إذ المفاهيم الصادقة على الواجب لو كانت داخلة تحت المقولة لكان للواجب ماهيّة و قد
تقدّم بطلانه.
قوله: كالنوع المفرد
النوع المفرد على ما فسّروه في المنطق هو النوع الّذيلايكون فوقه و لا تحته نوع و
معلوم أنّ هذا التعريف لايلزم منه عدم اندراج النوع المفرد تحت المقولة و لذا
مثلّوا له بالعقل إذا كان الجوهر جنسا له (1) ففي هذا المثال تأمّل.
1 - راجع: شرح الشمسية، ص 56.
بل البرهان قائم على أن ليس هناك إلاّ مقولة واحدة و ذلك لأنّا ننتزع من جميع ما يطلق عليه المقولة كالجوهر و الكمّ و الكيف و غيرها مفهوما واحدا عامّا و هو مفهوم الماهيّة، فإنّ هذا المفهوم ينتزع من المقولات و يحمل عليها بالذات و من الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق كثيرة بما هي كثيرة غير راجعة إلى وحدة مّا، فلابدّ فيالمقولات من أمر ذاتيّ مشترك بينها هو المنتزع عنه لهذا المفهوم الواحد العامّ، فيكون ذلك الأمر جنسا لتلك المقولات، فيرجع المقولات إلى مقولة واحدة و هو المطلوب.
فيه أنّ مجرّد هذا الأمر لايفيد أنّ مفهوم الماهيّة منتزع من نحو الوجود فإنّ الإمكان أيضا ليس إلاّ للشيء الموجود و لو بالفرض لكنّه مع ذلك لا ينتزع من نحو وجود الشيء بل من حدّه الماهويّ؛ فالشيّ ممكن بما له الماهيّة لا بما له الوجود، و كذا المقولات المشهورة، فإنّ مفهوم الماهيّة يحمل عليها بسبب أمر مشترك ذاتيّ فيها، لا بسبب كونها موجودات و ذلك لما تقدّم برهانه منّا في الحاشية السابقة.
الفاء هنا استعمل في مكان التعليل كما هو دأب المصنّف في مواضع كثيرة في هذا
الكتاب.
و بهذا الخروج قد تفصّوا عن إشكال الجمع بين الجوهر و العرض و إشكال الجمع بين المقولتين، كما مرّ في بحث الوجود الذهنيّ.
أي في الفصل السادس من المرحلة الخامسة.
لأنّ الأعراض إذا لم يوجد لها موضوعات جوهريّة تقوم بها كانت قائمة بأنفسها، فتكون ماهيّات إذا وجدت وجدت لا في الموضوع و هذا هو الجوهر.
بيانها: أنّ افتقار العرض إلى الموضوع يستلزم وجود ما يكون الاستغناء عن الموضوع
ذاتيّا له و إلاّ لزم التسلسل المحال فلا يتحقّق شيء من الماهيّات، فلابدّ لتحقّقها
من ماهيّة لازمها الوجوديّ الاستغناء عن الموضوع و هذا هو الجوهر.
و فيه: أنّ هذه الحجّة تثبت وجود شيء يكون الاستغناء عن الموضوع ذاتيّا له، أمّا
أنّ ذلك الشيء ذو ماهيّة أو لا؟ لم تثبت بهذه الحجة، لجواز أن يكون ذلك الشيء واجبا
بالذات و هو لا ماهيّة له، فإذن الدليل أعمّ من المدّعى.
الحجّة سالمة عن هذا الإشكال إن جعل الوصف «الماهيّة الّتي وجودها لا في الموضوع»،
فإنّ هذا المعنى ـ أي الماهيّة المقيّدة بكون وجودها لا في الموضوع ـ لاينتزع من
وجود الأشياء بل ينتزع من حدودها الماهوية، لأنّ عنوان «الماهيّة» من عوارض الإنسان
مثلاً لا من عوارض وجوده و لذا يقال: «الإنسان ماهيّة» و لايقال: «وجود الانسان
ماهيّة» إلاّ بالعرض و المجاز، فالماهيّة عنوان عامّ تعرض الماهيّات، منتزعة منها؛
و كذا الماهيّة المقيّدة، لأنّ المقيّد عين المطلق مصداقا، ثمّ هذا العنوان وصف
واحد لايمكن انتزاعه من الكثير بما هو كثير فبين الماهيّات المتباينة الجوهريّة
جامع ماهويّ لازمه كونه ماهيّة لا في الموضوع و هو الجوهر.
الإضافة هنا بيانيّة، أي سواء كان في جنس هو الجسم.
إشارة إلى اتّحاد العاقل بالمعقول، فإنّ النفس إذا أدركت شيئا اتّحدت مع معلومها فاستكمل بذلك جوهرها، فيكون ذلك الجوهر مركّبا من محل هو النفس و حالّ هو الصورة الإدراكيّة و ليس جسما، فبه يظهر الخلل في التقسيم الأوّل.
لأنّ هذا التقسيم أيضا ليس عقليّا دائرا بين النفي و الإثبات، إذ الجوهر الّذيلم
يكن جزءًا من الجسم و كان متصرّفا فيه بالمباشرة ليس ينحصر بحسب الاحتمال العقليّ
في النفس، إذ من الجائز أن يكون في الوجود جوهر بتلك الأوصاف غير النفس و كذا ما لم
يكن جزءًا من الجسم و لم يكن متصرّفا فيه بالمباشرة ليس ينحصر بحسب الاحتمال
العقليّ في العقل، إذ من الجائز أن يكون في الوجود جوهر بتلك الأوصاف غير العقل
كعالم المثال.
أي قابلة للإشارة الحسّيّة.
الانقسام في الجسم إن كان بالفكّ بين جزئيه سمّي انقساما خارجيّا، و إن كان بفرض
الفكّ بين جزئيه و كان الجسم المنقسم جزئيّا سمّي انقساما وهميّا و إن كان بفرض
الفكّ بين جزئيه و كان الجسم المنقسم كلّيّا سمّي انقساما عقليّا.
أي: غير مركّب من المادّة و الصورة كما في قول أرسطو، و غير مركّب من جوهر و عرض كما في قول شيخ الإشراق.
الاحتمالاتالمذكورة هنا خمسة نرسم لكل منها صورة على حسب ترتيب الكتاب.
منها ما يبتني على الأشكال الهندسيّة، و منها ما يبتني على الحركات، و منها ما
يبتني على الأظلال.
أمّا الطريق الأوّل فيفرض مثلاً مثلّث قائم الزاوية يكون كلّ من ساقيه من خمسة
أجزاء فلامحالة يكون الوتر جذر خمسين جزءًا لأنّ مجموع مربعي الساقين في المثلّث
القائم الزاوية يساوي مربع الوتر (2ج= 2ب + 2الف) و هذا يستلزم انقسام الجزء في
الوتر.

و أمّا الطريق الثاني فيحتجّ بحركة جزئين كلاهما فوق طرفي خطّ مؤلّف من ثلاثة أجزاء
مثلاً، فانّهما يلتقيان وسط الخطّ بحيث يوجب انقسام الجميع، و كذا يحتجّ بعدم لحوق
السريع بالبطيء.
بيانه: نفرض أنّ السريع يأخذ في الحركة بعد ما قطع البطيء خمسة أجزاء مثلاً و
حينئذٍ إذا قطع السريع جزءًا، فلو قطع البطىء أقلّ منه لزم انقسام الجزء و إن قطع
مساويا أو أكثر لم يلحقه السريع أبدا، و المشاهَد خلافه، هذا خلف.
و أمّا الطريق الثالث فإنّا إذا غرزنا خشبة في الأرض فعند كون الشمس في الأفق
الشرقيّ لابدّ و أن يقع لها ظلّ، ثمّ لا شكّ أنّ ذلك الظلّ لايزال يتناقص إلى أن
يبلغ الشمس وقت الزوال، فعند ما تحرّكت الشمس جزءًا واحدا لابدّ أن ينتقص من الظلّ
شيء أقلّ من الجزء، لأنّ ساقي الزاوية الحاصلة من الظلّ أقل بمراتب من ساقي الزاوية
الحاصلة من شعاع الشمس، فالخطّ الممتدّ بين الساقين في الظلّ أقلّ من الجزء
فيلزم انقسام الجزء.
المادّة في كلمات شيخ الإشراق ليست ظاهرة المراد(1) و كلامه في حكمة الإشراق نصّ على أنّ ما هو المسمّى بالمادّة مقدار جوهريّ قائم بنفسه و في التلويحات أثبت للمادّة خواصّ الهيولى الّتي هي عند المشّائين جوهر قابل، و الإشكال الأوّل ممّايرد على الشيخ وارد عليه على كلا التقديرين، و أمّا الإشكال الثاني فهو وارد عليه إن فسّر المادّة في كلامه بالهيولى الّتي هي جوهر قابل.
إذ لو حلّ فيه العرض و هو الامتداد المقداريّ لكان قائما بنفسه إذ ليس في الجسم امتداد جوهريّ حتّى يقع عليه الإمتداد المقداريّ، فيلزم أن يكون العرض قائما بنفسه و هو مناف لعرضيّته.
العادّ للعدد ما كان إسقاطه مرارا عن ذلك العدد مفنيا له كالثلاثة بالنسبة إلى التسعة، فإنّ إسقاط الثلاثة مرارا عن التسعة يفني التسعة فالثلاثة عادّ لها كما أنّ التسعة معدود بالثلاثة، و الأعداد المشتركة هي الّتي لها عادّ مشترك يعدّها جميعا كالأربعة و الستة، فإنّ الإثنين تعدّهما فهما مشاركان و الأعداد المتباينة هي الّتي لايعدّها إلاّ الواحد كالسبعة و الخمسة فانّهما لاتُعدّان إلاّ بالواحد فهما مباينان.
و ذلك في جواب القول السادس.
1 - راجع: الأسفار، ج 5، ص 18.
أقول: الحجّة ما سيأتي في المرحلة التاسعة من أنّ عالم المادّة برمّتها حقيقة واحدة، فعلى ذلك الأساس الاتّصال الجوهريّ المحقق في الجسم ليس على ما عند الحسّ فحسب بل الأجسام كلّها متّصلة باتّصال جوهريّ واحد من دون انفصال بين جسم و جسم آخر و ذلك لأنّ الانفصال في الممتدّات يزيل الوحدة، فلم يكن عالم المادّة برمّتها حقيقة واحدة و هذا خلف، فإذن العالم الجسمانيّ برمّتها متّصل باتّصال واحد من دون انفصال بين الجسمين أصلاً.
بل ينطبق هذا القول على جسم متّصل واحد شامل لجميع الأجسام المحسوسة كما تقدّم بيانه قبل.
لعلّه إشارة إلى أنّ الطاقة إن كانت جوهرا ذا بعد فهذا هو الجسم، فلا تكون نوعا
عاليا قبل الجسم و إن لم تكن كذلك فلا يمكن أن يحصل من تراكمها الأجسام الذرّيّة،
إذ ما لا بعد له لايحصل من اجتماعه البعد.
