المرحلة الرابعة
في موادّ القضايا

الوجوب و الامتناع و الإمكان

و انحصارها في ثلاث

 

الفصل الأوّل


في الوجوب و الإمكان و الامتناع
قوله: من قبيل شرح الأسم المفيد للتنبيه ...

إنّ التعريف ينقسم إلى قسمين حقيقيّ و لفظيّ؛ فالحقيقيّ ما هو محصّل صورة و مفيد علم ليس في الذهن، و اللفظيّ ما لايفيد إلاّ تعيين مدلول اللفظ من بين المعاني المعلومة و ذلك مثل اَن نعلم مفهوم الإنسان لكن لانعلم أنّ البشر قد وضع له، فنسأل أنّ البشر ما هو؟ فيجاب إنّه هو الإنسان.
ثمّ التعريف الحقيقيّ حدّا كان أو رسما ينفسم إلى التعريف بحسب الحقيقة و إلى التعريف بحسب الاسم، و الأوّل محصّل صورة عُلم وجودها في الخارج، و الثاني محصّل صورة لم يعلم وجودها فيه، سواء علم عدمه أم لم يعلم.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ شرح الاسم قد يطلق ويراد منه التعريف الاسميّ الذي يكون قسما من التعريف الحقيقيّ و قد يطلق و يراد منه التعريف اللفظيّ الذي يكون قسيما للتعريف الحقيقيّ و المراد منه هنا هو الثاني دون الأوّل.

قوله: الّتي ترتسم في النفس ارتساما أوّليّا ...

لأنّ هذه المفاهيم من المفاهيم العامّة و المفهوم كلّما ازداد عمومه انحلّ عند التحليل إلى مفاهيم أقلّ ممّا انحلّ إليه ما هو أخصّ منه و كلّما انحلّ إلى المفاهيم الأقلّ كان خفائه أقلّ و ظهوره للذهن أكثر.

قوله: أو ما فرض عدمه محال ...

لأنّ الفرض فعل النفس فهو موجود من الموجودات و كلّ موجود إمّا واجب بالذات أو يستلزمه (و الاّ يلزم الدور أو التسلسل) فيلزم من فرض عدم الواجب وجوده و هذا هو التناقض المحال فنفس فرض عدم الواجب ممتنعة.

قوله: لكنّه كما يظهر من التقسيم سلب تحصيليّ لا إيجاب عدوليّ ...

أي معني ممكنيّة الشيء عبارة عن عدم كونه ضروريّ الوجود و العدم لا كونه لاضروري الوجود و العدم و إذا كان كذلك فلا معنى لاتّصاف الممكن بالإمكان لأنّ كون الإمكان وصفا ناعتا للغير فرع وجوده، مع أنّ المفروض أنّه سلب تحصيليّ و لا وجود للسلب بما هو سلب.

قوله: إنّ القضيّة المعدولة المحمول تساوي السالبة المحصّلة ...

إنّ السالبة المحصّلة أعمّ من الموجبة المعدولة المحمول، لصدق السلب عند عدم الموضوع دون الإيجاب؛ فإنّ الإيجاب لايصحّ إلاّ على موجود، أمّا إذا كان الموضوع موجودا فالموجبة المعدولة و السالبة المحصّلة متساويتان، لأنّ الموجود إذا سلب عنه الباء مثلاً ثبت له اللاباء و إلاّ لزم سلب الباء و اللاباء عنه و هو ارتفاع النقيضين و كذا أنّ الموجود إذا ثبت له اللاباء سلب عنه الباء و الاّ لزم صدق الباء و اللاباء عليه و هو اجتماع النقيضين، فإذن كلّ سلب تحصيليّ يرجع إلى الإيجاب العدوليّ عند وجود الموضوع و بالعكس.

قوله: الموضوع فيه موجود ...

أمّا وجود الموضوع في قولنا: «ليس بعض الموجود ضروريّ الوجود و لا العدم» فواضح؛ لأنّ الموضوع عبارة عن «بعض الموجود» فوجود الموضوع مفروض، و أمّا وجود الموضوع في قولنا: «ليست الماهيّة من حيث هي ضروريّة الوجود و لا العدم» فيحتاج إلى توضيح أمرين:
الأوّل انّ القضيّة أمّا خارجيّة و إمّا حقيقيّة؛ و الخارجيّة ما حكم فيها على ما هو الموجود في الخارج من أفراد الموضوع؛ و الحقيقيّة ما حكم فيها على طبيعة الشيء و ماهيّته و ان لم تكن الطبيعة موجودة في الخارج؛ أي الطبيعة في أيّ وعاء تقرّرت حكم عليها بما يليقها، كقولنا: «الأربعة زوج»، فانّ طبيعة الأربعة في أيّ وعاء تقرّرت حكم عليها بالزّوجيّة، سواء كان ذلك الوعاء الخارج أو الذهن.
الثاني إنّ السالبة المحصّلة من القضيّة الحقيقيّة تساوي الموجبة المعدولة دائما؛ لأنّ شرط رجوع السلب التحصيليّ إلى الإيجاب العدوليّ وجود الموضوع ـ كما تقدّم ـ و هذا الشرط دائم التحقّق في السالبة الحقيقيّة؛ إذ السالبة كالموجبة لابدّ فيها من تصوّر الموضوع، فالموضوع في السالبة الحقيقيّة ـ و هي الطبيعة ـ موجود بوجود ذهنيّ و ليس شرط تحقّق الموضوع في القضيّة الحقيقيّة تحقّقه بالوجود الخارجيّ بل يكفيه الوجود الذهنيّ، إذ المحمول فيها يحمل على نفس الطّبيعة لا الطّبيعة المقيّدة بالوجود الخارجيّ، فالطبيعة في أيّ وعاء تقرّرت حكم عليها بما يليقها و من المعلوم أنّ الطبيعة توجد بالوجود الذهنيّ في الذهن، فيتحقّق شرط رجوع السلب التحصيليّ إلى الإيجاب العدوليّ.
إذا عرفت هذين نقول: قولنا «ليست الماهيّة من حيث هي ضروريّة الوجود و لا العدم»، قضيّة حقيقيّة سالبة حيث إنّ الحكم فيها لنفس ماهية الأشياء، فإذن هذه القضيّة و إن كانت سالبة إلاّ أنّ الموضوع موجود فيها بالتصوّر الذهنيّ، فيصحّ رجوعها إلى الإيجاب العدوليّ.

قوله: ثمّ لهذا السلب نسبة إلى الضرورة ...

إنّ الإمكان ليس سلبا لكلّ شيء بل هو سلب لضرورة الوجود و العدم، فبين هذا السلب و الضرورة نسبة لاتوجد بينه و بين غير الضرورة و كذا ليس هذا السلب سلب ضرورة الوجود و العدم عن كلّ شيء بل هو سلب الضرورة عن الماهيّة فقط، فبين هذا السلب و الماهية نسبة لاتوجد بينه و بين غير الماهيّة، فإذن قد ثبت أنّ لهذا السلب نسبة إلى الضرورة و إلى موضوعه المسلوب عنه الضرورتان، و تحقّق النسبة يستدعي تحقّق طرفيها، فتحقّق النسبة بين هذا السلب و الضرورة و كذا بينه و بين موضوعه يستدعي تحقّق هذا السلب الذي هو طرف النسبة، فيكون لهذا السلب حظّ من الوجود، لكن ليعلم أنّ حظّه من الوجود مسانخ لوجود النسبة و حيث إنّ أحد طرفي النسبة الماهيّة و هي موجودة بالوجود الاعتباريّ كانت النسبة هنا موجودة بالوجود الاعتباريّ و كذا هذا السلب فالإمكان موجود بالوجود الاعتباريّ.

قوله: إلاّ إذا كان في نفسه خلوا عن الوجود و العدم ...

إذ لو كان الوجود في حريم ذاته كان ضروريّ الوجود لانّ ذات الشيء و ذاتيّاته ضروريّة له فليس ممكنا، و لو كان العدم في حريم ذاته كان ضروريّ العدم لما تقدّم فليس ممكنا أيضا.

قوله: و ليس إلاّ الماهيّة من حيث هي ...

