المرحلة الخامسة
في الماهيّة و أحكامها
و فيها سبعة فصول

 

الفصل الأوّل

في خروج المتقابلات عن الماهيّة
قوله: و هي ما يقال في جواب ما هو

الماهيّة قد تطلق و يراد بها ما به الشيء هو هو و قد تطلق و يراد بها ما يقال في جواب السوءال بما هو و المعنى الأوّل أعمّ مطلقا من المعنى الثاني، لأنّ السوءال بما هو سوءال عن حقيقة الشيء فما يقال في جواب هذا السؤال هو ما به الشيءهو هو، فكلّ ما صدق عليه الماهيّة بالمعنى الثاني صدق عليه الماهيّة بالمعنى الأوّل، لكن ليس كلّ ما صدق عليه الماهيّة بالمعنى الأوّل صدق عليه الماهيّة بالمعنى الثاني، لأنّ حقيقة الوجود مثلاً صدق عليها أنّها ما بها الوجود هو هو لكن لايصدق عليها أنّها ما يقال في جواب السؤال بما هو، لأنّ ما يقال و يحمل على الشيء يحمل عليه في الذهن لا في الخارج، فالمحمول علي الشيءظرفه الذهن لكن حقيقة الوجود لا تحلّ الاذهان ـ كم تقدّم فلا تحمل على الشيء حتى يصدق عليها الماهيّة بالمعنى الثاني.

قوله: لمّا كانت من حيث هي و بالنظر إلى ذاتها في حدّ ذاته

قد يقال: الماهيّة من حيث هي أو الماهيّة في حدّ ذاتها و يراد بها الماهيّة لابشرط؛ و قد يقال: الماهيّة من حيث هي أو الماهيّة في حدّ ذاتها و يراد بها الماهيّة بشرط لا؛ و مراد المصنّف من قوله: «الماهيّة لمّا كانت من حيث هي و بالنظر إلى ذاتها في حدّ ذاتها» المعنى الأوّل، أي الماهيّة لابشرط؛ و مراده من قوله: «كانت في حدّ ذاتها...» المعنى الثاني، أي الماهيّة بشرط لا، فلاتهافت بين قوله: «لا تأبى أن تتّصف..» و قوله: «لاموجودة و لا لاموجودة»، لأنّ الموضوع مختلف.
ثم توضيح الدليل: أنّ إمكان اتّصاف الماهيّة لابشرط بالوجود و العدم يقتضي أنّ الوجود و العدم غير داخلين في متن الماهيّة و حريم ذاتها، إذ لو لم يكن كذلك بأن كان الوجود أو العدم عين ذات الماهيّة أو ذاتيّها لامتنع اتّصاف الماهيّة لابشرط بمقابل ما أخذ في حريم ذاتها، لأنّ الشيء لا يتّصف بمقابله و إن أخذ لا بشرط، فلوكان الوجود عين ذات الماهيّة أو ذاتيّها لامتنع اتّصاف الماهيّة بالعدم و إن أخذت لابشرط و كذا لو كان العدم عين ذاتها أو ذاتيّها لامتنع اتّصافها بالوجود و إن أخذت لابشرط فإذن ثبت أنّ الوجود و العدم غير داخلين في متن الماهيّة و حريم ذاتها.

قوله: عن المرتبة ...

و هي مرتبة ذات الماهيّة.

قوله: يعنون به

لمّا كان قولهم ملازما للتخصيص في قاعدة «ارتفاع النقيضين مستحيل» و التخصيص في القاعدة العقليّة باطل، أرجع المصنّف قولهم إلى معنى لايوجب التخصيص بل التخصّص فقال «يعنون به الخ».
توضيحه: انّ الوجود المقيّد بكونه مأخوذا في مرتبة ذات الماهيّة و العدم المقيّد بكونه مأخوذا في مرتبة ذات الماهيّة ليسا نقيضين حتّى يكون ارتفاعهما ارتفاعا للنقيضين، لأنّ نقيض كلّ شي رفعه، فإذا كان الوجود مقيّدا بكونه مأخوذا في مرتبة ذات الماهيّة كان نقيضه رفع ذلك الوجود المقيّد بأن يكون القيد، قيدا للمنفيّ لا للنفي، فنقيض الوجود المأخوذ في مرتبة ذات الماهيّة عدم ذلك الوجود الّذى أخذ في مرتبة ذات الماهيّة لا العدم الّذى أخذ في مرتبة ذات الماهيّة، فإذن ثبت أنّ الوجود المأخوذ في مرتبة الذات و العدم المأخوذ في مرتبة الذات ليسا نقيضين و إذ ليسا نقيضين فارتفاعهما ليس ارتفاعا للنقيضين و ظهر أنّ خروج ارتفاعهما عن قاعدة «ارتفاع النقيضين مستحيل» خروج تخصّصي لا تخصيصيّ.

قوله: مع تقديم السلب على الحيثيّة

إنّ السؤال عن الماهيّة من حيث هي لمّا كان سؤالاً عن ذاتيّات الماهيّة ينتظر السائل لأن يجاب عن سؤاله بالذاتيّات، فما يقال في جوابه يجعله السائل ذاتيّا للماهيّة الّتي سأل عن ذاتيّاتها،مثلاً إذا قيل «الإنسان من حيث هو، هل هو موجود أو معدوم» كان مفاد السؤال أنّ الوجود و العدم هل هما من ذاتيّات الإنسان أو لا؟ فإن أجبنا بقولنا: «إنّ الإنسان من حيث هو ليس موجودا و لا معدوما» زعم السائل أنّ قولنا «ليس موجودا و لا معدوما» ذاتيّ للإنسان و معرّف له، فيتوهّم أنّ الإنسان من حيث هو، عبارة عن هذه الليسيّة و هذا التوهّم باطل بالضرورة، أمّا إن أجبنا بقولنا: «ليس الإنسان من حيث هو، موجودا و لا معدوما» لا يتوهّم السائل ذلك التوهّم، لأنّ هذا القول صريح في كونه قضيّة سالبة فالوجود و العدم مسلوبان عن الماهيّة من حيث هي بالصراحة بخلاف القول الأوّل حيث أنّه لا صراحة له في كونه قضيّة سالبة، إذ من المحتمل كونه قضيّة معدولة فيشتبه عليه الأمر فيجعل «ليس موجودا و معدوما» محمولاً ذاتيّا للإنسان فيقع في الخطاء، ففائدة تقديم السلب على الحيثيّة دفع هذا التوهّم، قال الشيخ: «فإن سألنا سائل و قال أ لستم تجيبون و تقولون إنّها ليست كذا و كذا، و كونها ليست كذا و كذا غير كونها إنسانيّة بما هي إنسانيّة؟ فنقول: إنّا لانجيب أنّها من حيث هي إنسانيّة ليست كذا، بل نجيب إنّها ليست من حيث أنّها إنسانيّة، كذا و قد عرفت الفرق بينهما في المنطق»(1).

