يكون «ب» محتاجا في وجوده إلى «الف» لأنّ « ب » معلول
و المعلول محتاج إلى علّته الخاصّة و هي «الف» في المثال المفروض، فلو فرضنا أنّ
الحاجة إلى «الف» عارضة على ذات «ب» لوجب أن تكون ذات «ب» موجودة قبل احتياجها إلى
«الف» و إذا كان كذلك لا يكون محتاجا في وجوده إلى «الف» مع أنّ المفروض أنّ «ب»
محتاج في وجوده إلى «الف» هذا خلف.
أو يقال لوكانت الحاجة إلى العلّة صفة عارضة على ذات المعلول لكانت ذات المعلول في
وجوده متقدّمة على هذه الحاجة العارضة عليها فحينئذٍ إمّا أن تحتاج ذات
المعلول إلى العلّة في وجوده المتقدّم على هذه الحاجة أو لا تحتاج إليها، فإن لم
تحتج إلى العلّة يلزم منه أن تكون واجبة الوجود بالذات، مع أنّ وجوب الوجود ينافي
المعلوليّة، هذا خلف.
و إن احتاجت إليها و المفروض أنّ الحاجة عارضة على ذات المعلول وجب أن تكون ذات
المعلول متقدّمة في وجوده أيضا على هذه الحاجة الثانية العارضة، ثمّ ننقل الكلام في
الذات المتقدّمة بالوجود على هذه الحاجة الثانية فيذهب الأمر إلى غيرالنهاية
فيتسلسل و هو محال.
و ذلك لأنّ هويّة المعلول قد امتلأت من الفقر إذ المعلول عين الحاجة و محض الفقر،
فيكون متعلّق الذات بالعلّة بتمام هويّته فلايوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً و إلاّ
كان المعلول محتاجا إلى العلّة في بعض حيثيّاته، فلايكون المعلول عين الحاجة بل
الحاجة حيثيّة من حيثيّاته وهذا خلف.
إذا عرفت هذا نقول لوكان ذات المعلول منفصلة عن ذات العلّة لكان في تذوّته مستقلاًّ
عن العلّة، فله استقلال بوجه مّا، لكن التالي باطل، لأنّ الاستقلال بوجه مّا ينافي
فقره بتمام هويّته وبجميع حيثيّاته المتّحدة معه ، فالمقدّم مثله فإذن ثبت أنّ
المعلول يتذوّت بذات العلّة لا بذات منفصلة عن ذات العلّة و هذا هو المطلوب.
العلّة الواحدة: هي الّتي معلولها لازم لشيء واحد كالغيم المستجمع لشرايط المطر فإنّ المطر لازم له وحده و العلّة الكثيرة هي الّتي معلولها لازم لأشياء مختلفة كالنار بالنسبة إلى الحرارة، فإنّ الحرارة ليست من لوازم النار وحدها.
كفصول الجواهر.
إعلم: أنّ مايتوقّف عليه المعلول إمّا أن يتوقّف على وجوده و هي العلل و الشروط،
فلابدّ من اجتماعهما مع المعلول أو يتوقّف على عدمه و هو المانع أو يتوقّف على عدمه
بعد وجوده و هو المعدّ فلا يجتمع المعلول معه و ذلك لأنّ المعدّ يوجب استعداد
المادّة أو الموضوع للشيء المفاض من الفاعل و الاستعداد للشيء هو كونه بالقوّة
فلايجامع وجوده بالفعل؛ و من هنا يعلم أنّ المعدّ ليس علّة حقيقيّة للمعلول، إذ
لوكانت علّة حقيقيّة له لزال المعلول بزواله بل المعدّ علّة للإستعداد.
الفرق بينهما أنّ الوجوب الغيريّ حال المعلول في نفسه مع قطع النظر عن اعتبار
العلّة و إن كان من جهة إعطاء العلّة و لذا لايحتاج تصوّره إلى تصوّر العلّة، بخلاف
الوجوب بالقياس، فإنّه حال المعلول مثلاً باعتبار قياسه إلى العلّة فما لم يعتبر
العقل العلّة بماهي علّة و لم يقس المعلول إليها لم يحكم بوجوبه عند وجودها.
و خلاصة القول: أنّ الأوّل وصف نفسيّ و الثاني وصف اضافيّ.
توضيحه: أنّه إذا توقّف وجود المعلول على وجود العلّة لزم منه أمران:
1. أنّ عدم العلّة التامّة علّة تامّة لعدم المعلول إذ لو لم يوجب عدم العلّة عدم
المعلول لجاز وجود المعلول مع عدم العلّة مع أنّ المفروض توقّف وجود المعلول على
وجود العلّة، هذا خلف.
2. أن يمتنع المعلول مع عدم العلّة التامّة، إذ لوجاز وجود المعلول مع عدم العلّة
لكان معناه عدم توقّف وجود المعلول على وجود العلّة وهو خلاف المفروض.
ثمّ لمّا ثبت في الأمر الأوّل أنّ « عدم العلّة التامّة » علّة تامّة و« عدم
المعلول » معلول لها نضعهما مكان العلّة التامّة و المعلول في الأمر الثاني فينتج
قولنا.
3. يمتنع « عدم المعلول » مع عدم « عدم العلّة التامّة».
ولمّا كان امتناع عدم المعلول هو وجوب وجود المعلول وعدم عدم العلّة التامّة هو
وجود العلّة التامّة، فيصير النتيجة هكذا.
4. يجب وجود المعلول مع وجود العلّة التامّة و هو المطلوب.
أقول: هنا إشكال و بيانه أنّه تقدّم في الفصل الثاني أنّ عدم العلّة سواء كانت علّة
تامّة أو ناقصة، علّة تامّة لعدم المعلول فبناءاً على هذا نقول:
1. إنّ عدم العلّة الناقصة علّة تامّة لعدم المعلول.
2. يمتنع المعلول مع عدم العلّة التامّة.
ثمّ نضع العلّة و المعلول في الأمر الأوّل مكان العلّة و المعلول في الأمر الثاني
فنقول:
3. يمتنع « عدم المعلول » مع عدم « عدم العلّة الناقصة» فينتج.
4. يجب وجود المعلول مع وجود العلّة الناقصة؛ مع أنّ العلّة الناقصة لايجب معها
المعلول.
ثمّ يمكن أن يجاب عنه بانّ العلّة التامّة لعدم المعلول هو عدم العلّة التامّة فقط
لا عدم العلّة مطلقا سواء كانت تامّة أو ناقصة، لكن لمّا كان عدم العلّة الناقصة
متّحد المصداق مع عدم العلّة التامّة أسندوا مجازا حكم عدم العلّة التّامّة إلى عدم
العلّة الناقصة فيقولون:
إنّ عدم العلّة الناقصة علّة تامّة لعدم المعلول.
و الفرق بين الفرضين: أنّ المعلول في الفرض الثاني يشترك مع علّته في بعض أزمنة وجود العلّة بخلاف الفرض الأوّل حيث لا اشتراك بينهما في الزمان أصلاً.
أي إنّ المقوّم و هو العلّة التامّة و المتقوّم و هو المعلول الرابط متضائفان، فإذا لم يوجد المتقوّم بعدُ وجب أن لايكون المقوّم موجودا أيضا مع أنّ المفروض وجود المقوّم بالفعل، هذا خلف.
إذ لو كان المعلول جائز الطرفين بعد تأثير الفاعل المختار التامّ العلّيّة لكان حال
المعلول قبل تأثير الفاعل و بعده سواء، أي إنّهما متساويان في الإحتياج إلى
المؤثّر؛
لأنّ إمكان الوقوع و اللاوقوع معيار الاحتياج إلى المؤثّر ـ كما تقدّم في محله ـ و
هذا الإمكان قبل التأثير وبعده موجود في المعلول على الفرض، فلو جاز أن يوجد
المعلول حال الاستواء بعد التأثير من غير احتياج إلى مؤثّر آخر (كما هوالمفروض،
لأنّ الفاعل المختار المفروض تامّ العلّيّة فلايحتاج إلى مؤثّر آخرينضمّ إليه) لجاز
من أوّل الأمر أن يوجد المعلول من غير احتياج إلى ذلك الفاعل المختار أيضا، فإذن
موجوديّة المعلول ليست ترتبط بالعلّة بل مستغنيّة و مستقلّة عنها و إذ لا ارتباط
واقعيّا بين المعلول و علّته، فجازت علّيّة كلّ شيء لكلّ شيء و معلوليّة كلّ شيء
لكلّ شيء.
أي لمّا قال المتكلّمون بحدوث العالم الزمانيّ و الحدوث في وقت دون وقت يستدعي مرجّحا يرجّح حدوث العالم في ذلك الوقت المعيّن، فيُسألون عن المرجّح للحدوث في ذلك الوقت، أجابوا تارة بأنّ فعل المختار لايحتاج إلى مرجّح وتارة بأنّ الإرادة أو العلم أو المصلحة مرجّحة.
لأنّه لو لم يقع ما علم أنّه سيقع أو وقع ما علم أنّه لا يقع، لكان علمه جهلاً، فإذن مرجّح الحدوث في ذلك الوقت المعيّن علمه بوقوعه في ذلك الوقت المعيّن.
الإجبار بما أنّه أثر صادر من الفعل يجب أن يكون متأخّرا عن الفعل و بما أنّ إيجاد الفاعل مستند إلى ذلك الإجبار يجب أن يكون مقدّما على الإيجاد المقدّم على الفعل، فلو أجبر الفعل الفاعل على إيجاد الفعل لتقدّم على نفسه بمراتب و هومحال، ثمّ في تفسير الاختيار بمافسّر ، كلام سيأتي في المرحلة الثانية عشرة.
لأنّ هذا الإيجاب إيجاب عن اللّه لا إيجاب على اللّه و هذا راجع إلى ما يقال: «الوجوب بالاختيار لاينافي الاختيار».
لأنّه ينجرّ إلى التناقض إذ مقتضى حدوث العالم حدوث الزمان و حدوث الزمان عبارة عن مسبوقيّة الزمان بالزمان، فلوكان الزمان حادثا لزم أن يكون الزمان موجودا قبل وجوده و هذا تناقض.
إذ الحدوث معتبرفيه الزمان فلو كان الزمان موهوما لكان الحدوث المعتبر فيه الزمان الموهوم موهوما أيضا.
فالزمان أزلّىّ بأزليّة ذات الواجب، فلايكون حادثا حتّى يرد عليه إشكال التناقض.
أي الزمان لوكان أزليّا لكان أصل دعويهم ( وهو أنّ ما سوى اللّه حادث ) باطلاً؛ لأنّ الزمان ممّا سوى اللّه فأزليّته اعتراف ببطلان حدوث ما سوى اللّه.
فإن قلت: ما تقدّم من «أنّ الممكن المتساوي الجانبين يحتاج في ترجّح أحد الجانبين
إلى مرجّح» يثبت احتياج الممكن إلى العلّة الفاعليّة و تجويز الترجيح بلا مرجّح
يرجع إلى إنكار احتياج الممكن إلى العلّة الغائيّة لا العلّة الفاعليّة، فما تقدّم
لا يفيد مطلوبكم.
قلت: لمّا كانت العلّة الغائيّة علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل، كان تجويز الترجيح
بلا مرجّح إنكارا لاحتياج الممكن إلى العلّة الفاعليّة فإنّ فاعليّة الهارب لترجيح
أحد الطرفين المتساويين مثلاً ممكن من الممكنات، فجاز وقوعها، و عدم وقوعها فيحتاج
في وقوعها إلى مرجّح يرجّح وقوعها مثلاً.
فإنّ الطريق إليه هو أنّ الممكن يحتاج في ترجّح أحد جانبيه إلى مرجّح فلو أبطلنا هذه القاعدة لم يمكننا إثبات الصانع فتدبّر.
بيانه: أنّ العلم بالشيء يستدعي وجود ذلك الشيء قبله، لأنّ العلم لا يتعلّق
بالمعدوم؛ فالعلم بالإمكان متأخّر عن وجود الإمكان و الإمكان متأخّر عن الماهيّة و
الماهيّة متأخّرة عن الوجود الذي تنتزع عنه و هو متأخّر عن المرجّح فالعلم بالإمكان
متأخّر عن المرجّح بمراتب، فلا يكون مرجّحا و إلاّ لتقدّم على نفسه بمراتب.
فإن قلت: هذا الإشكال وارد عليهم لو كان مرادهم من العلم العلم الانفعاليّ الذي هو
تابع للمعلوم بالعرض، و أمّا إن كان مرادهم منه العلم الفعليّ الذي قبل المعلوم
بالعرض فلايرد هذا الإشكال عليهم.
قلت: العلم الفعليّ المفروض إمّا أن يكون حادثا أو يكون قديما، فإن كان حادثا نقلنا
الكلام في مرجّح حدوثه، فيذهب الأمر إلى غير النهاية فيتسلسل؛ و إن كان قديما فإمّا
أن يكون عين ذات الواجب أو يكون زائدا عليها، فإن كان زائدا عليها وجب عليهم أن
يلتزموا بقديم آخر غير ذات الواجب و هو باطل عندهم، لأنّ ما سوى الذات حادث عندهم و
إن كان عين الذات رجع السؤال إلى أوّله أي نقول لهم أنّ العلم الّذيهو عين الذات
مثل الذات في كون الأزمنة المختلفة متساوية بالنسبة إليه، فما المرجّح لصدور الفعل
في ذلك الزمان الخاصّ؟
بيانه: أنّ مصلحة الشيء متوقّفة على وجود الشيء و وجود الشيء متوقّف على ترجيح المرجّح فالمصلحة متأخّرة عن المرجّح، فلاتكون مرجّحة و إلاّ لتقدّمت على نفسها.
أي ليس وراء مجموع العالم مصلحة حتى ترجّح حدوث العالم في وقت دون وقت و انّما يكون ورائه ذات الواجب فقط و ذات الواجب لا يترجّح بها وقت دون وقت، لأنّ الذات ليست زمانيّة حتّى يترحّج بها حدوث في وقت بل الأوقات كلّها بالنسبة إليها سواء.
أي نستنتج من ذات الواجب وجود أحد الممكنات و هو الإرادة.
توضيحه: إنّ الإرادة إذا كانت صفة فعليّة يجب أن تكون منتزعة من مقام الفعل و لمّا
كان الفعل متأخّرا عن مرتبة الذّات كانت الصفة المنتزعة منه متأخّرة أيضا عن الذات
زائدة عليها، فهذه الصفة الزائدة إمّا أن تكون واجبة أو ممكنة و الأوّل باطل، لأنّ
لازمه تعدد الواجب و الثاني يفتقر إلي العلّة، فإن كانت علّتها غير الواجب استلزم
واجبا آخر تنتهي إليه و هو محال و إن كانت علّتها الواجب بطل قولهم: « إنّ العلّة
هي الإرادة دون الذات» لأنّ الذات علّة للإرادة و الإرادة علّة للعالم و علّة
العلّة علّة، فالذات علّة لكلّ ما سواها.
و هذا محال لأنّ المعلول كما تقدّم عين الربط بالعلّة، لا أنّ ذاته شيء و ربطه و احتياجه الى العلّة شيء آخر، فإذن فرض وجود للمعلول بدون علّة يرتبط بها فرض شيء يسلب عنه نفسه و هو محال بالضرورة.
أي في الفصل الأوّل من هذه المرحلة.