قد يقال: الماهية من حيث هي و يراد بها الماهية بشرط لا، كقولنا: «الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي»؛ و قد يقال و يراد بها الماهيّة لا بشرط، كقولنا: «الماهيّة من حيث هي اعتباريّة» و المراد هنا منها الثاني لا الأوّل، لوضوح أنّ الماهيّة من حيث هي بالمعنى الأوّل ليست إلاّ هي، فليست موضوعا للإمكان و لا لغير الإمكان.

قوله: إذ لا يعقل ذلك بالنسبة إلى الوجود ...

لأنّ الوجود بالنسبة إلى نفسه ضروريّ، لضرورة ثبوت الشيء لنفسه، فالإمكان بمعنى سلب ضرورة الوجود و العدم غير معقول بالنسبة إلى الوجود.

قوله: الأمر الثاني أنّ الإمكان لازم الماهيّة ...

توضيحه: أنّ الإمكان لو لم يكن لازما للماهيّة لجاز خلوّ الماهيّة عن الإمكان و لو كانت الماهيّة خالية عن الإمكان لكانت إمّا واجبة بالذات أو ممتنعة بالذات، لكن كلا شِقَّيْه باطلان؛ إذ لو كانت واجبة بالذات كانت موجودة في مرتبة ذاتها؛ لأنّ واجب الوجود عين الوجود لكن هذا التالي باطل فكذا المقدّم؛ أمّا بطلان التالي فلأنّ الوجود زائد على الماهيّات، فلاتكون الماهيّات موجودة في مرتبة ذواتها، و لو كانت ممتنعة بالذات كانت معدومة في مرتبة ذاتها؛ لأنّ الممتنع بالذات عين العدم (و الاّ كان ممتنعا بالعدم الزائد فلا يكون ممتنعا بذاته بل بعرض غيره و هذا خلف) لكن هذا التالي باطل أيضا فكذا المقدّم، أمّا بطلان التالي فلأنّ العدم كالوجود زائد على الماهيّات فليست في مرتبة ذاتها إلاّ ذاتها فلا تكون الماهيّات في تلك المرتبة معدومة فإذا بطل كون الماهيّة واجبة بالذات و كونها ممتنعة بالذات ثبت أنّ الماهيّة ممكنة بالذات لامتناع خلوّ الشي عن الموادّ الثلاثة و هذا هو المطلوب.

قوله: و المراد بكونه لازما لها أنّ فرض الماهيّة من حيث هي ...

هذا دفع لما يتوهّم و توضيحه أنّه قد ثبت أنّ الإمكان لازم للماهيّة من حيث هي فملزوم الإمكان هو الماهيّة من حيث هي و الملزوم علّة للازمه، فتكون الماهيّة من حيث هي، علّة للإمكان مع أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي، فليست علّة لشيء فكيف يجمع بين هذين الكلامين و المصنّف رحمه‏الله دفع هذا التوهّم بأنّ اللزوم المراد هنا ليس بمعنى العلّيّة الّتي هي معناه المصطلح، بل المراد من اللزوم كفاية الماهيّة من حيث هي في اتّصافها بالإمكان من دون حاجة إلى أمر زائد، فإذن ليست الماهيّة من حيث هي علّة للإمكان حتّى يقال: كيف يجمع بين علّيّتها و كونها من حيث هي ليست إلاّ هي.
أقول: المحذور و إن كان مندفعا بهذا البيان إلاّ أنّه يلزم من جهة أخرى و ذلك لأنّ الماهيّة من حيث هي كما أنّها ليست علّة للإمكان كذلك ليست كافية للاتّصاف بالإمكان؛ إذ الكفاية أمر خارج عن ذات الماهيّة من حيث هي و الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي فكيف يجمع بين كفايتها و كونها من حيث هي ليست إلاّ هى، فإذن المحذور آتٍ من ناحية الكفاية أيضا، فالحقّ في الجواب أن يقال: إنّ التوهّم ينشأ من الخلط بين الماهيّة من حيث هي بمعنى الماهيّة بشرط لا و الماهيّة من حيث هي بمعني الماهية لا بشرط؛ فإنّا إذا قلنا الماهيّة من حيث هي علّة للإمكان أو أنّها كافية في اتّصافها بالإمكان، كان المراد منها الماهيّة لا بشرط، لا الماهيّة بشرط لا و من المعلوم أنّ العلّيّة أو الكفاية لا تنافي الماهيّة لا بشرط فلا محذور في البين.

قوله: لا يقال تحقّق سلب الضرورتين ...

توضيح الإشكال: إنّا إذا قلنا مثلاً «الإنسان من حيث هي، ممكن» كان معناه أنّ الإمكان داخل في مرتبة ذات الإنسان؛ لأنّ المفروض أنّ الموضوع ماهيّة الإنسان من حيث هي و ما يحمل على الماهيّة من حيث هي ليس إلاّ ذاتها أو ذاتيّاتها، فيلزم أن يكون الإمكان إذا حمل على الإنسان من حيث هي، ذاتيّا داخلاً في مرتبة ذاته و هذا واضح الفساد.
توضيح الجواب: أنّ ما يحمل على الماهيّة من حيث هي إنّما يكون ذاتيّا داخلاً في مرتبة ذات الماهيّة إذا كان الحمل حملاً أوّليّا و حمل الإمكان على الماهيّة ليس حملاً أوّليّا؛ لأنّ ملاك الحمل الأوّليّ الاتّحاد المفهوميّ و ليس الإمكان متّحد المعنى مع الإنسان مثلاً، فلا يكون حمله على الإنسان أوّليّا فلا يلزم الإشكال.
أقول: حمل الإمكان على الماهيّة من حيث هي و إن لم يكن حملاً أوّليّا في الواقع، لكن إذا جعلنا الموضوع الماهيّة من حيث هي بمعنى الماهيّة بشرط لا، وجب علينا أن نلتزم بأنّ الإمكان ذاتيّ داخل في مرتبة ذات الماهيّة و أنّ حمله عليها حمل أوّلي؛ لأنّ الماهيّة من حيث هي، لا يحمل عليها إلاّ ذاتها أو ذاتيّاتها؛ و من المعلوم أنّ حمل الذات أو الذاتيّات على الماهيّة حمل أوّليّ لا شايع، فإذن الحق في الجواب أن يقال: إنّ الموضوع في قولنا: «الماهيّة من حيث هي، ممكنة» ليس الماهيّة من حيث هي بمعنى الماهيّة بشرط لا، بل الموضوع الماهيّة من حيث هي بمعنى الماهيّة لا بشرط و من المعلوم أنّ حمل الإمكان على الماهيّة لا بشرط حمل الّلازم الخارج على الملزوم، لا حمل الذاتيّ الداخل على الذات، فلايلزم الإشكال.

قوله: فلإنّه قسيم في التقسيم للواجب ...

توضيحه: إنّ الإمكان و الوجوب قسيمان؛ لأنّ الموجود ينقسم إلى الواجب و الممكن، و القسيمان متقابلان فلا يجتمعان و من الضروريّ أنّ ضرورة وجود الواجب في الخارج؛ لأنّ وجوب وجوده عين ذاته، فيلزم أن يكون سلب الضرورة الذي هو الإمكان في الخارج أيضا؛ إذ لو لم يكن في الخارج بل في وعاء آخر لم يكن الإمكان مقابلاً للوجوب، لجواز أن يكون الشيء بحسب وعاءٍ ضروريّ الوجود و بحسب وعاءٍ آخر غير ضروريّ الوجود فيمكن اجتماع الوجوب و الإمكان في شيء واحد، فلا يكونان متقابلين، فلا يكونان قسيمين و هذا خلف، فإذن قد ثبت أنّ الإمكان كالوجوب في الخارج و هو المطلوب.

قوله: و إذ كان موضوعا ...

أي إذ جعل في التقسيم.

قوله: كان في معنى وصف ثبوتيّ ...

أمّا أنّه لا صورة له في خارج، فلأنّ الإمكان من السلوب و أمّا أنّه لا صورة له في ذهن، فلمّا تقدّم في آخر المرحلة الثالثة من أنّ العدم و ما كان حيثيّة ذاته المفروضة العدم لا صورة صحيحة له في الأذهان.

