المرحلة السابعة
في الواحد و الكثير
و فيها تسعة فصول

 

الفصل الأوّل

في الواحد و الكثير
قوله: ... الانقسام الّذي هو الكثرة

في كون الانقسام عين الكثرة مفهوما تأمّل بل منع، إذ الانقسام عبارة عن تفرّق المجتمعات و الكثرة عبارة عن اجتماع المتفرقات و من المعلوم أنّ الأوّل مغاير للثّاني و لذا يقال إنّ الأربعة تنقسم بمتساويين و لايقال انّها تتكثّر بمتساويين.

قوله: و قد كانت الكثرة مأخوذة في حدّ الواحد

إذ قد أخذ نفي الانقسام في تعريف الوحدة و الانقسام المنفيّ هو الكثرة على ما قالوا.

قوله: أنّ الموجود ينقسم إلى الواحد و الكثير

إن قلت: «إنّ ما يكون بالذّات واجدا للانقسام بالفعل هو العدد و قد حقّقنا أنّه أمر اعتباريّ لاوجود حقيقيّا له، و أمّا المعدودات فليس لمجموعها وجود و لا وحدة، و أمّا كلّ واحد منها فله وجود و وحدة إلاّ أنّه لا يتّصف بالكثرة، و أمّا الوحدات غير الحقيقيّة فسيأتي أنّها مجازيّة لايصحّ عدّ البحث عنها بحثا فلسفيّا فتقسيم الموجود إلى الواحد و الكثير لايرجع إلى محصّل».
قلت: إن كان المراد من اعتباريّة العدد أنّه لا واقعيّة له في الخارج أصلاً، فذلك باطل كما تقدّم في المرحلة السابقة، فإنّ الأشياء الموجودة متّصفة بالأعداد في الخارج، فإنّ هذه الكتب مثلا ثلاثة في الخارج، فظرف الاتّصاف الخارج و ثبوت الثلاثة للكتب في الخارج فرع ثبوت الثلاثة فيه لأنّ ثبوت شيء لشيء في الخارج فرع  ثبوت الثابت فيه، فالثلاثة موجودة في الخارج، و إن كان المراد منها أنّ العدد لايكون موجودا إلاّ بوجود موضوعه كما أنّ الأمرفي الوحدة كذلك، فذلك مسلّم لكن لايضرّ هذا بتقسيم الموجود إلى الواحد و الكثير إذ كلّ من القسمين متحقّق.

قوله: و ربما يتوهم أنّ انقسام الموجود...

توضيح الأشكال: أنّ الكثير من حيث هو كثير، موجود و الكثير من حيث هو كثير ليس بواحد، فينتج من الشكل الثالث أنّ بعض الموجود ليس بواحد، أمّا الصغرى فلما تقدّم من أنّ الموجود ينقسم إلى الواحد و الكثير، فالكثير قسم خاصّ من مطلق الموجود و كلّ ما ثبت الخاصّ ثبت العامّ فكلّما ثبت الكثير ثبت أنّه موجود، و أمّا الكبرى فلأنّ الواحد و الكثير قسيمان، و القسيمان متباينان، فالكثير ليس بواحد فإذن ثبتت النتيجة و هي: أنّ بعض الموجود ليس بواحد و هذه القضيّة تناقض قولهم «كلّ موجود فهو واحد».
والجواب: أنّ المراد بالواحد في كبرى القياس إن كان الواحد بالوحدة العامّة منعنا الكبرى، إذ الواحد بالوحدة العامّة شامل للكثير أيضا، و إن كان المراد به الواحد بالوحدة الخاصّة الّتي هي مقابلة للكثرة؛ سلّمنا الكبرى لكن النتيجة الحاصلة من القياس ليست إلاّ قولنا: « بعض الموجود ليس بواحد بالوحدة الخاصّة»؛ و من المعلوم أنّ هذه القضيّة لاتناقض قولنا: «كلّ موجود فهو واحد»؛ إذ الواحد في هذا القول هو الواحد بالوحدة العامّة فالمحمول في القضيّتين مختلف، مع أنّ وحدة المحمول شرط للتناقض.

قوله: فكلّ ذلك من الاختلافات التشكيكيّة

فإنّ لحقيقة الوجود في نفسها أوصافا تساوي حقيقة الوجود، فتدور حيثما دار الوجود و تظهر حيثما ظهر كالوحدة و الفعليّة و الخارجيّة و غيرها، ثمّ لمّا كان حقيقة الوجود ذات مراتب مختلفة و كان بعض مراتبها أشدّ و أقوى بالقياس إلى بعض كان من الواجب أن تكون أوصافها المساوية لها ذات مراتب مختلفة، فكان بعض مراتبها أشدّ و أقوى من بعض و هذا يوجب نوع انقسام بين مصاديق تلك الأوصاف كما توجب ذلك بين مصاديق نفس الحقيقة.
 

الفصل الثانى

في أقسام الواحد
قوله: و الأوّل هو صرف الشيء ...

المراد بصرف الشيء الوجود، لأنّه الأصيل الواقع حقيقة فهو الشيء حقيقة و هو صرف، إذ لا غير حتى يتخلّل الوجود أو في مراتبه، فالوجود و مراتبه صرف خالص عن الأغيار فإذن الصرف من كلّ شيء وجوده؛ ثمّ إنّ الوحدة في كلّ وجود عين الواحد لأنّ كلّ وجود موجود بنفس ذاته لا بوجود زائد فالوجود عين الموجود، فيجب أن يكون الوحدة عين الواحد و إلاّ كان كلّ وجود موجودا في مرتبة ذاته و ليس بواحد في تلك المرتبة و هذا يبطل التساوق بين الوجود و الوحدة.