قوله: حتى يفيد سلب المقيّد دون السلب المقيّد

أي نقول في الجواب: «ليس الإنسان من حيث هو، موجودا و لا معدوما» حتّى تكون القضيّة صريحة في السلب و يكون مفادها سلب الوجود و العدم المقيّدين بكونهما في مرتبة الذات، عن الإنسان، و لانقول في الجواب «الإنسان من حيث هو ليس موجودا و لا معدوما» حتى يتوهّم أنّ القضيّة موجبة معدولة المحمول و يكون مفادها أنّ الإنسان من حيث هو عبارة عن تلك الليسيّة و هي ليسيّة مقيّدة لأنّ «ليس» قد ترد على الوجود و العدم و قد ترد على أشياء أخر كالضحك مثلاً فالليسيّة في قولنا «ليس موجودا و لا معدوما» ليسيّة خاصّة مقيّدة بكونها واردة على الوجود و العدم.

1 - الفصل الأوّل من المقالة الخامسة من الهيات الشفا، ص 199.

 

 

الفصل الثاني

في اعتبارات الماهيّة
قوله: و القسمة حاصرة

لأنّ الماهيّة إمّا أن لاتلاحظ معها شيء آخر أو تلاحظ معها شيء آخر و الشيء الملحوظ مع الماهيّة إمّا أن يكون وجوديّا أو يكون عدميّا فالأقسام ثلاثة.

قوله: و هذا على وجهين

الفرق بينهما أنّ الماهيّة مجرّدة عن جميع ما عداها في الوجه الأوّل و منضمّ إليها غيرها في الثانيلكن اعتبر زيادته عليها و مغايرته لها.

قوله: و تسمّى الّلابشرط المقسميّ

الماهيّة اللابشرط المقسميّ هي عين الماهيّة اللابشرط القسميّ و لا فرق بينهما أصلاً و الإشكال الذي أوردوه عليه بأنّ هذا من قبيل تقسيم الشيء إلى نفسه و غيره مندفع.
توضيح الإشكال: إنّ تقسيم الشيء إلى نفسه و إلى غيره محال، لأنّ المقسم أعمّ من قسمه فيصدق فيما لايصدق القسم كالعدد فانّه مقسم للزوج و الفرد، فهو أعمّ من الزوج مثلاً فيصدق فيما لايصدق الزوج فإنّ العدد يصدق على قسيم الزوج و هو الفرد لكنّ الزوج لايصدق على قسيمه، فإذن لو انقسم الماهيّة المطلقة إلى الماهيّة المطلقة و إلى الماهيّة المقيّدة للزم أن تكون الماهيّة المطلقة أعمّ من نفسها و هو باطل بالضرورة، لأنّ الماهيّة المقيّدة باعتبار كونها قسما من الماهيّة المطلقة يصدق عليها الماهيّة المطلقة و باعتبار أنّها قسيم لها لايصدق عليها الماهيّة المطلقة و هذا هو التناقض.
توضيح الجواب: إنّ إشكال أعمّيّة الشيء من نفسه يلزم فيما إذا كانت النسبة بين الأقسام نسبة التباين بأن يكون كلّ قسم في عرض قسم آخر، فإذا كانت النسبة التباين لزم من تقسيم الشيء إلى نفسه و إلى غيره التناقض، لأنّ مقسم ذلك الغير صادق عليه لكن قسيمه غير صادق عليه، لأنّه مباين له على الفرض فيلزم التناقض إذا كان مقسمه عين قسيمه كما هو المفروض هنا، أمّا إذا كانت النسبة بين الأقسام بالعموم و الخصوص مطلقا فلايلزم الإشكال، إذ إشكال التناقض قد ورد من ناحية عدم صدق أحد القسمين على الاخر و المفروض في هذا الفرض أن يكون أحد القسمين أعمّ من الاخر و الأعمّ صادق على الأخصّ فعدم الصدق منتف هنا و بانتفائه ينتفي التناقض فلا إشكال في البين إذا كان أحد الأقسام أعمّ مطلقا من الآخر و الأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ الماهيّة اللابشرط القسميّ أعمّ من الماهيّة المقيّدة، إذ القيد الملحوظ في الماهيّة المقيّدة غير ملحوظ في اللابشرط القسميّ و إذا كان أعمّ فالإشكال المتقدّم غير وارد، فإذن صحّ أن يقال: الماهيّة إمّا أن لا يلاحظ معها شيء آخر أو يلاحظ معها شيء آخر و الأولى‏الماهيّة المطلقة الّتي هي عين المقسم و الثانية إمّا أن يكون الشيء الملحوظ معها وجوديّا أو يكون عدميّا و الأوّل هو الماهيّة المخلوطة و الثاني هو الماهيّة المجرّدة، و من هنا ظهر أنّ ما قيل من أنّ الفرق بين الماهيّة المطلقة القسميّة و الماهيّة المطلقة المقسميّة بأن يكون الإطلاق قيدا في القسميّ دون المقسمىّ، باطل ليس بشيء لأنّ الإطلاق لو كان قيدا للماهيّة لصارت الماهيّة مخلوطة بشيء غيرها فلا تكون الماهيّة المفروضة ماهيّة غير ملحوظ معها شيء و المفروض كونها كذلك هذا خلف، و أيضا الإطلاق بما هو إطلاق لو كان قيدا لزم المحال لأنّ الإطلاق عبارة عن نفي التقيّد فلو كان نفي التقيّد تقيّدا للزم من عدم الشيء وجوده و هذا هو التناقض المحال، نعم لو كان الإطلاق نسبيّا بأن تكون الماهيّة مطلقة بالنسبة إلى بعض الأشياء لصحّ كون هذا الإطلاق قيدا لكن لا من حيث اطلاقه بل من حيث محدوديّته النسبيّة، و الإطلاق في الماهيّة المطلقة القسميّة ليس نسبيّا، لأنّ المفروض أنّ الماهيّة لايلاحظ معها شي، آخر غير نفسها.