لبّ الكلام أنّ في الجسم حيثيّتين: إحديهما، فعليّة اتّصاله الجوهريّ و ثانيتهما،
استعداد يقبل به كمالات أخر و الثانية غير الأولى، لأنّ الثانية تلازم فقدان الكمال
الآتي بخلاف الأولى فانّها ليست كذلك، لأنّ فعليّة شيء لاتلازم فقدان شيء آخر و
أيضا الاستعداد لشيء مصحّح لقبوله، لكن فعليّة شيء بما هي فعليّة ليست مصحّحة لقبول
شيء آخر، إذ الشيء يقبل الكمال لكونه فاقدا له لا لكونه واجدا للكمال و إلاّ كان
الواجب بالذات بما هو واجد للكمال قابلاً و هو محال بالضرورة، فإذن الحيثيّة الّتي
بها يقبل الجسم الكمالات مغايرة لفعليّة اتّصاله الجوهريّ و هذه الحيثيّة هي الّتي
تسمّى بالهيولى.
فإن قلت: «إنّ القوّة و الإمكان الاستعداديّ مفهوم ينتزعه العقل عن حصول شرائط
الشيء قبل تحققه نفسه و ليس أمرا عينيّا، لأنّ تحقّق كلّ حادث منوط بحصول أمور فيه
و ارتفاع أمور أخرى عنه و بعد معرفة ذلك نعتبر المادّة الواجدة للشرائط و الفاقدة
للموانع مستعدّة لتحقّق الحادث المعيّن استعدادا تامّا و إذا كانت واجدة لبعض
الموانع أو فاقدة لبعض الشرائط نعتبرها مستعدّة له استعدادا ناقصا».
قلت: الشرائط المذكورة إن كانت خارجة عن المادّة القابلة نمنع انتزاع مفهوم
الاستعداد عن حصول تلك الشرائط، إذ قد يحصل تلك الشرائط لشيء و لاينتزع
الاستعداد عن حصولها كحصول الشرائط الخارجيّة الّتي تجب لنبت البرّ للحصى، فإنّ
الحصى لا استعداد فيها للنبت ولو فرض فيها حصول الشرائط الخارجيّة لنبت البرّ، فإذن
لابدّ لانتزاع مفهوم الاستعداد من شرط داخل في المادّة القابلة؛ ثم ذلك الشرط لا
يمكن أن يكون من الأمور الّتي لها الفعليّة في نفسها، لأنّ الاستعداد في الشيء
مصحّح لكونه قابلاً للكمال و الفعليّة بما هي فعليّة لاتكون مصحّحة للقبول و إلاّ
كان الواجب بالذات قابلاً و هو محال كما تقدّم فإذن لابدّ في المادّة القابلة من
شرط حيثيّة ذاته حيثيّة القوّة و هذه هي الهيولى و هو المطلوب.
إذ الجسم من حيث اتّصاله الجوهريّ أمر بالفعل و الفعليّة بما هي فعليّة ليست مصحّحة للقبول، إذ الشيء يقبل الكمال لكونه فاقدا له لا لكونه واجدا للكمال و إلاّ كان الواجب بالذات و المجرّدات التامّة قابلة و هو باطل بالضرورة، فإذن لابدّ أن يكون مصحّح القبول و موضوعه الذاتيّ أمرا حيثيّة ذاته حيثيّة القوّة و هذه هي الهيولى.
فيه منع، إذ الهيولى و الصورة الجسميّة لاتفارقان و الهيولى ليست حادثة ـ كما سيأتي في الفصل الأوّل من المرحلة التاسعة ـ فكذا الصورة الجسميّة و إلاّ لزم التفارق بينهما، فالمعوّل في دفع الإشكال على ما تقدّم.
أي النفس من جهة ذاتها المجرّدة أمر بالفعل و الفعليّة بما هي فعليّة لاتكون مصحّحة للقبول ـ كما تقدّم بيانه مرارا ـ فهي من جهة ذاتها المجرّدة لاتقبل شيئا من كمالاتها الّتي هي بالقوة فلا يتطرّق في ذاتها المجرّدة حيثيّة القوة بل تستقرّ حيثيّة القوّة في خارج ذاتها المجرّدة، فالنفس تقبل كمالاتها الثانية بسبب أمر خارج عن ذاتها و هو هيولى البدن، فإذن سنوح الإرادات و التصورات و غير ذلك و إن أثبتت الهيولى إلاّ أنّها أثبتها في خارج النفس فليست الحجّة منقوضة بالنفس الإنسانيّة.
لأنّ الحركة كمال أوّل لما هو بالقوة بالنسبة إلى كمالاته الثانية و النفس ليست ممّا هو بالقوّة بالنسبة إلى كمالاته الثانية، لأنّ حيثيّة القوة تستقرّ في خارج ذاتها ـ كما تقدّم بيانه في الإشكال السابق ـ فما هو بالقوة بالنسبة إلى كمالاته الثانية أمر خارج عن ذات النفس و هو هيولى البدن ـ كما تقدّم ـ فلو تحقّقت هناك حركة فتلك الحركة حركة البدن إلى التجرّد و الفعليّة لاحركة النفس نعم لمّا كانت النفس متّحدة مع البدن في الوجود كانت الفعليّة الحاصلة بعد الحركة متّحدة مع فعليّة النفس و بذلك اشتدّ وجودها.
و ذلك لأنّ مادّيّة النفس للصّور المعقولة ليست بالذات بل بعرض هيولى البدن، بخلاف المادّيّة في عالم الأجسام، حيث إنّ هيولى عالم الأجسام مادّة بذاتها.
لأنّ هوية الهيولى ليست إلاّ حيثيّة أنّها قوّة الأشياء، ففعليّة هذه الحيثيّة ليست
إلاّ فعليّة قوّة الأشياء فلا يتحقّق عند فعليّة الهيولى إلاّ حيثيّة قوّه الأشياء،
فإذن فعليّة الهيولى عين قوّتها كما أنّ قوّتها عين فعليّتها و هذا بخلاف الجسم
فإنّ، هويّة الجسم ليست حيثيّة أنّها قوّة الأشياء بل الجسم هو الجوهر الممتدّ في
الجهات الثلاثة ففعليّته بالجوهر الممتدّ في الجهات الثلاثة و قوّته بهيولاه
المغايرة لحيثيّة فعليّته كما تقدّم.
لأنّ الوجود مساوق للفعليّة فإن كان وجود الشيء مساوقا لفعليّة ذاتيّة بأن كان مساوقا لحيثيّة هي بالفعل بذاتها، كان ملازما للفعليّة المقابلة للقوّة لأنّ القوّة، ليست فعلية ذاتيّة و إن لم يكن مساوقا لفعليّة ذاتيّة وجب أن يكون مساوقا لفعليّة غيريّة، بأن كان مساوقا لحيثيّة هي بالفعل بفعليّة غيرها و إلاّ بطل التساوق بين الوجود و الفعليّة، لصدق الوجود هناك بدون فعليّة ذاتيّة و غيريّة أصلاً. ثمّ ذلك الغير يجب أن يكون فعليّة ذاتيّة و إلاّ لزم التسلسل المحال، فإذن الوجود في هذا الشقّ أيضا ملازم للفعليّة المقابلة للمادّة و هو المطلوب.
إن قلت: «إن أريد بالصورة المقوّمة للمادّة ما هو أعمّ من الصورة الجسميّة لم يصحّ
الإستدلال بتبدّل الصور لإثبات عدم كون الصورة تامّة الفاعليّة، فإنّ المفروض عدم
تبدّل الصورة الجسميّة و إن أريد بها الصور المنوّعة فلِمَ لايجوز أن تكون الصورة
الجسميّة فاعلاً تامّا للهيولى و لا تكون لتلك الصور جهة فاعليّة لها أصلاً»؟
قلت: الصورة الجسميّة لمّا كانت متحدة الوجود مع الصور المنوّعة ـ كما سيأتي بحثه
في آخر الفصل السابع ـ كانت متبدّلة بتبدّل الصور المنوّعة فليست الصورة
الجسميّة و كذا الصور المنوّعة فاعلة للمادّة.
فإن قلت: إنّ للصور النوعيّة وجودا واحدا سيّالاً، فلا تكثّر لها بالفعل بحسب
الوجود الخارجيّ حتّى يتبدّل بعضها إلى بعض.
قلت: الجواب على هذا المبنى أن يقال: إنّ تأثير العلل الجسمانيّة يتوقّف على الوضع
و لا وضع بين الصور الجسميّة و الهيولى و ذلك لاتّحادهما و لأنّ الهيولى لا وضع
لها.
لأنّ المادّة صرف القوّة و صرف الشيء لايتثنّى و لايتعدّد فالمادّة لاتتثنّى و
لاتتعدّد، فهي واحدة بالعدد.
فإن قلت: الهيولى و إن كانت صرف القوة في حدّ ذاتها لكن إذا انضمّ إليها الصور
المختلفة تخرج بذلك عن الصرافة، فتعدّد بتعدّد الصور المختلفة المنضمّة إليها.
قلت: هذيّة هذه الهيولى إن كانت وصفا لنفسها خرجت الهيولى عن صرافة القوّة في حدّ
ذاتها، إذ لابدّ فيها من فعليّة تصير بها هذه الهيولى لا تلك فليست قوّة محضا هذا
خلف، و إن كانت لغيرها لم تكن للهيوليات المفروضة هذيّات مختلفة حقيقة، إذ المفروض
أنّ الهذيّة وصف للغير حقيقة لا للهيولى، فلم تكن الهيولى متعدّدة حقيقة و هذا خلف
أيضا.
لأنّ الوحدة تساوق الوجود تدور حيثما دار الوجود ـ كما سيأتي في المرحلة السابعة ـ فالقوّة و الضعف في أحدهما يلازم القوّة و الضعف في الآخر، ثمّ الواحد بالعموم لمّا كان مشوبا بالكثرة الأفراديّة كانت الوحدة فيه ضعيفة بالنسبة إلى الواحد بالعدد، فكان وجوده أيضا ضعيفا بالنسبة إلى وجود الواحد بالعدد بحكم التساوق بينهما.
توضيحه: أنّ الهيولى لمّا كانت محض القوة لم يحصل لها من ناحية كونها معلولة لصورة معيّنة خصوصيّة تتشخّص بها إذ لو حصل لها خصوصيّة من ناحية الصورة، لخرجت عن كونها قوّة محضا، لأنّ المفروض أنّ الهيولى معلولة لهذه الصورة لا لتلك، فلابدّ فيها من خصوصيّة تُعيّن كونها معلولة لهذه الصورة لا لتلك فلم تكن قوة محضا و هذا خلف، فإذن لا تعيّن في الهيولى فتكون مبهمة الوجود، فلا ضير في كونها معلولة لصورة مّا.