قوله: ثابت بثبوتها في أنفسها ...

أي الإمكان موجود بوجود الماهيّات في أنفسها لابوجودها لغيرها، فإنّ إمكان السواد مثلاً موجود بوجود السواد في نفسه لا بوجوده لموضوعه، إذ وجوده لموضوعه وجود ناعت، و الوجود الناعت لا ماهيّة له و ما لا ماهيّة له لا إمكان له، فليس لوجود الماهيّات لغيرها امكان حتّى يكون ثابتا بثوتها.

قوله: فكان بالغير ...

إذ المفروض أنّ للإمكان وجودا منحازا مغايرا لوجود الماهيّة في نفسها فبحكم مغايرة وجوديهما كان لوجود الإمكان علّة مستقلّة عن علّة وجود الماهيّة، سواء كانت علّة وجوده نفس الماهيّة أو غيرها، فيكون الإمكان موجودا بالغير لكن سيّأتي أنّ كون الإمكان موجودا بالغير باطل.

قوله: أوجهها أنّ الممكن لو لم يكن ممكنا في الأعيان ...

توضيحه: أنّ الإنسان مثلاً لو لم يكن ممكنا في الخارج لكان إمّا واجبا فيه أو ممتنعا لكنّ التالي بكلا شَقَّيْه باطل بالضرورة فكذا المقدّم، فإذن ثبت أنّ الإنسان ممكن في الخارج و إذا ثبت أنّه ممكن في الخارج ثبت أنّ إمكانه موجود في الخارج؛ لأنّ معنى أنّ الإنسان ممكن في الخارج ثبوت الإمكان له في الخارج، و ثبوت الإمكان للإنسان في الخارج فرع ثبوته في نفسه في الخارج، إذ ثبوت شيء لغيره في أيّ وعاء فرع ثبوته في نفسه في ذلك الوعاء، فإذن قد ثبت أنّ الإمكان موجود في الخارج.

قوله: من المعقولات الثانية الفلسفيّة ...

العوارض على ثلاثة أقسام: لأنّ العارض إمّا أن يكون له في الخارج ما يحاذيه كالسواد، و إمّا أن لايكون له في الخارج ما يحازيه كالكلّيّة و الإمكان، و الثاني إمّا أن يكون له في الخارج ما يتّصف به كالإمكان و إمّا أن لا يكون له في الخارج مايصف به كالكلّيّة، فهذه ثلاثة أقسام: فالقسم الأوّل منها من جملة المعقولات الأولى و هو ما يكون عروضه و الاتّصاف به في الخارج و إنّما قلنا من جملة المعقولات الأولى؛ لأنّ المعقولات الأولى لا تنحصر فيه إذ كلّ مفهوم يمكن أن يوجد في الخارج بوجود منحاز مستقلّ هو من المعقولات الأولى، سواء كان من العوارض كالسواد أم لا كالإنسان، و الثاني هو المعقول الثاني باصطلاح الفلسفيّ بالوجه الخاصّ و هو ما يكون عروضه في الذهن و الاتّصاف به في الخارج كالإمكان، و الثالث هو المعقول الثاني باصطلاح المنطقيّ و هو ما يكون عروضه و الاتّصاف به في الذهن كالكلّيّة؛ و قد يطلق المعقول الثاني عند الفلاسفة على ما هو أعمّ من المعقول الثاني المنطقيّ و الفلسفيّ بالوجه الخاصّ و هو ما يكون عروضه في الذهن سواء كان الاتّصاف به في الذهن أيضا كالكلّيّة أم في الخارج كالإمكان.
ثمّ إنّ معيار كون الاتّصاف في الخارج أن يكون وجود الصفة ناعتا في الخارج، فيكون الصفة بوجودها الناعت موجودة لموصوفها في الخارج؛ كما أنّ معيار كون الاتّصاف في الذهن أن يكون وجودها الناعت في الذهن، فيكون الصفة موجودة لموصوفها في الذهن؛ و معيار كون العروض في الخارج أن يكون الوجود المحموليّ للعارض في الخارج؛ كما أنّ معيار كون العروض في الذهن أن يكون الوجود المحموليّ له في الذهن.

قوله: حتّى الوجود ...

فإنّ الوجود إنّما يكون شرطا فيما يكون زائدا على الموضوع، كما في الضرورة الذاتيّة مثلاً، فإنّ الوجود زائد على الإنسان مثلاً فإذا قلنا: الإنسان حيوان بالضرورة، وجب في تحقّق هذه الضرورة شرط الوجود، إذ عند فقدان الوجود لا ماهيّة هناك حتّى تكون الحيوانيّة ضروريّة لها، أمّا إذا كان الوجود عين الموضوع فلا معنى لهذا الشرط، إذ لا يعقل كون الشيء شرطا لنفسه و هذا كما في حمل الصّفات الذاتيّة الواجبيّة عليه، فإذا قلنا: إنّ الواجب قادر بالضرورة كانت هذه الضرورة أزليّة، إذ المحمول ثابت للموضوع من دون أيّ شرط حتّى الوجود؛ لأنّ الواجب عين الوجود و لا معنى لكون الوجود شرطا لنفسه.

قوله: مع الوجود لا بالوجود ...

أي ليست علّة ضرورة ثبوت المحمول للموضوع مركّبة من ماهية الموضوع و حيثيّة وجودها، بل العلّة عبارة عن نفس الماهيّة لكن في حال وجودها على سبيل الظرفيّة البحتة، إذ لو لا الوجود لم يكن هناك ماهيّة حتّى تكون علّة بنفسها لمحمولها الضروريّ، و هذا في الواقع رجوع عمّا التزم به المصنّف في الفرع الأوّل من الفصل الثاني من المرحلة الأولى من أنّ كلّ ما يحمل على حيثيّة الماهيّة فانّما هو بالوجود.

قوله: إذا كان الجانب الموافق ممتنعا ...

أي إذا كان الجانب الموافق ضروريّا، بقرينة مقابله و هو قوله: «أو مسلوب الضرورة»؛ إذ لو بقيت العبارة على ظاهرها لاختلّ المعنى، لأنّ الجانب الموافق في قولنا: «ليس الكاتب بساكن الأصابع بالإمكان» هو السلب و سلب سكونة الأصابع إذا كان ممتنعا للكاتب كان معناه وجوب وجود سكونة الأصابع للكاتب لأنّ امتناع السلب عين وجوب الوجود، لكن وجوب وجود سكونة الأصابع للكاتب بديهيّ البطلان، فإذن هذا التعبير مسامحيّ و وجه المسامحة أنّ القضيّة لمّا كانت سالبة و كان السلب فيها ضروريّا جمع المصنّف رحمه‏الله بين سلب القضيّة و ضرورة سلبها، فعبّر بالامتناع لانّ ضرورة السلب هو الامتناع.

قوله: لا أنّه أعمّ مفهوما ...