قوله: لايتثنّى و لايتكرّر ...

إذ لو تثنّى لامتاز كلّ منهما بشيء ليس في الآخر، فلا يكون شيء منهما صرفا، هذا خلف.

قوله: و غيره أمّا وضعيّ كالنقطة ...

أي يقبل الإشارة الحسّيّة.

قوله: و إمّا واحد بالعموم بمعنى السعة الوجوديّة ...

في كون الواحد بالعموم بمعنى السعة الوجوديّة من أقسام الواحد بالوحدة غير الحقّة تأمّل؛ إذ الوجود عين الوحدة فكما أنّ الوجود موجود بنفس ذاته كذلك الوحدة في الوجود واحدة، بنفس ذاتها، فليس الوحدة هنا زائدة على الواحد حتى يكون هذا الواحد من أقسام الواحد غير الحقّة.

قوله: كالوجود المنبسط ...

هو عبارة عن حقيقة الوجود مقيّدة بالإطلاق و يسمّى عند العرفاء بالنفس الرحمانيّ و الفيض المقدّس و الحقيقة المحمّديّة، و الدليل على انبساطه على كلّ الوجودات الإمكانيّة إطلاقه؛ إذ لو لم يكن جامعا بوجوده البسيط لكلّ الوجودات الإمكانيّة، لكان فاقدا لمرتبة من مراتب الوجود، فيلزم تقيّده فيخرج عن الإطلاق و المفروض خلافه، هذا خلف.

قوله: كذا قرروا ...

لعلّه إشارة إلى أنّ الواحد السعيّ ليس من أقسام الواحد غير الحقّة كماتقدّم منّا.
 

الفصل الثالث

في الهوهويّة
قوله: الهوهويّة ...

الهوهويّة مصدر جعليّ مأخوذ من «هو هو» و المراد بأحد الضميرين الموضوع و بالآخر المحمول.

قوله: و إذا انقسم بأحد أنحاء القسمة بطلت هويّته الواحدة ...

فيه تأمّل، إذ الكثرة الفرضيّة لاتنافي الوحدة الواقعيّة، فيجوز لنا أن نفرض في الخطّ مثلا أجزاء فرضيّة و هو مع ذلك حقيقة متّصلة واحدة في الواقع، فجهة الاختلاف الّتي هي الكثرة الفرضيّة اجتمعت مع جهة الاتّحاد الّتي هي الوحدة الواقعيّة؛ فالتحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الحمل في مثل قولنا: «هذا النصف من الذارع هو النصف الآخر» ليس باطلاً بل هو صحيح ،إذ مفاده عبارة عن الحكم بالاتّحاد الواقعيّ بين الموجودين الفرضيّين، أي إنّ النصف الذي نفرضه مغايرا للنصف الآخر متّحد معه في الوجود واقعا ليس بينهما انفصال واقعيّ، فالاتّصال الواقعيّ بينهما يجعلهما واحدا واقعا و إن كانا عند فرضنا مختلفين.

قوله: فإنّ الجنس هو النوع مبهما

قد تقدّم البحث عنه في الفصل الخامس من المرحلة الخامسة، فراجع إن شئت.

قوله: لمّا كان هذا الحمل ربّما يعتبر في الوجود العينىّ ...

الحمل عبارة عن الإتّحاد بوجه بين المختلفين بوجه، فإن كان هذا الاتّحاد في الذهن كان الحمل ذهنيّا كاتّحاد الموضوع و المحمول في القضيّة المعقولة، و إن كان في الخارج كان الحمل خارجيّا كاتّحاد الوجود مع شؤونه الذاتيّة في الخارج، مثلاً الذات الوجوديّة الّتي للمعلول في مرتبة العلّة عين الذات الوجوديّة الّتي للعلّة، فهما متّحدتان في تلك المرتبة في الخارج و إن اختلفتا من حيث إنّ تلك الذات للعلّة أوّلاً و للمعلول المتّحد معها ثانيا فهذا نوع من الحمل الخارجيّ.

قوله: كما في قولنا: «زيد إنسان» ...

مثّل بثلاثة أمثال: لأنّ الاتّحاد بينهما إمّا أن يكون في الوجود بالذات بأن يكون الاتّحاد في وجود منسوب إليهما بالذات كما في المثال الأوّل، فإنّ الوجود المنسوب إلى زيد هو بعينه منسوب إلى الإنسان أيضا بالذات، و إمّا أن يكون في الوجود بالعرض بأن يكون الاتّحاد في وجود منسوب إلى أحدهما بالذات و إلى الاخر بالعرض كالمثال الثاني، فإنّ الاتّحاد في وجود منسوب إلى الموضوع بالذات و إلى المحمول بالعرض، أو يكون الاتّحاد في وجود منسوب إليهما بالعرض، كما في المثال الثالث، فإنّ الاتّحاد في وجود منسوب إلى الموضوع و المحمول بالعرض.

قوله: و هو وحدة الكثير ...