هذا جواب آخر للإشكال، توضيحه: أنّ الفاعل للهيولى هو الأمر المفارق و هو واحد بالعدد إلاّ أنّه يتمّ تأثيره بانضمام أحد أمور يقارنه أيّها كانت و ذلكلايخرجه عن الوحدة العدديّة بل إنّما يجعل الواحد بالعدد تامّ التأثير من جهة حصول المناسبة بواسطته بين المفارق المحض الّذيهو بالفعل من كلّ جهة و بين ما هو في ذاته قوّة محضة.
هذه إشارة إلى جواب ثالث للإشكال، بيانه: أنّ الصور المتبدّلة متعدّدة بالفرض لا بحسب الواقع، لأنّ للصور المختلفة وجودا سيّالاً واحدا بالعدد و العقل ينتزع منه صورا متعدّدة بعد ما فرض فيه انقسامات فرضيّة، فلا تعدّد في الواقع في الصور حتّى تكون العلّة صورة مّا بل العلّة هي الوجود السيّال الواحد بالعدد فلا إشكال.
أي صورة مّا متقدّمة على المادّة بالوجود لكونها شريكة العلّة، و الصورة المعيّنة متأخّرة عن المادّة زمانا لكونها حادثة زمانا و كلّ حادث زمانيّ مسبوق بالمادّة، كما سيأتي في بحث الحركة.
هذا برهان قد استفيد من برهان وجود الهيولى من طريق القوّة و الفعل، فالبحث فيه هو البحث عن ذلك البرهان، فراجع.
قد اختلف الحكماء في أنّ التركيب بين المادّة و الصورة انضماميّ بأن كان للمادّة
وجود و للصورة وجود آخر منضمّ إلى الأوّل، أو اتّحاديّ بأن كان لهما وجود واحد،
فالمشّاؤون على الأوّل و المتأخّرون كالسيد صدرالدّين و صدرالمتألّهين على الثاني،
و الجسم طبيعة نوعيّة تامّة على الأوّل و طبيعة جنسيّة مبهمة على الثاني.
أمّا الأوّل، فلأنّ الجسم مادّة بالنسبة إلى الصور اللاحقة به و للمادة وجود منحاز
عن الصور على الفرض، فإذن للجسم وجود منحاز عن الصور اللاحقة به على الفرض فلو لم
يكن طبيعة نوعيّة تامّة بل كان طبيعة جنسيّة مبهمة لم يكن له وجود منحاز، إذ المبهم
يحتاج في وجوده إلى شيء آخر حتى يتعيّن بتعيّنه، فيوجد بوجوده فلا وجود له منحازا
مع أنّ المفروض أنّ للجسم وجودا منحازا عن الصور اللاحقة به، هذا خلف، فإذن انحياز
وجود الجسم عن الصور اللاحقة به يقضي بتماميّة طبيعته و خروجه عن الإبهام.
أمّا الثاني، فلأنّ الجسم متّحد الوجود مع الصور على الفرض فلا تعيّن له بدون الصور
المعيّنة، فيكون في حدّ ذاته طبيعة مبهمة، و من هنا تعرف أنّ تماميّة هذا الوجه
مبنيّ على قبول التركيب الانضماميّ و هو موضع تأمّل كما سيأتى.
بيانه: أنّ الجسم إذا كان طبيعة نوعيّة تامّة كان بذاته إمّا غنيّا عن المادّة أو مفتقرا إليها؛ و الأوّل باطل، إذ لو كان غنيّا بذاته كان غنيّا في جميع أفراده، إذ «حكم الأمثال فيما يجوز و لايجوز واحد» لكن التالي باطل، لأنّا نجد بعض الأجسام مفتقرا إلى المادّة، لأنّها حالّة فيها و الحلول عين الافتقار، فكذا المقدّم، فإذن الجسم بذاته مفتقر إلى المادّة و إذا كان كذلك كان مفتقرا إليها في جميع أفراده، إذ حكم الأمثال واحد كما تقدّم.
لأنّه جمع بين المتقابلين، لأنّ ما بالذات لا يزول بالغير و إلاّ احتاج في ثبوته للذات إلى نفي ذلك الغير، فلم يكن بالذات و هذا خلف، فإذن وجوده لنفسه باق بعد ما صار وجوده لغيره و هذا جمع بين المتقابلين.
لمّا كان مدى البرهان تابعة لمقدّماته و كان من مقدّمات برهان استحالة تعرية الجسم عن الهيولى تغيّر الجسم و لحوق الصور و الأعراض به كان مدى البرهان عالم الحركة فبناءًا على هذا إذا ارتفعت الحركة عن العالم الجسمانيّ ببلوغه الغاية لايلحق بالجسم صورة أو هيئة جديدة حتى يجري فيه البرهان، فإذن استحالة تعرية الجسم عن الهيولى في عالم الحركة لا تنافي تعريته عنها بعد بلوغه الغاية و وصوله إلى عالم المجرّدات، لكن هذا المدّعى صحيح إن أثبتنا استحالة التعرية من الطريق الأوّل، أمّا لو أثبتناها من الطريق الثانيفلا ينتج هذه النتيجة، إذ البرهان الثاني مبنيّ على كون الجسم طبيعة نوعيّة و كونه بذاته مفتقرا إلى المادّة، فاستحالة تعرية الجسم عن الهيولى لازم ذاتيّ للجسم، فكلّما ثبت الجسم ثبت إستحالة تعريته عن الهيولى فالعالم الجسمانيّ بعد بلوغه الغاية و وصوله إلى المجرّدات لايتعرى عن الهيولى أيضا، هذا إذا كان البرهان الثاني تامّا، لكن قد تقدّم أنّ ذلك البرهان مبنيّ على التركيب الانضماميّ بين المادّة و الصورة و هو محلّ تأمّل.
إن قلت: «ليس هذا تقييدا في الحقيقة، لأنّها عند بلوغ الغاية على الفرض لاتبقى
جسمانيّة و محدودة بحدودها الماهويّة، فلا يصدق عليها الجوهر القابل للأبعاد
الثلاثة الّذيهو جنس لجميع الصور الطبيعيّة أو لازم لها على الأقلّ، فتخرج عن
القاعدة المبحوث عنها تخصّصا».
قلت: الهيولى ليست مأخوذة في ماهيّة الجسم حتّى تكون مفارقتها عن الجسم زوالاً
للجسميّة، فإنّ ماهيّة الجسم هو الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة و لا خبر فيها من
الهيولى فإذن الجوهر الجسمانيّ أعمّ من الجوهر المادّي، فإذا قلنا أنّ الجوهر
الجسمانيّ حالّ في المادّة إلاّ إذا بلغ الغاية، فهذا الاستثناء خروج بالتقييد و
التخصيص لا بالتخصّص.
أي: نشكّ في ثبوتها له بعد ما حصل لنا معنى الجسم و هو الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة، فلا يرد عليه أنّ الذاتيّ بيّن الثبوت للذات إذا كانت الذات معلومة بالكنه، أمّا إذا لم تكن كذلك فالذاتيّ يحتاج إلى البرهان في ثبوته للذات.
هذا دليل للتركيب الاتحاديّ بين المادّة و الصورة، توضيحه: أنّ الهيولى لمّا كانت
حيثيّة ذاتها القوة المحضة كان وجودها بعين وجود الصورة، إذ لو كان لها وجود بنفسها
منحازا عن وجود الصورة لكانت لها فعليّة بنفسها و إذا كانت كذلك خرجت عن كونها قوّة
محضة و هذا خلف، فإذن التركيب بين المادّة و الصورة اتّحاديّ لا انضماميّ.
لأنّ هذه الخواصّ خواصّ للذاتيّ، فتلك المفاهيم من ذاتيّات تلك الأجسام، و من مقوّماتها.
إذ العرض لو كان مقوّما للجوهر للزم أن يكون شيء واحد مندرجا تحت مقولتين و هو باطل.
لأنّ المفروض عدم لحوق الصور النوعيّة بالأجسام فلا شيء زائدا على الجسميّة
المشتركة في الأجسام، فالنسبة الثابتة بين المفارق و كلّ جسم ثابتة بينه و بين سائر
الأجسام، فإيجاد المفارق هذا الأثر عن طريق هذا الجسم دون جسم آخر ترجيح بلا مرجّح.
إن قلت: المخصّص لوجود الأثر هو خصوصيّة علّته الخاصّة فما المانع من كون هذه
الآثار مستندة إلى علل متعدّدة مفارقة من دون أن يكون الأجسام دخيلة في التخصيص؟
قلت: هذه الآثار أعراض متقوّمة بوجود موضوعاتها الّتي هي الأجسام فللأجسام دخل في
تحقّق تلك الآثار، فلو لم يكن في كلّ جسم خصوصيّة تعيّن موضوع الأثر لزم الترجيح
بلا مرجّح و هو محال.
حاصل الجواب: أنّ لتلك الأعراض مخصّصا أيضا، لكن لايكون مخصّصها صورا جوهريّة بل
المخصّص لها هو الوجود المتشخّص لموضوعاتها، لأنّ تلك الأعراض متشخّصة على الفرض
فلابدّ أن يكون مبدئها أمرا متشخّصا و هو وجود موضوعاتها الشخصيّة لا الصور
الجوهريّة، لأنّ الصور من سنخ الماهيّات و الماهيّات ليست متشخّصة بذاتها، فلا تكون
مبدءًا لتشخّص غيرها.
أقول: تقدّم في المرحلة الخامسة أنّ الماهيّة إذا انتزعت من الوجود المتشخّص يجب أن
تكون متشخّصة لأنّها حدّ الوجود و الحدّ في سعته وضيقه تابع لمحدوده، فإذا كان وجود
الموضوع متشخّصا كما اعترفتم به، كان من الواجب أن يكون الماهيّة المنتزعة من ذلك
الوجود الشخصيّ متشخّصة فبناءًا على هذا لابدّ أن يكون بعد الصور الّتي سميّتموها
صورا نوعيّة صور جوهريّة شخصيّة مقوّمة للماهيّة الشخصيّة.
إذ مقتضى قيامه بالموضوع المشخّص عدم تحقّقه بدون ذلك الموضوع و مقتضى عمومه تحققه
بدون تحقّق ذلك الموضوع (لأنّ الأعمّ يصدق على مالا يصدق الأخصّ) فيلزم التناقض.
قوله: تقتضي من الكمّ و الكيف و الوضع و غيرها عرضا عريض
لأنّ للطبيعة الّتي في الفرد حركة جوهريّة و الحركة الجوهريّة توجب حركة أعراضها
القائمة بها فأعراض الطبيعة متحرّكة بتبع حركتها، ثمّ إنّ للحركة عرضا عريضا،
لأنّها وجود ممتدّ يتحقّق في كلّ آن حدّ خاصّ منه مع حفظ وحدته الشخصيّة، فإذن
الطبيعة الّتي في الفرد تقتضي كمّا شخصيّا ممتدّا يتحقّق في كلّ آن، فرد منه مع حفظ
شخصيّته و كذا الأمر في سائر أعراضه.