توضيحه: إنّ للأخصّ إذا قيس إلى الأعمّ حالتين: الأولى أن يكون بينهما جامع مفهوميّ و ذلك بأن يكون الأعمّ مأخوذا في معنى الأخصّ المطابقيّ، فالأخصّ هو المفهوم الأعمّ بانضمام قيد خاصّ كالحيوان و الإنسان، فإنّ الأخصّ في هذا المثال هو الحيوان مع قيد الناطقيّة و كالرامي و الرامي الحجارة.
و إنّما مثلّنا مثالين، إذ لا فرق بين أن يكون الجامع ذاتيّا داخلاً في ماهيّة أفراده كالمثال الأوّل و أن يكون الجامع عرضيّا خارجا عنها كالمثال الثاني، و الثانية أن لا يكون بينهما جامع مفهوميّ و ذلك بأن لايوءخذ الأعمّ في معنى الأخصّ المطابقيّ كالحيوان و الناطق فإنّ الناطق و إن كان أخصّ من الحيوان لكن الحيوان لا يؤخذ فى معنى الناطق بل هو خارج عن معناه المطابقيّ، و الإمكان العامّ بالنسبة إلى كلّ من الوجوب و الامتناع من القبيل الثاني، أي ليس بين الإمكان العامّ و كلّ منهما جامع مفهومىّ.
أمّا بالنسبة إلى الوجوب، فلأنّ الإمكان العامّ الإيجابيّ و إن كان أعمّ موردا من الوجوب حيث أنّ كلّ ما هو مورد للوجوب كان موردا للإمكان العامّ الإيجابيّ أيضا، إذ يصدق على واجب الوجود أنّ العدم غير ضروريّ له من دون عكس، لكن مع ذلك لا جامع مفهوميّا بينه و بين الوجوب؛ لأنّ الإمكان العامّ الإيجابيّ عبارة عن لا ضرورة العدم و من الواضح أنّ معنى الوجوب المطابقيّ ليس عبارة عن هذا المعنى مع قيد خاصّ بل معناه المطابقيّ ضرورة الوجود، نعم الإمكان العامّ الإيجابيّ و الوجوب مشتركان في لاضرورة العدم لكن لاضرورة العدم بالنسبة إلى الإمكان العامّ نفس معناه المطابقيّ و بالنسبة إلى الوجوب لازمه الخارج عن معناه المطابقيّ؛ لأنّ لاضرورة العدم لازم خارج بالنسبة إلى ضرورة الوجود، فليس هذا المعنى المشترك موءخوذا في معنى الوجوب حتّى يكون هو الجامع بين الوجوب و الإمكان العامّ.
و أمّا بالنسبة إلى الامتناع فلأنّ الإمكان العامّ السالب و إن كان أعمّ موردا من الامتناع حيث أنّ كلّ ما هو مورد للامتناع كان موردا للإمكان العامّ السالب أيضا، إذ يصدق على الممتنع أنّ الوجود غير ضروريّ له من دون عكس، لكن مع ذلك لا جامع مفهوميّا بينه و بين الامتناع؛ لأنّ الإمكان العامّ السالب عبارة عن لاضرورة الوجود و من الواضح أنّ معنى الامتناع المطابقيّ ليس عبارة عن هذا المعنى مع قيد خاصّ بل معناه المطابقيّ ضرورة العدم؛ نعم الإمكان العامّ السالب و الامتناع مشتركان في لاضرورة الوجود، لكن لاضرورة الوجود بالنسبة إلى الإمكان العامّ السالب نفس معناه المطابقيّ و بالنسبة إلى الامتناع لازمه الخارج عن معناه المطابقيّ؛ لأنّ لاضرورة الوجود لازم خارج بالنسبة إلى ضرورة العدم فليس هذا المعنى المشترك موءخوذا في معنى الامتناع حتّى يكون هو الجامع بين الامتناع و الإمكان العامّ.

قوله: سمّوه إمكانا خاصّا و خاصيّا ...

أمّا كونه خاصّا فلأنّه أخصّ من الإمكان العامّ إذ كلّ ما سلب عنه ضرورة الجانبين سلب عنه ضرورة أحد الجانبين و هو الجانب المخالف و ليس كلّ ما سلب عنه ضرورة أحد الجانبين سلب عنه ضرورة الجانبين و أمّا كونه خاصّيّا، فلأنّه اصطلاح عند قوم خاصّ.

قوله: و هو أخصّ من الإمكان الخاصّ ...

إذ كلّ ما سلب عنه الضرورة الذاتيّة و الوصفيّة و الوقتيّة (و هو الممكن الأخصّ) سلب عنه الضرورة الذاتيّة و ليس كلّ ما سلب عنه الضرورة الذاتيّة (و هو الممكن الخاصّ) سلب عنه الضرورات الثلاثة.

قوله: حتّى الضرورة بشرط المحمول ...

هي ضرورة تحصل من ناحية اتّصاف الموضوع بالمحمول،فإنّ ثبوت المحمول للموضوع مادام اتّصاف الموضوع، به ضروريّ إذ لو لم يكن ضروريّا له لجاز سلبه عن الموضوع في ظرف كونه متّصفا بالمحمول و هذا هو اجتماع للنقيضين.

قوله: إمّا الوجود و الوجوب و إمّا العدم و الامتناع ...

فإنّ الشيء بحسب ظرفه إمّا موجود فله ضرورة الوجود؛ لأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد؛ و إمّا معدوم فله ضرورة العدم؛ لأنّ الشيء ما لم يمتنع لم يعدم.

قوله: لا يفارق الماهيّة موجودة كانت أو معدومة ...

أمّا عدم مفارقة الإمكان عن الماهيّة في حال الوجود فواضح؛ و أمّا عدم مفارقته حال العدم فمعناه أنّ الماهيّة لو أمكن تقرّرها في وعاء مجرّدة عن كافّة الوجودات لكانت ممكنة؛ إذ تحقّق في ذلك الوعاء مناط الإمكان و هو الماهيّة من حيث هي.

قوله: و يسمّى الإمكان الوقوعيّ ...

الإمكان الوقوعيّ أخصّ من الإمكان الذاتيّ؛ إذ كلّ ممكن بالإمكان الوقوعيّ يجوز وقوعه فلا محالة يكون ممكنا بالذات لكن ليس كلّ ممكن بالذات ممكنا بالإمكان الوقوعيّ؛ لأنّ مايلزم من فرض وقوعه المحال الذاتيّ ليس ممكنا بالإمكان الوقوعيّ لكنّه ممكن بالإمكان الذاتيّ؛ إذ سيأتي في الفصل الثامن أنّ ما يستلزم الممتنع بالذات ممتنع بالغير و الممتنع بالغير ممكن بالذات.

قوله: و خاصّة الفقر الذاتيّ ...

فإنّ وجود المعلول عين الفقر إلى العلّة لا أنّ الفقر عارض على المعلول، إذ لو لم يكن كذلك لكان المعلول موجودا قبل تعلّقه بعلّته و هو باطل بالضرورة، فالمعلول في مرتبة ذاته فقير إلى العلّة و هذا الفقر الذاتيّ في المعلول يسمّى الإمكان الفقريّ.
 

الفصل الثاني

في انقسام الموادّ الثلاث إلى ما بالذّات
و ما بالغير و ما بالقياس
قوله: و بما بالقياس إلى الغير ...

الفرق بين ما بالغير و ما بالقياس إلى الغير هو أنّ الأوّل حال الشيء في نفسه مع قطع النظر عن اعتبار الغير و إن كان من جهة إعطاء الغير و الثاني حال الشيء باعتبار قياسه إلى الغير فالأوّل مفهوم نفسيّ و الثاني مفهوم نسبيّ.

قوله: على سبيل استدعائه الأعمّ من الاقتضاء ...

فإنّ المستدعي للغير إمّا أن يكون مقتضيا له أو لا يكون مقتضيا له فالأوّل كالعلّة التامّة، فإنّ العلّة التامّة إذا كانت موجودة استدعت وجود معلولها، فالمعلول واجب الوجود بالقياس إلى علّته التامّة لكن استدعاء العلّة للمعلول ليس استدعاء فحسب بل هو مع الاقتضاء بالنسبة إلى المعلول، و الثاني كالمعلول فإنّ المعلول إذا كان موجودا استدعى وجود علّته، فالعلّة واجبة الوجود بالقياس إلى معلولها، لكن استدعاء المعلول للعلّة استدعاء فحسب من دون اقتضاء له بالنسبة إلى العلّة و إلاّ لزم الدور.

قوله: لذاته بذاته ...

إنّ الواجب في اتّصافه بالوجود لا يحتاج إلى الواسطة في الثبوت بخلاف الوجودات الممكنة حيث إنّها محتاجة إلى الواسطة في الثبوت و هي عللها، و لا إلى الواسطة في العروض بخلاف الماهيّات الممكنة حيث إنّها محتاجة إلى الواسطة في العروض و هي وجوداتها، و قولهم «لذاته بذاته» إشارة إلى نفي هاتين الواسطتين.

قوله: يلزم الانقلاب بلحوق الإمكان له من خارج ...