الفرق بين هذا القول و القول السابق أنّ علّة الحاجة في هذا القول هي الإمكان مشروطا بالحدوث و القول السابق هي الحدوث فقط.
لأنّ الفقر عين وجود المعلول، فيكون سلب الفقرعنه سلب الشيء عن نفسه و هو محال.
أي إنّ حقيقته البسيطة هي بعينها عبارة عن كونه علّة لغيره لا أنّ هناك شيئين تحقّق
بأحدهما ذاته البسيطة و بالآخر عليّته للغير؛ إذ لو كان كذلك لم يكن بسيطا بل صار
مركّبا من ذات و صفة زائدة.
فإن قلت: الموجديّة والعلّيّة كما سيأتي من الصفات الفعليّة و الصفة الفعليّة
متأخّرة عن مرتبة الذات زائدة عليها فكيف تكون عين الذات.
قلت: سيأتي أيضا أنّ الصفات الفعليّة كلّها راجعة إلى الصفات الذاتيّة من حيث إنّ
لها أصلاً في الذات فإنّ كون الشيء بحيث يصدر عنه المعلول صفة ذاتيّة لا يتوقّف
تحقّقها على تحقّق المعلول فإذن الموجديّة بهذا المعنى تكون عين الذات.
إنّما تكون هذه السنخيّة ذاتيّة لأنّه لو لم تكن كذلك، بل كانت زائدة على ذات
العلّة للزم أن تكون نفسها معلولة للذات فاستدعت سنخيّة أخرى تخصّص صدورها عن ذات
العلّة ثمّ نقلنا الكلام في السنخيّة السابقة، فيتسلسل فإذن يجب أن تكون السنخيّة
ذاتيّة دفعا للتسلسل.
ثمّ قاعدة تسانخ العلّة و المعلول ممّا صرّح به الحكيم المطلق في قوله: «قل كل يعمل
علي شاكلته»(1)
بخلاف ما إذا رجعت إلى جهة واحدة فإنّ صدور هذا الكثير عن الواحد ممكن واقع كالصادر
الأوّل فإنّ وجوده البسيط الواحد وسيع جامع لجميع المراتب الإمكانيّة «وسع كرسيّه
السّموات و الأرض» فصدوره صدورجميع الممكنات.
حسن روى تو به يك جلوه كه در آينه كرد اين همه نقش در آيينهى أوهام افتاد
اين همه عكس مى و نقش مخالف كه نمود يك فروغ رخ ساقى است كه در جام افتاد
و بهذا البيان يندفع الاعتراض الآتي في القدرة المطلقة.
حاصل الاستدلال هو أنّ لكلّ علّة سنخيّة ذاتيّة مع معلولها تخصّص صدوره عنها، فلو
صدر عن العلّة الواحدة البسيطة معلولان مثلاً لوجب أن تكون في ذات العلّة سنخيّتان
متباينتان، فلا تكون ذات العلّة بسيطة و هذا خلاف المفروض.
أقول: في هذا الاستدلال نظر و بيانه يتوقّف على أمرين.
الأوّل كما أنّ المجعول بالذات هو الوجود كذلك الجاعل بالذات هوالوجود دون الغير و
على هذا، الجهتان اللّتان هما في ذات العلّة وتصحّحان صدور «الف» و «ب» مثلاً يجب
أن تكونا حيثيّتين وجوديّتين لا غير.
الثاني إنّ قاعدة «بسيط الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة» صريحة في أنّ جامعيّة
البسيط للوجودات لا تنافي بساطته الذاتيّة بل كانت مؤكّدة لوحدته و بساطته.
إذا عرفت هذين، فنقول: لا نسلّم بطلان التالي في البرهان المذكور، لأنّ الجهتين
المفروضتين في ذات العلّة المصحّحتين لصدور «الف» و «ب» يجب أن تكونا جهتين
وجوديّتين بحكم الأمر الأوّل؛ و الجهات الوجوديّة للبسيط الحقيقيّ لا ينافي بساطته
و وحدته الذاتيّة بحكم الأمر الثاني و حينئذٍ لا إشكال في صدور الكثير عن الواحد
البسيط، لأنّ الجهتين المفروضتين موجودتان في العلّة بوجود واحد من دون محذور
الخلف.
1. سورة الإسراء، آية 84، كما قيل في الفارسيّة: از كوزه برون همان تراود كه در اوست.
فإن قلت: إنّ المفروض في البحث هو أنّ المعاليل كثيرة متباينة بحيث لاترجع إلى جهة
واحدة و بناءاً على هذا، السنخيّة الموجودة في العلّة لكلّ معلول متباينة لسائر
السنخيّات، فلا ترجع إلى جهة واحدة و حينئذٍ لو صدر عن العلّة الواحدة البسيطة
معاليل متباينة للزم أن تكون العلّة ذات جهات متعدّدة غير راجعة إلى جهة واحدة و قد
فرض كونها ذات جهة واحدة و هذا خلف.
قلت: مباينة المعاليل و عدم رجوعها إلى وجود واحد لا تنافي كونها موجودة بوجود واحد
في مرتبة وجود العلّة، لأنّ المعلول بعد صدوره عن العلّة موجود بمرتبته الخاصّة ومن
المعلوم انّ كلّ معلول بمرتبته الخاصّة يباين ساير المعاليل بمراتبها الخاصّة
فالمراتب المتباينة و الحدودات المختلفة في المعاليل سبب لعدم رجوعها إلى جهة
واحدة، لكن هذه المراتب المتباينة المختلفة الّتي هي السبب لعدم رجوعها إلى جهة
واحدة غير موجودة في العلّة؛ لأنّ المعلول موجود في العلّة بمرتبة وجود العلّة لا
بمرتبة نفسه، فالمانع من الرجوع إلى الجهة الواحدة غيرموجود هناك و بالجملة
المتفرّقات في المراتب الدانية مجتمعات في المراتب العالية، فيمكن صدور أمور
متفرّقة غير راجعة إلى جهة واحدة عن أمر واحد بسيط.
ثمّ إنّه يمكن الاستدلال على القاعدة بوجه آخر بأن يقال: إنّ معلول كلّ علّة صرف
التعلق بتلك العلّة الخاصّة و صرف الشيء لايتثنّى و لا يتكرّر، فينتج من الشكل
الأوّل أنّ معلول كلّ علّة لايتثنّى و لا يتكرّر، أمّا الصغرى فلأنّ المعلول عين
التعلّق بعلّته الخاصّة كما تقدّم في الفصل الأوّل، فلو لم يكن صرف التعلّق بل كان
مشوبا بغير التعلّق لصار التعلّق جزءًا لهويّة المعلول لا عينا لها و هذا خلف ، و
أمّا الكبرى فلأنّ الصرف لو تكثّر لاحتاج كلّ منها، إلى ما به يمتاز عن غيره فلا
يكون شيء منهما صرفا و هذا خلف و أمّا النتيجة فحاصلة على الشكل الأوّل و هذا
البرهان لم أجده في كلمات القوم بل هو من فضل ربّي عليّ فله الحمد و له الشكر.
فإن قلت: صدور المعلول من العلّة إن كان محالا لزم أن لايصدر المعلول الواحد أيضا و
إن كان ممكنا، فمحذور تقيّد القدرة باقٍ على حاله.
قلت: المحال هوصدور الكثير بما هو كثير عن العلّة الواحدة لا صدور المعلول عنها
فللكثرة دخل في الاستحالة فصدور المعلول الواحد ليس بمحال فيتعلّق به القدرة بخلاف
صدور المعاليل الكثيرة.
ثمّ إنّ هيهنا جوابا أدقّ، بيانه: أنّ الصادر الأوّل معلول صرف (أي أنّ هويّته قد
امتلأت من حيثيّة المعلوليّة، فلايوجد فيها حيثيّة أخرى مغايرة لحيثيّته
المعلوليّة) و المعلول الصرف بوجوده الواحد وجود لكلّ المعاليل: فينتج من الشكل
الأوّل أنّ الصادر الأوّل بوجوده الواحد وجود لكلّ المعاليل.
أمّا الصغرى فلأنّ الصادر الأوّل لو وجد فيه حيثيّة أخرى مغايرة لحيثيّة معلوليّته
للزم أن لا يكون بتمامه صادرا عن الواجب مع أنّ المفروض أنّه صادر منه هذا خلف و
أيضا لو كان كذلك للزم أن يكون الصادر الأوّل مركّبا من جزئين مغايرين، فيكون وجوده
متأخّرا عنهما فليس هو صادرا أوّلاً بل يصير صادرا ثالثا لتأخّره عنهما و قد فرضنا
أنّه الصادر الأوّل هذا خلف، فإذن ثبت أنّ الصادر الأوّل معلول صرف.
و أمّا الكبرى فلأنّ المعلول الصرف لو لم يكن بوجوده الواحد وجودا لكلّ ما هو من
سنخه لكان ذاته متقوّمة من حيثيّة المعلوليّة و من عدم بعض ما هو من سنخه فلم يكن
صرفا في المعلوليّة و ذلك لتخلّل عدم ما هو من سنخ المعلوليّة في ذاته و من المعلوم
أنّ عدم مسانخ الشيء لا يكون مسانخا له فدخل فيها الأجنبيّ هذا خلف، فإذن ثبت أنّ
المعلول الصرف بوجوده الواحد وجود لكلّ المعاليل فإذا ثبت الصغرى و الكبرى ثبت
النتيجة و هي أنّ الصادر الأوّل بوجوده الواحد وجود لكلّ المعاليل فالأشياء الممكنة
الموجودة كلّها موجودة بوجوده الواحد الجامع فـ «بوجوده ثبتت الأرض و السّماء»؛(1)
و إلى هذه اللطيفة أشار قوله تعالى «و رحمتي وسعت كلّ شيء»(2) فإنّ الصادر الأوّل
هو الرحمة الواسعة الجامعة لكلّ شيء وهي الحقيقة المحمّديّة و الكرسيّ الذي وسع
السّموات و الأرض.
1 - راجع دعاء العديلة
2 - سورة الاعراف آية156
ثمّ إنّه إذا ثبت نتيجة القياس اندفع إشكال تقيّد القدرة المطلقة الواجبيّة و ذلك لأنّ الممكنات كلّها موجودة بنفس وجود الصادر الأوّل فلا شيء إلاّ أنّه معلول للواجب بعين معلوليّة وجود الصادر الأوّل للواجب.
لأنّه قدتقدّم أنّ من الواجب أن يكون بين المعلول و علّته سنخيّة ذاتيّة هي
المخصّصة لصدوره عنها، فإنّ هذه السنخيّة إن كانت في العلّة الاولى لايمكن صدور
المعلول عن العلّة الثانية و إن كانت في الثانية لايمكن صدوره عن الأولى و إن كانت
في مجموعهما لا يمكن صدوره عن كلّ واحدة منهما وحده و إن كانت في كلّ منهما ليس
المعلول صادرا عن الكثير بما هو كثير بل عن الكثير بما أنّه ذوجهة واحدة (و هي
السنخيّة المشتركة فيهما)، أضف إلى هذا أنّ الفرض الأخير محال لأنّ المعلول الواحد
الشخصيّ يستدعي سنخيّة ذاتيّة شخصيّة؛ إذ القدر المشترك بين الفردين مبهم و بالمبهم
لايتعيّن الشيء، فإذن يجب أن تكون السنخيّة المخصّصة أمرا شخصيّا، فهذا المخصّص
الشخصيّ إن كان في العلّة الأولى لا يمكن أن يكون في الثانية و إن كان في الثانية
لا يمكن أن يكون في الأولى.
حجّة اخرى: إنّ وجود المعلول عين الارتباط بالعلّة و الارتباط يتكثّر بتكثّر طرفه و
لمّا كان طرف الارتباط وهو العلّة متكثّرا كما هو المفروض كان الارتباط متكثّرا
أيضا مع أنّ المفروض أنّ المعلول و هو الارتباط واحد هذا خلف.
كالغضب.
فالهيولى الشخصيّة مستندة إلى وجود شخصيّ و هو المفارق و السنخيّة الذاتيّة المعتبرة بين المعلول و العلّة موجودة هنا بين الهيولى و المفارق؛ لأنّه المفيض للهيولى، و كثرة الصور المتواردة لا تضرّ لانّ الصور الكثيرة بما هي كثيرة لا تكون شريكة العلّة بل الّتي هي شريكة العلّة هي صورة مّا و صوره مّا و إن كانت وحدتها نوعيّة و وجودها ضعيفا إلاّ أنّ وجود الهيولى أيضا في غاية الضعف فيجوز استناد هذا الضعيف إلى ذلك الضعيف.
إشارة إلى أنّ الجواب المذكور انّما هو مبنيّ على نظريّة الكون و الفساد و أمّا بناءاً على الحركة الجوهريّة، فالإشكال غير وارد من أصله، لأنّ الصور موجودة بوجود واحد متّصل فلا كثرة واقعا في العلّة حتى يقال: إنّ العلّة متكثّرة و المعلول واحد بل العلّة واحدة بالشخص.
تقدّم أنّ هذا الفرض ممّا لايمكن لأنّ المعلول الواحد الشخصيّ يستدعي سنخيةّ ذاتيّة شخصيّة، إذ جهة الوحدة و هو القدر المشترك بين أمور كثيرة مبهمة و بالمبهم لا يتعيّن الشيء.
الفرع الثانيعين الفرع الأوّل مآلاً إلاّ أنّ الأوّل بصدد بيان حكم العلّة و الثاني بصدد حكم المعلول.
بصيغة اسم المفعول صفة للواحد ثمّ بيان التناقض هو أنّ العلّة لمّا فرضت متكثّرة
كانت السنخيّة الذاتيّة، فيها متكثّرة أيضا، فكلّ منها يستلزم معلولاً مسانخا لها،
فالمعلول يجب أن يكون متكثّرا حسب تكثّر السنخيّات الّتي في العلل فليس واحدا مع
أنّه واحد بحسب الفرض و هذا هو التناقض.
عرّفوا الدور بتعريفين الأوّل تعريفه بذاتيّاته فقالوا الدور توقّف وجود الشيء على ما يتوقّف وجوده عليه إمّا بلا واسطة أو مع الواسطة، الثاني تعريفه بلازمه فقالوا الدور تقدّم الشيء على نفسه إمّا بمرتبتين و هو الدور المصرّح و إمّا بمراتب و هو الدور المضمر.
هذه الشروط الثلاثة سيأتي البحث عنها في آخر الفصل.
هذا البرهان أقامه المصنف وتوضيحه أنّ وجود المعلول وجود رابط بالنسبة إلى علّته
المفيضة كما تقدّم فهو من شؤون وجود علّته المفيضة فللعلّة و المعلول وجود واحد و
التفاوت بالمرتبة فبناءاً على هذا لو فرضنا سلسلة من العلل و المعاليل لكان كلّها
موجودا بوجود واحد ذي مراتب.
ثمّ هذا الوجود الواحد إن كان ينتهي إلى مرتبة مستقلّة غير معلولة فهو المطلوب و إن
لم ينته إليها بل المراتب كلّها غير مستقلّة لزم أن يكون هذا الوجود الواحد الجامع
للمراتب عين الربط (إذ وجود المراتب السافلة ينطوي في وجود المرتبة الّتي فوقها و
المرتبة الّتي فوقها حقيقة ربطيّة فهذه المرتبة و المراتب المنطوية فيها حقيقة
ربطيّة واحدة وهكذا الأمرفي مجموع السلسلة، فمجموع السلسلة حقيقة ربطيّة
واحدة) لكن تحقّق حقيقة ربطيّة بدون تحقّق ذي ربط مستقلّ ترتبط به محال، فتحقّق هذا
الوجود الربطيّ الجامع محال، فإذن يلزم من التسلسل نفي الوجود كلّه و هو ضروري
البطلان.