قوله: والموجود من الكلّيّ في كلّ فرد غير الموجود منه في فرد آخر

هذه هي المسألة المتنازع فيها بين الشيخ الرئيس و الرجل الّذيصادقه بمدينة همدان و حاصل النزاع: أنّ الماهيّة الموجودة في زيد مثلاً هل تكون عين الماهيّة الموجودة في عمرو بالعدد أو غيرها فذهب الرجل إلى الأوّل و الشيخ إلى الثاني.
أقول: إنّ عظمة الشيخ و شهرته العلميّة قد منعتاعن التحقيق في هذه المسألة و التحقيق فيها يوجب الالتزام بقول الرجل و إن أبى عنه أوهام المقلّدين، و ذلك لأنّ الدليل الجاري في وحدة حقيقة الوجود و أنّ الكثرة في الوجود راجعة إلى الوحدة جارٍ فيما نحن فيه فينتج أنّ الماهيّة الإنسانيّة مثلاً في عين كثرتها واحدة فتكون نسبتها إلى أفرادها كنسبة الأب الواحد إلى أولاده الكثيرين لا كنسبة الاباء الكثيرين إلى أولادهم، هذا ما يفهم من أبحاث الرجل مع الشيخ، على ما نقله الشيخ في رسالته المفردة في هذا الباب.
توضيحه: أنّ حقيقة الوجود على كثرتها واحدة، إذ ينتزع عن جميع أفرادها مفهوم واحد و هو مفهوم الوجود و المفهوم الواحد بما هو واحد لاينتزع عن الكثير بما هو كثير فالمنتزع عنه مفهوم الوجود يجب أن يكون حقيقة واحدة، هذا دليل رجوع الكثرة في الوجود إلى الوحدة و قد تقدّم توضيحه في أوّل الكتاب و الرجل يجري مثل هذا الدليل في الماهيّة (1)

1 - راجع: رسائل الشيخ، ص 468 و ص 473.

فيقول: إنّ الماهيّة الإنسانيّة مثلاً مفهوم مشترك و حدّ واحد تنتزع عن ماهيّة زيد و ماهيّة عمرو و غيرهما و تنطبق عليها، و المفهوم الواحد بما هو واحد لاينتزع عن الكثير بما هو كثير، فالمنتزع عنه مفهوم الإنسان - و هو مفهوم واحد - يجب أن يكون حقيقة واحدة و ليست تلك الحقيقة الواحدة جزءا من الماهيّة الشخصيّة الّتيلزيد مثلاً، لأنّ الإنسانيّة تحمل على إنسانيّة زيد لكن الجزء لايحمل على الكلّ، فلايكون الإنسانيّة جزءا من إنسانيّة زيد فتكون تلك الماهيّة الواحدة المشتركة بين زيد و عمرو و غيرهما عين الماهيّة الشخصيّة الّتي هي لزيد فيرجع ما به الإشتراك فيها إلى ما به الامتياز، فتكون الماهيّة الإنسانيّة واحدة شخصيّة في عين أنها كثيرة و كثيرة في عين أنّها واحدة شخصيّة، هذا إذا قيست الماهيّة النوعيّة كالإنسان إلى أفرادها و الأمر في الماهيّة الجنسيّة بالنسبة إلى أنواعها كذلك، فانّ الحيوان مفهوم واحد مشترك بين الإنسان و الفرس و غيرها و المفهوم الواحد بما هو واحد لاينتزع عن الكثير بما هو كثير، فالمنتزع عنه مفهوم الحيوان يجب أن يكون حقيقة واحدة و ليست تلك الحقيقة الواحدة جزءا من ماهيّة أنواعه كالإنسان، لأنّ الحيوان يحمل على الإنسان مثلاً لكن الجزء لايحمل على الكلّ، فيكون الحيوان المشترك بين الإنسان و الفرس و غيرهما عين الماهيّة الإنسانيّة الّتي هي ماهيّة خاصةّ(1)، فيرجع ما به الإشتراك فيها إلى ما به الامتياز فتكون الماهيّة الحيوانيّة واحدة في عين أنّها كثيرة و كثيرة في عين أنّها واحدة، ثمّ من نتائج هذا البحث أنّ الماهيّات حقائق مشكّكة أي كما أنّ حقيقة الوجود في عين وحدتها لها ظهورات متعدّدة في مراتب مختلفة كذلك كلّ ماهيّة في عين وحدتها لها ظهورات متعدّدة في مراتب مختلفة.
قوله: كان الواحد كثيرا بعينه و هو محاله
استحالته ممنوعة، لأنّ الكثرة لاتقابل الوحدة بل هي راجعة إليها، كما تقدّم في حقيقة الوجود و سيأتي تصريح‏المصنّف بعدم تقابلهما في آخر المرحلة السابعة.

قوله: كان الواحد متّصفا بصفات متقابلة

ما قلتم في حقيقة الوجود يقوله الرجل في الماهيّات.

1 - سيصرّح المصنّف هذا البحث في الفصل الخامس فانتظر.