لأنّ كثرة الحدّ تدلّ على كثرة المحدود، فكثرة الماهيّة الّتي هي حدّ للوجود تدلّ على كثرة الوجود مع أنّ المفروض كون الوجود واحدا.

قوله: انّما يتحقّق في الوجود النعتيّ ...

لأنّ الوجود النفسيّ وجود ينتزع منه الماهيّة الّتي هي حدّ موجب لسلب ما ورائه عن المحدود، فيكون الوجود النفسيّ وجودا بشرط لا و الوجود بشرط لا، يأبى عن الاتّحاد مع غيره، بخلاف الوجود النعتيّ حيث أنّه لاينتزع منه الماهيّة، فيكون وجودا لابشرط فلا يأبي عن الاتّحاد، فالاتّحاد بين الموضوع و المحمول إنّما يقع في الوجود النعتيّ لا في النفسيّ.

قوله: أحد المختلفين هو الذات بوجوده النفسيّ ...

هذا و إن كان عدولاًعن التعريف الذي ذكر للحمل الشايع حيث إنّ جهة الاختلاف في ذلك التعريف عبارة عن اختلاف مفهومي الموضوع و المحمول و هي فيما  ذكره الآن عبارة عن اختلاف وجودهما النفسيّ، لكن المآل واحد إذ الاختلاف بين مفهوميهما ناشٍ عن الاختلاف بين وجودهما النفسيّ.

قوله: هذا معنى قول المنطقيّين ...

تقدّم أنّ الاتّحاد يقع في الوجود النعتيّ بأن يكون المحمول بوجوده الناعت متّحدا مع الموضوع بوجوده المنعوت و هذا راجع إلى قول المنطقيّين حيث إنّهم حلّلوا القضيّة الى عقدين: عقد الوضع و هو اتّصاف ذات الموضوع بوصفه العنوانيّ؛ و عقد الحمل و هو اتّصاف ذات الموضوع بوصف المحمول، ثمّ قالوا: إنّ المعتبر في عقد الوضع هو الذات أي الملحوظ فيه بالأصالة هو الذات المنعوتة و أمّا وصفه الناعت فهو مرآة بها ينظر إلى تلك الذات و قولهم هذا بحذاء ما قلنا من أنّ الموضوع هو الوجود المنعوت؛ و المعتبر في عقد الحمل هو الوصف و هذا القول بحذاء ما قلنا من أنّ المحمول هو الوجود الناعت.

قوله: و هيهنا نوع ثالث من الحمل ...

و هذا الحمل ينقسم إلى قسمين، لأنّ الاختلاف بالكمال و النقص إمّا أن يكون فعليّا بأن يكون اختلاف المرتبة بين الموضوع و المحمول بالفعل، كأن يقال: المعلول هو العلّة وجودا، فإنّ المعلول و إن كان موجودا بوجود علّته، لما سيأتي في مرحلة العلّة و المعلول إلاّ أنّ مرتبة وجوده الخاصّ أضعف من مرتبة علّته بالفعل، و إمّا أن يكون شأنيّا بأن يكون الموضوع متّحد الوجود و المرتبة مع المحمول لكن إذا صدر أحدهما عن الاخر صار أضعف وجودا من مصدره كقولنا: بسيط الحقيقة كلّ الأشياء الوجوديّة، فإنّ الأشياء الوجوديّة موجودة في مرتبة بسيط الحقيقة بعين وجود بسيط الحقيقة و بعين مرتبته، لكنّها إذا صدر شيء منها عنه صار أضعف وجودا منه، فحمل الأشياء الوجوديّة على بسيط الحقيقة من أقسام حمل الحقيقة و الرقيقة و إن لم يكن اختلاف المرتبة بالفعل.
 

الفصل الرابع

في أقسام الحمل
قوله: كالإنسان كاتب و الكاتب متحرّك الأصابع ...

مثّل بالمثالين، إذ لا فرق بين أن يكون أفراد الموضوع موجودة بالذات كما في المثال الأوّل أو تكون موجودة بالعرض كما في المثال الثاني.

قوله: الثانيما كان لموضوعه أفراد مقدّرة ...

أي كان لموضوعه أفراد لايمكن أن يكون لها تحقّق بحسب نفس الأمر و الواقع بل بحسب الفرض و الاعتبار بخلاف القضايا البتيّة؛ فإنّ لموضوعها أفرادا يمكن أن تتحقّق بحسب نفس الأمر و الواقع و إن كانت غير موجودة بالفعل.

قوله: الهلّيّة المركّبة ما كان المحمول فيها أثرا من آثاره ...

المقسم في هذا التقسيم و ما قبله الحمل الشايع فلايرد أنّ الحمل في مثل «الإنسان حيوان ناطق» خارج من أطراف التقسيم.

قوله: بتبديل الفرعيّة من الاستلزام ...

هذا القول للمحقّق الدواني و جعَل الاستلزام بدل الفرعيّة، إذ الفرعيّة تقتضي تأخّر الفرع عن الأصل في الخارج بخلاف الاستلزام حيث أنّه لايقتضي تأخّر المستلزَم عن المستلزِم في الخارج، كما يقال: المعلول مستلزم للعلّة، فإنّ هذا الاستلزام لايقتضي تأخّر العلّة في الخارج عن المعلول.

قوله: و أسوء حالا منه قول بعضهم ...