توضيح هذا البرهان يتوقّف على أمور:
الأوّل أنّ الوسط ما كان مؤخّرا بالنسبة إلى شيء و مقدّما بالنسبة إلى شيء آخر.
الثاني أنّ كلّ واحد من آحاد السلسلة غير المعلول الأخير و غير العلّة الأولى إن
ثبت وجودها، معلول من جهة وعلّة من جهة أخرى لأنّ كلّ واحد منها معلول لما قبله و
علّة لما بعده.
الثالث أنّ ما كان معلولاً لشيء وعلّة لشيء آخر يكون وسطا بين الشيئين، لأنّه
باعتبار أنّه معلول للشي الأوّل يكون مؤخّرا بالنسبة إليه و باعتبار أنّه علّة
للشيء الثاني يكون مقدّما بالنسبة إليه فيكون وسطا بينهما.
إذا تبيّنت هذه الأمور فنقول: إنّ سلسلة العلل و المعاليل إمّا أن تنتهي إلى علّة
غير معلولة و إمّا أن لا ينتهي إليها؛ فعلى الأوّل ثبت المطلوب، و على الثاني نقول:
إنّ مجموع الآحاد بجملته غير المعلول الأخير علّة و معلول، أمّا انّه علّة فلأنّ
هذا المجموع علّة للمعلول الأخير إذ لولاه لم يكن و أمّا أنّه معلول فلأنّ هذا
المجموع يحتاج إلى أجزائه، فلا يكون واجبا بالذّات و إذا لم يكن واجبا بالذّات
فلابدّ أن يكون معلولاً لعلّة فثبت أنّ المجموع غير المعلول الأخير علّة باعتبار، و
معلول باعتبار فباعتبار أنّه علّة يكون مقدّما و باعتبار أنّه معلول يكون مؤخّرا،
فيكون المجموع وسطا على ما تقدّم في الأمر الثالث و الوسط لا يتحقّق إلاّ مع
الطرفين، فوسطيّة المجموع تستدعي الطرفين لكن أحد الطرفين و هو المعلول الأخير
متحقّق، فيجب تحقّق الطرف الآخر و هو ما كان علّة و غير معلول و بهذا تنتهي
السلسلة.
توضيحه: أنّ سلسلة العلل و المعاليل لو لم تنته إلى علّة غير معلولة لكان وجود كلّ
فرد من أفراد السلسلة مشروطا بوجود فرد سابق عليه، و بعبارة أخرى: لو لم
تنته السلسلة إلى علّة غيرمعلولة لكان وجود كلّ موجود مشروطا بأن لايكون فردا
أوّلاً في السلسلة، لكن هذا الشرط لايتحقّق أبدا فلا يتحقّق شيء أصلاً؛ إذ بناءاً
على أنّ كلّ موجود يسبقه موجود آخر فليس في الوجود كلّه موجود يتّصف بكونه فردا
أوّلاً و إذا لم يكن هناك موجود يتّصف بكونه فردا أوّلاً لا يمكن أن يوجد شيء يتّصف
بكونه فردا غير اوّل لأنّ رتبة تحقّق غير الأوّل بعد تحقّق الفرد الأوّل، فإذا لم
يتحقّق الفرد الأوّل كما هو المفروض لاتصل النوبة إلى تحقّق غير الأوّل.
بعبارة أخرى: السابق المطلق أقدم وجوده من السابق النسبيّ؛ لأنّ السابق النسبيّ و
إن كان مقدّما بالنسبة إلى ما بعده، لكنّه مؤخّر بالنسبة إلى ما قبله فله مرتبة من
التأخّر، لكن السابق المطلق ليس فيه مرتبة من التأخّر و إلاّ ليس سابقا مطلقا، فإذن
لولم يوجد في السلسلة، السابق المطلق لاتصل النوبة إلى وجود السابق النسبيّ الذي هو
مؤخّر وجوده عن السابق المطلق، فعلى هذا يلزم من عدم انتهاء السلسلة إلى علّة غير
معلولة (و هو السابق المطلق ) نفي الوجود كلّه، لكن هناك أشياء موجودة بالضرورة
فيجب انتهاء السلسلة إلى علّة غيرمعلولة و هو المطلوب.
ثمّ لمزيد البيان نضرب مثالا: فإنّا إذا فرضنا عدّة من الأفراد في سجن ثم عزموا أن
يخرجوا من السجن لكن كلّ منهم شرط أن لايكون أوّل من خرج، فحينئذٍ لو كان كلّ منهم
ملتزما بهذا الشرط لايمكن أن يخرج من السجن أيّ فرد منهم، فإذا رأينا أنّهم خارجون
من السجن، فيجب علينا أن نحكم أنّ احدا منهم على الأقلّ نقض هذا الشرط فليس خروجه
مشروطا بخروج غيره، هذا في المثال و كذا الأمر فيما نحن فيه فإنّ كلّ شيء لو كان
وجوده مشروطا بوجود شيء سابق عليه لكان اللازم منه أن لا يوجد شيء أصلاً، فإذا
رأينا أنّ هناك أشياء موجودة، فيجب علينا أن نحكم بأنّ وجود شيء منها على الأقلّ
غير مشروط بوجود غيره وهو المطلوب.
يمكن أن يستدلّ على بطلان التسلسل بحجج سديدة أخرى. منها أنّه تقدّم أنّ احتياج
المعلول إلى العلّة عين وجود المعلول لا أمر عارض عليه فإذن إذا فرضنا سلسلة من
العلل و المعاليل فإمّا أن يكون الاحتياج إلى العلّة شرطا لوجود كلّ شيء
أو لا يكون شرطا له؛ فإن لم يكن شرطا له بأن يوجد في السلسلة شيء غير محتاج إلى
العلّة فالمطلوب ثابت، إذ بذلك الشيء تنتهي السلسلة؛ و إن كان الاحتياج إلى العلّة
شرطا لوجود كلّ شيء لزم تقدّم الشيء على نفسه، لأنّ الاحتياج إلى العلّة نفس وجود
الشيء فلو جعل الاحتياج إلى العلّة شرطا لوجوده للزم أن يكون الشيء شرطا لنفسه و هو
محال لأنّه تقدّم الشيء علي نفسه.
فإن قلت: هذا الدليل جارٍ و لو فرضنا أنّ السلسلة متناهية.
قلت: نعم هذا الدليل يبطل التعدّد في الوجود مطلقا لكن بطلان التعدّد مطلقا بطلان
للتسلسل أيضا.
منها، أنّ المعلول الأخير مؤخّر مطلقا أي لا يوجد شيء في السلسلة إلاّ أنّ المعلول
الأخير مؤخّر عنه فهو المؤخّر المطلق و المؤخّر المطلق يستدعي المقدّم المطلق لأنّ
المتضائفين متكافئان في جميع الأمور، فالمؤخّر المطلق يستدعي المقدّم المطلق أي
المعلول الأخير الذي يتأخّر دائما عن جميع ما في السلسلة يستدعي شيئا يتقدّم دائما
على جميع ما في السلسلة و بذلك ينتهي السلسلة.
منها: ما ذكرناه في تعليقتنا على بداية الحكمة، فراجع إن شئت.
هذان الشرطان ينحلاّن إلى أربعة شروط: الأوّل الترتّب، و الثاني الاجتماع في الوجود، و الثالث الفعليّة، و الرابع اتّحاد جهة ذهاب السلسلة و جهة الترتّب و الاجتماع في الوجود.
أي المعلول في أي مرتبة من مراتب الواقع تحقّق تحقّقت العلّة في نفس تلك المرتبة و ذلك لأنّ شيئيّة المعلول بنفس شيئيّة علّته لا بشيئيّة أخرى، فلا يمكن أن يتحقّق المعلول في مرتبة من مراتب الواقع إلاّ بتحقّق العلّة في تلك المرتبة و إلاّ كان المعلول مستقلاًّ في شيئيّته و هو باطل كما تقدّم فإذن العلّة مجتمعة الوجود في مرتبة معلولها بخلاف المعلول، فإنّ المعلول لايكون في مرتبة علّته و لا يتحقّق في أفق وجودها؛ لأنّ المعلول أضعف وجودا من العلّة فلايكون في مرتبة علّته فهو غير مجتمع في مرتبة علّته.
جريان البرهانين في صورة التصاعد وجريان برهان الشيخ في صورة التنازل صحيح، لا غبار
عليه؛ أمّا جريان برهان الفارابيّ في صورة التنازل ففيه تأمّل.
أمّا جريان البرهانين في صورة التصاعد فلما تقدّم في بيان استحالة التسلسل في العلل
و أمّا جريان برهان الشيخ في صورة التنازل فلأنّه لو ترتّب معلول على علّة ثمّ
معلول المعلول على المعلول و هكذا إلى غير النهاية لكان جميع مايكون علّة و
معلولاً، وسطا ـ لما تقدّم في صورة التصاعد ـ و الوسط يستدعي الطرفين، لكن أحد
الطرفين موجود على الفرض و هو العلّة الأولى فيجب أن يكون الطرف الاخر موجودا أيضا
و هو المعلول المحض؛ إذ لو لم ينته السلسلة إلى معلول محض لتحقّق الوسط بدون الطرف
و هو محال.
و أمّا وجه التأمّل في برهان الفارابيّ في صورة التنازل. فلأنّ وجود اللاحق مشروط
بوجود السابق و لذا يلزم من عدم السابق المطلق عدم الوجودات اللاّحقة ـ كما تقدّم
توضيحه في صورة التصاعد ـ لكن وجود السابق ليس مشروطا بوجود اللاحق حتّى يلزم من
عدم اللاحق المطلق (و هو المعلول الّذيليس علّة) عدم الوجودات السابقة، اللّهمّ
إلاّ أن يرجع برهان الفارابيّ إلى نوع من برهان التضايف بأن يقال ـ مثلاً ـ :
السابق المطلق و اللاحق المطلق متضائفان فلو لم يوجد في السلسلة اللاحق المطلق لم
يوجد السابق المطلق و لو لم يوجد السابق المطلق لم يوجد شيء أصلاً، مع أنّ هناك
أشياء موجودة هذا خلف، لكن ليعلم أنّ برهان التضايف بأشكاله مغاير لبرهان
الفارابيّ، فتدبّر.
أقول: ليس مراد المحقّق الدّاماد من الاجتماع في الوجود ما توهّمه المصنّف من قاعدة «وجوب وجود المعلول عند وجود العلّة التامّة» و قاعدة «وجوب وجود العلّة عند وجود المعلول» حتّى يرد على المحقّق إشكال المصنّف بأنّ الاجتماع كما يتحقّق في صورة التصاعد يتحقّق في صورة التنازل إذا كانت العلل المفروضة فيها تامّة، بل مراد المحقّق من الاجتماع في الوجود ما تقدّم آنفا من أنّ المعلول في أيّ مرتبة تحقّق تحقّقت العلّة في نفس تلك المرتبة و ذلك لأنّ شيئيّة المعلول بنفس شيئيّة علّته فتحقّق المعلول في أيّ مرتبة بنفس تحقّق العلّة في تلك المرتبة(1) فإذن العلّة مجتمعة الوجود في مرتبة معلولها بخلاف المعلول، فإنّه لايكون في مرتبة علّته و لا يتحقّق في أفق وجودها فهو غير مجتمع الوجود في مرتبة علّته، فإذن شرط الاجتماع في الوجود موجود في السلسلة المتصاعدة وغيرموجود في السلسلة المتنازلة، فإشكال المصنّف غير وارد على المحقّق، أضف إلى هذا أنّ المحقّق قد جعل اتّحاد جهة ذهاب السلسلة و جهة الترتّب و الاجتماع من شروط الاستحالة و هذا الشرط موجود في السلسلة المتصاعدة فقط، لأنّ جهة اللانهاية فيها إلى الفوق و جهة الاجتماع و الترتّب كذلك إلى الفوق، فالجهات متوافقة (إذ كلّ معلول يتوقّف على علّته و علّته فوقه لا دونه فهو مترتّب على ما فوقه لا على ما دونه و كذا العالي يجتمع مع السافل بخلاف العكس ـ كما تقدّم ـ فالاجتماع للعالي لا للسافل، فجهة الاجتماع إلى الفوق و هي جهة اللانهاية) لكن هذا الشرط غير موجود في السلسلة المتنازلة فإذن هذا الشرط أيضا غير موجود في السلسلة المتنازلة، فلا يجري فيها أدلّة استحالة التسلسل فإشكال المصنّف غير وارد، نعم يمكن الإشكال على المحقّق بأنّ جريان أدلّة التسلسل غير متوقّف على الإجتماع بهذا النحو و على اتّحاد الجهة فتدبّر.
1. و هذا هو الذي يعبّر عنه بالمعيّة القيومية.
ثمّ لمزيد التوضيح و البيان ننقل كلام المحقّق حتّى تعرف ما أوضحناه، فإنّه قال:
«نقول في صورة التصاعد تكون العلل المترتّبة المتصاعدة إلى لانهاية مجتمعة الحصول
بأسرها لا محالة في مرتبة ذات المعلول الأخير، فيكون الترتّب و الاجتماع في الوجود
جميعا في جهة اللانهاية فأمّا في صورة التنازل فالمعلولات المترتّبة لا تكون
متحقّقة في مرتبة ذات العلّة أ ليس المعلول لا يتصحّح له الوجود في مرتبة ذات
العلّة على خلاف الأمر في العلّة؟ فإنّها واجبة الوجود في مرتبة ذات المعلول بتّة
فإذن ليس يتحقّق شيء من المعلولات في مرتبة ذات شيء من العلل فضلاً عن تحقّق
المعلولات
الغير المتناهية في مرتبة ذات العلّة فإذن في المعلولات المرتبة إلى لانهاية تكون
اللانهاية جهة، هي جهة الترامي و التنازل، و الترتّب و الاجتماع في الوجود بالفعل
في جهة أخرى خلاف تلك الجهة و هي جهة التراقي والتصاعد فليتبصر».(1)
مثلاً إنّ كلّ جسم ينقسم إلى غير النهاية بمعنى لايقف، أي إنّ عدد أجزائه الموجودة بالفعل بعد كلّ انقسام متناهٍ دائما و إن كانت المراتب العالية الذاهبة إلى غيرالنهاية موجودة بالقوّة، فهذا التسلسل ليس بمستحيل إذ ليس فيه سلسلة غير متناهية بالفعل.