 

الفصل الثالث

في الكلّيّ و الجزئيّ
قوله: فالعقل لايمتنع من تجويز صدق الماهيّة على كثيرين

فيه تأمّل لأنّ الماهيّة حدّ ينتزع من الوجود و الحدّ في سعته و ضيقه تابع لمحدوده، فإذا كان المحدود ضيّقا آبيا عن الاشتراك كان حدّه المنتزع منه ضيّقا آبيا عن الاشتراك، إذ لو لم يكن كذلك للزم أن يكون الحدّ مستقّلاً في سعته عن محدوده و استقلال الحدّ عن المحدود في السعة و الضيق باطل بالضرورة، فإذن الماهيّة المنتزعة من الوجود المتشخّص الآبي عن الاشتراك يجب أن تكون متشخّصة آبية عن الاشتراك بالنظر إلى نفسها، أي إنّ تشخّصها و إن كان بتبع تشخّص الوجود غير أنّه صفة لها بالذات و حقيقة لا بالعرض و مجازا، إذ لو كان بالعرض لم تكن الماهيّة المنتزعة من الوجود المتشخّص آبية حقيقة عن الصدق على غير محدودها، فتكون مستقلّة عن محدودها في سعتها و هو باطل بالضرورة، و من هنا يعلم أنّ التشخّص و الكلّيّة صفتان حقيقيّتان لكلّ من الوجود و الماهيّة.
توضيح ذلك: تقدّم أنّ ما به الاشتراك في حقيقة الوجود عين ما به الإمتياز فيها فالوجودات الخاصّة و إن كانت متكثّرة ممتازا كلّ منها عن الآخر، غير أنّها راجعة إلى حقيقة واحدة مشتركة بينها، ثمّ إنّ حيثيّة الاشتراك بين كثيرين توجب اتّحاد ما به الاشتراك مع كلّ واحد من الكثيرين، لأنّ ما به الإشتراك لو لم يتّحد معها أصلاً أو اتّحد مع واحد منها فقط لم يكن مشتركا هذا خلف، فإذن حقيقة الوجود من حيث إنّها مشتركة بين الوجودات الخاصّة تتّحد مع كلّ منها و تنطبق عليها و هذه الخاصّة أي اتحاد حقيقة واحدة مع الكثيرين هي المسمّاة بالكلّيّة كما قاله المصنّف رحمه‏الله فحقيقة الوجود بلحاظ اشتراكها بين الوجودات الخاصّة كلّيّة، و كذا أنّ ما به الامتياز في الشيء يوجب انحصار الشيء في ما به الامتياز فيكون الشيء آبيا عن الاتّحاد مع غيره و عن الصدق على غيره و هذه الخاصّة، أي عدم اتّحاد الشيء إلاّ مع نفسه هي المسمّاة بالتشخّص و حقيقة الوجود توجد فيها هذه الخاصّة لأنّ حقيقة الوجود بلحاظ ظهورها في الوجودات الخاصّة الممتاز كلّ منها عن الآخر توجب عدم اتّحاد كلّ منها مع غيره، فكلّ منها آبٍ عن الصدق و الانطباق إلاّ على نفسه، فيكون متشخّصا و بالجملة حقيقة الوجود بلحاظ اشتراكها كلّيّة و بلحاظ تمايز مظاهرها متشخّصة، هذا في الوجود و أمّا الماهيّة فحيث كانت حدّا منتزعا من الوجود كانت تابعة للوجود في سعتها و ضيقها، فإن انتزعت عن الوجود من حيث هو متشخّص كانت متشخّصة و إن انتزعت عن الوجود من حيث هو كلّيّ منطبق على كثيرين كانت كلّيّة غير آبية عن الانطباق على كثيرين، فإذن ثبت انّ التشخّص و الكلّيّة صفتان بالذات لكلّ من الوجود و الماهيّة.

قوله: فالكلّيّة خاصّة ذهنيّة تعرض الماهيّة في الذهن

فيه نظر يظهر وجهه ممّا قدّمناه،فإنّ الكلّيّة عبارة عن حيثيّة الصدق على كثيرين و صدق الشيء على الشيء ليس إلاّ اتّحاده معه كما يظهر من كلام المصنّف رحمه‏الله فالكلّيّة عبارة عن اتّحاد حقيقة واحدة مع كثيرين ثم إنّ وعاء الاتّحاد وعاء الأمرين المتّحدين، فإن كان المتّحدان خارجيّين كان الاتّحاد بحسب الخارج كاتّحاد حقيقة الوجود مع الوجودات الخاصّة و إن كانا ذهنيّين كان الاتّحاد بحسب الذهن كاتّحاد مفهوم الوجود العامّ مع مفهوم الوجودات الخاصّة و إن كان المتّحدان من المتقرّرات الماهويّة كان الاتّحاد بحسب التقرّر الماهويّ كاتّحاد الجنس مع نوعه، فإذن الكلّيّة و ـ هي اتّحاد حقيقة واحدة مع كثيرين ـ خاصّة تعرض على الوجود الخارجيّ تارة و على الوجود الذهنيّ تارة أخرى و على التقرّر الماهويّ ثالثة.

قوله: إذ الوجود الخارجيّ العينيّ مساوق للشخصيّة

الوجود الخارجيّ العينيّ مساوق للشخصيّة مانع عن الاشتراك إذا لوحظ من حيث امتيازه و تخصّصه و أمّا إذا لوحظ من حيث رجوعه إلى حقيقة الوجود المشتركة بين الوجودات الخاصّة فليس مساوقا للشخصيّة، لأنّ حيثيّة الاشتراك حيثيّة الصدق على كثيرين ـ كما تقدّم بحثه مفصّلاً ـ فيكون من هذه الحيثيّة كلّيّا غير آبٍ عن الصدق على كثيرين.

قوله: و لكذبت القضايا الكلّيّة

فيه أنّه لايلزم من كون الماهيّة ذات فرد واحد كذب القضايا الكلّيّة، إذ يجوز أن يقال مثلاً: «كلّ واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات» مع أنّ موضوع هذه القضيّة لايمكن له إلاّ فرد واحد، فإذن ينبغي الاكتفاء بالإشكال الأوّل و هو انّ لازم هذا القول انحصار الماهيّة في مصداق واحد و هو باطل بالضرورة.