و ذلكلأنّ الجسم بما هو جنس للأنواع الّتي تحته مبهم و المبهم لايوجد إلاّ بما يخرجه عن الإبهام فالجسم لايوجد إلاّ بما يخرجه عن الإبهام و ما يخرجه عنه ليس إلاّ الصور النوعيّة لأنّها الّتي تقسّمه و يحصّله نوعا خاصّا فإذن الجسم يحتاج في تحقّقه إلى الصور النوعيّة و الصور النوعيّة مقوّمة لوجوده.
لأنّ الجسم متقوّم بالصورة النوعيّة ـ كما تقدّم و زوال المقوّم يوجب زوال المتقوّم
بالضرورة.
إن قلت: «انّ زوال المقوّم إذا كان موجبا لزوال المتقوّم لزم القول بزوال الهيولى
الأولى بزوال الصورة الجسميّة المقوّمة لها».
قلت: تقدّم في الفصل السادس أنّ الهيولى لمّا كانت قوة محضا لم يحصل لها من ناحية
كونها معلولة لصورة معيّنة خصوصيّة تتشخّص بها إذ لو حصل لها خصوصيّة من ناحية
الصورة لخرجت عن كونها قوّة محضا، إذ المفروض أنّ الهيولى معلولة لهذه الصورة لا
لتلك فلابدّ فيها من خصوصيّة تعيّن كونها معلولة لهذه لا لتلك فلم تكن قوّة محضا
هذا خلف، فإذن لايحصل لهيولى من ناحية الصورة المعيّنة خصوصيّة تتشخّص بها فزوال
مقوّمها الخاصّ و هو الصورة المعيّنة لايضرّ بشخصيّتها الّتي هي عين الإبهام، فإذن
تبدّل الصورة لايوجب تبدّل الهيولى و هذا بخلاف الجسم، فإنّ الجسم ليس قوّة محضا
حتّى يجري فيه هذا البيان بل إذا تقوّم بصورة معيّنة حصل له من ناحيتها خصوصيّة
تعيّن كونه معلولاً لتلك الصورة لا لصورة أخرى و هذه الخصوصيّة لايخالف حقيقته
الفعليّة حتّى يكون خلفا فإذن إن زالت الصورة النوعيّة المعيّنة عن الجسم زالت
خصوصيّته الّتي بها كان ذلك الجسم.
فيه تأمّل، عرفت وجهه في الفصل الأوّل بل الحقّ أنّ للماهيّات العرضيّة و الجوهريّة مقولة واحدة فراجع إن شئت.
عادّ الشيء جزء منه يكون إسقاطه مرارا عن ذلك الشيء مفنيا له كالثلاثة بالنسبة إلى
التسعة، فإنّ إسقاطها عن التسعة مرارا يفني التسعة و كشبر واحد من الخطّ الّذيطوله
عشرون شبرا مثلاً، فإنّ إسقاط الشبر عن ذلك الخطّ مرارا يفنيه.
العبارة في النسخ الموجودة عندنا هكذا، لكن الظاهر أنّها غلط، لأنّ الحدّ المشترك
بين جزئي الخطّ ليس قسما من الخطّ بل الحدّ المشترك بينهما هو النقطة، لأنّها الّتي
كانت بداية لجزء و نهاية لجزء آخر و يمكن تصحيح العبارة بجعل «لا» قبل «يمكن» فيكون
العبارة هكذا: «الخطّ إذا فرض انقسامه إلى ثلاثة أجزاء، فإنّ القسم المتوسّط لا
يمكن أن يجعل بداية لكلّ من الجانبين و نهاية له، فيكون القسمان قسما واحدا و الخطّ
ذا قسمين».
و الحاصل أنّ الجزء المتوسّط بين الجزئين لايمكن أن يكون حدّا مشتركا بينهما، لأنّ
الحدّ المشترك كما تقدّم هو الّذي يكون نهاية لجزء و بداية لجزء آخر و الجزء
المتوسّط لا يكون هكذا، لأنّ الحدّ الذي ينتهي به الجزء الأوّل لايبتدأ منه الجزء
الثالث بل الجزء الثالث يبتدأ بعد انتهاء الجزء المتوسّط، فإذن يجب رفع الجزء
المتوسّط من البين بأن يجعل من تتمّة الجزء الأوّل أو من تتمة الجزء الثالث، فيكون
القسمان من الخطّ قسما واحدا و الخطّ ذا قسمين.
فإن قلت: «إن كان البناءًا على اعتبار الحدّ واحدا من جملة الآحاد فليعتبر في الشقّ
الأوّل أيضا، فتكون الآحاد خمسة لا أربعة، و ان كان البناءًا على عدم اعتباره
من جملة الآحاد، فليفعل في الشقّ الثاني أيضا، فتكون الآحاد خمسة لا ستّة».
قلت: البناءًا على عدم اعتبار الحدّ من جملة آحاد العدد، لكن التالي الفاسد في
الشقّ الثّانيليس أنّ طبيعة الخمسة ستّة حتّى يرد عليه أنّ الحدّ إذا كان خارجا من
آحاد الخمسة كانت الخمسة خمسة لا ستّة بل التالي هو خلف المفروض.
بيانه: أنّ أجزاء العدد لمّا كانت موجودة بالفعل لا بالفرض كان من الواجب أن يكون
الحدّ المشترك بين القسمين موجودا بالفعل واقعا لا بالفرض، لأنّ فعليّة الأجزاء
تلازم فعليّة الحدّ و حينئذٍ إذا فرضنا أنّ هناك خمسة آحاد، ثمّ قسّمناها إلى ثلاثة
و إثنين وجب أن يتخلّل بين الجزئين واحد بالفعل واقعا لا بالفرض، و المفروض أنّه
خارج من آحاد الخمسة فصار مجموع الآحاد الموجودة بالفعل هناك ستّة و قد كان المفروض
أنّ هناك خمسة آحاد هذا خلف.
ثمّ يمكن إيراد الإشكال على الشقّ الثاني بوجه أبسط بأن يقال: لمّا كانت الأجزاء في
العدد بالفعل و المفروض تخلّل واحد من خارج بين كلّ الجزئين لزم أن يتخلّل واحد بين
الواحد الأوّل و الثاني و واحد بين الثاني و الثالث و واحد بين الثالث و الرابع و
واحد بين الرابع و الخامس، فيصير المجموع تسعة، ثمّ تصير التسعة سبعة عشر بتخلّل
واحد بين كلّ متقاربَين و هكذا فيصير مجموع الآحاد عددا غير متناهٍ و المفروض أنّ
هناك خمسة آحاد هذا خلف.
قيل: «هذا البيان - بصرف النظر عمّا وقع فيه من التسامح حيث اعتبر جزء من الزمان
موجودا بالفعل مع عدم وجود جزءِ بالفعل في الكمّ المتّصل - يدلّ على أنّ القوّة أمر
إضافيّ و يصحّ اعتبار موجود بالفعل قوّة بالإضافة إلى موجود لاحق به من غير حاجة
إلى مادّة تقوم قوّته بها و إلاّ لزم التركّب في الأعراض، و بذلك ينهدم أساس ما
احتجوّا به على إثبات الهيولى الأولى».
اقول: أوّلاً، إنّ المراد بفعليّة جزءِ من الزمان فعليّة حدّ من حدوده الآنيّة، لا
فعليّة قطعة ممتدّة منه، فإنّ الموجود السيّال كالحركة و الزمان يتحقّق بالفعل في
كلّ آن حدّ من حدوده الآنيّة لا قطعة من أجزائه الممتدّة، فلا يرد على المصنّف: أنّ
جزء الكمّ المتصل غير موجود بالفعل؛ إذ المراد بعدم فعليّة الجزء في الكمّ المتّصل عدم فعليّة
قطعة منه لا الحدود الآنيّة إن كانت فيه، فالإشكال ينشأ من الخلط بين معنى الجزء
الفعليّ في الموجود السيّال و الجزء الفعليّ في الكمّ المتّصل.
و ثانيا، أنّ المراد بكون كلّ جزءِ منه قوّة للجزء التالي اتّحاد كلّ حدّ آنيّ مع
قوّة الأجزاء اللاّحقة في أصل الوجود، لا وحدتهما و عينيّتهما من دون اختلاف أصلاً
و هذا الاتّحاد لاينافي ما احتجوّا به في إثبات الهيولى من أنّ حيثيّة فعليّة الجسم
مغايرة لحيثيّة قوّة كمالاته الثانية فإنّ المنفيّ هناك وحدتهما و عينيّتهما من دون
اختلاف أصلاً، أي إنّ حيثيّة الفعليّة ليست عين قوّة كمال آخر من دون اختلاف أصلاً
بل هما حيثيّتان مختلفتان من جهة (ولو في مرتبة الوجود) متّحدّتان في أصل الوجود،
فإذن المنفيّ هناك غير الثابت هنا، فلا تهافت بين الكلامين.
لأنّ الشيء إذا كان بالفعل يترتّب عليه آثاره المطلوبة منه و إذا كان بالقوّة لا يترتّب عليه تلك الآثار، فلو اجتمع فيه فعليّته و قوّته للزم الجمع بين المتنافيين.
إذ الأشياء الموجودة في الخارج متّصفة بالأعداد، فإنّ هذه الكتب مثلاً متّصفة بكونها ثلاثة في الخارج فظرف الاتّصاف الخارج و ثبوت الثلاثة للكتب في الخارج فرع ثبوت الثلاثة في الخارج، إذ ثبوت شيءلشيء في كلّ وعاء فرع ثبوت الثابت في ذلك الوعاء بالضرورة، فالثلاثة موجودة في الخارج، فإذن العدد من الأمور الموجودة فى الخارج؛ نعم إنّه من أنحاء الوجود لا من سنخ الماهيّات إذ كلّ عدد كثرة خاصّة و الكثرة من أنحاء الوجود، لا من سنخ الماهيّات فالعدد من أنحاء الوجود لا من سنخ الماهيّات و ذلك لأنّ الخاصّ عين العامّ مصداقا فكون الكثرة و هو العامّ من أنحاء الوجود، يلازم كون العدد و هو الخاص منّ أنحاء الوجود، و أيضا لو كان العدد من سنخ الماهيّات لانقسم الإثنان مرّتين: مرّة باعتبار كونه كثرة و مرّة باعتبار ماهيّته الكمّيّة المغايرة لحيثيّة كثرته الّتي هي من أنحاء الوجود، لكن التالي باطل بالضرورة فكذا المقدّم.
إن قلت: «الجسم التعليميّ أو الحجم ينتزع من حدود الجسم الطبيعيّ، و السطح ينتزع من
حدّ الحجم كما أنّ الخطّ هو طرف السطح، و النقطة طرف الخطّ، و الحدود و الأطراف
أمور عدميّة، فلايصحّ عدّها من الماهيّات الحقيقيّة».