اعتبار هذا الشرط في جريان كلّ من البراهين ممنوع، فإنّ بعضها جارٍ و إن لم يعتبر فيه هذا الشرط كبرهان التطبيق الذي أخترعه المحقق الطوسيّ و لذا جرى نفسه هذا البرهان في إثبات تناهي الحوادث الماضية المتعاقبة.(2) و كبرهان الفارابي فإنّ حاصل هذا البرهان عبارة عن أنّ الوجودات اللاحقة مشروطة بوجود السابق المطلق فلولم يتحقّق السابق المطلق لم يتحقّق شيء أصلاً و من المعلوم أنّ هذا المعنى موجود في الأمور المترتّبة المتعاقبة في الأزمنة المختلفة فلو كان هناك أمور غير متناهية بالفعل بحيث يتوقّف بعضها على بعض لجرى فيه هذا البرهان، نعم اعتبار هذا الشرط في برهان المصنّف رحمهالله لازم، لأنّ هذا البرهان يعتمد على الوجود الرابط و الوجود الرابط لا يمكن تحقّقه إلاّ مع تحقّق ما يرتبط به، و كذا في برهان الشيخ، لأنّ هذا البرهان يعتمد على أنّ مجموع ما كان علّة و معلولاً وسط، فإذا لم يكن أفراد المجموعة مجتمعة في الوجود لم يتحقّق هناك وسط حتّى يجري فيه البرهان، لأنّ ثبوت الوسطيّة للمجموعة فرع ثبوت المجموعة و المفروض أنّ المجموعة لاتوجد في زمانٍ مّا.
1. راجع: القبسات، ص 234 و راجع أيضا ص 184.
2 . نقد المحصّل، ص 209؛ و الأسفار: 2 / 151.
ثمّ إنّ الفلاسفة اعتبروا هذا الشرط حذرا من لزوم الحدوث الزمانيّ للعالم المادّيّ كما يعتقده المتكلّمون لكن دفع مزعمة الحدوث بمعنى كون العالم مسبوقا بالعدم الزمانيّ لا يتوقّف على اعتبار هذا الشرط في أدلّة بطلان التسلسل، فإنّ العالم المادّيّ لا يكون حادثا زمانيّا و إن كان التسلسل في الأمور المتعاقبة غير المتناهية محالا؛ و ذلك لأنّ مجموع العالم المادّيّ حقيقة واحدة سيّالة كما سيأتي و الكثرة في الحقيقة السيّالة ليست بالفعل بل بالفرض، فليس في العالم المادّيّ حوادث متكثّرة بالفعل فضلاً عن كونها غير متناهية حتّى يجري فيه البراهين.
إذ لولا الترتّب بين الأجزاء لم يكن هناك سلسلة حقيقيّة بل هناك موجودات متفرّقة، و حيث إنّ البراهين السابقة تتوقّف على الترتّب كبرهان الفارابيّ أو على ما يتوقّف علي الترتّب كالوسطيّة و الربطيّة لايجري هناك تلك البراهين.
تصوير التسلسل في العلّة الغائية بأن يكون للفاعل الواحد في فعل واحد غاية بعد غاية
إلى غير النهاية بأن يمشي زيد مثلاً ليصل إلى السوق و يصل إلى السوق ليشتري المتاع
و يشتري المتاع ليأكله و يأكله ليشبع و يشبع ليتقوّي و يتقوّي ليستعدّ لجلب الخير و
دفع الشرّ و هكذا إلى غير النهاية.
إذ لو اتّصفت الماهيّة بشأن المرجّح لكانت معطية ومعطي الشيء واجد له و إذا كان واجدا لم تحتج إلى مرجّح يعطيها ذلك الشيء.
قال في المنجد: «استسمنت ذا ورم أي حسبت المتورّم سمينا و استعظمت ما ليس عظيما، يضرب لمن يغترّ بالظاهر المخالف حقيقة الواقع».(1)
1. راجع: المنجد، باب الأمثال. 2) ص 118. 3) ج 2، ص 222.
و هو المحقّق السبزواريّ في شرح منظومته و في تعليقاته على الأسفار.
بعد أن يكون من شأنه إرادة ذلك الفعل و عدمه.
علمه و فعله متغايران مفهوما متّحدان مصداقا، فباعتبار التغاير المفهوميّ صحّ أن يقال: إنّ أحدهما في مرتبة الاخر أي انّهما معان، فليس العلم مقدّما على الفعل بخلاف الفاعل بالقصد مثلاً حيث إنّ العلم فيه قبل الفعل و باعتبار الاتّحاد المصداقيّ صحّ أن يقال إنّ علمه عين فعله.
النفس في مرتبة القوى الطبيعيّة عادمة للشعور فليس لها في هذه المرتبة علم بفعلها و ذلك كالقوّة الهاضمة، فإنّها تفعل أفعالها من غير دخل العلم فيها.
لمّا كان علمه بفعله عين فعله كان هذا العلم علما حضوريّا و تفصيل علمه عبارة عن امتياز كلّ فعل عن غيره في الوجود.
العلم الإجماليّ عبارة عن البساطة الوجوديّة و عدم تميّز بعض المعلومات عن بعض في مرتبة ذات الفاعل، فإنّ الفاعل لمّا كان واجدا لفعله في مرتبة ذاته و ذاته حاضرة لذاته معلومة لهاكان فعله المنطوي في ذاته معلوما لها أيضا، لكن هذا العلم ليس ممتاز الوجود عن وجود الذات و عن وجود ساير الأفعال المعلومة في مرتبة الذات بل كلّها موجود بوجود واحد بسيط واجد للأفعال كلّها و هو وجود الذات فأفعالها معلومة لها بعلمه بذاته علما اجماليّا؛ و الحاصل أنّ الفاعل بالرضا له علمان بفعله: أحدهما إجماليّ و هو عين الفاعل و ثانيهما تفصيليّ و هو عين الفعل الصادرعن الفاعل.
لأنّ تلك الصور معلومة بالعلم الحضوريّ لا بحصول صور عنها و إلاّ لكان معلوميّة صور تلك الصور بصور أخرى أيضا فيتسلسل و هو محال، فإذن معلوميّتها عين وجوداتها.
إنّ علم الواجب تعالى بالأشياء عندهم ليس بحصول صورها و ارتسامها بل بحضور واقعيّاتها الخارجيّة عنده، فعلى هذا ما من موجود صادر عنه تعالى إلاّ و هو عين علمه تعالى.
فإنّهم قائلون بأنّ علم الواجب بالأشياء ـ الذي هو بحصول صورها و ارتسامها ـ زائد على الذات، سابق على الفعل، منشأ لصدوره عنه بلا داع زائد.
الإجمال هنا كالإجمال في الفاعل بالرضا بمعنى البساطة الوجوديّة و عدم تميّز بعض
المعلومات عن بعض في مرتبة ذات الفاعل لكن بين التفصيل هنا و التفصيل في الفاعل
بالرضا فرق؛ لأنّ التفصيل هنا عبارة عن جامعيّة وجود الفاعل في مرتبة ذاته لوجود
أفعاله، فالأفعال كلّها موجودة في مرتبة ذات الفاعل بعين وجوده الجمعيّ
البسيط و التفصيل هناك بمعنى تميّز بعض الأفعال عن بعض، ثمّ المراد بالعلم
التفصيليّ هنا عبارة عن معلوميّة الأفعال كلّها بخصوصيّاتها الّتي بها هي هي بعين
معلوميّة ذات الفاعل لذاته.
توضيح ذلك يتوقّف على أمرين: الأوّل أنّ وجود الفاعل بوحدته جامع لوجود أفعاله،
فأفعاله كلّها موجودة في مرتبة ذات الفاعل بعين وجوده الجمعيّ.
الثاني أنّ التشخّص مساوق للوجود يدور حيثما دار الوجود؛ و بناءاً على هذا إذا كانت
الأفعال موجودة في مرتبة ذات الفاعل بعين وجوده الجمعيّ البسيط كان تشخّصاتها الّتي
بها يكون كلّ فعل هو هو، موجودة أيضاً بعين تشخّص ذات الفاعل و إلاّ بطل التساوق
بينهما، هذا خلف.
إذا عرفت هذا نقول: إذا كان الفاعل عالما بذاته بحضور ذاته لذاته كان عالما بأفعاله
بخصوصيّاتها الّتي بها هي هي بعين علمه بذاته؛ إذ خصوصيّة كلّ فعل ـ أي ما كان به
الفعل ذلك الفعل المتشخّص الخاصّ ـ حاضرة لذات الفاعل بحضور ذات الفاعل لذاته فتلك
الخصوصيّة معلومة للفاعل بعين معلوميّة ذات الفاعل لذاته و هذه المعلوميّة هي
المراد بالعلم التفصيليّ هنا.
إشارة إلى أنّ التفصيل هنا مغاير للتفصيل في الفاعل بالرضا، فإنّ التفصيل هنا عبارة عن شامليّة وجود الفاعل للوجودات المعلومة في مرتبة ذاته ـ كماتقدّم .
أي في الفصل الحادي عشر من المرحلة الثانية عشر و حاصله أنّه تعالى بسيط من كلّ
الوجوه و ما كان كذلك لايشذّ عن سعة وجوده وجود، فهو كلّ الأشياء الوجوديّة أي إنّه
على بساطته واجد في مرتبة ذاته لكلّ الوجودات، إذ لو لم يكن كذلك لكانت ذاته
متحصّلة القوام من وجدان شيء و فقدان شيء آخر، فتتركّب ذاته من حيثيّتين مختلفتين و
قد فرض أنّها بسيطة من كلّ الوجوه، هذا خلف فثبت أنّ ذاته البسيطة شاملة لكلّ
الوجودات و هذا هوالتفصيل المراد هنا.
ثمّ إنّ الوجودات فيها غير متميّز بعضها عن بعض و إلاّ لكانت الذات مركّبة من
وجودات كثيرة و قد فرض أنّها بسيطة فثبت أيضا أنّ الوجودات الّتي لاتشذّ عن سعة
وجوده البسيط ، غير متميّز بعضها عن بعض و هذا هو الإجمال المراد هنا.
فإذن الواجب إذا كان بحضور ذاته لذاته عالما بذاته البسيطة (و هو العلم الإجماليّ)
كان عالما بنفس ذلك العلم بكلّ الوجودات (و هو العلم التفصيليّ) إذ الذات على
بساطتها واجدة لكلّ الوجودات فحضور الأشياء لذاته عين حضور ذاته لذاته، فثبت أنّ له
تعالى علما اجماليّا بالأشياء في عين الكشف التفصيليّ.
أقول: في كون الفاعل بالقسر نوعا مباينا للفاعل بالطبع نظر أيضا؛ فإنّ الفعل ملائم لطبع فاعله دائما و ذلك للسنخيّة الذاتيّة بينهما، نعم الفعل غير ملائم للطبيعة الأولى الّتي للفاعل قبل قسر القاسر لكن تلك الطبيعة ليست فاعلة حقيقة و إنّما الفاعل بالحقيقة شيء جديد مركّب من الطبيعة السابقة و القاسر و الفعل ملائم له.
الحاصل أنّ للفاعل بالجبركالفاعل بالقصد تصديقا برجحان الفعل، يوجب أن يتحقّق الفعل
بإرادته و اختياره و لا فرق حقيقيّا فلسفيّا بين أن يكون حصول التصديق مستندا إلى
طبع الأمر كما في الفاعل بالقصد أو إلى إجبار مجبر كما في الفاعل بالجبر.
نعم العقلاء فرقّوا بينهما بحسب الوضع و الاعتبار حفظا لمصلحة الاجتماع و رعاية
لقوانينهم الجارية لكن هذا المقدار لا يوجب فرقا نوعيّا بينهما.
اقتباس من قوله تعالى «فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه»(1)
1. سورة الكهف، آية 77.
حاصله: أنّا نمنع أن لايكون في الفاعل بالعناية داع زائد على العلم بل الداعي
الزائد موجود فيه و هو التخلّص عن ألم الخوف في المثال المذكور؛ و الدليل على
الاحتياج إلى الداعي الزائد هو أنّ البنّاء و إن تصوّر السقوط لكنّه لايسقط و هذا
كاشف عن أنّ تصوّر السقوط غير كافٍ للسقوط بل يحتاج إلى داع زائد و هو
التخلّص عن ألم الخوف مثلاً، إذ لو كان كافيا لا يمكن أن يختلف الأمر في الخائف و
في البنّاء بل يحب أن يكون الأمر فيهما سواء.
أقول: هذه مناقشة في المثال و لم ينف مطلق الفاعل بالعناية فإنّ غاية ما يثبت بهذا
البيان هو أنّ هذا المثال ليس من أفراد الفاعل بالعناية لكن الفاعل بالعناية
لاينحصر في هذا المثال، فإذن نفي الفاعل بالعناية يستدعي دليلاً آخر.
لمّا جاز أن يعترض عليه بأنّا نمنع أن يكون التخلّص عن ألم الخوف داعيا، إذ العاقل
يعلم أنّ ضرر نفس السقوط أكثر من ضرر ألم الخوف، فلم يقصد السقوط للتخلّص عن ألم
خوف السقوط، أجاب عنه بأنّ الداعي أعمّ من أن يكون عقلائيّا أو لايكون و خلوّ
السقوط عن الداعي العقلائيّ لايوجب خلوّه عن مطلق الدّاعي.
عقد هذا الفصل لإثبات التوحيد الأفعاليّ خلافاً للمعتزلة حيث زعموا أنّ استناد الأفعال إلى العباد على وجه الاستقلال و لم يتفطّنوا أنّه شرك بل هولاء أعظم شركا من الثنويّة لأنّهم قالوا بشريك واحد له تعالى و أسندوا الشرور إليه و المعتزلة قالوا بتعدّد الشركاء بعدد الفاعلين، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
إذ تقدّم أنّ ذاته تعالى محض الوجود، فتكون ذاته محض الوحدة (بحكم التساوق بين الوجود و الوحدة) فيكون واحدا بالوحدة الحقّة، و الواحد بالوحدة الحقّة لايتثنّى و لا يتكرّر، إذ لو تكرّر لامتاز كلّ منهما بشيء ليس في الآخر فلا يكون شيء منهما محض الوجود و الوحدة و هذا خلف ثمّ إنّ المصنّف قد ذكر هذه المقدّمة لبيان أنّ الممكنات لا تنتهي إلى المبدئين المستقلّين كما يقول به الثنويّة.
لأنّ المعلول عين الحاجة إلى العلّة و محض الربط بها ـ كما تقدّم بيانه مرارا ـ
فلايوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً و إلاّ لا تكون هويّته عين الفقر و محض الحاجة بل
الحاجة حيثيّة من حيثيّاته فقط و هذا خلف و إذا لم يكن فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً لم
يكن ذاته منفصلة عن ذات علّته و إلاّ كان في تذوّته و شيئيّته مستقلاًّ فيتطرّق فيه
جهة استقلال و لكن الاستقلال بوجه مّا ينافي فقره بتمام هويّته، فإذن ثبت أنّ
شيئيّة المعلول بشيئيّة علّته المفيضة لا بشيئيّة منفصلة، فيكون وجود المعلول من
شؤون وجود علّته.
إذا عرفت هذا نقول: كلّ حكم صادق على المعلول فهو لعلّته المفيضة، إذ لو لم يكن
كذلك بل كان للمعلول مستقلاًّ للزم الخلف، لأنّ الحيثيّة المفروضة إن كانت صادقة
على المعلول بالعرض فهو ليس حكما حقيقيّا للمعلول بل لغيره و إن كانت صادقة عليه
بالذات فهو عين المعلول و حينئذٍ لوكان المعلول مستقلاًّ في تلك الحيثيّة للزم أن
يتطرّق في هويّة المعلول جهة استقلال مع أنّ المفروض أنّ الحاجة و الفقر قد ملأت
تمام هويّة المعلول، فلا يوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً هذا خلف، فإذن كما أنّ ذات
المعلول من شؤون ذات العلّة كذلك كلّ حيثيّة في المعلول من شؤون تلك الحيثيّة في
العلّة، و هذا حكم عامّ جارٍ في كلّ حيثيّة صادقة بالذات على المعلول كالفاعليّة و
العلم و العشق و الحيوة و الجمال و غيرها من الحيثيّات المنطبقة على حيثيّة الوجود،
ففاعليّة الممكنات من شؤون فاعليّة الواجب لا منفصلة عنها و علمها من شؤون علمه و
العشق الساري فيها من شؤون عشقه بذاته و كذا الأمر في الحيوة و الجمال وغيرها.