إذ لاتخصيص في القاعدة العقليّة و هذا القول للفخر الرازيّ.
 

الفصل الخامس

في الغيريّة و أقسامها
قوله: و تسمّى تقابلاً ...

الحقّ أنّ التقابل أخصّ من الغيريّة الذاتيّة، كما عليه صدرالمتألّهين(1) و ذلك لجواز تحقّق الغيريّة الذاتيّة بدون تحقّق التقابل، فإنّ كلّ مفهوم من المفاهيم منعزل بذاته عن غيره، فيدفع كلّ منهما الآخر بذاته فيتحقّق الغيريّة الذاتيّة بينهما و مع ذلك لا يكون‏التدافع من أقسام التقابل كما سيصرّح به المصنّف في بحث التضاد، فإذن الغيريّة الذاتيّة أعمّ من التقابل و السرّ في ذلك: أنّ الكثرة الحقيقيّة لا تتحقّق إلاّ بالامتياز الذاتيّ بين الأفراد، و لازم الامتياز الذاتيّ التدافع الذاتيّ فيدفع كلّ منها الآخر بذاته، فإذن الكثرة الحقيقيّة تكفي في تحقّق الغيريّة الذاتيّة لكن لا تكفي في تحقّق التقابل، لأنّ للتقابل شرائط أخرى كما سيأتي كاعتبار الموضوع أو ما يجري مجراه فما قاله المصنف هنا من أنّ الغيريّة الذاتيّة تسمّى تقابلاً محلّ تأمّل.

1 - الأسفار: 2 / 101.

قوله: إنّ متن القضيّة كالموضوع لهما ...

سيأتي أنّ من الواجب في التقابل اعتبار أمر ثالث يتعاقبان عليه المتقابلان و هذا الأمر الثالث في التناقض متن القضيّة لأنّها الّتي يرد عليها السلب و الإيجاب.

قوله: التقييد بوحدة الزمان ليشمل ما كان من التقابل زمانيّا ...

أمّا ما خرج عن دائرة الزمان من مصاديق التقابل، فلا ملزم لتقييده بالزمان و بوحدته كوجود الواجب و عدمه، فإنّهما متقابلان و لايتوقّف تقابلهماعلى وحدة الزمان.

قوله: لأنّ أحد المثلين لايدفع الآخر بذاته ...

لأنّ المثلين من جهة ذاتهما المشتركة متلائمان فلا تدافع بينهما أصلاً.
 

الفصل السادس

في تقابل التناقض
قوله: فالتناقض في الحقيقة بين الإيجاب و السلب ...

لأنّ الصدق و الكذب من أوصاف القضايا الموجبة و السالبة، إذ الصدق عبارة عن: مطابقة الخبر للواقع، و الكذب عبارة عن: عدم مطابقته للواقع؛ فما لم يكن هناك قضيّة خبريّة لم يكن هناك صدق أو كذب و لذا لايتّصف المفردات و المركّبات الناقصة حتّى قولنا: «إن جاء زيد» بالصدق و الكذب، فلو كان التناقض واقعا في المفردات بما هي مفردات لايصحّ أن يقال: النقيضان لايصدقان معا و لا يكذبان معا.

قوله: أخذناه في نفسه ...

أي أخذناه لا بحسب انتسابه إلى شيء آخر بالحمل.

قوله: أنّ التقابل قائم بالمفهومين ...

أي لايكون التناقض من طرف واحد كما توهّم من قولهم: «نقيض كلّ شيء رفعه» حيث إنّ العدم رفع للوجود و الوجود ليس رفعا للعدم بل رفعه عدم العدم.

قوله: و ضروريّ أنّه لو لم يعتبر الثبوت...

توضيحه:أنّ الإنسان و اللاإنسان باعتبار كونهما مفهومين مطاردين لايتناقضان؛ لأنّ التطارد المفهوميّ يوجد بين كلّ مفهومين مفروضين فلو كان التطارد المفهوميّ معيارا لوقوع التناقض لكان كلّ مفهومين مفروضين متناقضين وهو باطل بالضرورة؛ و كذا إنّهما لايتناقضان باعتبار أنّ أحدهما مفهوم الإنسان و الآخر مفهوم عدم الإنسان، لأنّ احد النقيضين يجب أن يكون معدوما و ليس شيء من مفهومي  الإنسان و اللاإنسان كذلك أمّا الأوّل فواضح و أمّا الثاني فلأنّ مفهوم اللاإنسان و إن كان عدما بالحمل الأوليّ، لكنّه من الموجودات بالحمل الشايع فإذن لابدّ في التناقض بينهما من حكاية أحدهما عن ثبوت الإنسان في الواقع و حكاية الآخر عن نفي ذلك في الواقع و هذا هو مفاد الهليّتين البسيطتين، فالتناقض يقع بينهما أصالة و بين المفردين بالتبع.

قوله: أنّ العقل إنّما ينال مفهوم الوجود...

لا يخفى أنّ هذا البيان قاصر عن إفادة المقصود، لأنّ غاية ما يثبت به: أنّ العقل ينال أوّلاً مفهوم التناقض من طريق القضايا؛ لانّه ينال أوّلاً مفهوم الوجود و العدم من الوجود الرابط و عدمه في القضايا، لكن فرق بعيد بين أن يقال إنّ التناقض يقع أوّلاً بين السلب و الإيجاب و أن يقال إنّ العقل ينال أوّلاً التناقض بين السلب و الإيجاب.