قوله: و الحقّ انّ الماهيّة بما أنّها هي لاتقبل التشكيك

قالوا لأنّ ما به يتفاوت الأشدّ عن الأضعف إن كان جزءا داخلاً في الأشدّ لزم أن تكون ماهيّة الأشدّ مغايرة لماهيّة الأضعف لتحقّق ذاتيّ في الأشدّ دون الأضعف فلا تكون الماهيّة مشكّكة إذ الحقيقة المشكّكة حقيقة واحدة، و إن كان خارجا عن الأشدّ لم يتحقّق التشكيك في حريم الماهيّة بل تحقّق في خارجها.
أقول: فيه نظر لأنّ الشقوق المحتملة لاتنحصر فيما قالوا، لأنّ ما به يتفاوت الأشدّ عن الأضعف لايكون جزءا داخلاً في الأشدّ حتّى يلزم اختلاف الأشدّ و الأضعف في الماهيّة و لا يكون خارجا عنه حتّى يلزم خروج التشكيك عن حريم الماهيّة بل يكون عينا للأشدّ كما هو الشأن في الحقائق المشكّكة حيث إنّ ما به التفاوت فيها عين ما فيه التفاوت، بل الحقّ أنّ التشكيك واقع في الماهيّة أيضا كما أشرنا إليه سابقا.
توضيحه: أنّ الأنواع المتمايزة كالإنسان و الفرس و الغنم و غيرها ينتزع عن كلّ منها معنى واحد جنسي كالحيوان و المعنى الواحد بما هو واحد لاينتزع عن الكثير بما هو كثير، فيجب أن تكون الأنواع المتمايزة مشتركة في حقيقة واحدة و تلك الحقيقة الواحدة ليست جزءا من الأنواع المتمايزة لأنّ الجنس يحمل على النوع في مقام تقرّره الماهويّ و الجزء لايحمل على الكلّ، و كذا ليست خارجة عنها لأنّ الجنس من ذاتيّات الشيء فلا يكون خارجا عنه، فيكون الجنس عينا لكلّ من الأنواع المتمايزة، إذ الشيء إمّا أن يكون عينا لشيء أو يكون جزءا منه أو يكون خارجا عنه، فإذا بطل الأخيران ثبت الأوّل، فإذن ثبت أنّ جنس الأنواع عين لكلّ منها و بذلك ثبت أنّ الأنواع المتمايزه المتكثّرة راجعة إلى حقيقة واحدة مشتركة هي عين كلّ منها، فرجعت الكثرة إلى الوحدة و هذا هو التشكيك، كما مرّ نظيره في حقيقة الوجود في أوّل الكتاب، هذا هو رجوع الكثرة العرضيّة إلى الوحدة و للماهيّة كثرة أخرى طوليّة ترجع إلى الوحدة أيضا و هي الكثرة الّتي توجد في الأجناس و الأنواع المترتّبة، فإنّ للإنسان مثلاً أجناسا متعدّدة و لازم تعدّد أجناسه الإمتياز، فالجوهر ممتاز عن الجسم و الجسم ممتاز عن الجسم النامي و الجسم النامي ممتاز عن الحيوان لكنّ امتياز كلّ عالٍ عن سافله ليس إلاّ بنفس ذاته إذ ذاتيّات الشيء ليست جزءا له حتّى يكون اميتازه بجزئه و لا يكون بأمر زائد أيضا، لأنّ الأمر الزائد على الشيء إمّا أن يكون مفارقا عنه فيكون أخصّ منه بوجه، فلا يكون مميّزا له و إمّا أن يكون لازما للشيء فيكون معلولاً له فيكون امتيازه بتبع امتياز ذلك الشيء فلو لم يكن ذلك الشيء، بنفسه ممتازا لم يكن لازمه ممتازا و لو لم يكن ممتازا لم يكن مميّزا، فإذن ثبت أنّ كلّ عالٍ ممتاز عن السافل بنفس ذاته، و من جانب آخر أنّ كلّ عالٍ مشترك بنفس ذاته بين نفسه و السافل؛ لانّه محمول على نفسه و على السافل، فيكون ما به الاميتاز فيه و هو ذاته عين ما به الإشتراك، فيرجع الكثرة إلى الوحدة و هذا هو التشكيك أيضا.

قوله: و إذا قطع النظر عن نحو الوجود الخاصّ ...

هذا و إن كان صحيحا حيث إنّ تشخّص الحدّ بتبع تشخّص المحدود إلاّ أنّه لايلزم منه أنّ الماهيّة لاتتّصف بالتشخّص بالذات، إذ فرق بين الاتّصاف بالتبع و الاتّصاف بالعرض، فإنّ الأوّل وصف حقيقيّ للشيء و إن كان تابعا لغيره في تحقّقه بخلاف الثاني حيث إنّ الشيء لايتّصف بالوصف حقيقة بل الوصف وصف لغيره و ينسب إليه مجازا و اتّصاف الماهيّة بالتشخّص من قبيل الأوّل لا الثاني، إذ لو كانت الماهيّة متّصفة بالتشخّص بالعرض لم تكن الماهيّة المنتزعة عن الوجود المتشخّص آبية حقيقة عن الصدق على غير محدودها، فتكون مستقلّة في سعتها عن محدودها و هو باطل بالضرورة كما تقدّم.

قوله: أمارات للتشخّص و من لوازمه

لأنّ الأعراض متأخّرة عن موضوعاتها في مرتبة وجوداتها و مشخّص الشيء ليس متأخّرا عنه لأنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد، فليست الأعراض مشخّصة لموضوعاتها.
نعم من لوازم تشخّص موضوعات الأعراض تشخّص الأعراض، لأنّ الأعراض تابعة لموضوعاتها فتتحقّق في دائرة موضوعاتها، فلم تكن أوسع من موضوعاتها، فتشخّص موضوعاتها يستلزم تشخّصها فتشخّصها أمارة لتشخّص موضوعاتها.

قوله: إنّ جزئيّة المعلوم المحسوس ليس من قبل نفسه

إذ تقدّم من المصنّف رحمه‏الله أنّ الكلّيّة من لوازم الوجود الذهنيّ كما أنّ الجزئيّة من لوازم الوجود الخارجيّ، فالمعلوم المحسوس بما أنّه موجود ذهنيّ لايأبى عن الصدق على كثيرين، لكن فيه نظر يظهر وجهه ممّا قدّمناه، فالحقّ ما عليه المنطقيون من أنّ المفهوم إمّا كلّيّ أو جزئيّ.
 