توضيحه: أنّ كون الشيء واجبا بالذات معناه أنّ الذات بنفسها تقتضي ضرورة الوجود و لا دخل للغير وجودا و عدما في تحقّق هذه الضرورة.
إذا تذكّرت هذا نقول: لو لحق بالواجب بالذات إمكان بالغير لارتفعت الضرورة عنه فكان هناك ذات الواجب بدون ضرورتها و لازم هذا أنّ لعدم الغير دخلاً في تحقّق الضرورة للواجب بالذات، فالذات بنفسها لا تقتضي الضرورة فهذا انقلاب في الذات و هو محال، لانّه ينجرّ إلى التناقض؛ لأنّ الذات بعد لحوق الإمكان عين الذات قبل اللحوق فبحكم العينيّة يجب أن تكون الذات بعد لحوق الإمكان مقتضية بنفسها للضرورة مع أنّه قد ثبت أنّ لازم لحوق الإمكان عدم اقتضائها بنفسها للضرورة، ثم الأمر في الممتنع بالذات نظير الأمر في الواجب بالذات.

قوله: من حيثيّة واحدة ...

بخلاف ما كان هناك حيثيّتان، فإنّه جايز، فإنّ الإنسان ممكن الوجود و ممكن العلم معا.

قوله: لوجود واحد ...

بخلاف ما كان بالنسبة إلى وجودين، فإنّ للإنسان إمكانا بالنسبة إلى وجود زيد و إمكانا بالنسبة إلى وجود عمرو، فهذا القيد لدفع التعدد الشخصيّ و الذي قبله لدفع التعدّد النوعيّ.

قوله: و هو واضح الفساد ...

إذ الإمكان معنى نسبيّ يوجد بين الماهيّة و الوجود و لا يمكن تعدّد المعنى النسبيّ إلاّ بتعدّد أحد طرفيه و هو منتف بالفرض.

قوله: و فيه ارتفاع النقيضين ...

إن قلت: ما ذكرتم في الإمكان بالغير نذكره في الإمكان: فإنّ الماهيّة لا تفيد الإمكان الذي هو لاضرورة الوجود والعدم إلاّ برفع العلّة الموجبة للعدم الّتي هي عدم العلّة الموجبة للوجود، فإفادتها الإمكان لا تتمّ إلاّ برفع وجود العلة الموجبة للوجود و عدمها معا و فيه ارتفاع النقيضين.
قلت: إنّ العلّتين اللتين يجب رفعها لتحقّق الإمكان الذاتيّ إمّا أن تكونا مرفوعتين عن خارج الماهيّة أو تكونا مرفوعتين عن داخل الماهيّة؛ و الأوّل باطل و إلاّ لم تكن الماهيّة بنفسها كافية في اتّصافها بالإمكان الذاتيّ بل احتاجت فيه إلى عدم أمرين خارجين عن الذات، فالمقتضي للإمكان الذاتي مركب من الذات و العدمين الخارجين عن الذات و هذا خلف، و الثاني لم يكن ارتفاعا للنقيضين، لأنّ هذا ارتفاع عن مرتبة الذات و ارتفاع وجود شيء و عدمه عن مرتبة الذات ليس ارتفاعا للنقيضين ، كما سيّأتي في الفصل الأوّل من المرحلة الخامسة.

قوله: و الضابط فيه أن تكون بين المقيس و المقيس إليه علّيّة ...

التلازم بين المتضائفين ليس قسما على حدة كما توهّمه بعض، لانّ المتضائفين إمّا أن يكونا معلولي علة واحدة أو يكون أحدهما علّة للآخر أو يكون لكلّ منهما علّة مستقلّة، فإن كانا من القسم الأوّل أو الثاني كان التلازم بينهما داخلاً فيما كان الضابط فيه رابطة العلّيّة، فليس قسما على حدة؛ و إن كانا من القسم الثالث لزم الخلف، إذ لو كان لكلّ منهما علّة مستقلّة على حدة لجاز أن يوجد إحدى العلّتين بدون الأخرى، فيتحقّق أحد المتضائفين بدون الآخر و هذا يوجب نفي التلازم بينهما و قد فرض أنّهما متلازمان، هذا خلف.

قوله: إذا قيس إلى عدم المعلول بالإستدعاء ...

فإنّ المعلول إذا كان معدوما استدعى عدم علّتها، فوجود العلة حينئذٍ ممتنع باستدعاء عدم المعلول عدمَ العلّة.

قوله: و الضابط أن لا يكون بينهما علّيّة و معلوليّة ...

فيه أنّه ينتقض بوجود العلّة التامّة إذا قيس إلى عدم المعلول، فإنّه لا يكون بينهما علّيّة و معلوليّة و لا معلوليّتهما لواحد ثالث مع أنّ بينهما الإمتناع بالقياس لا الإمكان بالقياس، و كذا ينتقض بوجود المعلول إذا قيس إلى عدم العلّة، فالأصحّ أن يقال: إنّ الضابط أن لا يكون بين المقيس وجودا و عدما و المقيس إليه علّيّة و معلوليّة و لا يكون المقيس وجودا و عدما و المقيس إليه معلولين لعلّة واحدة.

قوله: و لا إمكان بالقياس بين موجودين ...

فيه نظر و وجهه: أنّ العلّيّة في الضابط هي العلّيّة التامّة لا الناقصة لتحقّق الإمكان بالقياس بين الممكن المعدوم و علّته الناقصة ـ كما سيأتي في المتن ـ فإذا كان الضابط انتفاء العلّيّة التامّة و انتفاء كون المقيس و المقيس إليه معلولين لعلّة واحدة جاز فرض الإمكان بالقياس بين موجود و علّته الناقصة الموجودة، لأنّ الضابط متحقّق فيه و لأنّ العلة الناقصة لا يستدعي وجوده و لا عدمه، فإذا كانت العلّة الناقصة موجودة فالمعلول الموجود ممكن بالقياس إليها.

قوله: نعم للواجب بالذات إمكان بالقياس ...

هذا إذا قلنا أنّ فرض الثاني للواجب ممكن، أمّا إن قلنا أنّ فرض الثاني للواجب محال (لأنّ الواجب صرف الوجود و لا يمكن فرض الثاني للصرف) لم يكن هناك واجب آخر حتّى يكون النسبة بينهما الإمكان بالقياس.

قوله: فللواجب بالذات إمكان بالقياس إليه و بالعكس ...

أمّا أنّ الواجب ممكن بالقياس إليه فلانّ الممكن المعدوم لا يستدعي وجود الواجب و هو ظاهر و كذا لا يستدعي عدم الواجب لأنّ معدوميّته مستندة إلى معدوميّة علّته التامّة و العلّة التامّة معدومة بانعدام بعض أجزائها و لا معيّن أن يكون ذلك الجزء الواجبَ، و أمّا أنّ ذلك الممكن ممكن بالقياس إلى الواجب، فلأنّ الواجب لا يستدعي وجوده، إذ المفروض أنّ الواجب علّة ناقصة له و العلّة الناقصة لا تستدعي وجود معلولها و كذا لا تستدعي عدمه، لأنّ الواجب من أجزاء علّة وجوده و أجزاء علّة وجود الشيء لا تستدعي عدم ذلك الشيء.

قوله: إنّ الواجب بالذات لا يكون واجبا بالغير ...

لأنّ وجوبه الغيريّ إمّا أن يكون عين وجوبه الذاتيّ أو يكون مغايرا له؛ فإن كان الأوّل فإمّا أن يكون الواجب بالذات بحيث لو فرضنا ارتفاع العلّة الخارجة بقي على ما كان عليه من الوجوب، فلا تأثير للغير في الوجوب لاستواء وجوده و عدمه و قد فرض مؤثّرا هذا خلف، و إن لم يبق على وجوبه لم يكن الواجب بالذات واجبا بذاته و قد فرض كونه كذلك و هذا خلف أيضا، و إن كان الثاني لزم أن يكون لشيء واحد و من حيثيّة واحدة وجوبان و هو واضح الفساد كتحقّق وجودين لشيء واحد كم تقدّم في بحث الإمكان الغيريّ.

قوله: و لا ممتنعا بالغير ...

إذ لو كان الواجب بالذات ممتنعا بالغير لكان له ضرورة الوجود و ضرورة العدم معا و هو باطل بالضرورة.

قوله: و كذا الممتنع بالذات لا يكون ممتنعا بالغير ...