قلت: الطرف و إن كان نهاية لذي الطرف، و النهاية عدميّة لكنّ السطح مثلاً ليس نفس
النهاية حتّى يقال أنّه «من الأمور العدميّة فلا يصحّ عدّه من الماهيّات الحقيقيّة»
بل السطح ما به ينتهي الحجم، فهو من الأمور الوجوديّة.
إن قلت: المكعب و المخروط و الهرم و غيرها موجودة في الخارج بالضرورة فما معنى هذا
الشرط؟
قلت: الأجسام الموجودة في الخارج و إن كانت بحسب الظاهر مكعبا أو مخروطا أو هرما أو
غيرها، لكن لمّا احتمل أن يكون ملتقى الجانبين في هذه الأجسام منحنيا بحسب الواقع
احتمل أن لايتحقّق في الخارج هذه الأجسام بحسب الواقع، إذ لو كان الملتقى منحنيا
كان أحد الجانبين في امتداد الآخر فكان هناك سطح واحد لا سطوح متقاطعة، فلا تقاطع
هناك حتى يتحقّق الخطّ من تناهي السطوح عند التقاطع.
هذا إذا كان العدد من سنخ الماهيّات و قد تقدّم آنفا أنّ العدد ليس كذلك بل هو من أنحاء الوجود، فراجع.
كالأوّلية للإثنين فإنّ الإثنين أوّل الأعداد، إذ الواحد ليس بعدد، و الثانويّة للثلاثة و الثالثيّة للأربعة و هكذا، و كالمربّعيّة و هي أن يكون العدد حاصل مضروب جزءِ منه في نفسه كالأربعة، فإنّها مربّع للإثنين و كالمكعّبيّة و هي أن يكون العدد حاصل مضروب جزءِ منه في نفسه مرّتين كالثمانية، فإنّها مكعّب الإثنين و كالصمم و هو أن لايكون للعدد جزء منه يعدّه غير الواحد كالسبعة، فإنّها لاتعدّها إلاّ الواحد.
فيه: أنّ الاشتراك في الأثر لا يدلّ على الاشتراك في الماهيّة النوعيّة، إذ يمكن أن يكون الأثر المشترك للجنس المشترك بين الأنواع المتعدّدة.
إن قلت: سيأتي في الفصل الثالث عشر أنّ المصنّف رحمهالله مثّل للشكل بالكرة و
المخروط و المكعب، و الشكل من الكيفيّات، فكيف عدّها هنا من الكميّات المتّصلة.
قلت: إنّ في الكرة مثلا كيفيّة عارضة و هي الكرويّة، و كمّيّة معروضة و هو الحجم، و
المراد هنا بالكرة المعروض، كما أنّ المراد بها هناك العارض فلا تهافت بين
الكلامين.
أي: لايضادّ الخطّ خطّا، إذ ليس بين خطّين غاية الخلاف، إذ كلّ خطّ إذا قيس إلى خطّ آخر أطول منه صار البعد بينهما أكثر، إذا فرض خطّ آخر أطول من الأطول منهما.
لأنّ موضوع الجسم التعليميّ الجسم الطبيعيّ و موضوع السطح الجسم التعليميّ، و موضوع الخطّ السطح، فلا يكون هناك موضوع مشترك.
إذ لا خطّ أشدّ في الخطّيّة من خطّ آخر.
أي: هذا التشكيك واقع في وجود الخطّ مثلاً، لا في ماهيّته و ذلكلأنّ التشكيك في الماهيّة باطل عندهم فتأمّل.
هذا البرهان هو المسمّى بالبرهان الترسيّ و قد قرّر بوجهين:
الأوّل، أنّا نفرض خطّا غير متناه و دائرة خرج من مركزها خطّ آخر غير متناه
أيضا موازيا لذلك الخطّ، فإذا تحرّكت الدائرة حول مركزها حدثت المسامتة بين الخطّين
بعد توازيهما، ثمّ لازم حدوث المسامتة بينهما حدوث نقطة هي أوّل نقطة التلاقي، إذ
لولا التلاقي أصلاً لكان الخطّان باقيين على التوازي و قد فرض زوال التوازي و حدوث
المسامتة هذا خلف، و لو كان التلاقي موجودا لكن لايوجد هناك نقطة هي أوّل نقطة
التلاقي لم تكن التلاقي مسبوقا بالعدم بل لم يزل موجودا فيما قبل فلم تكن المسامتة
حادثة بل كانت ازليّة و قد فرض حدوثها بعد التوازي، هذا خلف أيضا.
فإذن ثبت أنّ الدائرة إذا تحرّكت حدثت هناك نقطة هي أوّل نقطة التلاقي، لكن حدوث
هذه النقطة محال عند فرض عدم تناهي الخطّ، إذ لايمكن أن يفرض على الخطّ غير
المتناهي نقطة إلاّ و قبلها نقطة أخرى هي أولى بالأوّليّة و إذا امتنع حدوث هذه
النقطة امتنع حدوث الحركة المستديرة و هو باطل بالضرورة، فإذن فرض عدم تناهي
الأبعاد باطل.
الثاني، إنّا نفرض خطّا غير متناه و دائرة خرج من مركزها خطّ آخر غير متناه أيضا
مسامتا لذلك الخطّ فإذا تحرّكت الدائرة حول مركزها بمقدار مساوٍ للزاوية الّتي بين
الخطّين زالت المسامتة وحدثت التوازي بينهما، ثم لازم زوال المسامتة بين الخطّين
وجود نقطة هي آخر التلاقي، إذ لو لم توجد نقطة هي آخر التلاقي لكان التلاقي بين
الخطّين مستمرّا دائما فلا يحدث التوازي أصلاً و هو خلاف الضرورة، إذ الدائرة إذا
تحرّكت بمقدار مساوٍ للزاوية الّتي بين الخطّين حدث التوازي بين الخطّين بالضرورة،
فإذن لازم زوال المسامتة وجود نقطة هي آخر التلاقي بين الخطّين لكن وجود هذه النقطة
عند فرض عدم التناهي محال، إذ لايمكن أن يفرض على الخطّ غير المتناهي نقطة إلاّ و
قبلها نقطة اُخرى هي أولى بالاخريّة، و إذا امتنع تحقّق هذه النقطة امتنع تحقّق
الحركة المستديرة و هو باطل بالضرورة، فإذن فرض عدم تناهي الأبعاد باطل.
و هي أنّ الخطّين المتوازيين لايتلاقى أحدهما الآخر بخلاف الخطّين المسامتين (أي اللّذان أحدهما مائل بالنسبة إلى الآخر) فإنّ أحدهما يتلاقى الآخر في نقطة، ثمّ إنّ المبادي التصديقيّة في كلّ علم إن كانت بيّنة سمّيّت علوما متعارفة و إن كانت نظريّة فإن أذعن بها المتعلّم بحسن الظنّ بالمعلّم سمّيّت أصولاً موضوعة و إن أخذها مستنكرا سمّيّت مصادرة.
أمّا الأوّل فهو بأن نفرض خطّ «الف ب» متناهيا من طرف «الف» و غير متناه من طرفه
الآخر، ثم نفرض خطّا آخر كذلك مع حذف مقدار متناه عنه من طرفه المتناهي و ليكن بعد
الحذف «ج د» فيكون خطّ «الف ب» أزيد من خطّ «ج د» بمقدار متناه، فإذا فرضنا انطباق
مبدأ الخطّ الثانيو هو «ج» على «الف» فلا يخلو إمّا أن يمتدّا معا إلى غير النهاية، فيكون الزائد مثل الناقص و مساويا له و هو محال أو
يقصر خطّ «ج د» عن خطّ «الف ب» فيكون خطّ «ج د» متناهيا في طرف «د» و خطّ «الف ب»
أزيد من خطّ «ج د» بمقدار متناه، فيكون المجموع ـ أي: خطّ «الف ب» ـ متناهـيا في
طــرف «ب» أيـضا و هـو الـمطلـوب.
و أمّا الثاني فهو بأن نفرض امتدادين خارجين من مبدء واحد كهيئة ساقي المثلّث
المتساوي الأضلاع، فيكون مقدار الانفراج بين الإمتدادين مساويا لمقدار كلّ من
الإمتدادين، فإذا كان الساقان غير متناهيين كان مقدار الانفراج غير متناه أيضا مع
أنّه محصور بين الحاصرين، أي الساقين، هذا خلف.
إذ الخلاء عبارة عن الفضاء الخالي عن الشاغل فيكون حجما من دون معروض يقوم به.
أي لايصحّ أن يقال: «العدد غير متناهٍ بالفعل» لأنّه غير معقول، إذ العدد كمّ و
الكمّ له عادّ يعدّه حتّى يفنيه، فعدم النهاية فيه بالفعل ينافي فنائه بالعدّ، لكن
يصحّ أن يقال: «ليس العدد متناهيا بالفعل» لأنّ هذه القضيّة سالبة و السالبة تصدق
بانتفاء موضوعها.
أي إلى الخاصّة الّتي للكمّ و الأعراض النسبيّة الّتي هي أجلى منهما، فلا يعرّف
الكيف بما يساويه في المعرفة.
هذا هو رأي بعض القدماء و أكثر المتأخّرين من أصحاب العلوم الطبيعيّة الحديثة و يردّه أنّ النور لو كان جسما لم يخلُ إمّا أن يكون شفّافا أو لايكون شفّافا فإن لم يكن شفّافا كان وقوع النور على الشيء سببا لتستّره لا لظهوره و هذا خلاف الضرورة و إن كان شفّافا لزم زوال شفيفه بازدياد النور و تراكمه على الشيء فإنّ الأجسام الشفّافة كالبلور إذا كانت متراكمة زال شفيفها و إذا زال شفيف النور بالتراكم كان تراكمه سببا للتستّر أيضا لا للظهور مع أنّ النور كلّما ازداد وقوعه على الشيء زاد ظهور ذلك الشيء، هذا خلف.
لأنّ الصوت لايحسّ باللّمس لكن التموّج يحسّ باللّمس، فإنّ الشديد منه ربّما يضرب الصماخ فيفسد، فالصوت ليس بالتموّج و كذا الصوت لايحسّ بالبصر لكن القلع و القرع يحسّان بالبصر، لأنّهما تفريق و إمساس فالصوت ليس بقلع و لا بقرع.
و ذلك لأنّا كما ندرك الصوت ندرك جهته و قربه و بعده و هذه الأوصاف أوصاف للأصوات
الخارجيّة لا لما حصل في الحسّ، إذ الحاصل في الحسّ قد كان واصلاً إليه، فلا معنى
لقربه و بعده إليه و لا للجهة بالنسبة إليه، فإنّ المتوجّه إلى الشيء منفصل عنه
إجمالاً.
إن قلت: يكفي في إدراك الجهة أنّ الهواء المتموّج يجيىء من تلك الجهة و في إدراك
القرب و البعد أنّ التموّج الحاصل من القارع القريب أقوى من البعيد.