الفصل الرابع

في الذاتيّ و العرضيّ
قوله: كالعالي و السافل

في المثال نظر من جهة أنّ العلوّ لاينتزع من السقف فقط بل يحتاج إلى قياسه إلى الأرض مثلاً و لذا كان العلوّ من العوارض المفارقة للسقف، فلو انتزع من السقف من دون انضمام شيء إليه لكان من العوارض الّلازمة له فالصحيح المثال بالتشخّص بالنسبة إلى الوجود.

قوله: و قد تقدّم أنّ العرض من مراتب وجود الجوهر

فلابدّ حينئذٍ أن يفسّر المحمول بالضميمة بالعرضيّ الذي يتوقّف انتزاعه على ظهور وجود الموضوع في مرتبة غير مرتبة الموضوع.

قوله: لمكان العينيّة

فإنّ الذاتيّ عين الذات في مقام التقرّر الماهويّ لأنّ الشيء إمّا أن يكون عين شيء أو يكون جزئه أو يكون خارجه و الذاتيّ بالنسبة إلى الذات لايكون من القسم الثالث و إلاّ لم يكن ذاتيّا و لايكون من القسم الثاني، لأنّ الذاتي محمول على الذات في مقام تقرّر الذات و الجزء لايحمل على الكلّ، فإذا بطل الأخيران ثبت الأوّل و هو العينيّة، ثمّ إنّ الخاصّة الأولى تنتقض باللوازم البيّنة للماهيّات، فإنّ لوازمها البيّنة كالزوجيّة للأربعة ضروريّة الثبوت لها مع أنّها ليست ذاتيّة و أمّا الخاصة الثانية فقيل إنّها تنتقض بلوازم الماهيّات مطلقا، لأنّها غنيّة عن السبب(1)؛ لكن الحقّ أنّ لوازم الماهيّات محتاجة إلى سبب غير سبب الذات، لأنّ سبب اللّوازم نفس الماهيّات و سبب الماهيّات أشياء أخر، و أمّا الخاصّة الثالثة فقد التزموا بها بتوهّم أنّ الذاتيّات أجزاء للماهيّات و الجزء مقدّم على الكلّ في تقرّره، لكن عرفت أنّ الذاتي ليس جزءا للماهيّة كما سيصرّح به المصنّف، بل هو عين الذات فلا يكون متقدّما على الذات، فإذن ليس التقدّم من خواصّ الذاتيّ.

قوله: و ذلك أنّ الذاتيّ سواء كان أعمّ ...

لمّا كان منشأ الإشكال توهّم كون الذاتيّ جزءا للماهيّة أجاب عنه بأنّ الذاتيّ عين الذات فلم يكن جزءا لها حتّى يتقدّم عليها و يلزم عنه الإشكال.

1 - راجع: الشوارق، بحث أحكام أجزاء الماهيّة، ص 152.

 

الفصل الخامس

في الجنس و الفصل و النوع

قوله: و يسمّى الجزء المشترك فيه جنس

الأولى أن يقال: «يسمّى الجزء الذي هو تمام المشترك جنسا»، إذ الفصول البعيدة مشتركة أيضا.

قوله: فيكون المعنى المعقول على هذا النحو ماهيّة ناقصة

ليس المراد بالناقصيّة محدوديّة الماهيّة بحيث كان الفصل خارجا عنها، إذ الماهيّة بهذا الاعتبار مادّة عقليّة غير محمولة على النوع و ما نحن فيه جنس محمول على النوع بل المراد بها اعتبار الماهيّة من حيث إبهامها و اشتراكها بين كثيرين.

قوله: و يحمل عليه حملاً أوّليّ

لأنّ الجنس و الفصل يحملان على النوع في مرتبة الذات و هي مرتبة الماهيّة من حيث هي، المرفوع عنها جميع المحمولات الخارجة عنها حتى الوجود و لوازم الماهيّة، فالحمل حمل أوّليّ لا شايع، إذ لا تحقّق للوجود في هذه المرتبة حتّى يستقيم الحمل الشايع.

قوله: فقد تحصّل أنّ الجزء الأعمّ في الماهيّات...

هذا البحث من أوّله إلى آخره مبنيّ على كون الجنس و الفصل جزئين للماهيّة النوعيّة و قد تقدّم أنّ الجنس و الفصل ليسا جزئين لها، لأنّهما يحملان على الماهيّة في مرتبة الذات و الجزء لايحمل على الكلّ.

قوله: ضرورة احتياج أجزاء ماهيّة واحدة بعضها إلى بعض

و إلاّ امتنع أن يحصل منها حقيقة واحدة وحدة حقيقيّة بالضرورة، كما في الحجر الموضوع بجنب الإنسان.

قوله: إنّ الجنس هو النوع مبهم

لأنّ الشيء إمّا أن يكون عين شي أو يكون جزئه أو يكون خارجه، و الجنس و الفصل لا يكونان خارجين عن النوع، لأنّهما ذاتيّان له و لايكونان جزئين له، لأنّهما يحملان على النوع في مرتبة الذات و الجزء لايحمل على الكلّ، فإذا بطل الأخيران ثبت الأوّل و هو أنّ الجنس (و هو المشترك بين الأنواع) و الفصل (و هو المختصّ بالنوع) نفس النوع، أي: إنّ لماهيّة واحدة شؤونا مختلفة شأنا به تشترك الماهيّة مع غيرها و شأنا به تمتاز عن غيرها مع أنّها حقيقة واحدة، فيرجع ما به الإمتياز فيها إلى ما به الاشتراك و هذا هو التشكيك الذي تقدّم بحثه منّا فيما قبل.

قوله: أمّا النسبة بين الجنس و الفصل...