حجّة أخرى: الفاعليّة في الواجب فاعليّة صرفة و صرف الشيء لا ثاني له، فالفاعليّة
في الواجب لا ثاني لها؛ أمّا الصغرى فلأنّ فاعليّة الواجب عين وجوده و وجوده صرف
ففاعليّته أيضا صرفة و ذلك لمكان الاتّحاد بين وجوده و فاعليّته، و أمّا الكبرى
فلأنّ الصرف لو كان له ثان لامتاز كلّ منهما بما ليس في الآخر فلايكون شيء منهما
صرفا بل كلّ منهما مخلوط بغيره و هذا خلف و أمّا النتيجة فحاصلة على الشكل الأوّل،
فإذن ثبت أن ليس في الوجود الاّ الفاعل الواحد، نعم لمّا كان الصرف من كلّ شيء
جامعا بوجوده الواحد لكلّ ما هو من سنخه كان فاعليّة الواجب بوجوده الواحد جامعا
لكلّ فاعليّة ففاعليّة كلّ شيء من شؤون تلك الفاعليّة الصرفة لا فاعليّة مستقلّة
منفصلة عن تلك الفاعلية ثمّ هذه الحجّة جارية في كلّ
حيثيّة ذاتيّة في الواجب كالعلم و الحيوة و القدرة و الجمال و العشق و غيرها
فتدبّر.
أي الاستقلال الموجود في كلّ علّة بالنسبة إلى معلوله هو من شؤون استقلال الواجب لا استقلال مستقلّ إذ قد ثبت أن لاحكم للمعلول إلاّ و هو لوجود علّته.
أي في اعتبار العقل تلك الماهيّات.
بيانه: أنّ وجودات الممكنات وجودات رابطة بالنسبة إلى عللها أمّا مع قطع النظر عن
مقايستها إلى عللها فلها استقلال مّا بالقياس إلى الوجود الرابط الذي بين الموضوع و
المحمول في القضيّة مثلاً، فينتزع العقل منها الماهيّات الجوهريّة و العرضيّة
المستقلّة في المفهوميّة.
الفرق بين هذا البرهان و البرهانين السابقين هو أنّ السابقين يرفعان الواسطة بين
الواجب و الأشياء و هذا البرهان يثبتها و سيأتي تتمّة الكلام في المرحلة الثانية
عشرة.
أي في الوجود، إذ تقدّم أنّ المجعول بالذات وجود المعلول و الجاعل بالذات وجود الفاعل.
أي في غيرمايقع به العلّيّة كالماهيّة فإنّ المسألة ليست بديهيّة بل نظريّة تحتاج إلى الدليل في نفيها أو إثباتها.
بيان الإشكال: أنّ المادّة و الصورة معا عين المعلول و ما كان عين المعلول لا
يتقدّم على المعلول و إلاّ لتقدّم الشيء على نفسه و هو محال بالضرورة و إذ ليس ما
كان عين المعلول، مقدّما على المعلول فليس المركّب منه ومن غيره (و هو العلّة
التامّة) مقدّما على المعلول، لأنّ المركّب ينتفي بانتفاء جزئه فإذا لم يكن جزء
العلّة التامّة في مرتبة مقدّمة على المعلول لم يكن المركّب منه و من غيره (و هو
العلّة التامّة) في تلك المرتبة المتقدّمة أيضا.
و الجواب: أنّ كلّ واحد واحد من المادّة و الصورة علّة متقدّمة على المجموع
المركّب منهما و إذا كان كلّ واحد منهما و كذا العلّة الفاعليّة و الغائيّة، مقدّما
على المعلول صحّ أن يقال إنّ مجموع العلل الأربعة (لا بما هو مجموع) مقدّم على
المعلول.
إذ القبول هنا لا يلازم الفقدان حتّى ينافي الفعل الذي يلازم الوجدان.
أي القبول إن كان بمعنى الاتّصاف ليس أثرا صادرا حتّى يجري فيه البرهان الأوّل و
يقال الفعل و الاتّصاف أثران فلايصدران عن الواحد بما هو واحد.
و إنّما لم يكن الاتّصاف أثرا صادرا لأنّه لو كان كذلك للزم أن يكون له مؤثّر يتّصف
بإيجاد ذلك الأثر فلمؤثّره اتّصاف آخر فننقل الكلام في هذا الاتّصاف فيذهب الأمر
إلى غير النهاية و يتسلسل.
و كذا القبول إن كان بمعنى الاتّصاف لا يسبق مقبوله إمكان حتّى يجري فيه البرهان
الثاني و يقال إنّ نسبة القابل إلى مقبوله بالإمكان ... .
و إنّما لم يسبق المقبول إمكان، لأنّ المقبول لازم الذات كما هو المفروض و نسبة
الشيء إلى لازمه بالوجوب لا بالإمكان.
بيانه أنّه لوكان القبول أثرا صادرا عن القابل لورد على المستدلّ نفس الإشكال الذي أورده على خصمه و هو صدور الأثرين عن الواحد بما هو واحد و ذلك لأنّ القابل البسيط يقبل الصورة، فقبوله الصورة أثر صادر عنه على الفرض، ثمّ إذا انضمّت إليه الصورة يقبل أن يكون جزء المركّب من القابل و الصورة فقبوله الجزئيّة أيضا أثر آخر صادر عنه فإذن صدر عن الواحد البسيط أثران و هو محال.
فيكون الدليل تامّا ببيان أنّ نسبة الفاعل إلى فعله بالوجوب و نسبة القابل إلى
مقبوله ليست بالوجوب بل بالإمكان فلايجتمعان في البسيط الواحد.
أمّا الصغرى فلما تقدّم في الفصل الثالث من أنّ العلّة التامّة إذا وجدت وجب وجود
المعلول و أمّا الكبرى فلما تقدّم في الفصل السادس من أنّ الممكن سواء كان مادّيّا
أو مجرّدا لا يستغني عن العلّة الفاعليّة، فبالقابل وحده (الذي قبوله بمعنى
الإنفعال ) لا يجب المقبول.
قالوا: إنّ هذه الصفات الانتزاعيّة زائدة على الذات، فإذن ذاته البسيطة فاعلة و
قابلة لهذه الاعتبارات العقليّة.
و فيه مضافا إلى ما أورده المصنّف أنّها لو كانت صفات انتزاعيّة و اعتبارات عقليّة
ليست لها في الخارج واقعيّات فلا تحتاج إلى جعل الواجب حتّى يكون الواجب فاعلاً
لها.
بل أنّها ممّا تقتضيه غايته، بمعنى أنّه لولا الغاية لا تتحقّق الحركة.
أي إنّ ما بين الحركة و غايتها الّتي تنتهي اليها، نسبة محقّقة و ارتباط موجود في
الخارج.
بيان ذلك: لا شكّ أنّ كلّ حركة لاتنتهي إلى كلّ غاية بل تنتهي إلى غاية معيّنة،
فإنّ حبّة كلّ نبات بعد الاستقرار في الأرض تحرّكت نحو غاية معيّنة، فلاينبت من
البرّ إلاّ البرّ و من الشعير إلاّ الشعير (گندم از گندم برويد جو ز جو) فإذن لابدّ
أن يكون بين حركة كلّ حبّة و غايتها ارتباط موجود و نسبة محقّقه معيّنة في الخارج،
إذ لو لم يكن هناك ارتباط موجود لجاز أن ينبت من البرّ الشعير و من الشعير البرّ
مثلاً، لأنّ المفروض أن لا يكون بين حبّةّ البرّ و غاية حركتها ارتباط خاصّ و نسبة
معيّنة حتّى تخصّص انتهاء حركتها إلى البرّ فإذن جاز أن ينبت من البرّ الشعير مثلاً
لكن هذا ضروريّ البطلان فكذا المقدّم.
لمّا ثبت أنّ بين كلّ حركة و غايتها ارتباط خاصّ موجود في الخارج استنتج منه أنّ
هذا الارتباط الموجود يوجب نوعا من الاتّحاد بينهما.
بيان ذلك: أنّ النسبة في كلّ وعاءِ تحقّقت تستدعي وجود طرفيها في ذلك الوعاء،
لأنّها متقوّمة الوجود بهما، فإذن هذه النسبة المعيّنة الموجودة في الخارج بين
الحركة و غايتها تستدعي وجود الحركة و وجود الغاية، و الحركة موجودة على الفرض لكن
الغاية بحيث يترتّب عليها آثارها المطلوبة منها غير موجودة بالفعل مادامت الحركة
موجودة، فيجب أن تكون الغاية نفسها موجودة بوجود ضعيف بحيث لا يترتّب عليها جميع
آثارها المطلوبة منها إذ لو لم تكن الغاية موجودة بوجودها الضعيف (كما أنّها غير
موجودة بعدُ بوجودها الشديد) لبطلت تلك النسبة المعيّنة و قد ثبت وجودها، هذا خلف،
فإذن ثبت أنّ كلّ حركة قبل وصولها إلى الغاية توجد فيها مرتبة ضعيفة من وجود الغاية
الّتي تنتهي إليها.
ثم إنّ الغاية بوجودها الضعيف متّحد الوجود مع الغاية بوجودها الشديد و إلاّ بطلت
النسبة المعيّنة ـ كما تقدّم ـ ؛ و من جانب آخر أنّ الغاية بوجودها الضعيف متّحدة
الوجود مع الحركة، إذ قد ثبت وجود النسبة بينهما و تحقّق النسبة بين الطرفين يوجب
نحوا من الاتّحاد بينهما ـ كما تقدّم في المرحلة الثانية ـ فإذن الحركة متّحدة
الوجود مع الغاية بوجودها الشديد، إذ المتّحد مع المتّحد متّحد و هو المطلوب؛ ثم
للكلام تتمّة سيأتي في بحث الحركة.
أي غاية الحركة ترتبط بالمحرّك و بالمتحرّك بأيّ نحو ترتبط نفس الحركة بهما و لأنّ للحركة و الغاية وجودا واحدا ـ كما تقدّم ـ فكما أنّ الحركة ترتبط بالمحرّك ارتباط الفعل بفاعله كذلك الغاية ترتبط بالمحرّك ارتباط الفعل بفاعله و كما أنّ الحركة ترتبط بالمتحرّك ارتباط المقبول بقابله كذلك الغاية ترتبط بالمتحرّك ارتباط المقبول بقابله.
كالإنسان يدخل الماء البارد ليتبرّد فإنّ التبرّد لازم للاستقرار في الماء الّذي هو غاية تنتهي إليها حركته، و الظاهر أنّ ما في المتن من الأمثلة الثلاثة كلّها مثال لما يقارن الغاية.
أي لتلك الوجودات السيّالة مرتبة تمام و مرحلة كمال هي وجهة لتلك الوجودات و قبلة لها و هذه الوجهة بوجودها الضعيف السابق تُولّي تلك الوجودات و توجّهها إلى مسير خاصّ ينتهي إلى تلك الوجهة بوجودها الشديد اللاحق و ذلك لما تقدّم من أنّ للغاية في كلّ حركة وجودا ضعيفا قبل الحركة يعيّن للفاعل فعلاً خاصّا بحيث ينتهي إلى نفس الغاية بوجودها الشديد؛ الا ترى أنّه لا ينبت من حبّة البرّ إلاّ البرّ و من حبّة الشعير إلاّ الشعير و لا يخرج من نطفة الإنسان إلاّ الإنسان و من نطفة الحمار إلاّ الحمار على سبيل اللزوم و الدوام بحيث لا يتخلّف إلاّ لمانع و ليس ذلك إلاّ لاستعداد سابق في حبّة البرّ مثلاً يوجّه حركتها نحو البرّ فقط، فيترتّب عليها ذلك حيث لا مانع عنه.
توضيح ذلك: أنّ الفعل إذا كان من الجواهر المجرّدة ذاتا و فعلاً تحقّقت هناك ثلاث
اتّحادات: الأوّل الاتّحاد بين الفعل و الغاية؛ و الثاني الاتّحاد بين الفعل و
العلّة الغائيّة و الثالث الاتّحاد بين الفاعل و العلّة الغائيّة. أمّا الأوّل
فواضح، لأنّ الفعل مجرّد تامّ فلا يتصوّر فيه الحركة حتّى تكون نفس الحركة فعلاً و
ما ينتهي إليه الحركة غاية، فإذن الفعل و الغاية هناك واحد من دون فرق بينهما حتّى
بحسب المرتبة و المصنّف قد أشار إلى هذا القسم من الاتّحاد بقوله «لا ينقسم إلى
تمام و نقص»، و أمّا الثاني فلأنّ في ذات الفاعل خصوصيّة ذاتيّة تخصّص صدور ذلك
الفعل الخاصّ عن ذلك الفاعل و هذه الخصوصيّة الذاتيّة في الفاعل علّة غائيّة للفعل
الصادرعن الفاعل؛ لأنّ العلّة الغائيّة عبارة عن ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل
معيّن خاصّ بحيث لولاه لم يكن الفاعل فاعلاً لذلك الفعل المعيّن الخاصّ، فشأن
العلّة الغائيّة توجيه الفاعل نحو فعل خاصّ و هذا الشأن موجود في تلك الخصوصيّة و
إلاّ جاز أن يكون الفاعل فاعلاً لكلّ شيء و هو باطل بالضرورة.
إذا عرفت هذا نقول: لمّاكان تلك الخصوصيّة الذاتيّة متّحدة مع الفاعل (لأنّ الذاتيّ
عين الذات وجودا) و كان الفاعل متّحدا مع الفعل وجودا (و إن اختلفا مرتبة) كان
الخصوصيّة و هي العلّة الغائيّة متّحدة مع الفعل وجودا و إن اختلفا مرتبة و هذا هو
المطلوب و المصنّف قد أشار إلى هذا القسم من الاتّحاد بقوله «و الفعل و الغاية (أي
العلّة الغائيّة) هناك واحد»؛ أي واحد بحسب الوجود مختلف بحسب المرتبة.
وأمّا الثالث فلمّا سيأتي في توضيح قول المصنّف «و مرجعه إلى اتّحاد الفاعل و
الغاية».