قلت: لو كفى في إدراك الجهة أنّ الهواء المتموّج يجيىء منها لما أدركت الجهة الّتي
على خلاف جهة الأذن السامعة، فإنّ السامع قد يشدّ أذنه اليمني و يجيىء الصوت من
يمينه فيسمعه بأذنه اليسرى و يعرف أنّه جاء من يمينه مع أنّ الهواء المتموّج واصل
إلى السامع من خلاف جهة الصوت، و كذا لو كفى في إدراك القرب و البعد ذلك لزم أن
يشتبه القوّة و الضعف بالقرب و البعد، فلم يميّز بين البعيد القوىّ و القريب الضعيف
و هو خلاف الوجدان.
قالوا إنّ الطعم لابدّ له من فاعل و هو الحرارة أو البرودة أو الكيفيّة المتوسّطة بينهما، و من قابل و هو الكثافة أو اللّطافة أو الكيفيّة المعتدلة بينهما، فإذا ضرب أقسام الفاعل في أقسام القابل حصلت أقسام تسعة، ففعل الحرارة في اللطيف يحدث الحرافة (و هي بالفارسية «تيزي» كطعم الفلفل) و في الكثيف المرارة و في المعتدل الملاحة و فعل البرودة في اللطيف يحدث الحموضة و في الكثيف العفوصة و في المعتدل القبض و فعل الكيفيّة المتوسّطة يحدث في اللطيف الدسومة كطعم الشحم و في الكثيف الحلاوة و في المعتدل التفاهة (و هي بالفارسية «بى مزهگى» كطعم الحديد) ثمّ إنّ الفرق بين القبض و العفوصة، أنّ الأوّل يقبض ظاهر اللسان وحده و الثاني يقبض ظاهره و باطنه معا.
الرطوبة كيفيّة تقتضي سهولة التشكل، و اليبوسة بالعكس، و اللطافة تخلخل الشيء و
الكثافة امتلائه، و اللزوجة ما يقتضي سهولة الاجتماع و صعوبة التفرق، و الهشاشة ما
يقتضي صعوبة الاجتماع و سهولة التفرق، و الخشونة اختلاف أجزاء الشيء و بالفارسية
«ناهموارى»، و الملاسة استوائها، و الصلابة ما يقتضي الممانعة من قبول الغمر إلى
الباطن، و اللين مايقتضي قبول الغمر إلى الباطن.
الفصل الثالث عشر
في الكيفيّات المختصّة بالكمّيّات
التربيع كون العدد حاصل مضروب جزءِ منه في نفسه؛ و التجذير عكس التربيع، فالتسعة مثلاً مربّع للثلاثة كما أنّ الثلاثة مجذور للتسعة.
أخرج به الزاوية كما سيأتي.
هذا هو المختار عند الحكماء، أمّا الرياضيّون فالشكل عندهم كمّ أحاط به حدّ أو حدود إحاطة تامّة، فالدائرة مثلاً عند الحكماء هيئة حاصلة للسطح من إحاطة خطّ واحد؛ و عند الرياضيّين سطح أحاط به خطّ واحد ... .
في المثال تأمّل، لعدم صدق التعريف عليه، لأنّ سطح المخروط حدّ واحد، فلا يحصل فيه إحاطة من حدّين أو حدود.
هذا البرهان يثبت التخالف النوعيّ بين المستقيم و المستدير و هما من الكميّات و
المدّعى في عبارة المصنّف رحمهالله التخالف النوعيّ بين الاستقامة و الاستدارة و
هما من الكيفيّات، فالبرهان لايطابق المدّعى، فإذن يجب جعل المدّعي التخالف النوعيّ
بين المستقيم و المستدير، كما فعله صدر المتألّهين في الأسفار.(1)
ثمّ توضيح البرهان: أنّ الاستقامة و الاستدارة لازمتان لموضوعيهما، إذ لو لم يكن
كذلك لجاز زوالهما عن موضوعهما مع بقاء موضوعهما، لكن هذا الأمر محال؛ إذ لايمكن أن
يتغيّر حال النهاية؛ إلاّ مع تغيّر حال ذي النهاية، فما لم يتغيّر الخطّ مثلاً لم
يتغير حال استقامته، فإذن زوال الاستقامة يستلزم زوال موضوعها، فلا يمكن زوال
الاستقامة مع بقاء موضوعها فلا تكون الاستقامة عرضا مفارقا بالنسبة إلى موضوعها بل
هي لازمة له و إذا كانت لازمة له علم أنّ الخطّ المستقيم مثلاً نوع مغاير للمستدير
إذ اللاّزم للشيء إمّا أن يكون ذاتيّا له أو يكون لازماً لذاتيّه و إلاّ جاز زواله
عن ذلك الشيء، فلم يكن لازماً له، هذا خلف؛ و إذا ثبت أنّ الاستقامة مثلاً ذاتيّة
للخطّ المستقيم أو لازمة لذاتيّه ثبت أنّ الخطّ المستقيم بذلك الذاتيّ نوع من أنواع
الخطّ و هو المطلوب.
إن قلت: سيأتي أنّ الكميّات يجوز فيها الحركة، فيجوز تغيّر الخطّ مثلاً بنحو الحركة
و سيأتي أيضا أنّ وجود الحركة لايزال باقيا إلى آخر الحركة، فبناءًا على هذا إذا
تحرّك الخطّ المستقيم و صار مستديرا بقي الخطّ بوجوده الشخصيّ و زال عنه استقامته،
فلا تكون الاستقامة من لوازم موضوعها حتى يستقيم البرهان.
قلت: الاستقامة و أنواع الاستدارات كيفيّات عارضة لحدود الحركة و هي وجودات آنيّة
لا لنفس الحركة الّتي هي الوجود الممتدّ الباقي، فمعروض الاستقامة و الاستدارات هي
الحدود الآنيّة الّتي لاتبقي شيء منها أكثر من آن واحد، فلا يمكن أن يزول وصف
الاستقامة مع بقاء معروضها، لأنّ معروضاتها آنيّة الوجود فلا بقاء لها.
1 - ج 4، ص 168.
لأنّ الامتداد الحاصل بين ساقي المنحني كلّما كان أقلّ كان الانحناء أكثر و لا نهاية لقلّة ذلك الإمتداد، إذ يجوز انقسامه إلى غير النهاية.
يمكن معارضة هذا الدليل بأنّ الخطّ المستقيم إذا تحرّك و صار مستديرا اشتدّ وجوده بخروجه عن القوّة إلى الفعل، إذ الحركة نحو اشتداد في وجود الشيء كما سيأتي في المرحلة التاسعة، فالاشتداد واقع بين المستقيم و المستدير و أمّا ما قيل من أنّ المستقيم لا يتضمّن المستدير و بالعكس، فإن أريد به أنّ المستدير مثلاً لايتضمّن المستقيم بحسب الوجود فذلك ممنوع، إذ كلّ حدّ في الحركة فعليّة لما قبله و قوّة لما بعده، و إن أريد به أنّه لا يتضمّنه بحسب الماهيّة فذلك جارٍ في كلّ اشتداد، فإنّ الماهيّة المنتزعة من كلّ حدّ تغاير الماهيّات المنتزعة من سائر الحدود بحسب النوع، و الماهيّة النوعيّة لاتتضمّن ماهيّة نوعيّة أخرى، أضف إلى ذلك أنّ عدم كون المستدير من مراتب المستقيم مبنيّ على عدم وقوع التشكيك في الماهيّة، لكن قد عرفت المناقشة فيه في المرحلة الخامسة، ثمّ إنّ المصنّف سيرجع من هذا النظر في الفصل التاسع عشر.
و هو كون العدد حاصل مضروب جزءِ منه في نفسه مرّتين كالثمانية، فإنّ جزءًا منها و هو الإثنين إذا ضرب في نفسه مرّتين صار المجموع ثمانية فالثمانية مكعّب للإثنين (8 = 2×2×2).
أي لايحتاج في ماهيّته النوعيّة إلى الزوجيّة و غيرها من الكيفيّات العارضة الخارجة عن ماهيّة العدد.
أي موضوعه النهائيّ، فإنّ الزوجيّة عارضة للعدد و العدد كمّ عارض للمعدود.
حاصله: أنّ صدور الأثر من لوازم ذات الفاعل التامّ، فلا يمكن التراخي بين ذات
الفاعل التامّ و صدور الأثر منها، لكن الاستعداد يلازم التراخي بين المستعدّ و
المستعدّ له، فالفاعليّة التامّة بالنسبة إلى أثر و استعداد صدور ذلك الأثر من ذلك
الفاعل التامّ ممّا لايجتمعان في ذات، فإذا قلنا أنّ الشيء الفلانيّ مستعدّ لأنّ
يكون فاعلاً لأثر لابدّ أن يكون ذلك الشيء فاعلاً ناقصا إذ الفاعليّة التامّة
لاتجامع استعداد صدور الأثر كما تقدّم و إذا كان ناقصا كان الاستعداد المفروض في
الحقيقة لقبول مايتمّ به فاعليّته لا لفاعليّته، فيدخل هذا القسم في النوع الأوّل
فلا يكون هذا نوعا على حدة.
لأنّ الماهيّة المنتزعة من المرتبة الضعيفة لو كانت عين الماهيّة المنتزعة منالمرتبة الشديدة للزم التشكيك في الماهيّة، إذ الماهيّات المنتزعة من المراتب المختلفة مختلفة، فلو كانت مع اختلافها متحدة النوع لرجع الكثرة إلى الوحدة و هذا هو التشكيك في الماهيّة و التشكيك في الماهيّة باطل عندهم فتأمّل.
الفرق بينهما أي الشهوة و الإرادة أنّ الشهوة هي الميل المنبعث عن ملائمة الشيء للقوى الحيوانيّة؛ و الإرادة هي الميل المنبعث عن تشخيص المصلحة بواسطة القوّة العاقلة، كما أنّ النفرة هي الانزجار المنبعث عن منافات الشيء للقوى الحيوانيّة، و الكراهة هي الانزجار المنبعث عن تشخيص المفسدة بواسطة القوّة العاقلة.
الشوق هو الميل إلى جذب اللذيذ و يسمّى شهوة، أو إلى دفع المكروه و يسمّى غضبا.
يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ الشوق ربّما لم يتحقّق و إن قضت النفس الإنسانية بكون الفعل كمالاً كما هو الحال في شرب دواءِ كريه ينفعه، و بالعكس ربّما يتحقّق الشوق و ان لم تقض النفس بكون الفعل كمالاً كما هو الحال في أكل طعام لذيذ يضرّه، فما قالوا من أنّ الشوق يتبع الحكم بكون الفعل كمالاً محل تأمّل.
كالإنسان الّذيقُطع رجله في حال السباحة و لمّا يعلم بعدُ بقطع رجله فانّه يريد تحريك رجله لكن لا رجل له حتّى يتحرك، فهذا يشهد بأنّ الإرادة أمر موجود مغاير لتحريك العضلة.