إنّ الجنس و الفصل و إن كانا راجعين إلى حقيقة واحدة إلاّ أنّهما شأنان من الشؤون المختلفة لتلك الحقيقة و الشيء باعتبار شأن منه يغاير نفسه باعتبار شأن آخر منه،فليس حمل الجنس على الفصل حمل الشيء على نفسه حتّى يكون حمله عليه حملاً أوّليّا.
 

الفصل السادس

في بعض ما يرجع إلى الفصل
قوله: و هو بوجه من الكيفيّات

إنّ وجود الألفاظ وجود لمعانيها بالاعتبار و الفرض و وجود للكيف حقيقة، فالإنسان الملفوظ من وجه جوهر و من وجه كيف.

قوله: ككون الإنسان ذا نفس ناطقة

النفس الناطقة بنفسها لاتحمل على الإنسان، لأنّها موضوعة للمعنى المعتبر بشرط لا الذي هو بهذا الاعتبار صورة و تقدّم أنّ الصورة لاتحمل على النوع فاحتاجت في حملها عليه إلى زيادة كلمة «ذا» حتّى يصير المعنى لابشرط. فيحمل على الإنسان و لذا قال ذا نفس ناطقة.

قوله: فما أخذ في أجناسه و فصوله الآخر...

لأنّ الفصل عين النوع كما تقدّم فلو لم يكن ما أخذ في أجناسه و فصوله الاُخر مأخوذا فيه لكان الفصل جزءا بالنسبة إلى النوع لاعينا و هذا خلف.

قوله: و لذا لو تجرّدت صورته الّتي هي الفصل بشرط لا...

فإن قلت: الذاتيّ لا يتخلّف فكيف يصحّ فرض انتفاء الجنس مع بقاء الذات، و الكلّ ينتفي بانتفاء جزئه، فكيف يجوز الحكم ببقاء الذات مع انتفاء بعض الأجزاء، و الفصل خاصّة للجنس فيكف يستصحّ وجوده في جنس آخر.
قلت: تقدّم أنّ الماهيّات كالوجود حقائق مشكّكة و الحقيقة المشكّكة في عين وحدتها لها شؤون مختلفة و ظهورات متعدّدة فالأجناس و الفصول المعتبرة في الماهيّة شؤون و ظهورات مختلفة للماهيّة و ليس زوال ظهور من ظهوراتها بانعدامه و انتفائه حتّى يلزم ما قلتم بل بخفاء ذلك الشأن و بوقوعه تحت شعاع شأن آخر أظهر من الأوّل إذ الحقيقة محفوظة ببقاء شأن من شؤونها المختلفة و الحقيقة واجدة بوحدتها لجميع شؤونها فشأنها الزائل باق ببقاء الحقيقة المحفوظة بشأنها الاخر فإذن الصورة الإنسانيّة المجرّدة من المادّة البدنيّة ليست فاقدة للجسميّة، بل الجسميّة متحقّقة الوجود بوجود الصورة و متقرّرة الماهيّة بتقرّر ماهيّتها و إن كان تحقّقها الوجوديّ و تقرّرها الماهويّ تحت غلبة ظهور الصورة المجرّدة فالإنسان في البرزخ و ما بعده و إن كان جسما مادّيّا إلاّ أنّ أحكام بدنه الجسمانيّ تحت غلبة أحكام نفسه المجرّدة.

قوله: أنّ الجنس غير مأخوذ في حدّه

فإن قلت: هذا الحكم ينافي ما تقدّم من أنّ الفصل تمام حقيقة النوع و أنّ ما أخذ في أجناسه و فصوله الاخر مأخوذ فيه على وجه التحصيل.
قلت: إنّ الجنس و الفصل متّحدان في الماهيّة باعتبار رجوعهما إلى حقيقة النوع الواحدة و مختلفان فيها باعتبار كونهما شأنين ماهويّين من شؤون تلك الحقيقة الواحدة، فتلك الحقيقة ماهيّة واحدة في عين أنّها ماهيّات متكثّرة و ماهيّات متكثّرة في عين أنّها ماهيّة واحدة و الحكم السابق ثابت للفصل باعتبار رجوع الكثرة إلى الوحدة و هذا الحكم ثابت له باعتبار رجوع الوحدة إلى الكثرة.

قوله: بمعنيّ كونها مندرجة تحت معنى الجواهر

تفسير للمنفي لا للنفي.

قوله: و أمّا النفس المجرّدة فهي باعتبار أنّها فصل...

توضيح الجواب: أنّ في النفس اعتبارين: اعتبار كونها فصلاً للنوع و اعتبار تجرّدها في ذاتها؛ أمّا النفس بالاعتبار الأوّل فحيثيّتها حيثيّة الوجود الناعتيّ و الرابط؛ و قد عرفت في الفصل الأوّل من المرحلة الثانية أن لا ماهيّة للوجود الرابط بما هو رابط، فلا تكون للنفس بهذا الإعتبار ماهيّة نوعيّة حتّى يكون الجوهر جنسا له، و أمّا النفس بالإعتبار الثاني فحيثيّتها حيثيّة الوجود المستقل، إذ النفس باعتبار تجرّدها الذاتيّ مستقلّة عن المادّة فلا تكون وجودها للمادّة بل وجودها لنفسها، فتكون بهذا الاعتبار الّذي هو اعتبار استقلالها عن الغير منشأ لانتزاع ماهيّة نوعيّة، لكن ليست بهذا الاعتبار فصلاً أو صورة حتّى تنتقض القاعدة القائلة: بأنّ فصول الجواهر ليست بجواهر و بالجملة النفس باعتبار تعلّقها بالغير فصل لكن ليس لها بهذا الإعتبار ماهيّة حتى تندرج في الجوهر و باعتبار استقلالها عن الغير لها ماهيّة مندرجة تحت الجوهر،لكن ليست بهذا الاعتبار فصلاً حتّى تنتقض باندراجها تحته القاعدة.

قوله: هذا على القول بكون النفس المجرّدة روحانية الحدوث ...