أقول: البيانات السابقة و إن أثبتت العلّة الغائيّة في بعض الفواعل إلاّ أنّها غير
وافية بالمقصود في بعض آخر كما في الفواعل الطبيعيّة فإنّ غاية ما ثبتت بالبيان
السابق في الفواعل الطبيعيّة هو وجود الغاية فيها و من المعلوم أنّ وجود الغاية
مترتّب على الفعل فلا يمكن أن تكون علّة غائيّة للفعل الصادر منها و إلاّ لزم تقدّم
الشيء على نفسه إذ العلّة مطلقا متقدّمة على الفعل، فالبيان السابق لايثبت المطلوب
فعلى هذا يجب علينا أن نتمّم البيانات السابقة حتّى تفي بتمام المقصود، فنقول:
مستعينا باللّه الحكيم:
إنّ الفاعل قد يكون فاعلاً طبيعيّا و قد يكون فاعلاً علميّا و الثاني قد يكون
مجرّدا في ذاته و فعله كالعقول المفارقة و قد يكون مجرّدا في ذاته مادّيّا في فعله
كالنفوس الإنسانيّة فإن كان الفاعل طبيعيّا فالعلّة الغائيّة عبارة عن الاستعداد
السابق على الفعل و على الغاية المترتّبة على الفعل؛ لأنّ العلّة الغائيّة عبارة عن
ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل معيّن خاصّ بحيث لولاه لا يكون الفاعل فاعلاً
لذلك الفعل المعيّن الخاصّ، فشأن العلّة الغائيّة توجيه الفاعل نحو فعل معيّن خاصّ
و هذا الشأن كما أنّه موجود في الفواعل العلميّة بالصورة الذهنيّة (لأنّ تصوّر
الآثار المترتّبة على الفعل و التصديق برجحانها يوجّه الفاعل نحوفعل خاصّ بحيث
ينتهي إلى تلك الآثار المطلوبة المعيّنة) كذلك موجود في الفواعل الطبيعيّة بذلك
الاستعداد السابق؛ إذ إن لم يتحقّق الاستعداد المعيّن السابق لا يوجد الفعل المعيّن
اللاحق كما سيأتي فإذن هذا الاستعداد السابق هو الذي لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل
معيّن خاصّ فهو العلّة الغائيّة للفواعل الطبيعيّة.
و إن كان الفاعل مجرّدا تامّا كالعقول المفارفة فالعلّة الغائيّة عبارة عن خصوصيّة
ذاتيّة في الفاعل توجّه الفاعل نحوفعل خاصّ كما تقدّم شرحه في الحاشية السابقة و
إن كان الفاعل مجرّدا في ذاته مادّيّاً في فعله كالنفوس الإنسانيّة فالعلّة
الغائيّة عبارة عن تصوّر الغاية المترتّبة على الفعل و التصديق برجحانها، فإنّ هذا
العلم السابق يوجّه الفاعل نحو فعل خاصّ بحيث ينتهي إلى تلك الغاية المطلوبة فهي
العلّة الغائية.
هذا الكلام لايخلو من اضطراب؛ فإنّ الغاية حيث فسّرت بما يتعلّق به اقتضاء الفاعل بالأصالة تنطبق على الغاية الّتي هي متأخّرة عن مرتبة وجود الفاعل إذ المفروض أنّ الفاعل يقتضيها بالأصالة فهي فعل للفاعل متأخّرة عنه مرتبة، و حيث فسّرت بحقيقة الفعل المتقرّرة في مرتبة وجود الفاعل تنطبق على الغاية الّتي هي ليست متأخّرة عن مرتبة وجود الفاعل بل مرتبتها مرتبة وجود الفاعل؛ و كيف كان، إن كان المراد منه أنّ الغاية المتأخّرة عن الفاعل و الفعل متّحدان، فالبرهان عليه ما تقدّم من أنّ الفعل إذا كان مجرّدا تامّا فلا يتصوّر فيه الحركة حتّى تكون نفس الحركة فعلاً و ما ينتهي إليه الحركة غاية فإذن الفعل و الغاية هناك شيء واحد و إن كان المراد منه أنّ العلّة الغائيّة و الفعل متّحدان، فالبرهان عليه ما تقدّم أيضا من أنّ العلّة الغائيّة و الفاعل في المجرّد التامّ متّحدان بحسب الوجود و المرتبة و الفاعل متّحد مع الفعل بحسب الوجود فالعلّة الغائيّة متّحد مع الفعل بحسب الوجود.
و هذا بخلاف نفس الفعل، فإنّ اقتضاء الفاعل يتعلّق به بالتبع و لأجل الوصول إلى الغاية كما في الأفعال المادّيّة.
أي الفاعل و العلّة الغائيّة متّحدان فيماكان الفعل مجرّدا تامّا و ذلك لوجهين:
الأوّل: ما تقدّم من أنّ العلّة الغائيّة فيما كان الفعل مجرّدا تامّا عبارة عن
خصوصيّة ذاتيّة في الفاعل و من المعلوم أنّ هذه الخصوصيّة عين وجود الفاعل لأنّ
الذاتيّ عين الذات وجودا.
الثاني: أنّ الفعل لمّا كان مجرّدا تامّا كان من الواجب أن يكون فاعله مجرّدا تامّا
بل يجب أن يكون أشرف وجودا من فعله و المجرّد التامّ إذا كان فاعلاً لشيء كان علّة
تامّة له بنفس ذاته من غير احتياج إلى أمر زائد على ذاته الفاعلة و ذلك لأنّ كلّ ما
أمكن للمجرّد التامّ بالإمكان العامّ فهو له بالوجوب، إذ لاحالة منتظرة فيه، فإذن
إذا أمكن التأثير و الفاعليّة للمجرّد التامّ ثبت له هذه الفاعليّة بالوجوب فلا
يحتاج فاعليّته إلى أمر زائد؛ إذ لو احتاج في تأثيره وفاعليّته إلى شيء آخر لكان
تأثيره وفاعليّته بالإمكان الخاصّ لا بالوجوب و هو باطل، فاذن المجرّد التامّ بذاته
علّة تامّة لفعله الخاصّ من غير احتياج إلى أمر زائد فلا يحتاج في فاعليّته إلى
علّة غائيّة زائدة على ذاته بل هو بنفس ذاته الفاعلة علّة غائيّة لفعله الخاصّ؛
لأنّ العلّة الغائيّة ـ كما تقدّم ـ ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل معيّن خاصّ
فشأن العلّة الغائيّة توجيه الفاعل نحو فعل خاصّ و هذا الشأن موجود في الفاعل
المجرّد التامّ بنفس ذاته التامّة فهو علّة غائيّة كما أنّه علّة فاعليّة و هو
المطلوب.
ثمّ إنّ اتّحاد الفعل و العلّة الغائيّة مرجعه إلى اتّحاد الفاعل و العلّة الغائيّة
لأنّ الفاعل و الفعل متّحدان وجودا فاتّحاد الفعل و العلّة الغائيّة يرجع إلى
اتّحاد الفاعل و العلّة الغائيّة.
الفاعل هو النفس في هذا المثال، كما أنّ القابل هو البدن في المثال الثاني.
فيه نظر إذ قد تقدّم أنّ للغاية في الفواعل الطبيعيّة وجودا قبل الفعل يعيّن للفاعل
فعلاً خاصّا بحيث ينتهي ذلك الفعل إلى تلك الغاية المطلوبة و لا ضير في أنّ ذلك
الوجود ليس وجودا علميّا لأنّ العلّة الغائيّة لا يجب أن تكون علميّا و ذلك لأنّ
العلّة الغائيّة عبارة عن ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً لفعل معيّن خاصّ بحيث لولاه
لم يكن الفاعل فاعلاً لذلك الفعل الخاصّ، فشأن العلّة الغائيّة توجيه الفاعل نحو
فعل خاصّ.
و هذا الشأن كما أنّه موجود في الفواعل العلميّة (لأنّ تصوّر الآثار المترتّبة على
الفعل و التصديق برجحانها يوجّه الفاعل نحو فعل خاصّ ينتهي إلى تلك الآثار
المطلوبة) كذلك موجود في الفواعل الطبيعيّة، فإنّ في كلّ طبيعة متحرّكة استعدادا
معيّنا خاصّا قبل الحركة يقتضي فاعليّة المحرّك بالنسبة إلى حركة خاصّة بحيث لولا
ذلك الاستعداد لم يكن المحرّك محرّكا بالنسبة إلى تلك الحركة الخاصّة، فإنّ في حبّة
البرّ مثلاً استعدادا خاصّا معيّنا يعيّن للقوّة المنمية المحرّكة مسيرا خاصّا
معيّنا و يقتضي أن تكون تلك القوّة المنمية المحركة محرّكة لحركة خاصّة معيّنة بحيث
تنتهي إلى البرّ فقط لا إلى الشعير مثلاً فإذن هذا الاستعداد هو الذي لأجله يكون
الفاعل فاعلاً لفعل خاصّ فهو العلّة الغائيّة السابقة لذلك الفعل، فقولهم: «إنّ
الغاية قبل الفعل» تامّ حتّى في الطبائع.
أقول: مدّعى المصنّف هنا و إن كان حقّا إلاّ أنّ البرهان الذي يثبت به المدّعى لا
يخلو من مناقشة ـ كما سنشير إلى وجهها ـ فإذن الأولى إثبات المدّعى بوجه آخر بأن
يقال: إنّ حيثيّة الفاعليّة في الفاعل بالذات و الفاعل الحقيقي عين ذات الفاعل لا
أنّها وصف زائد عليها (كما أنّ حيثيّة المعلوليّة عين ذات المعلول) إذ لو لم يكن
كذلك لم يكن الفاعل فاعلاً بالذات بل كان فاعلاً بوصفه الزائد عليه و هذا خلاف
المفروض.
إذا عرفت هذا نقول: لو كانت العلّة الغائيّة علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل كانت
علّة فاعليّة لذات الفاعل أيضا، لمكان الاتّحاد بينهما لكنّ التالي باطل فكذا
المقدّم، أمّا بيان بطلان التالي فلأنّ العلّة الغائيّة إمّا وجود ذهنيّ و إمّا
وجود خارجيّ، فإن كانت وجودا ذهنيّا كما في النفوس الحيوانيّة كانت أضعف وجودا من
الفاعل الذي هو وجود خارجيّ فلا يمكن أن تكون فاعلة له؛ و إن كانت وجودا خارجيّا
فهو إمّا أن يكون استعدادا سابقا على الفعل كما في الفواعل الطبيعيّة و من المعلوم
أنّ الاستعداد أضعف من الفعل فضلاًعن فاعل الفعل فلايمكن أن يكون فاعلاً لذات
الفاعل؛ و إمّا أن يكون عين ذات الفاعل كما في الفواعل المجرّدة التامّة فلا يمكن
أن تكون فاعلّة لذات الفاعل أيضا لأنّ العلّة الغائيّة نفس ذات الفاعل على الفرض،
فلو كانت فاعلة لها لزم تقدّم الشيء على نفسه، فإذن ثبت أنّ العلّة الغائيّة لا
يمكن ان تكون علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل و هو المطلوب.
أقول: يمكن للخصم أن يقول إنّ الحصر ممنوع، إذ من الجايز أن تكون الغاية بوجودها السابق علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل لا بوجودها المترتّب على الفعل حتّى يقال: إنّ الغاية المترتّبة متأخّرة عن فاعليّة الفاعل ، و لا بالعلم السابق أيضا حتّى يقال: إنّ الفواعل الطبيعيّة لا علم لها.
الفرق بين ما قاله القوم و ما قاله المصنّف هو أنّ الفاعل فاعل بالذات على رأي المصنّف و فاعل بالعرض على رأي القوم و ذلك لأنّ الفاعليّة على رأي المصنّف عين ذات الفاعل فالفاعل، فاعل بنفس ذاته لا بأمر خارج من ذاته فهو فاعل بالذات و بالحقيقة أمّا على رأي القوم فهو فاعل بالعرض إذ الفاعليّة أمر تقتضيه العلّة الغائيّة لذات الفاعل فهي صفة زائدة على ذات الفاعل فالفاعل، فاعل بصفته الزائدة على ذاته فهو فاعل بعرض صفته لا بذاته.
هذا القول و إن كان حقّا لائقا بالتصديق بحكم السنخيّة الذاتيّة الّتي بين العلّة و المعلول إلاّ أنّه ينافي ما تقدّم منه في تعريف الفاعل بالقسر، حيث قال «الفاعل بالقسر هو الذي لا علم له بفعله و لا فعله ملائم لطبعه» و قد أشرنا هناك إلى المناقشة في ذلك فقول المصنّف هنا يؤيّد المناقشة.
لمّا قال أنّ الفعل و ما يترتّب عليه مرضيّ عند الفاعل مطلوب له و جاز الاعتراض
عليه بأنّ الفعل و ما يترتّب عليه أضعف وجودا من الفاعل و الفاعل واجد لكمال
المعلول بنحو أعلى و أشدّ، و واجد الشيء لايطلبه و لا يريده (لأنّه تحصيل للحاصل)
فلا يمكن أن يكون فعله مطلوبا له، أجاب عنه بأنّ مطلوبيّة الفعل ليست بالذات بل هي
من لوازم مطلوبيّة ذات الفاعل التامّة.
بيان ذلك: أنّ المطلوب بالذات للفاعل عبارة عن نفس ذاته الكاملة التامّة (إذ كلّ
فاعل مريد يحبّ أن تكون ذاته واجدة لكلّ الكمالات الّتي يمكن أن تتحقّق له) لكن من
شروط تماميّة الذات، الفاعليّة لأنّها كمال لها، فلو فقدت هذا الكمال لكانت
ناقصة، فمطلوبيّة الذات التامّة تستلزم مطلوبيّة فاعليّة الذات و مطلوبيّة فاعليّة
الذات تستلزم مطلوبيّة فعلها الذي هو لازم لفاعليّتها و من شؤون ذاته؛ فإذن
مطلوبيّة الذات التامّة يستتبع مطلوبيّة الفعل و إذا كان كذلك فلا يتوجّه الاعتراض
المذكور، لأنّ العالي لم يُرد السافل حقيقة بل يريد ذاته التامّة الكاملة أوّلاً و
بالذات، أمّا فعل الذات و الغاية المترتّبة عليه فمرادة بالتبع.
لمّا كان ذاته الكاملة مطلوبة بالذات وغاية حقيقيّة كان ذاته الفاعلة مطلوبة و غاية أيضا، لأنّ فاعليّتها من شروط كماله و تماميّته، فإذا تحقّقت فاعليّتها استكملت بهذه الغاية الّتي هي عبارة عن ذاته الفاعلة بما أنّها فاعلة.
كالواجب تعالى فإنّ غايته الذاتيّة ومحبوبه الحقيقيّ ليست إلاّ ذاته، لأنّ ذاته
كمال محض و الكمال المحض محبوب بذاته لكن محبوبيّة ذاته تستلزم محبوبيّة فاعليّته
الّتي هي عين ذاته و محبوبيّة فاعليّته تستلزم محبوبيّة فعله الذي هو لازم
لفاعليّته التامّة بل هو من شؤون ذاته، ففعله محبوب عنده وغاية له لكن بتبع
محبوبيّة ذاته فما قيل.
من نكردم خلق تاسودى كنم بلكه تا بربندگان جودى كنم
صحيح إن كان المراد منه أنّ جوده لعباده غاية بالتبع.
ثمّ إنّ ذاته لم تستكمل بغايته الذاتيّة والتبعيّة لأنّ الاستكمال فرع النقص و لا
نقص في ذاته سبحانه و تعالى بل ذاته كمال محض.