إذ لو توقّف الشوق على شوق آخر أو على إرادة، و الإرادة مسبوقة بالشوق لنُقل الكلام إلى الشوق السابق، فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هذا هو التسلسل.
فإنّ الإنسان إذا هدّده جبّار بأنّه إن لم يقم من جنب الجدار، هدم الجدار عليه يقوم عن ذلك المكان بالإرادة للنجاة عن القتل.
قيّد بكونها في الحيوان، لأنّ هذا التفسير لاينطبق على القدرة الواجبيّة، إذ الواجب لايتطرّق إليه الصحّة و الإمكان.
أي لا من حيث كونه حاكيا عن الخارج، فإنّ الصورة العلميّة من حيث كونها حاكية عن الجوهر جوهر بالحمل الأوّلي و من حيث كونها حاكية عن الكمّ كمّ بالحمل الأوّلي و هكذا.
إنّ العلم الحصوليّ عند المصنّف يحصل للمدرك بسبب اتّصال أدوات الإدراك بالخارج، فإنّ النفس مثلاً إذا اتّصلت من طريق الحواس بالخارج استعدّت لأن تشاهد موجودات مثاليّة أو عقليّة فتأخذ منها صورة و هذه الصورة حاضرة للنفس بوجودها الخارجيّ، فهي علم حضوريّ لكن اتّصال الحواسّ بالخارج يوجب أن تتوهّم النفس أنّ الحاضر عندها هو صورة من الشيء الخارجيّ بدون آثاره الخاصّة فتحكم بأنّ هذه الصورة علم حصوليّ، فإذن العلم الحصوليّ يحصل من ناحية اتّصال أدوات الإدارك بالموادّ الخارجيّة و هذا الاتّصال لمّا لم يوجد في المفارقات التامّة لأنّها مجرّدة ذاتا و فعلاً لم يحصل لها العلم الحصوليّ.
أي حاضرة عند المفارقات، لأنّ العلوم الحصوليّة متّحدة الوجود مع المعاليل و ذلك لاتّحاد العالم و المعلوم كما سيأتي و المعاليل حاضرة بوجوداتها عند المفارقات الّتي هي عللها، فالعلوم الحصوليّة حاضرة عند المفارقات.
العقل العمليّ قد يطلق و يراد به القوة الّتي تدرك الأمور المتعلّقة بالعمل(1)، أي: الأمور الّتي ينبغي أن يفعل بما هو نافع أو حسن ،أو ينبغي أن يترك بما هو ضارّ أو قبيح، و الذي يقابل هذا المعنى هو العقل النظريّ و هو القوّة الّتي تدرك الأمور غير المتعلّقة بالعمل، و قد يطلق و يراد به الهيأة الحاصلة للنفس بها تعمل النفس أفاعيلها الجزئيّة(2) و ليس من شأنها أن تدرك شيئًا بل هي عمّالة فقط و الّذي يقابل هذا المعنى هو العقل النظريّ الّذي من شأنه إدراك الأمور سواء كانت متعلّقة بالعمل أو لا و المراد هنا هو الثاني دون الأوّل.
امّا المتعلّقة بالقوّة العاقلة فهي كالشكّ و الجهل المركّب و الجهل البسيط و المكر، و أمّا المتعلّقة بالقوّة الغضبيّة فهي كالخوف و صغر النفس و القساوة و دنائة الهمّة و أمّا المتعلّقة بالقوة الشهويّة فهي كحبّ المال و حبّ الرياسة و غيرهما.
المزاج كيفيّة متوسّطة حاصلة من اجتماع كيفيات ملموسة و هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة، و الإنسان إن كان معتدل المزاج فهو سالم و إلاّ فمريض.
1 - راجع: الاسفار و تعليقة السبزواري، ج 9، ص 82.
2 - راجع: التحصيل، ص 789.
الشهوة: كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح إلى الظاهر جذبا للملائم و طلبا
للتلذّذ، و المراد بالروح هنا جسم لطيف بخاريّ يتكوّن من لطائف الأخلاط و ينتشر
بواسطة العروق إلى جميع أجزاء البدن. و الغضب: كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح
إلى الخارج دفعا للمنافر و طلبا للانتقام، و الخوف: كيفية نفسانيّة تتبعها حركة
الروح إلى الداخل دفعة هربا من الموذي. و الفزع: كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح
إلى الداخل هربا من الموذي واقعا كان أو متخيلاً. و الحزن: كيفيّة نفسانيّة تتبعها
حركة الروح إلى الداخل قليلاً قليلاً. و الهمّ: كيفية نفسانيّة يتبعها حركة الروح
إلى الداخل و الخارج لحدوث أمر يتصوّر فيه خير يتوقّع أو شرّ ينتظر. و الخجل:
كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح إلى الداخل و الخارج، لأنّ الروح ينقبض أوّلاً
إلى الباطن ثم يخطر بالبال أنّه ليس فيه كثير مضرة فينبسط ثانيا. و الفرح: كيفيّة
نفسانيّة تتبعها حركة الروح إلى خارج البدن قليلا قليلاً، طلبا للوصول إلى الملذّ.
و السرور:كيفيّة نفسانيّة يتبعها انبساط القلب و الدم.
و الغم: كيفيّة نفسانيّة تتبعها حركة الروح إلى الداخل خوفا من موذٍ واقع عليه.
فإدراك الحلاوة لذّة لذائقة المريض بما أنّه ملائم لها و إن لم يكن كذلك بالنسبة إلى سائر قواه و كذا إدراك مرارة الدواء لذائقة المريض ألم بما أنّه مناف بالنسبة إليها و إن لم يكن كذلك بالنسبة إلى سائر قواه.
إنّ اللذّة تتفاوت بحسب تفاوت الإدراك، فإنّ الإدراك كلّما كان أقوى كانت اللذّة
أشدّ، ألا ترى أنّ العاشق إذا رأى معشوقه من مسافة أقرب كان إدراكه أقوى و لذّته
أشدّ، ثمّ إنّ الإدراك يتفاوت بحسب تفاوت تجرّد المدرِك، لأنّ حيثيّة الإدراك عين
المدرِك بالذات كما سيأتي، فكلّما كان المدرِك أتمّ تجرّدا كان وجوده أقوى فكان
الإدراك و هو عين المدرِك بالذات أقوى فإذن لمّا كان العقل أتمّ تجرّدا من الحسّ و
الخيال كان إدراكه أقوى فكان لذته أشدّ.
إن قلت: لو كانت اللذّة العقليّة أقوى لوجب أن يكون التذاذنا بالمعقولات أقوى و فوق
ما نلتذّ بالمحسوسات و ليس كذلك بل قد لا نجد لذّة من المعقولات.
قلت: إنّ أكثر نفوسنا لم ترتق إلى التجرّد العقليّ فالملائمة بين نفوسنا و
معقولاتنا ضعيفة و ضعف الملائمة يوجب قلّة الالتذاذ.
توضيح الإشكال: أنّ الألم مع أنّه شرّ بالذات بالضرورة أمر وجوديّ لأنّه إدراك زوال
الاتّصال مثلا لا نفس زوال الاتّصال الّذيهو أمر عدميّ، فكون هذا الأمر الوجودي
شرّا بالذات يناقض قول الحكماء «إنّ الشرّ بالذات عدميّ» و هذا الإشكال للمحقّق
الدوّاني و أجاب عنه صدرالمتألّهين بأنّ الألم إدراك حضوريّ لا حصوليّ و الإدراك
الحضوريّ عين المدرَك فالألم الذي هو إدراك زوال الإتّصال مثلا عين الزوال، فهو و
إن كان نوعا من الإدراك لكنّه من أفراد العدم فيكون شرّا بالذات فلا ينتقض قولهم
بأنّ الشرّ بالذات عدميّ.
ثمّ إنّ المصنّف قد اعترض على هذا الجواب في حواشيه على «الاسفار»(1) بأنّ كون
الألم إدراكا حضوريّا غير مطّرد، و الشاهد عليه: أنّ الحس كثيرامّا يخطىء في مدركه
اللذيذ أو المؤلم و لا معنى للخطاء في المعلوم الحضوريّ و أيضا أنّ الألم قد يحصل
لمن أدرك موت حبيبه إدراكا تخيّليّا كاذبا، فلو كان الألم علما حضوريّا لما حصل له
الألم، إذ المدرَك و هو موت الحبيب غير موجود واقعا، و أيضا من المسلّم أنّ هذه
الإدركات الحسّيّة زمانيّة بمعنى أنّ بين ورود المحسوس على العضو الحسّاس فصلاً
زمانيّا و لو كان معلوما حضوريّا لم يكن لذلك معنى.
1 - راجع: الأسفار، ج 7، ص 63؛ ج 6، ص 160.
2 - راجع: الأسفار، ج 7، ص 65.
أقول الحقّ في الجواب ما قاله المحقّق السبزواريّ(2) من أنّ الألم بما هو إدراك،
أمر وجوديّ و ليس من هذه الجهة شرّا بالذات بل الشرّ بالذات هو حيثيّة عدم ملائمة
هذا الإدراك لمن له الألم و مجرّد عدم ملائمته لذي الألم لا يخرجه عن الوجوديّة
كما أنّ سمّ الحيّة مع كونه وجوديّا غير ملائم لغير الحيّة.
إنّ النسبة المنتزعة من الوجود الرابط ليست بمقولة عند المصنّف و استدلّ عليه بأنّ
النسبة ليست بماهيّة و المقولة ماهيّة جنسيّة، فينتج من الشكل الثاني أنّ النسبة
ليست بمقولة، أمّا الكبرى فواضحة وأمّا الصغري فهي لوجهين.
الأوّل: أنّ النسبة ليست مستقلّة في المفهوميّة، لأنّها منتزعة من الوجود غير
المستقلّ، أي: الوجود الرابط و لذا لا تحمل على شيء و لا يحمل عيلها شيء لكن
الماهيّة معنى مستقلّ يحمل على الشيء في جواب ما هو، فالنسبة ليست بماهيّة.
الثاني: أنّ النسبة في بعض المقولات كالإضافة و الوضع متكرّرة و لا معنى لتكرّر
الماهيّة في شيء واحد، فالنسبة ليست بماهيّة.
أقول: صغرى الدليل ممنوعة، لأنّ الوجود الرابط وجود محدود فلابدّ له من ماهيّة
تحدّه و هي النسبة المنتزعة منه، و الوجهان المذكوران لإثبات الصغرى ممنوعان أيضا؛
أمّا الأوّل فلأنّ كليّة الكبرى فيه ممنوعة و قد تقدّم وجه المنع في آخر الفصل
الأوّل من المرحلة الثانية و أمّا الثاني فلأنّ النسبة الثانية في مقولة الإضافة
قيد خارج عن المقولة فلا تكرار لنفس المقولة و كذا الأمر في الوضع، فإنّ الوضع هيأة
حاصلة للشيء من تحقّق نسب أخرى بين الشيء و خارجه و بين أجزائه و هذه النسب و إن
كانت ماهيّات متعدّدة إلاّ أنّها خارجة عن حقيقة الوضع محصّلة لها فلا
إشكال كما أنّ الخطّ ماهيّة خارجة عن ماهيّة الانحناء محصّلة لها.