قوله: أريد به السلب و الإيجاب...

تعريض على المحقّق اللاهيجيّ في الشوارق حيث فسرّ «القول و العقد» في عبارة التجريد بالوجود اللفظيّ و الذهنيّ، فيكون معنى العبارة على هذا التفسير هكذا: «إنّ تقابل السلب و الإيجاب إنّما يقع في الوجود اللفظيّ و الذهنيّ لا في الخارجيّ»، و المصنّف استظهر أنّ المراد بالعبارة أنّ تقابل السلب و الإيجاب إنّما يقع في القضيّة لا في المفرد.

قوله: أريد فيه بالرفع الطرد الذاتيّ ...

لمّا كان قولهم «نقيض كلّ شيء رفعه» ظاهرا في أنّ التناقض جارٍ من طرف واحد حيث إنّ العدم رفع للوجود و ليس الوجود رفعا للعدم بل رفعه عدم العدم حاولوا تصحيح ذلك بوجوه. منها توجيه بعضهم بأنّ المراد بالرفع الرفع بمعناه المصدريّ الأعمّ الممكن أخذه بمعنى الفاعل و المفعول، فالعدم رفع للوجود بمعنى الرافعيّة و الوجود رفع للعدم بمعنى المرفوعيّة، و منها تصحيح بعضهم بالعدول عن ذلك إلى قولهم «رفع كلّ شيء نقيضه» أي قالوا كل ما هو رفع لشيء فهو نقيض له لكن ليس كلّ نقيض للشيء رفعا له، فللعدم نقيضان: أحدهما عدم العدم و الآخر الوجود.
و منها ما وجّهه المصنّف من أنّ المراد بالرفع الطرد الذاتيّ لا السلب و من المعلوم أنّ الوجود يطرد بذاته العدم كما أنّ العدم يطرد بذاته الوجود.
أقول: يرد على الوجه الثاني أنّ هذا التصحيح تسليم للإشكال و على توجيه المصنّف  أنّ الطرد الذاتيّ أعمّ من الطرد الموجود في التناقض، فلا يكون التعريف مانعا عن الأغيار نعم لو كان الطرد الذاتيّ منحصرا في الطرد الموجود بين الوجود و العدم لصحّ ذلك.

قوله: أنّ تقابل النقيضين إنّما يتحقّق في الذهن ...

ليس المراد أنّ التناقض إنّما يقع في الذهن إذ لو كان المراد هذا لم يقع تطارد بين الوجود و العدم في الخارج، فجاز اجتماعهما في الخارج و هو باطل بالضرورة بل المراد أنّ الذهن يعتبر للعدم شيئيّة في الخارج فإذا اعتبره الذهن شيئًا في الخارج وقع التناقض بينهما في الخارج واقعا و لا بُعد في وقوع التناقض بينهما بحسب الواقع مع كون العدم شيئًا بالفرض، لأنّه نظير الملازمة الواقعيّة بين المقدّم المفروض و تاليه في القضيّة الشرطيّة.

قوله: يتوقّف عليها صدق كلّ قضيّة مفروضة ...

إن قلت: يمكن صدق القضايا و لو أنكرنا المنفصلة، لأنّ كذب المنفصلة الحقيقيّة إمّا بصدق طرفيها، أو بكذب طرفيها فنفرض أنّ طرفي تلك المنفصلة صادقان، فالسلب و الإيجاب صادقان و كلّ قضيّة مفروضة لاتخلو من أمرين: إمّا موجبة أو سالبة و المفروض أنّ الإيجاب و السلب كليهما صادقان، فالقضيّة المفروضة صادقة في فرض إنكار المنفصلة.
قلت: لو صدق السلب و الإيجاب في كلّ قضيّة لكان تلك المنفصلة و سلبها صادقين أيضا و إذا كان تلك المنفصلة و سلبها صادقين كانت المنفصلة صادقة بالضرورة و إذا كانت صادقة وجب الحكم بمفادها و هو إمّا أن يصدق السلب أو يصدق الإيجاب، فلا يجتمعان في الصدق، فصدق كلّ قضيّة مفروضة يتوقّف على كذب نقيضها و إلاّ اجتمعا في الصدق و هذا خلف.
 

الفصل السابع

في تقابل العدم و الملكة
قوله: و هما أمر وجوديّ عارض لموضوع...

قيل: «الحقّ أنّ تقابل العدم و الملكة ليس قسما برأسه بل هو قسم من تقابل التناقض». لكن فيه أنّ أحكام الأعمّ جارية على الأخصّ فلو كان تقابل العدم و الملكة قسما من التناقض لكان ارتفاع العدم و الملكة محالا، إذ ارتفاع النقيضين محال بالضرورة لكن التالي باطل، فإنّ الجدار مثلا لايكون بصيرا و لا أعمى، فالمقدّم مثله.

قوله: من شأنه أن يتّصف به ...

أي الموضوع بطبعه ـ لولا المانع ـ يقتضي أن تكون الملكة ثابتة له كالإنسان مثلا الّذييقتضي بطبعه لولا المانع أن يكون بصيرا و هذا بخلاف الموضوع في التناقض، فإنّ الموضوع متساوي النسبة إلى طرفي الوجود و العدم فلا يقتضي شيئًا منهما كالإنسان مثلاً، فإنّه لايقتضي الوجود و لا العدم بل يتساوي نسبته إليهما.