قالوا: «إنّ الفاعل الّذي يفعل لغاية يكون غيرتامّ من وجهين: الأوّل من حيث إنّه يقصد به وجود تلك الغاية، فلابدّ أن يكون وجودها أولى به و أليق و إلاّ لم يكن غاية له أصلاً، فيكون مستكملاً بذلك الوجود و مستفيدا منه تلك الأولويّة. الثاني من حيث إنّه يتمّ بماهيّة تلك الغاية فاعليّته فيكون هو ناقصا في فاعليّته و لمّا كان تعالى تامّا بذاته لا يتطرّق إليه نقصان أصلاً فإذن لا غاية لفعله بل هو فاعل بذاته».(1)
لأنّ الفعل مسانخ لفاعله ملائم له دائما بل هو من شؤون ذاته فيكون مرضيّا عنده محبوبا له بمحبوبيّة ذاته لذاته، ثمّ إنّ محبوبيّة الفعل (الّتي هي بتبع محبوبيّة الذات) إمّا أن تكون بالذات إذا لم تكن مقدّمة للوصول إلى كمال آخر مطلوب بالتبع كما في الأفعال المجرّدة التامّة فإنّ الفعل و الغاية بالتبع فيها شيء واحد و إمّا أن تكون منتهية إلى مطلوب بالذات إذا كانت مقدّمة للوصول إلى كمال آخر مطلوب بالتبع كما في الأفعال الّتي هي من قبيل الحركات، فإنّ الفعل فيها مطلوب لأجل الكمال الأخير الذي هو مطلوب بالتبع.
دعوى عدم الاستلزام من ناحية المتكلّمين لا من المصنّف رحمهالله حيث أنّه سيردّ
هذه الدعوي بقوله: «فلو كانت غايته الّتي دعته ...».
ثمّ إنّهم في توضيح مرامهم قالوا: «إنّ الغرض إن كان عائدا إلى الفاعل يلزم أن يكون
الفاعل ناقصا مستكملاً بغرضه منتفعا به أمّا إن كان عائدا إلى غيره لا يلزم ذلك،
لأنّ النفع و الكمال راجع إلى غيره لا إلى الفاعل».(1)
لأنّ ذاته البسيطة ـ كما تقدّم ـ كمال محض و الكمال المحض محبوب بالذات، فذاته البسيطة محبوبة بالذات. ثمّ إنّ حبّه الذاتيّ بذاته البسيطة الذي هو عين ذاته يحمله و يبعثه الى حبّ تفاصيل صفاته الكماليّة، لأنّ صفاته الكماليّة، من مظاهر ذاته البسيطة في مرتبة الذات و من تلك الصفات الكماليّة فاعليّته، فإذن حبّه الذاتيّ بذاته البسيطة يحمله و يبعثه إلى حبّ فاعليّته و حبّ فاعليّته يحمله و يبعثه إلى صدور الفعل، فإذن حبّه الذاتيّ بذاته الذي هو عين ذاته يحمله و يبعثه إلى صدور الفعل و هو المطلوب.
1. راجع: المسألة السادسة من الفصل الثالث من الشوارق.
2. راجع: شرح المواقف، ص 538.
حجّة أخرى: الداعي هو ما لأجله يكون الفاعل فاعلاً و يُوجد الفعل و لمّا كان ذاته تعالى بنفسها علّة تامّة لفعلها من غير احتياج إلى شيء آخر، فإذن ما لأجله تكون الذات فاعلة ليس إلاّ ذاته فذاته داعية لصدور فعلها عنها و هو المطلوب.
لمّا كان العلّة الغائيّة في الفواعل العلميّة هي العلم بخيريّة الفعل أشار إلى أنّ هذه الجهة موجودة في غاية الواجب، لأنّ العلّة الغائية ـ كما تقدّم ـ عبارة عن ذاته و علمه بذاته الذي هو عين ذاته علم بجميع ما سواها في مرتبة ذاته فعلمه بذاته بعينه علم بخيريّة فعله، فذاته الّتي هي العلّة الغائيّة لصدور فعله علم بخيريّة فعله و هو المطلوب.
قد يقال: إنّ ذات الواجب تعالى غاية الأشياء و المراد به أنّ ذاته تعالى داعية لذاتها إلى إيجاد الأشياء و هذا هو الذي قد تقدّم البحث عنه ـ . و قد يقال: إنّ ذات الواجب تعالى غاية الأشياء و المراد به أنّ ذاته تعالى هي المطلوب الحقيقيّ لكلّ طالب و أنّ الأشياء إذا كانت مطلوبة لغيرها كانت مطلوبيّتها لأجل مطلوبيّة الواجب بل من شؤون مطلوبيّة الواجب و هذا هوالذي يكون المصنّف رحمهالله بصدد إثباتها الآن.
تقدّم في الفصل الثامن أن لا حكم للمعلول إلاّ أنّه لوجود علّته و ذلك لأنّ المعلول
عين الفقر و محض الحاجة فلا استقلال له بوجه، فكلّ حيثيّة توجد فيه فهي من شؤون تلك
الحيثيّة في علّته المفيضة و إلاّ استقلّ المعلول في تلك الحيثيّة و هو ينافي فقره
الصرف، فبناءاً على هذا إذا كان المعلول مطلوبا لشيء كانت مطلوبيّته من شؤون
مطلوبيّة فاعله المفيض، ثمّ فاعله المفيض إن كان معلولاً لفاعل آخر كانت مطلوبيّته
من شؤون مطلوبيّة فاعله أيضا بما تقدّم من البيان و هكذا يذهب الأمر، لكن لمّا كان
التسلسل باطلاً ـ كما تقدّم ـ كان من الواجب أن ينتهي سلسلة المطلوبيّة إلى مطلوب
بالذّات كما أنّ وجود الأشياء يجب أن ينتهي إلى واجب بالذات، فإذن مطلوبيّة كلّ شيء
من الممكنات من شؤون مطلوبيّة الواجب الّتي هي مطلوبيّة بالذات، فلا يطلب طالب و لا
يريد مريد إلاّ إيّاه.
حجّة أخرى: إنّ ذات الواجب محبوبة لذاته (لأنّ ذاته كمال محض و الكمال المحض محبوب
بالذات) و لمّا كانت محبوبيّته الذاتيّة عين ذاته وذاته صرف كان من الواجب أن تكون
محبوبيّته صرفا لأنّها عين وجوده الصرف و إذا كان محبوبيّته صرفا امتنع تعدّدها
لأنّ الصرف لا يتعدّد فلا يوجد في الوجود محبوب ثانٍ، فكلّ محبوب محبوب بنفس
محبوبيّة ذاته لذاته؛ فافهم إن كنت من أهله و إلاّ ذره في بقعة الإمكان.
التخيّل عبارة عن تصوّر الفعل و التصديق بخيريّته بحسب القوة الشهويّة أو الغضبيّة
دون العقل، و التفكّر عبارة عن تصوّر الفعل و التصديق بخيريّته بحسب العقل سواء كان
بحسب القوّة الشهويّة أو الغضبيّة خيرا أم لا.
توضيحه: أنّ مايتصوّره الفاعل إمّا أن يكون خيرا و لذيذا عند العقل فقط كغضّ البصر
عمّا حرّم اللّه من الصور الجميلة الذي هو خير و مطلوب عند العقل فقط و إمّا أن
يكون خيرا و لذيذا عند القوّة الشهويّة أو الغضبيّة فقط كالنظر إلى ما حرّم اللّه
من الصور الجميلة الذي هو خير عند القوّة الشهويّة فقط و إمّا أن يكون خيرا و لذيذا
عندهما كتقبيل الولد الذي هو خير و مطلوب عند العقل و القوّة الشهويّة، فالمبدأ
الفكريّ عبارة عن تصوّر الفعل و التصديق بخيريّته بحسب العقل؛ و المبدأ التخيّليّ
عبارة عن تصوّر الفعل و التصديق بخيريّته بحسب القوّة الشهويّة و الغضبيّة من دون
العقل.
إنّ هنا ثلاثة مبادئ: الأوّل: القوّة التخيّليّة ؛ و الثاني القوّة الشوقيّة؛ و
الثالث القوّة المحرّكة، و الغاية في هذه المبادئ شيء واحد و هو الاستقرار في ذلك
المكان، لأنّ القوّة التخيّليّة تتصوّر الفعل لأجل الاستقرار في ذلك المكان و
القوّة الشوقيّة تشتاق
إلى الفعل لأجل الاستقرار في ذلك المكان و القوّة المحرّكة تحرّك حتّى الاستقرار في
ذلك المكان.
ثمّ المراد باتّحاد المبادئ في الغاية أو انطباقها فيها عبارة عن انطباق مفهوم
الغاية على مصداقه الخارجي، فإنّ الاستقرار في المكان الثانيالذي هو مفهوم ذهنيّ و
غاية للمبدئين الاوّلين ينطبق على الاستقرار الخارجيّ و هو غاية للقوّة المحرّكة.
لأنّ الفعل ما لم يتعيّن في الذهن و لم يتشخّص في الخارج لم يوجد.
هذا خلاف اصطلاح القوم، فإنّ الجزاف عندهم عبارة عن الفعل الذي يكون مبدأه الأوّل
تخيّلاً وحده و يكون للمبدئين الأوّلين غاية غير ما ينتهي إليه الحركة.
قال صدر المتألّهين: «ثمّ كلّ غاية ليست نهاية الحركة و ليس مبدأها تشوّق فكريّ فلا
يخلو إمّا أن يكون التخيّل وحده هو مبدأ الشوق أو التخيّل مع طبيعة أو مزاج مثل
التنفّس و حركة المريض أو التخيّل مع خلق و ملكة نفسانيّة داعية إلى ذلك الفعل
بلارويّة كالّلعب بالّلحية فيسمّي الفعل في الأوّل جزافا و في الثاني قصدا ضروريّا
أو طبيعيّا و في الثالث عادة».(1)
هذه أيضا بظاهرها خلاف الاصطلاح كما ظهر ممّا نقلناه، فإنّ غاية المبدئين الأوّلين في القصد الضروريّ و العادة ليست غاية الفعل بل لهما غاية و للمبدأ الثالث غاية أخرى و هي نهاية الفعل، اللّهمّ إلاّ أن يرجع ضمير غايته إلى كلمة «كلّ» لا الى كلمة «الفعل».
إذ لو كان العلم بالعلم لازما في كلّ علم لذهب الأمر إلى غير النهاية.
انّ في العبث اصطلاحين: فعند بعض كالمحقّق الطوسيّ في التجريد العبث مرادف
1. الأسفار، ج 2، ص 252؛ و راجع أيضا: الهيات الشفاء، ص 451؛ والتحصيل، ص 541.
للجزاف و عند الأكثر العبث هو الفعل الذي يكون مبدأه الأوّل تخيّلاً من غير فكر و تكون غاية المبادئ كلّها هي نهاية الحركة.
هذه شروع في الجواب بعد توضيح الاصطلاحات و حاصل الإشكال هو أنّ الجزاف و القصد الضروريّ و العادة والعبث لا غاية لها فينتقض بذلك قولهم: «إنّ لكلّ فعل غاية» و حاصل الجواب هو أنّ هذه الأفعال لا غاية فكريّة فيها و لا ضير فيه، إذ ليس فيها مبدأ فكريّ كما تقدّم حتّى يطلب فيها غاية فكريّة عقلائيّة بل المبدأ فيها تخيّلي و الغاية بحسب هذا المبدأ موجود فيها، فإنّ في اللعب باللحية مثلاً لذّة تخيّليّة داعية لفاعله إلى العمل.
كأزهار الشجرة إذا ضربها البرد فإنّ في الشجرة قوّة هي بصدد إيصال الأزهار إلى
الثمرة الناضجة فإذا ضربها البرد سمّي هذا الفعل باطلاً.
فإن قلت: « انقطاع الحركة لايوجب انتفاء غايتها لأنّ نقطة انقطاعها هي غايتها».
قلت: إنّ لحركة واحدة غايات متعاقبة و القوّة المحرّكة الطبيعيّة بصدد إيصال فعلها
إلى كلّها و الفعل بالنسبة إلى الغايات الّتي لم تحصل سمّي باطلاً لا بالنسبة إلى
الغايات الّتي حصلت، قال صدر المتألّهين: «كلّ غاية لمبدأ من تلك المبادئ من حيث
إنّها غاية له إذا لم توجد يسمّى الفعل بالقياس إليها باطلاً».(1)
1. الأسفار، ج 2، ص 252.
إذ لو كان الشوق إراديّا لكان متوقّفا على الإرادة و الإرادة نفسها متوقّفة على الشوق السابق عليها، فكان الشوق متوقّفا على شوق سابق، ثم ننقل الكلام في الشوق السابق فيذهب الأمر إلى غير النهاية و يتسلسل.
يمكن أن يكون إشارة إلى ما تقدّم في الفصل الخامس من المرحلة السادسة من أنّ الإنسان قد يريد ما لا شوق له إليها، فإذن في كون الشوق من مبادي الفعل الإراديّ شكٌّ.
كالعادة و الحرص و الضجر عن هيئة و إرادة الانتقال إلى هيئة أخرى كما سيأتي.
يمكن أن يكون إشارة إلى عدم لزوم الشوق في الفواعل المادّيّة كما تقدّم أو إلى عدم
لزوم الإرادة في الفواعل المجرّدة التامّة و خاصّة في الواجب كما سيأتي بحثه منه في
قدرته تعالى.
هذا تفسير للمنفيّ لا للنفي، فالاتّفاق عبارة عن عدم رابطة ضروريّة توجب استناد الغاية المترتّبة على الفعل إلى الفاعل.
توضيح الإشكال: أنّ هناك غايات مترتّبة على الأفعال غير مرتبطة بفواعلها ارتباطا
ضروريّا يوجب استناد تلك الغايات إلى تلك الفواعل و ذلك كمن يحفر بئرا ليصل إلى
الماء، فيعثر على كنز؛ فالعثور على الكنز غاية مترتّبة على الحفر غير مرتبطة
بالحافر ارتباطا ضروريّا يوجب استناد العثور إلى الحافر لأنّ الحافر فاعل بالقصد
فلو استند العثور إليه لكان مقصودا له لكن العثور على الكنز غير مقصود للحافر في
عمله فلا يستند إليه ؛ و أيضا لو كان العثور مرتبطا إليه ارتباطا ضروريّا يوجب
استناده إليه ، لكان العثور على الكنز دائميّ الوقوع له لكن العثور على الكنز ليس
إلاّ نادرا.
و الجواب أنّ المدّعى هو ارتباط الغايات المترتّبة على الأفعال بفاعله الذاتيّ (و
هو الفاعل الذي تحقّق فيه جميع شرائط تأثيره و انتفى عنه جميع موانع تأثيره)
ارتباطا ضروريّا و ذلك لما تقدّم من نسبة الوجوب بين العلّة التامّة و الفعل و
الحافر في المثال المذكور إذا تحقّق فيه جميع شرائط تأثيره (الّتي منها قصده الحفر
الذي ينتهي إلى العثور على الكنز) و انتفى عنه جميع موانع تأثيره ، ترتبط به العثور ارتباطا
ضروريّا دائميّا.
الغاية إذا نسبت إلى سببها الذاتيّ تسمّى غاية ذاتيّة و إذا نسبت الى غير سببها الذاتيّ تسمى غاية عرضيّة.
فكينونة العالم عند ذي مقراطيس غاية اتّفاقيّة مترتّبة على حركات الأجرام من غير أن
يكون هناك فاعل طبيعيّ أو إراديّ ترتبط به هذه الغاية و تستند إليه.
و الجواب: أنّ غاية الحركات كالحركات ممكنة من الممكنات و الممكن يحتاج في وقوعه
إلى السبب فلو لم يكن هناك سبب ذاتيّ ترتبط به و تستند إليه لم تتحقّق أصلاً، فإذن
كينونة العالم ليست غاية اتّفاقيّة بل إنّها غاية ذاتيّة لسببها، الذاتيّ و ترتبط
به ارتباطا ضروريّا و تستند إليه استناد الممكن إلى سببه الذاتيّ.