لأنّ امتناعه الغيريّ إمّا أن يكون عين امتناعه الذاتيّ أو لا يكون؛ فإن كان الأوّل فلو فرضنا ارتفاع الغير فان كان باقيا على امتناعه فلا تأثير للغير و قد فرض كونه كذلك و هذا خلف أيضا، و إن كان الثاني لزم أن يكون لشيء واحد و من حيثيّة واحدة امتناعان و هو واضح الفساد كتحقّق العدمين لشيء واحد.
 

الفصل الثالث

في أنّ واجب الوجود بالذّات ماهيّته إنّيّته
قوله: واجب الوجود بالذات ماهيّته إنّيّته ...

الواجب بالذات هو الموجود بالذات و للذات؛ و المراد بأحد القيدين نفي الواسطة في العروض و بالاخر نفي الواسطة في الثبوت، فالواجب مستحقّ لحمل الموجود عليه بلا واسطة في العروض بخلاف الماهيّات الإمكانيّة فإنّها ما لم تلاحظ معها جهة أخرى غير ذاتها من انضمام الوجود إليها لم يحمل الموجود عليها، و بلا واسطة في الثبوت بخلاف الوجودات الإمكانيّة؛ إذ ما لم يوجد وجود علّتها لا تكون موجودة، و نوع البراهين المثبتة للواجب يثبت عدم احتياج الواجب إلى الواسطة في الثبوت، و هذا البحث في هذا الفصل يثبت عدم احتياجه إلى الواسطة في العروض، إذ ليس في الواجب حيثيّة وجود و حيثيّة ماهيّة حتّى يكون عروض الوجود بوجوده بالذات و لماهيّته بالعرض.

قوله: بمعنى أن لا ماهية له وراء وجوه الخاصّ به ...

لا بمعنى أنّ له ماهيّة هي بذاتها من دون اعتبار انتسابها إلى الجاعل منشأ لانتزاع الوجود، بخلاف الممكن حيث أنّ له ماهية ينتزع عنها الوجود باعتبار انتسابها إلى الجاعل، و ذلك لأنّ هذا التفسير يرجع إلى نفس الواسطة في الثبوت عن الواجب و قد تقدّم في الحاشية السابقة أنّ المراد في هذا الفصل إثبات نفي الواسطة في العروض عنه، و إنّما قال لا ماهيّة له وراء وجوده الخاصّ لا الوجود المطلق المشترك فيه، لأنّه زائد في الجميع و عند الجميع.

قوله: و ينعكس إلى أنّ ما ليس بممكن فلا ماهيّة له ...

أي بعكس النقيض، ثم يرد على هذا البرهان أنّ العكس لقولنا: «كلّ ماهيّة فهي ممكنة» عبارة عن قولنا: «كلّ ما ليس بممكن ليس ماهيّة» لأنّ موضوع الأصل «الماهيّة» لا «ما له الماهيّة» فعكسه عبارة عن ما قلناه، لا ما قاله المصنّف رحمه‏الله و هذا العكس إذا جعل كبرى لقولنا: «الواجب ما ليس بممكن» ينتج أنّ الواجب ليس ماهيّة و من المعلوم أنّ هذا ليس هو المطلوب لأنّ الوجودات الإمكانيّة أيضا كذلك.

قوله: و كلّ عرضيّ معلّل ...

العرضيّ و هو الزائد المحمول على الشيء إن كان وجوده مغايرا لوجود معروضه كان معلّلاً لاحتياجه إلى معروضه و المحتاج معلول فلا محالة له علّة، و كذا إنّ العرضيّ معلّل إن كان متّحد الوجود مع معروضه و كان معروضه معلّلاً كالتشخّص بالنسبة إلى وجود الممكن، فإنّ التشخّص عارض على الوجود معنى و متّحد معه مصداقا و حيث إنّ وجود الممكن معلّل كان تشخّصه معلّلاً أيضا لكن بعرض معلّليّة معروضه، أمّا إن كان العرضيّ متّحد الوجود مع معروضه و كان معروضه غير محتاج إلى العلّة كان العرضيّ غير معلّل بعرض لامعلّلية معروضه و هذا كالتشخص بالنسبة إلى وجود الواجب، فإنّ تشخّصه عارض على وجوده معنى متّحد معه مصداقا و حيث إنّ وجود الواجب غير معلّل كان تشخّصه غير معلّل بعرض لامعلّلية معروضه.
إذا عرفت هذا نقول: هذا الدليل عليل لأنّ الوجود و الماهيّة مختلفان بحسب المعنى متّحدان بحسب المصداق لانّ الماهيّة اعتباريّة فلا يحازيها شيء في الخارج إلاّ ما يحاذي الوجود بالعرض، فإذا كانت الماهيّة متّحدة مع الوجود في الخارج و الوجود هو الأصيل فحكمها في المعلّليّة و عدمها حكم الوجود، فإن كان الوجود معلّلاً كانت الماهيّة معلّلة بعرض معلّليّة الوجود، كالوجود و الماهيّة في الممكنات و إن كان الوجود غير معلّل كانت الماهيّة غير معلّلة بعرض لامعلّليّة الوجود كالوجود و الماهيّة المفروضة للواجب، فإنّ الواجب لو كان له ماهيّة كانت زائدة على الوجود عرضيّة له و ليس الأمر بالعكس، لأنّ الوجود هو الأصيل و الماهيّة اعتباريّة، فلو كان شيء منهما عرضيّا محمولاً على الآخر كان هو الماهيّة لا العكس و حيث أنّ وجود الواجب غير معلّل كانت الماهيّة غير معلّلة بلامعلّليّة وجوده و إذا لم تكن معلّلة فالتوالي الفاسدة الآتية من التسلسل او الدور او التقدّم على النفس غير واردة، فلا يتمّ المطلوب بهذا الدليل.
و أيضا لو كان هذا الدليل تامّا في نفي الماهيّة عن الواجب لجرى مثله في نفي الواحدة عنه، فينتج أنّ الواجب ليس له الوحدة، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
بيان ذلك: أنّ الواجب لو كان له الوحدة لكانت وحدته زائدة على وجوده، عرضيّة له، لأنّ الوحدة كالماهيّة مختلفة المعنى مع الوجود، فهي عرضيّة بحسب معناها كالأمر في الماهيّة و الوجود، و كلّ عرضيّ معلّل و علّته إمّا وجوده أو أمر خارج عنه و كلا الشقّين محالان، أمّا استحالة كون الوجود المقدّم يستدعى وحدة سابقة على تلك الوحدة العارضة، لأنّ الوحدة تساوق الوجود تدور حيثما دار، ففي أيّ مرتبة تحقّق الوجود فيها تحقّقت الوحدة فيها فإن كانت هذه الوحدة السابقة نفس الوحدة العارضة لزم تقدّم الشيء على نفسه و إن كانت غيرها نقلنا الكلام فيها فيذهب الأمر إلى غير النهاية فيتسلسل و هو باطل، و أمّا استحالة كون الخارج سببا لوحدته، فلأنّ هذا يستلزم أن يكون الواجب ممكنا كما سيأتي بيانه في إثبات قاعدة «واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات».

قوله: و دفع بأنّ الضرورة قائمة ...

أي كما أنّ الضرورة قائمة على أنّ المعلول محتاج إلى العلّة كذلك الضرورة قائمة على أنّ المعلول و العلّة مسانختان في نحو الثبوت، إذ كلّ ما ثبت للمعلول فهو مأخوذ من علّته و إلاّ كان فاقد الشيء معطيا له و هو باطل بالضرورة، فإذن العلّة و المعلول مسانختان في نحو الثبوت و إن كانت العلّة أشدّ، فإن كان وجود المعلول ذهنيّا كان وجود العلّة ذهنيّا و إن كان خارجيّا كان وجود العلّة خارجيّا.

قوله: و دفع بأنّه مبنيّ على ما هو الحقّ ...

أي الدليل مبنيّ على ما هو الحق من أنّ التشخّص بالوجود لا غير و بناءًا على هذا لو كان للواجب ماهيّة وراء وجوده الخاصّ، كانت ماهيّته غير آبية بذاتها عن الصدق على الأفراد الكثيرة و إذن يجرى الدليل و ينتج المطلوب.