قوله: و عليه فمرودة الإنسان قبل أوان البلوغ...

إذ الأمرد ليس من شأنه أن يكون ملتحيا قبل أوان بلوغه، فلا يكون عدم التحائه في ذلك الوقت عدم ملكة و كذا العقرب ليس من شأنه أن يكون بصيرا في وقت مّا حتّى يكون عدم البصر في ذلك الوقت عدم ملكة، هذا و لكن هذا إذا كان الموضوع طبيعته النوعيّة أمّا إذا كان الموضوع طبيعته الجنسيّة، فإنّ فقد العقرب للبصر وقت وجوده عمى، إذ الحيوان وقت وجوده شأنه أن يكون بصيرا.
 

الفصل الثامن

في تقابل التضايف
قوله: و قد أورد على كون التضايف...

توضيح الإشكال: أنّ التقابل من أقسام التضايف إذ المتقابلان لايعقل أحدهما إلاّ مع الاخر، فلو جعل التضايف من أقسام التقابل لزم أن يكون التقابل قسيما للتضادّ ـ مثلا ـ ؛ لأنّ التقابل قسم من التضايف كما تقدّم و التضايف قسيم للتضادّ فالتقابل بما أنّه داخل تحت التضايف قسيم للتضادّ الّذيهو قسم من التقابل، فيكون التقابل قسيما لقسمه و هو باطل لانّه اجتمع في التضادّ الّذيهو قسم من التقابل و قسيم له عنوانا القسيميّة و القسميّة و هما مما لا تجتمعان، في شيء واحد.
و الجواب: أنّ للتضايف هنا مصداقين: الأوّل مفهوم التقابل و الثاني مصداق التقابل الّذي هو التضادّ مثلا و التضادّ و إن اجتمع فيه عنوانا القسيميّة و القسميّة إلاّ أنّه من جهتين: فمن جهة عنوانه العارض له أي من جهة عنوان التقابل قسم من التضايف و إن شئت فقل: أنّه قسم من التقابل الّذيهو نوع من التضايف و من جهة نفس ذاته المعروضة للتقابل قسيم للتضايف و إن شئت فقل أنّه قسيم للتقابل الّذيهو تحت التضايف و لا ضير في اجتماع عنواني القسيميّة و القسميّة في شيء واحد من جهتين، كما أنّ مفهوم الجزئيّ اجتمع فيه العنوانان حيث أنّه قسم من الكليّ لأنّه صادق على جزئيات مختلفة كزيد و عمرو و غيرهما؛ و مع ذلك أنّه قسيم للكليّ و لا إشكال في هذا الاجتماع، لأنّه من جهتين فإنّ مفهوم الجزئيّ باعتبار عنوانه  العارض له، أي باعتبار الكلّيّة العارضة له فرد و قسم من الكلّيّ و باعتبار ذاته المعروضة للكليّة قسيم للكلّيّ و مقابل له.

قوله: و مصداق التضايف من أقسام التقابل ...

أي التضايف كما أنّه صادق على مفهوم التقابل صادق على مصاديق التقابل كالتضادّ مثلا، فللتضايف مصداقان: أحدهما مفهوم التقابل و ثانيهما ما صدق عليه التقابل من التضادّ و غيره، و ما صدق عليه مفهوم التقابل و إن اجتمع فيه القسيميّة و القسميّة حيث أنّه كان قسما للتضايف من جانب و كان قسيما للتضايف في تقسيم التقابل بأنواعه الأربعة من جانب آخر إلاّ أنّ اجتماع عنواني القسيميّة و القسميّة من جهتين، فإنّ ما صدق عليه عنوان التقابل باعتبار عنوان التقابل العارض له قسم من التضايف، فالذي هو قسم من التضايف حقيقة هنا عنوان التقابل العارض للتضادّ مثلاً و باعتبار ذاته المعروضة لعنوان التقابل قسيم للتضايف فالّذيهو قسيم للتضايف، حقيقة هنا ذات المعروض لا عنوانه العارض.
 

الفصل التاسع

في تقابل التضادّ
قوله: بيان ذلك أنّ كلّ ماهيّة من الماهيّات...

قد تقدّم أنّ المتقابلين متطاردان بالذات و هذا التطارد يحتمل فيه الأمران: الأوّل أن يكون التطارد حاصلاً بلحاظ المتقابلين أنفسهما من دون قياسهما إلى أمر ثالث؛ و الثاني أن يكون التطارد حاصلاً بلحاظ قياسهما إلى أمر ثالث و الأوّل يحتمل فيه الأمران، لأنّ التطارد إمّا أن يكون حاصلاً بين مفهومي المتقابلين أو حاصلاً بين وجوديهما، فالاحتمالات ثلاثة:
الأوّل: أنّ التطارد الموجود في التقابل ما هو حاصل بين مفهومي المتقابلين و هذا الاحتمال باطل، لأنّ هذا النحو من التطارد حاصل بين كلّ مفهومين مفروضين سواء كانا متقابلين أو غير متقابلين فاعتبار كونهما متقابلين لغو لا أثر له في حصول هذا التطارد.
الثاني: أنّ التطارد الموجود في التقابل ما هو حاصل بين وجودي المتقابلين و هذا الاحتمال باطل أيضا، لأنّ هذا النحو من التطارد حاصل بين كلّ وجودين مفروضين سواء كانا متقابلين أو غير متقابلين فاعتبار كونهما متقابلين لغو لا أثر له في حصول هذا التطارد أيضا، فإذا بطل الاحتمالان من الاحتمالات الثلاثة ثبت الاحتمال الثالث و هو أنّ التطارد الموجود بين المتقابلين ما هو حاصل بين المتقابلين بلحاظ قياسهما إلى أمر ثالث بأن يكون اتّحاد أحدهما مع ذلك الأمر الثالث مطارد لاتّحاد الآخر معه و هذا الأمر الثالث هو موضوع التقابل.