أي إنّ الجاعل الذاتيّ للفعل هوجاعل للغاية أيضا، لأنّ الغاية لازم لوجود الفعل بعد
تمامه فلا تحتاج وجودها إلى جاعل مستقلّ حتّى يقال: إنّ جاعلها الرويّة مثلاً و إذا
لم تكن الرويّة جاعلة للغاية فانتفائها الطبيعة لا يوجب انتفاء الغاية فيها.
نعم لمّا كان الفاعل بالرويّة فاعلاً بالقصد كان من الواجب أن يعيّن فعله بالرويّة
أوّلاً فيوجده ثانيا، لكن الطبيعة حيث كان فعلها متعيّنا بسبب استعداد سابق على
الفعل لا تحتاج إلى الرويّة.
ثمّ من الشاهد على أنّ الرويّة لم تكن سببا لكون الفعل ذا غاية، أنّ الأفعال
الصادرة عن الملكات مع كونها أفعالاً إرادية ذا غاية، لا تحتاج إلى الرويّة بل لو
تروّى الفاعل لتبلّد و انقطع فإنّ من له ملكة ضرب العود إذا أخذ يتروّي في اختيار
نغمة نغمة و أراد أن يقف على عددها تبلّد و انقطع عن العمل.
قالوا في مقام المثال إنّ نظام الذبول و نظام النشو و النموّ نظامان متعاكسان و لكلّ واحد منهما نظام لا يتغيّر و لكنّ لمّا كان سبب نظام الذبول ضرورة المادّة فلاجرم حكمنا أنّها غير مقصودة للطبيعة فكذلك نقول في نظام النشو و النموّ.
أي العوامل الخارجة عن الطبيعة، الموجودة في عالمنا المادّيّ تجبر الطبيعة بالتأدّي إلى هذه الأحوال لا أنّ الطبيعة نفسها طالبة لهذه الأحوال، مثلاً إنّ حرارة الشمس تبخّرماء الورد فيصير الورد ذابلاً بالضرورة، لا أنّ طبيعة الورد طالبة للذبول.
إذ الغايات المترتّبة على الأفعال كنفس الأفعال ممكنة من الممكنات فلابدّ لها من
فاعل ذاتيّ ترتبط به تحقّقها فلو جاز أن يتحقّق هذه الغايات الممكنة من دون ارتباط
إلى فاعل ذاتيّ تستند إليه لجاز مثل ذلك في نفس الأفعال أيضا ؛ إذ حكم الأمثال فيما
يجوز و لا يجوز واحد، لكن التالي باطل فكذا المقدّم.
أي في الفصل الخامس من المرحلة السادسة.
سواء كانت جهة فعليّته فعليّة لصورة واحدة كالجسم أو فعليّة لصور متعدّدة متراكبة كالحيوان، فإنّ الحيوان أيضا مادّة ثانية مع أنّ جهة الفعليّة فيه متعدّدة، فإنّ فيه الصورة الجسميّة و النباتيّة و الحسّاسيّة.
فإن قلت: «إنّ هذه الحجّة مبتنية على قبول المادّة كقوّة محضة و هو ممنوع».
قلت: كلاّ فإنّ المادّة الثانية كالمادّة الأولى قابلة للصّور اللاّحقة و القابل في
مرتبة ذاته فاقد لمقبوله و إن كان واجدا لغيره، فإنّ الجسم مثلاً اذا كان قابلاً
للصورة النباتيّة كان فاقدا لها في مرتبة ذاته و ان كان واجدا للصورة الجسميّة و
إذا كان الجسم في مرتبة ذاته فاقدا للصورة النباتيّة لا يمكن أن يعطيها فلابدّ من
فاعل آخر يعطي الجسم الصورة النباتيّة و هو المطلوب.
فإن قلت: يمكن أن يكون مراد الطبيعيّين من المادّة، المادّة الفيزيائيّة الّتي هي
الأجسام و الأجسام واجدة لكمالاتها الأولى و الثانية فيمكن أن يعطي كلّ جسم غيره
كماله الأوّل أو الثاني.
قلت: ننقل الكلام في الكمالات الأولى و الثانية الّتي كانت لأوّل جسم معطٍ و نقول
ما المعطي للجسم الأوّل ، تلك الكمالات ؟ و ما موجدها فيه؟ فإن أجابوا: أنّ الجسم
الأوّل المعطي قديم بالذات واجب بالذات. قلنا: لا يمكن ذلك لأنّ الواجب بالذات وجود
صرف فلا ماهيّة له لكن لوجود الجسم ماهيّة فلا يكون واجبا، و إن أجابوا: أنّ
المادّة الأولى قد أعطت الجسم الأوّل تلك الكمالات، قلنا: المادّة الأولى قابلة و
فاقدة لتلك الكمالات الأولى و الثانية فلايمكن أن تعطيها، و إن أجابوا: أنّ غير
المادّة الأولى يعطيها، قلنا: هذا صحيح لكنّه مناقض لقولهم: «إنّ العلّيّة منحصرة
في المادّة».
توضيحه بشكل منطقي هكذا:
المادّة لاتوجب وجود المعلول لكن العلّة التامّة توجب وجود المعلول فينتج من الشكل
الثاني أنّ المادّة ليست علّة تامّة للمعلول فيحتاج في وجوده إلى غير المادّة و هو
المطلوب.
أمّا بيان الكبرى فلما تقدّم في الفصل الثالث؛ و أمّا بيان الصغرى فلأنّ المادّة
قابلة و النسبة بين القابل و المقبول بالإمكان بالقياس لا بالوجوب، حيث إنّ القابل
كالّلوح يمكن أن يوجد بدون مقبوله كالنقش، فإذن لا وجوب هناك حتّى تكون المادّة
موجبا له.
فإن قلت: الوجوب المراد في صغرى القياس هو الوجوب الغيريّ لا الوجوب بالقياس كما
يشعر به قول المصنّف: «الشيء ما لم يجب لم يوجد» و ما قلتم في بيان الصغرى هو
الوجوب بالقياس لا الوجوب الغيريّ فلا يتبيّن الصغرى بهذا البيان.
قلت: الوجوب بالقياس و الوجوب الغيريّ في المعلول شيء واحد و التفاوت بالاعتبار
فإذا لم يكن بين القابل و المقبول وجوب بالقياس لم يكن هناك وجوب غيريّ أيضا فلا
تكون المادّة موجبا و بهذا التقرير يندفع ما قيل من «أنّ في هذه الحجّة خلطا بين
الإمكان الاستعداديّ و الإمكان الذاتيّ»، لأنّ الإمكان في هذه الحجّة عبارة عن
الإمكان بالقياس لا الذاتيّ و لا الإستعداديّ.
إذ لازم كون العلّة واحدة ذاتا و صفة كون فعله واحدا ذاتا و صفة و لازم الاختلاف بين الأشياء كثرتها فيكون فعله الواحد عين الأشياء الكثيرة.
بمعنى أنّ الصور السابقة تصير موجودة بوجود الصورة الأخيرة فتصير الأفعال و الآثار الصادرة عن الصور السابقة مستندة إلى وجود الصورة الأخيرة و ذلك لأنّ الصورة عين الفصل و التفاوت بالاعتبار و الفصل الأخير متّحد الوجود مع الفصول و الأجناس السابقة و لذا يحمل عليها فيكون لكلّها وجود واحد و إذا كان هناك وجود واحد، فذلك الوجود الواحد إمّا أن يكون للفصل الأخير و وجودات الفصول و الأجناس السابقة منطوية فيه و إمّا أن يكون بالعكس لكن الثاني باطل لأنّ وجود الفصل الأخير أشدّ و أكمل و لا ينطوي الأكمل بما هو أكمل في الأضعف فثبت الأوّل و هو المطلوب.
توضيحه: أنّ المادّة عين الجنس و الجنس مبهم و المبهم لا وجود محصّلاً له حتّى
ينضمّ إلى شيء آخر و أيضا المادّة صرف القوّة و القوّة المحضة لا وجود لها بالفعل
حتّى تنضمّ إلى شيء آخر بالفعل.
وهي العلل الّتي تصاحب الهيولى.
التناهي و اللاتناهي من الأعراض الذاتيّة الّتي تلحق الكمّ لذاته وتلحق بمايتعلّق به الكمّ، بالعرض ففرض التناهي و اللاتناهي في أثر العلل الجسمانيّة إمّا بحسب عدد الآثار و هو التناهي و اللاتناهي بحسب العدّة و إمّا بحسب زمان الآثار و حينئذٍ إمّا أن يعتبر الزمان من حيث الزيادة و الكثرة و هو التناهي و اللاتناهي بحسب المدّة، فإنّ كان زمان أثر غير متناه يقال: إنّ العلّة غير متناهية الأثر مدّة و إن لم يكن كذلك يقال: إنّ العلّة متناهية الأثر مدّة و إمّا أن يعتبر من حيث النقصان و القلّة و هو التناهي و اللاتناهي بحسب الشدّة فإنّ كان زمان أثر غير متناه قلّة يقال: إنّ العلّة غير متناهية الأثر شدّة و إن لم يكن كذلك يقال: إنّ العلّة متناهية الأثر شدّة.
أمّا من حيث المدّة فلأنّ القوى المؤثّرة المنحلّة في كلّ جزءِ من الحركة محدودة
زمانا لأنّ كلّ جزءِ محفوف بالعدم السابق و العدم اللاحق، فكذا القوى الموجودة فيه،
فالآثار الصادرة عن القوى المحدودة زمانا، محدودة زمانا،مثلاً جسم الشجرة متحرّك
بالحركة الجوهريّة و كلّ جزءِ من هذه الحركة محفوف بالعدم السابق و العدم اللاحق
فهو محدود زمانا فالقوى الموجودة فيه محدودة زمانا، فالأثمار الصادرة عن تلك القوى
المحدودة زمانا ،محدودة زمانا.
و أمّا من حيث العدّة، فلأنّ القوى المؤثّرة المنحلّة في كلّ جزءِ من الحركة محدودة
عددا (لأنّ كلّ جزءِ من الحركة محدود ذاتا و زمانا) فأثرها أيضا محدود عددا و إلاّ
يصدر عن الواحد أكثر من الواحد، مثلاً كلّ جزءِ من أجزاء الحركة الجوهريّة للشجرة
محدود ذاتا و زمانا فالقوى الموجودة في ذلك الجزء محدود عددا فالأثمار الصادرة من
تلك القوى المحدودة عددا، محددة عددا.
و أمّا من حيث الشدّة، فلأنّ كلّ جزءِ من الحركة (و إن كان لها سرعة شديدة) لابدّ
له من زمان فالقوى الموجودة في ذلك الجزء أيضا لها زمان، فلا يمكن أن تكون تلك
القوى بلا زمان فتلك القوى محدودة شدّة (أي من حيث قلّة الزمان) فلا يمكن أن يكون
سرعة حركاتها شديدة بحيث توجب شدّة سرعتها نفي الزمان من رأسه فالآثار الصادرة عن
تلك القوى المحدودة شدّة، محدودة شدّة، مثلاً القوى الموجودة في كلّ جزءِ من الجسم
المتحرّك للشجرة وقعت في زمان و إن قلّ فالأثمار الصادرة عن تلك القوى وقعت في زمان
و إن قلّ فالقوى محدودة الأثر شدّة.
قوله: و أيضا ...
أي كما أنّ تناهي الأثر حكم من أحكام العلل الجسمانيّة كذا هذا حكم آخر من أحكامها
و ليس المراد أنّ هذه حجّة أخرى للحكم السابق كما توهّم.
توضيحه يتوقّف على أمرين:
الأوّل أنّ القوّة الفاعلة إذا كانت محتاجة في ذاتها إلى المادّة الجسمانيّة كانت
محتاجة في إيجادها و تأثيرها إليها أيضا؛ لأنّ الفاعل فاعل بذاتها لا بغيرها،
فحيثيّة ذاته عين حيثيّة فاعليّته و تأثيره فلو لم تحتج في حيثيّة فاعليّته و
إيجاده إلى المادّة الجسمانيّة لم تحتج في حيثيّة ذاتها إليها و هو خلاف المفروض.
الثاني أنّ وجود المادّة الجسمانيّة وجود وضعيّ بمعنى أنّ الوضع من اللوازم غير
المتأخّرة عن مرتبة وجود الجسم، إذ لو كان الوضع متأخّر الوجود عن مرتبة وجود
الجسم للزم أن يكون الجسم مجرّدا أو نقطة، لأنّ فرض نفي الوضع عن مرتبة ذات الجسم
هو بأن لا يكون في مرتبة ذاته أجزاء، إذ لو كان في مرتبة ذاته أجزاء لتحقّق النسبة
بين تلك الأجزاء بالتقدّم و التأخّر و الفوقيّة و التحتيّة و غيرها فيتحقّق الوضع و
قد فرض أن لا وضع في تلك المرتبة هذا خلف و إذا لم يكن في تلك المرتبة أجزاء فالجسم
يجب أن يكون نقطة أو مجرّدا لكن هذا التالي باطل بالضرورة فكذا المقدّم، فإذن ثبت
أنّ الوضع من اللوازم غير المتأخّرة عن وجود الجسم و مثل هذا الّلازم وجوده عين
وجود ملزومه فيكون الوضع عين الجسم وجودا.
إذا عرفت هذين الأمرين نقول: إنّ القوى الجسمانيّة محتاجة في إيجادها و تأثيرها إلى
المادّة الجسمانيّة ـ بناءاً على ما مرّ في الأمر الأوّل لكن احتياجها فيه إلى
المادّة الجسمانيّة عين احتياجها إلى الوضع بناءاً على ما مرّ في الأمر الثاني من
كون الوضع عين الجسم وجودا، فالقوى الجسمانيّة محتاجة في إيجادها إلى الوضع و
هوالمطلوب.
هذا غاية مايمكن أن يقال في توجيه هذه الدعوى و تعليلها، لكن يمكن أن يعترض عليه
بأنّ المقدّمة الثانية لو سلّمت لسلّمت بالنسبة إلى الوضع الذي بمعنى جزء المقولة،
أي الهيأة الحاصلة من نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض؛ أمّا الوضع بمعنى النسبة بين
الجسم و خارجه الذي هو من فعله ـ كما هو المراد هنا ـ فلا نسلّم أنّه من لوازم
الجسم كما أنّ مجموع العالم الجسمانيّ خالٍ عن الوضع بهذا المعنى و لو سلّم أنّه من
لوازم الجسم لا نسلّم أنّه من الّلوازم غير المتأخّرة لأنّ تحقّقه يحتاج إلى أمر
خارج عن ذات الجسم، فليس وجوده بعين وجود الجسم حتى يقال: احتياج القوى الجسمانيّة
إلى المادّة الجسمانيّة عين احتياجها إلى الوضع و لمثل هذا الاعتراض عبّر المصنّف
بكلمة «قالوا» حين الورود في الاستدلال.
قوله: حاجتها إلى المادّة في إيجادها هو أن يحصل لها بسبب المادّة وضع خاصّ.
أي حاجة القوى الجسمانيّة في الإيجاد إلى المادّة الجسمانيّة راجعة إلى حاجتها إلى
الوضع بسبب كون المادّة عين الوضع وجودا ـ كما تقدّم توضيحه في الأمر الثاني في
الحاشية السابقة ـ ثمّ اعلم أنّ المراد من المادّة هنا المادّة الثانية أي الجسم لا
الهيولى فإنّ الهيولى ليست وجودها وضعيّا.