قوله: من دون حاجة إلى انضمام حيثيّة تعليليّة او تقييديّة ...

أمّا أنّه لا يحتاج إلى الحيثيّة التعليليّة الّتي هي الواسطة في الثبوت فلأنّ الواجب بالذات لا علّة له و أمّا أنّه لا يحتاج إلى الحيثيّة التقييديّة الّتي هي الواسطة في العروض، فلأنّ ماهيّة الواجب عين وجوده و ليس له ماهيّة وراء وجوده الخاصّ حتّى يكون اتّصاف وجوده بالوجود بالذات و اتّصاف ماهيّته به بالعرض.

قوله: و لازمه الإمكان ...

لما سيأتي في الفصل اللاحق من أنّ الواجب لو احتاج في كمال من كمالاته إلى الغير لصار ممكنا.

قوله: لم يكن الواجب بالذات واجبا بذاته ...

لأنّ الواجب على الفرض هو الكون المشروط بالتجرّد فهو واجب بشرط التجرّد لا بذاته.

قوله: أنّ المراد بالوجود المأخوذ فيها ...

أي المغالطة في تلك الوجوه إمّا نشأت من وضع مفهوم الوجود مكان حقيقة الوجود الّتي هي الحيثيّة الطاردة بالذات للعدم كالوجه الأوّل، فإنّ الوجود في قوله: «و وجوده يساوي الممكن» هو مفهوم الوجود لا الحيثيّة الطاردة بالذات للعدم و بناءًا علي هذا صار الوجه الأوّل هكذا: «حقيقة الواجب لا تساوي حقيقة شيء ممّا سواها و مفهوم وجوده يساوي وجود الممكن» فينتج من الشكل الثاني أنّ حقيقة الواجب ليست مفهوم الوجود و هذه النتيجة و إن كانت صحيحة إلاّ أنّها ليست مورد البحث هنا، لأنّ القائل بأنّ ماهيّة الواجب عين وجوده يقول إنّها عين وجوده الخاصّ الذي يطرد به العدم لا عين مفهوم الوجود، أو نشأت من توهّم أنّ الوجود طبيعة متواطية، مع أنّ الوجود حقيقة مشكّكة ذو مراتب مختلفة و اختلاف مراتبها يوجب اختلاف أحكامها، فإذن يجوز أن يكون بعض مراتبها مجرّدا عن الماهيّة دون سائرها و أن يكون بعضها مبدأ لجميع الممكنات دون سائرها و أن يكون بعضها عين حقيقة الواجب دون سائرها.
 

الفصل الرّابع

في أنّ الواجب واجب من جميع الجهات
قوله: فكانت مركّبة من وجود و عدم

ليس المراد من التركيب، التركيب بحسب التحليل فحسب كما توهّم؛ إذ لو كان كذلك لم تكن حقيقته الخارجيّة مركّبة من وجدان شيء و فقدان شيء آخر، فكانت حقيقته العينيّة الخارجيّة منزّهة عن الحاجة إلى الأجزاء، فلا يلزم الإمكان، بل المراد منه التركيب العينيّ الخارجيّ، فإنّ الواجب لو لم يكن في الخارج واجدا لكمال لكانت حقيقته العينيّة مركّبة من وجدان شيء و فقدان شيء آخر و التركيب يلازم الحاجة إلى الأجزاء و الحاجة تلازم الإمكان و قد فرض وجوبه.

فإن قلت: الفقدان ليس شيئا عينيّا فكيف يستقرّ في حقيقة الواجب؟

قلت: هذا في نفسه محذور آخر يلزم من تخلّل جهة إمكانيّة في ذات الواجب، فالواجب لو كان ممكنا من حيث بعض كمالاته للزم منه أمران: الأوّل التركيب و الثانيالتركيب من الوجود و العدم؛ و كلا التاليين باطلان فكذا المقدّم.

قوله: حجّة أخرى انّ ذات الواجب بالذات...

توضيحها: أنّ ذات الواجب لو لم تكن كافية في وجود كمال لها كانت محتاجة إلى الغير في اتّصافها به و لازمه أنّ الغير لو لم يكن موجودا لم يكن الواجب متّصفا بذلك الكمال؛ أي: يكون عدم الإتّصاف مستندا إلى عدم الغير و حينئذٍ لو قطعنا النظر عن‏الغير وجودا و عدما، فإمّا أنْ يكون الواجب بالذات مع قطع النظر عن ذلك الغير وجودا و عدما متّصفا بذلك الكمال أو لا يكون متّصفا به؛ فإن كان متّصفا به لزم أنْ يكون وجود الغير لغوا؛ لأنّ الواجب متّصف بذلك الكمال و لو لم نعتبر وجود الغير، مع أنّ المفروض أنّ اتّصاف الواجب بذلك الكمال مستند إلى وجود الغير هذا خلف، و إن لم يكن متّصفا به لزم أن يكون عدم الغير لغوا؛ لأنّ الواجب غير متّصف بذلك الكمال و لو لم نعتبر عدم الغير مع أنّ المفروض أنّ عدم اتّصاف الواجب بذلك الكمال مستند إلى عدم الغير و هذا خلف أيضا. فإذا كان التالي بشقّيه باطلاً كان المقدّم باطلا؛ أي: عدم كفاية الذات في اتّصافها بالكمال باطل، فثبت أنّ الواجب بالذات كافٍ في اتّصافها بالكمالات.
ثمّ أورد على هذه الحجّة، أنّ عدم اعتبار وجود الغير و قطع النظر عنه لاينافي وجوده في الواقع و كذا قطع النظر عن عدم الغير و عدم اعتباره لا ينافي عدم الغير في الواقع و حينئذٍ فإن كان الواجب متّصفا بذلك الكمال كان اتّصافه به مستندا إلى وجود الغير و لو لم نعتبر وجود الغير، فلا يكون وجود الغير لغوا حتّى يلزم الخلف، و إن لم يكن متّصفا به كان عدم اتّصافه به مستندا إلى عدم الغير و لو لم نعتبر عدم الغير، فلا يكون عدم الغير لغوا حتّى يلزم الخلف أيضا، و هذا نظير الماهيّة فإنّ الذهن قديعتبر الماهيّة مع قطع النظر عن الأمور الزائدة عليها كالوجود و العدم و علّتيهما و إن لم تكن الماهيّة خالية في الواقع عن الوجود و علّته أو عن العدم و علّته.
و ردّ هذا الإشكال بأنّ قياس الماهيّة ـ بما نحن فيه ـ قياس مع الفارق، فإنّ الماهيّة لمّا لم تكن مجعولة بالذات كانت حيثيّة ذاتها مغايرة لحيثيّة تعلّقها و ارتباطها إلى العلّة، فيمكن اعتبار الماهيّة من دون اعتبار تعلّقها بعلّتها بخلاف وجود ذلك الكمال، فإنّ الوجود مجعول بنفس ذاته فاعتبار وجود شيء عين اعتبار تعلّقه بعلّته فلا يمكن اعتبار وجوده بدون اعتبار ما يتعلّق به.
أقول: الإشكال غير مندفع بهذا البيان؛ لأنّ البحث ليس في اعتبار وجود ذلك الكمال حتّى يقال إنّ اعتبار وجود ذلك الكمال لاينفكّ عن اعتبار ما يتعلّق به بل البحث في الوجود الواقعيّ لذلك الكمال و وجوده الواقعيّ يتوقّف على علّته الواقعيّة لا على اعتبار علّته و إذن إن كان الواجب متّصفا بذلك الكمال الواقعيّ، كان اتّصافه به مستندا إلى وجود علّته و لو لم نعتبر وجود العلّة، فلا يكون وجود العلّة لغوا و إن لم يتّصف به كان عدم اتّصافه به مستندا إلى عدم العلّة و لو لم نعتبر عدم العلّة،فلا يكون عدم العلّة لغوا؛ فهذه الحجّة بهذا البيان غير وافية بالمقصود.
ثمّ إنّ لنا تقريرا آخر لهذه الحجّة بحيث لايرد عليه الإيراد السابق و هو أن نقول: إنّ ذات الواجب لو لم تكن كافية في ثبوت كمال لها لكانت محتاجة في اتّصافها به إلى الغير و في عدم اتّصافها به إلى عدم الغير، لكن التالي باطل فكذا المقدّم فينتج أنّ ذات الواجب كافية في ثبوت كمالاته اللاّئقة بها، أمّا الملازمة فواضحة ـ بما مرّ في التقرير السابق ـ. و أمّا بطلان التالي، فلأنّ الواجب بالذات ما يجب وجوده بذاته من دون دخل للغير وجودا و عدما؛ و المفروض هنا: أنّ وجود الواجب وجود محدود، فما يجب بذات الواجب من دون دخل للغير وجود محدود و الوجود المحدود له حيثيّتان: حيثيّة وجدان كمال و حيثيّة فقدان كمال آخر، فهاتان الحيثيّتان مستندتان إلى ذات الواجب و ليس للغير دخل فيهما، فيكون فقدان ذلك الكمال مستندا إلى ذات الواجب من دون دخل للغير، فيكون عدم الغير لغوا مع أنّه قد فرض أنّ عدم ذلك الكمال مستند إلى عدم الغير، هذا خلف. ثمّ إذا ثبت أنّ عدم الغير لغو بالنسبة إلى عدم ذلك الكمال ثبت أنّ وجود الغير لغو أيضا بالنسبة إلى وجود ذلك الكمال (و إلاّ لم يكن عدمه لغوا) مع أنّ المفروض أنّ وجود ذلك الكمال مستند إلى وجود الغير، هذا خلف.