قوله: بمعنى أن يطرد الوجود ...

تفسير للمنفيّ لا للنفي.

قوله: إلاّ إذا كان جميعا مقسّمين لجنس واحد ...

لأنّ المفروض أنّ النوعين المتضادّين عرضان و العرض لايطرد العرض و إن فرض اتّحاده مع موضوعه إلاّ إذا كانا تحت جنس قريب، إذ لا يحصل من العرض و موضوعه هويّة واحدة حتّى تطرد هذه الهويّة الهويّة الأخرى بخلاف الصور الجوهريّة الحالّة في المادّة، فإنّ الصورة و المادّة تحصّلان هويّة واحدة، فاتّحاد صورة جوهريّة مع المادّة يطارد الاتّحاد الآخر معه، فإذن من الواجب مضافا إلى اعتبار موضوع يحلّ فيه المتضادّان اعتبار أمر آخر يتّحد معه كلّ من طرفي التضادّ اتّحادا يصير المتّحدان هويّة واحدة و الأمر الّذي هذا وصفه هو الجنس القريب.(1)

قوله: المندرجة تحت بعض آخر ...

و كذا الأنواع الأخيرة المندرجة تحت بعضها تجتمع مع بعض آخر من تلك المقولة إن لم يكونا تحت جنس قريب كالحمرة و الرائحة الطيّبة المجتمعتين في الورد.

قوله: و هي بالنسبة إلى السواد من البياض ...

فالصفرة ضدّ للسواد، لأنّها بياض بالنسبة إلى السواد فحكمُ الضدّيّة للبياض أوّلاً و أصالة، و للصفرة ثانيا و بالتبع.

قوله: و التقابل نسبة...

فيه أنّ التقابل لو كان نسبة للزم اجتماع المتقابلين، لأنّ التقابل بين المتضادّين واقعيّ لا بحسب الفرض و الاعتبار، فإذا تحقّق التقابل بين المتقابلين تحقّقت النسبة بينهما و تحقّق النسبة بين المتضادّين تستدعي وجود الضدّين في ظرف النسبة، فوجود التقابل بين المتضادّين يستدعي وجود الضدّين في ظرف التقابل‏و هو محال.

1 - راجع: تعليقة المصنف على الأسفار، ج 2، ص 112.

قوله: فليس الشيء ذا حقيقة بسيطة ...

لأنّ الشيء لايضادّ أيّ شيء مفروض بالضرورة بل يضادّ شيئًا خاصّا؛ فإنّ السواد مثلاً لايطارد الحلاوة مثلاً بل يطارد البياض فقط فلابدّ فيه من خصوصيّة بها يطارد السواد البياض فقط، فإذا كان الشيء ضدّا لأمرين وجب أن يكون فيه جهتان حتّى يكون بكلّ منهما ضدّا لكلّ من الأمرين، فليس ذلك الشيء ذا حقيقة بسيطة.

قوله: و أثره أن لايخلو الموضوع منهما ...

إنّ اعتبار غاية الخلاف بين الضدّين لايلزم منه عدم خلوّ الموضوع عنهما، لجواز أن يكون الموضوع أعمّ من جنس الضدّين، فيجوز خلوّ الموضوع عنهما و ذلك كالنفس بالنسبة إلى ملكتي الجبن و التهور، فإنّ غاية الخلاف متحقّقة بين الجبن و التهوّر لكن مع ذلك‏يجوز خلوّ النفس عنهما كالصبي فانّه لايجبن و لايتهوّر إذ الجبن و التهوّر فرعا ادراك الضارّ و الشرّ و لا إدراك للإنسان في ابتداء تولده بالنسبة إلى الأمور الخارجة عنه.

قوله: أ هو من التقابل بالذات أم لا ...

التقابل بالذات بينهما هو التقابل بين الواحد و الكثير بما هما واحد و كثير؛ و التقابل بالعرض بينهما هو التقابل بين الواحد و الكثير باعتبار أنّ الواحد معروض للعلّيّة أو المكياليّة مثلاً و الكثير معروض للمعلوليّة أو المكيليّة.

قوله: و الواحد و الكثير ليسا كذلك ...