اعلم إنّ أهمّ الأقوال في النفس ثلاثة: الأوّل أنّ النفس قديمة و هذا هو الظاهر من أفلاطون و أتباعه، الثاني أنّها حادثة و هذا المذهب له شعبتان و بهما تصير الأقوال ثلاثة: الاوءلى أنّ النفس الحادثة روحانيّة الحدوث و البقاء، أي النفس في حدوثها و بقائها مستقلّة عن الجسم، فهي حادثة مع حدوث البدن لا بحدوث البدن و هذا مذهب أرسطو و أتباعه؛ الثانية أنّ النفس الحادثة جسمانيّة الحدوث و روحانيّة البقاء، أي النفس في حدوثها محتاجة إلى الجسم لكن في بقائها مستقلّة عنه، فهي حادثة بحدوث البدن لا مع حدوث البدن وهذا مذهب صدر المتألّهين و أتباعه.

قوله: و أمّا على القول بكونها جسمانيّة الحدوث...

اي بناءًا على هذا القول إنّ النفس في بدؤ وجودها لايجري فيها الاّ اعتبار فصليّتها؛ أمّا اعتبار تجرّدها الذاتيّ فلا يجري فيها، لأنّ وجودها حين حدوثها وجود للمادّة لا لنفسها، فلا تكون مستقلّة حتّى تكون منشأ لانتزاع الماهيّة، نعم بعد تجرّدها الذاتيّ تكون مستقلّة منشأ لانتزاع الماهيّة لكن ليست حينئذٍ فصلا حتّى تنتقض به القاعدة كما تقدّم.
 

الفصل السابع

في بعض أحكام النوع
قوله: لحوق فصل أو فصول به

لحوق فصل واحد بالنسبة إلى الجنس القريب و لحوق فصول متعدّدة بالنسبة إلى الجنس البعيد.

قوله: و من هنا ما ذكروا أنّه لابدّ في المركّبات الحقيقيّة ...

هذه ليست من نتائج ماتقدّم بل تعانده، إذ مقتضى حاجة البعض إلى بعض تغاير وجوديهما، فهما متغايران بحسب الوجود و المفروض فيما تقدّم أنّ الأجزاء موجودة بوجود واحد، أضف إلى هذا أنّ الحاجة ليست ملاكا لحصول حقيقة واحدة، فإنّ البناء يحتاج إلى البنّاء مع أنّه لايحصل منهما حقيقة واحدة و كلّ عدد مركّب من الواحدات و لكلّ منها حقيقة واحدة نوعيّة مع أنّ أجزائه لايحتاج بعضها الى بعض و كذا المركّبات الكيمياويّة مركّبات حقيقيّة و لكلّ منها حقيقة واحدة مع أنّ أجزائها لايحتاج بعضها إلى بعض.

قوله: تركيب اتّحاديّ لا انضماميّ ...

إذ لو كانت المادّة و الصورة ذاتين مختلفتين بحسب الخارج لم يجز صدق إحديهما على الأخرى و على المجموع بأيّ اعتبار أخذت لكن المادّة تصدق على الصورة و على المجموع إذا أخذت لابشرط.

قوله: و ذلك أنّ الكثرة إمّا أن تكون تمام ذات...

هذا الدليل عليل؛ لأنّ هذه الشقوق شقوق للمحمول على الشيء، فإنّ الناطق مثلاً إذا حمل على الإنسان فإمّا أن يكون تمام ذاته أو بعضها أو خارجا عنها لازما أو مفارقا، و الكثرة لاتكون من المحمولات على الماهيّة نفسها حتّى يأتى فيها إحدى هذه الشقوق، لأنّ موضوع الكثرة هي الذوات المختلفة بما هي مختلفة، فما لم يكن اختلاف فيها لم تكن كثرة و الماهيّة النوعيّة من حيث نفسها مع قطع النظر عن أفرادها المختلفة لا اختلاف فيها. نعم أفرادها لمّا كانت متشخّصة بتشخّصات مختلفة كانت موضوعة للكثرة، فيأتي فيها إحدى الشقوق الأربعة لكن مع ذلك لايتمّ المطلوب، إذ للخصم أن يلتزم بكون الكثرة لازمة للأفراد المختلفة لا للماهيّة نفسها، فبما أنّ الكثرة لازمة لها لا مفارقة لايحتاج إلى المادّة و بما أنّ الكثرة لازمة للأفراد المختلفة بما هي مختلفة لا للماهيّة نفسها، لايأتي محذور عدم تحقّق الفرد للماهيّة إذ الكثرة ليست من لوازم نفس الماهيّة حتّى يقال: كلّما وجد فرد لها كان من الواجب أن يكون كثيرا.
ثم انّ الدليل قد يقرّر بوجه آخر و هو أن يقال: إنّ الماهيّة المجرّدة التامّة لو تكثرت، تكثرت إمّا بالفصول و إمّا بالمواد و إمّا بالأعراض؛ و الكلّ محال و استحالة التالي بأقسامه يوجب استحالة المقدّم. أمّا الفصول، فلأنّ الكلام في الطبيعة المحصّلة النوعيّة و أمّا المواد فلكونه مجرّدا عنها حدوثا و بقاءا و أمّا الأعراض فهي إمّا لوازم الماهيّة أو غير اللوازم، فلوازم الماهيّة كالماهيّة واحد مشترك في الجميع لايوجب الامتياز و التكثّر، و أمّا الأعراض المفارقة ففي شأنها إمكان الزوال و إمكان الحصول إمكانا خارجيّا لا ذاتيّا فقط و هذا الإمكان عبارة عن القوّة و الاستعداد و قد علمت في مباحث الهيولى أنّ حصول مثل هذه القوة لايمكن إلاّ فيما يتركّب ذاته عن المادّة و الصورة الخارجيّتين و قد فرض مجرّدا عن المادّة و لواحقها، فيكون واحدة بالوجود و غير متكثّرة العدد.(1)
و فيه: أنّ الشقوق غير منحصرة فيما ذكر، إذ من الجائز أن تكون الماهيّة متكثرّة بأمور مختلفة لازمة للأفراد لا لنفس الماهيّة و هي التشخّصات المختلفة الفرديّة.

1 - راجع: تعليقة صدر المتألّهين على الهيات الشفاء، ص 189.