اختلف الحكماء في أنّ الإضافة هل هي هيأة حاصلة من النسبة المتكرّرة أو هي نفس النسبة المتكرّرة؛ و المختار عند المصنّف رحمهالله هو الأوّل، لكن الحقّ هو الثاني، لأنّ الإضافة لو كانت هيأة حاصلة من النسبة المتكرّرة لكانت موجودة بوجود زائد على موضوعها و حينئذٍ تكون حالّة في موضوعها فيعرض لها إضافة الحاليّة و المحلّيّة، و هذه الإضافة أيضا موجودة في الخارج بوجود زائد على موضوعها، فتكون حالّة في محلّ فننقل الكلام إليها، فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هو محال و هذا الإشكال غير وارد على القول بأنّ الاضافة هي النسبة المتكرّرة لأنّ النسبة موجودة بالوجود الرابط و الوجود الرابط ليس زائدا على وجود طرفه، بل هو موجود بعين وجود طرفه، فلا يكون الإضافة زائدة على موضوعها حتّى يحصل هناك إضافة الحالّيّة و المحلّيّة، فينتقل الكلام إليها، فيذهب الأمر إلى غير النهاية.
كامتناع اجتماع طرفي الإضافة في شيء واحد من جهة واحدة، فإنّ الأبوّة و البنوّة لاتجتمعان في موضوع واحد من جهة واحدة.
إذ لو ضمّ ضميمة لكانت الضميمة حالّة في موضوعها، فيعرض لها إضافة الحالّيّة و المحلّيّة و هذه الإضافة أيضا ضميمة أخرى، فينتقل الكلام إليه فيذهب الأمر إلى غير النهاية و هو محال.
توضيحه: أنّ الزمان المتقدّم ليس مغاير الذات للزمان المتأخّر بل لهما ذات واحدة
مشتركة، لأنّ الزمان حقيقة متّصلة الأجزاء و الاتّصال معيار الوحدة في الممتدّات
فإذن للزمان المتقدّم و الزمان المتأخّر ذات واحدة مشتركة هي الزمان المتّصل
الوحدانيّ.
إذا عرفت هذا، نقول: إنّ الزمان المتقدّم و الزمان المتأخّر معان في الزمان، إذ
المعيّة الزمانيّة ليست إلاّ اشتراك أمرين في زمان واحد و هذا حاصل هنا بالإتّصال
بين الأجزاء المفروضة، إذ بالإتّصال يحصل الوحدة في ذات الأجزاء فالأجزاء المفروضة
في الزمان مشتركة في ذات واحدة هي الزمان المتّصل الوحدانيّ، فالزمان المتقدّم و
الزمان المتأخّر معان باشتركهما في ذات الزمان المتّصل الوحداني. و بعبارة أخرى:
إنّ المعيّة الزمانيّة عبارة عن حيثيّة اشتراك الأمرين في زمان واحد كما أنّ
التقدّم و التأخّر هنا عبارة عن حيثيّة عدم اشتراكهما في زمان واحد بأن كان لكلّ
زمان ممتاز عن الاخر و لمّا كان الزمان حقيقة مشكّكة و ما به الامتياز في الحقيقة
المشكّكة عين ما به الاشتراك كان معيار المعيّة الّذيهو حيثيّة الاشتراك عين معيار
التقدّم و التأخّر، فالمتقدّم و المتأخّر هنا معان باشتراكهما في الذات الّتي هي
معيار للتقدّم و التأخّر أيضا.
هذا جواب آخر عن الإشكال، توضيحه: أنّ العلم و المعلوم ليسا من المتضائفين حتّى يرد
فيه النقض المذكور و ذلك، لأنّ العلم و المعلوم لو كانا متضائفين لم يمكن اتّحادهما
ذاتا، لأنّ المتضائفين متقابلان و المتقابلان لايجتمعان في ذات واحدة فالعلم و
المعلوم لو كانا متضائفين لم يتّحدا ذاتا لكن التالي باطل بما سيأتي في مرحلة
العاقل و المعقول فكذا المقدّم.
فمكان الرأس هو السطح الحاوي من العمامة مثلاً كما أنّ مكان العمامة هو سطح الرأس المحويّ بالعمامة.
أمّا كونه جوهرا فلأنّه لو كان عرضا لكان قائما إمّا بالمتمكّن أو بما استقرّ المتمكّن فيه، لكن كلاهما باطلان، إذ المكان لو كان قائما بالمتمكّن أو بما استقرّ المتمكّن فيه لانتقل بانتقال موضوعه، لكنّ التالي باطل، لأنّ المكان ثابت و لو انتقل المتمكّن أو ما استقرّ المتمكّن فيه فكذا المقدّم فليس المكان عرضا و أمّا كونه مجرّدا، فلأنّه لو كان جوهرا مادّيا لتداخل أبعاد الجسم المتمكّن و أبعاد المكان المادّيّة و التالي باطل فكذا المقدّم.
أي لمّا كانت الأمارات الأربعة بديهيّة لايمكن إنكارها وجب أن يقال إنّ المنكرين لم ينكروا المكان من أصله، بل انّهم أنكروا المكان بالتعاريف السابقة و حينئذٍ وجب عليهم أن يرجعوا المكان إلى مقولة الوضع، لأنّ غير الوضع من الجوهر و سائر الأعراض لاينطبق على المكان، إذ الجوهر و الكمّ يوجد في التعاريف السابقة و هم أنكروا التعاريف و أمّا الكيف و الأعراض النسبيّة غير الوضع لايصدق عليها الأمارات، فإنّ الكيف و الأعراض النسبيّة لايسكن فيها و لا يقدر فيها النصف و الثلث و الربع و غيرها، فإذن لابدّ لهم أن يرجعو المكان إلى مقولة الوضع لكن يرد على تعريفهم أنّ الجسم ربما ينتقل من مكانه مع عدم تغيّر في وضعه و ربّما يعرضه التغيّر في وضعه مع عدم انتقاله من مكانه و هذا يدلّ على أنّ المكان ليس من الوضع إذ الثابت غير المتغيّر.
توضيحه: أنّا نشاهد الأجسام متمانعة من التداخل و منشأ التمانع هو المقدار لا الهيولى و لا الصورة و لا سائر الأعراض؛ أمّا الهيولى فلأنّ حيثيّتها حيثيّة القبول و الانفعال لا الفعل فلا تمنع من شيء و أمّا الصورة فلأنّ الجسم الواحد قد يتخلخل فيشغل حيّزا كبيرا، ثمّ يتكاثف فيشغل حيّزا صغيرا مع بقاء صورته بحالها، فعلم أنّ الصورة في حدّ ذاتها ليست شاغلة للحيّز و إلاّ لما اختلفت الشغل مع اتّحادها، و أمّا سائر الأعراض فلأنّها لا تشغل الأحياز بالذات، إذ لا بُعد لها بالذات فلا تكون شاغلة لها فإذن ثبت أنّ الشاغل بالذات هو المقدار، و من هنا علم أنّ المانع من التداخل هو المقدار، فلو كان المكان بُعدا يلزم تداخل المقدارين و هو محال.
أي الاحتمالات المذكورة في تمانع الأجسام غير حاصرة؛ لأنّ من المحتمل أن يكون
المانع من التداخل الهيولى مع المقدار أو الصورة مع المقدار أو هما معه، لا المقدار
فقط حتّى يقال إنّ مقدار الجسم المتمكّن يمانع مقدار المكان.
المراد بالزمان أمّا نفسه أو طرفه، أي الآن.
هذا إذا كان الزمان المأخوذ في المتى الزمان العامّ، أمّا إذا كان الزمان المأخوذ فيها الزمان الخاصّ بكلّ حركة، فالأمر في المتى كالأمر في الأين.
إذ ليس في جوهر ذاتها حركة و سيلان حتى تنطبق حركتها على الزمان فيحصل لها «متى».
قد اعتبر نسبة المجموع إلى الخارج في تعريف الوضع، إذ لولاه لم يكن فرق بين القيام و الانتكاس أو بين الاستلقاء و الانبطاح و ذلك لتشابه النسب الّتي بين الأجزاء في القيام و الانتكاس أو في الاستلقاء و الانبطاح، ثمّ إنّ المراد بالمجموع المنسوب إلى الخارج مجموع الأجزاء بالأسر لا مجموع الأجزاء بما هو كلٌّ حتّى يقال: اعتبار هذه النسبة غير ضروريّ لاختلاف النسبة بين الأجزاء باختلاف جهة الأجزاء، فإنّ المعتبر ليس نسبة المجموع بما هو كلّ حتّى يرد هذا الإشكال.
المراد بما بالقوّة ما هو موجود بالفرض و التوهّم نظير فرض دائرة قرب قطب الرحى، فإنّ الوضع في هذه الدائرة بالقوّة إذ لا دائرة هناك بالفعل حتّى تكون وضعها بالفعل.
هذا ينافي ما تقدّم في الفصل الثالث عشر من إنكار الاشتداد في المستقيم و المستدير و يؤيّد المناقشة الّتي أوردناها هناك، فراجع إن شئت.
فإنّ الوحدة بما هي وحدة لو كانت قابلة للإشارة الحسّيّة لجاز الإشارة إلى وحدة الواجب أيضا مع أنّه محال إذ الوحدة عين الوجود، فلو جازت الإشارة إلى وحدة الواجب لجازت الإشارة إلى وجوده تعالى و هو باطل بالضّرورة.
لا يخفي أنّ هذه المناقشة تنافي ما تقدّم في المكان من أنّ المكان بُعد جوهريّ
مجرّد عن المادّة و هو مع ذلك ذو وضع قابل للإشارة الحسّيّة.
لأنّ حقيقة الملك الحقيقيّ ليست إلاّ كون الشيء لغيره بحيث يتصرّف فيه كيف يشاء و الكون هو الوجود.
في مقولتي أن يفعل و أن ينفعل
من للتبعيض، أي ما له نوع من الحركة.
هذا و إن كان صحيحا إلاّ أنّ اللازم منه أنّ الفعل و الانفعال ليسا من المقولات، لأنّ وجود كلّ منهما لو كان وجود الكيف مثلاً من حيث يؤثّر في غيره أو يتأثّر من غيره لكان وجودهما عين وجود الكيف، لأنّ الكيف المقيّد بالتأثير أو بالتأثّر كيف أيضا لا شيء زائد عليه إذ المقيّد عين المطلق مصداقا، فلا يكون هناك شيء آخر زائد على الكيف حتّى يقال أنّه من مقولة أخرى كأن يفعل أو أن ينفعل.
تقدّم أنّ اللازم من هذا عدم كون الفعل و الانفعال من المقولات.