إذ يمكن أن يكون الشيء كثيرا في عين أنّه واحد و واحدا في عين أنّه كثير و ذلك مثل حقيقة الوجود الّتي هي واحدة في عين كونها كثيرة و كثيرة في عين كونها واحدة، و مثل الصادر الأوّل أيضا فإنّ الصادر الأوّل واحد في عين انّه كثير و كثير في عين أنّه واحد، لأنّ الصادر الأوّل علّة لما بعده و معلول للواجب فالصادر الأوّل اجتمع فيه الحيثيّتان حيثيّة كونه معلولاً للواجب و حيثيّة كونه علّة لما بعده و هاتان الحيثيّتان متعدّدتان واقعا لا بحسب المفهوم فقط، لأنّ لكلّ واحد منهما حكما واقعيّا على حدة فإنّ الصادر الأوّل مقدّم على سائر المعاليل في الوجود لكن تقدّمه الوجوديّ مقتضى علّيّته لا مقتضى، معلوليّته إذ لو كان تقدّمه مقتضى معلوليّته للزم أن يكون المعلول الأخير للسلسلة مقدما على شيء مّا، إذ المفروض أنّ معيار التقدّم المعلوليّة و هي موجودة في المعلول الأخير فيجب أن يكون مقدّما على شيء مّا و هو باطل و إلاّ لم يكن معلولاً أخيرا، هذا خلف، فإذن تقدّم الصادر الأوّل في الوجود على غيره مقتضى علّيّته لا معلوليّته؛ و بالعكس إنّ الصادر الأوّل مؤخّر عن علّته  لكن تأخّره عن غيره في الوجود مقتضى معلوليّته لا مقتضى علّيّته، إذ لو كان تأخّره مقتضى علّيّته، للزم أن يكون الواجب مؤخّرا في وجوده عن غيره، إذ المفروض أنّ معيار التأخّر العلّيّة و هي موجودة في الواجب، فيجب أن يكون الواجب مؤخّرا عن غيره في الوجود و هو باطل بالضرورة، فإذن ثبت أنّ تأخّر الصادر الأوّل في الوجود عن علّته مقتضى معلوليّته لا عليّته و تقدّمه على المعاليل مقتضى عليّته لا معلوليّته.
و بهذا الاختلاف في الحكم و الأثر ثبت أنّ عليّته مغايرة لمعلوليّته واقعا، إذ الاختلاف في الأثر ناش عن الاختلاف في المبدأ و مغايرة حيثيّة عليّته لحيثيّة معلوليّته بحسب الواقع توجب تعدّدهما بحسب الوجود، ففي الصادر الأوّل وجودان: وجود به يكون علّة لما بعده و وجود به يكون معلولاً للواجب، فإذن ثبت أنّ الصادر الأوّل كثير الوجود و هو مع ذلك وجود واحد واقعا، لأنّ وجوده الذي به يكون علّة عين وجوده الّذيبه يكون معلولاً للواجب و إلاّ لزم أن يكون وجوده العلّيّ مستقلاًّ عن الواجب فيكون واجبا بذاته و هو باطل بالضرورة، فإذن وجوده الّذي به يكون علّة عين وجوده الّذي به يكون معلولاً للواجب، فهو واحد في عين أنّه كثير و كثير في عين أنّه واحد.
ثم إنّ حاصل البرهان هكذا: إنّ الاختلاف بين الواحد و الكثير يرجع إلى الاتّحاد، لما تقدّم من أنّ الوحدة عين الكثرة و الاختلاف بين المتقابلين لايرجع الى الاتّحاد إذ المتقابلان متطاردان بالذات فينتج من الشكل الثاني أنّ الاختلاف بين الواحد و الكثير ليس اختلافا بين المتقابلين فالواحد و الكثير ليسا متقابلين.
أقول: يرد على هذا البرهان أنّ الكثرة و إن كانت بلحاظ رجوعها إلى الوحدة ليست مقابلة للوحدة إلاّ أنّ عدم تقابلهما من هذه الجهة لاينافي تقابلهما من جهة أخرى و هي جهة غيريّتهما، فإنّ انقسام الوجود إلى الوحدة و الكثرة يوجب تغايرا و تطاردا بينهما بحيث أنّهما لاتجتمعان في موضوع واحد فهما من هذه الجهة متقابلتان و هذا نظير السواد و البياض فإنّ عدم تقابلهما بلحاظ رجوع الحقائق الوجوديّة إلى حقيقة الوجود الواحدة لاينافي تقابلهما بلحاظ الغيريّة الحاصلة بينهما. ببيان آخر: كبرى القياس ممنوعة، إذ السواد و البياض مثلاً متقابلان لكن مع ذلك أنّهما راجعان  إلى الاتّحاد، إذ الحقائق الوجوديّة كلّها راجعة إلى حقيقة واحدة و هي حقيقة الوجود.

قوله: إنّ ما به الاختلاف بين الواحد و الكثير...

فإنّ ما به الاتّحاد بين الواحد و الكثير هو الوحدة العامّة إذ الوحدة العامّة تساوق الوجود و الوجود مقسم لهما و المقسم مشترك بين الأقسام فالوحدة العامّة كالوجود مشتركة بين الواحد و الكثير فهي ما به الاتّحاد بينهما، ثم إنّ ما به الامتياز في كلّ منهما أيضا هو الوحدة، إذ كلّ من الواحد و الكثير من أقسام الوجود و الوجود بسيط ـ كما تقدّم في المرحلة الأولى ـ فلا يمكن أن يكون ما به الإمتياز في كلّ منهما مغايرا لما به الاتّحاد و إلاّ لزم التركيب فيهما من جزئين متغايرين و هو ينافي بساطته ـ كما تقدّم في المرحلة الأولى ـ فإذن ما به الاتّحاد في كلّ من الواحد و الكثير عين ما به الإختلاف فيهما.