قوله: و لازمه أن يتّصف الواجب بالذات بالوجوب الغيريّ

لأنّ وجود الواجب إذا صار جامعا لذلك الكمال وجود له أيضا و المفروض أنّ بعض مراتب هذا الوجود الجامع واجب بالغير فليس وجوده الجامع واجبا بذاته بل للغير دخل في وجوب هذا الوجود الجامع، فيكون واجب الوجود واجب الوجود بالغير و الواجب بالغير ممكن بالذات، هذا خلف.

قوله: كالخلق و الرزق و الإحياء و الإماتة و غيره

فإنّ الخلق نسبة حاصلة بين الفاعل و الفعل و لذا لايعقل معناه إلاّ بعد تصوّر طرفيه، فيكون ممكنا في ذاته متأخّرا عن الفعل، فصفة «الخالق» المنتزعة من هذه النسبة الممكنة صفة كماليّة ممكن وجودها في نفسها و ممكن ثبوتها للذّات الواجبيّة و بإمكان ثبوتها للواجب نقضت القاعدة، و كذا الأمر في الرزق و الإحياء و الإماتة و غيرها.

قوله: و يندفع بأنّ هذا النسب و الإضافات...

توضيح الجواب: أنّ النسب الحاصلة بين الواجب و أفعاله و الصفات المنتزعة منها لمّا كانت رتبة وجوداتها متأخّرة عن رتبة ذاته المتعالية لم تكن من صفاته الكماليّة حقيقة، لأنّها معان منتزعة من مقام الفعل فهي زائدة على الذات الواجبيّة و من المعلوم أنّ اتصاف الشيء بأمر خارج من ذاته، اتّصاف مجازيّ و بالعرض لا بالحقيقة و بالذات، فلا تكون هذه الأوصاف من الكمالات اللائقة بذات الواجب حتّى يكون إمكان ثبوتها للواجب ناقضا للقاعدة، نعم إنّ لهذه النسب الزائدة على الذات أصلاً في مرتبة الذات؛ لأنّ ذاته علّة لما سواها و العلّة واجدة في مرتبة ذاتها لحقيقة معلولها بنحو أعلى و أشرف فحقائق تلك النسب موجودة في مرتبة ذاته المتعالية بعين وجوده البسيط، و كما أنّ النسب الزائدة مناط انتزاع أوصاف زائدة كذلك حقائقها الموجودة في مرتبة ذات الواجب مناط انتزاع أوصاف هي عين ذاته المتعالية، فتكون تلك النسب و الأوصاف المنتزعة منها واجبة بوجوب الذات؛ فالذات الواجبيّة خالقة مثلاً لكن ليس مناط خالقيّته النسبة الممكنة الزائدة الحاصلة بين ذاته و فعله و بل مناطها النسبة الّتي موجودة في مرتبة ذات الواجب بعين وجود الواجب، فليست الخالقيّة حينئذٍ ممكنة الثبوت للواجب حتى يكون إمكان ثبوتها له ناقضا للقاعدة، بل هي واجبة الثبوت له بعين وجوب الذات.

قوله: ارتباط واقعيّ به

أي ارتباط واقعيّ في مرتبة ذات الواجب؛ لأنّ هذه النسب من الموجودات الممكنة و الموجوداتُ الممكنة مرتبطة بالواجب بنفس وجوداتها؛ أي وجوداتها الخارجة عن الذات عين الارتباط بالواجب، فلهذه النسب ارتباط واقعيّ بالواجب بنفس وجوداتها الخارجة و تقدّم في الحاشية السابقة أنّ لكلّ ما يوجد في خارج الذات أصلاً في مرتبة الذات، فلهذه النسب الّتي لها ارتباط واقعيّ بالواجب بوجوداتها الخارجة، ارتباط واقعيّ آخر في مرتبة الذات و هو أصل لارتباطها الخارجىّ.

قوله: الإضافة الإشراقيّة

الإضافة إمّا أن تكون مقوليّة و مناطها أن يكون المضاف موجودا بوجود مغاير لوجود الإضافة و إمّا أن تكون إشراقيّة و مناطها أن يكون المضاف موجودا بعين وجود الإضافة من غير فرق، ثم الإضافة الإشراقيّة، إمّا أن تكون وجوديّة و مناطها أن يكون مرتبة وجود الإضافة غير مرتبة وجود المضاف إليه و هذا كالمعلول، فإنّ المعلول مرتبط بعلّته لكن ارتباطه عين ذاته، لما مرّ غير مرّة، فإضافته إلى العلّة إضافة إشراقيّة و مرتبة هذا الارتباط غير مرتبة المرتبط به و هو العلّة؛ لأنّ العلّة أشرف وجودا من معلولها فتكون إضافته إشراقيّة وجوديّة، و إمّا أن تكون إيجاديّة و مناطها أن يكون مرتبة وجود الإضافة عين مرتبة وجود المضاف إليه و هذا كالأشياء المرتبطة بذات الواجب في مرتبة ذاته المتعالية؛ فإنّ الأشياء كما أنّها مرتبطة بالواجب بنفس وجوداتها الخارجة كذلك مرتبطة بنفس وجوداتها الّتي مرتبتها مرتبة وجود الواجب؛ إذ تقدّم أنّ لكلّ ما يوجد في خارج الذات أصلاً في مرتبة الذات، ثم المراد هنا من الإضافة الإشراقيّة، الإشراقيّة الإيجاديّة لا الوجوديّة.

قوله: إنّ الوجود الواجبيّ وجود صرف

إذ لو لم يكن صرف الوجود لكان وجوده محدودا بحيث لايكون جامعا لكلّ كمال، و حدُّ الوجود هو الماهيّة، فيلزم للواجب ماهيّة مع أنّه قد ثبت أن لا ماهيّة للواجب، و أيضا لو لم يكن الواجب صرف الوجود لكانت ذاته مركّبة من وجدان شيء و فقدان شيء آخر و لازم التركيب الحاجة إلى الأجزاء و لازم الحاجة الإمكان، فيكون ممكنا و هذا خلف.

قوله: أنّه واحد وحدة الصرافة

الواحد بوحدة الصرافة أو بالوحدة الحقّة ـ كما سيأتي ـ هو الواحد الّذييكون الواحد فيه عين الوحدة بخلاف الواحد بالوحدة غير الحقّة، فإنّ الواحد فيه شيء و وحدته شيء آخر عارض له، ثمّ إنّ الوحدة تساوق الوجود فتتحقّق حيثما يتحقّق الوجود و حيث إنّ وجود الواجب عين ذاته لا زائد عليها وجب أن تكون وحدته كذلك و إلاّ، تحقّق الوجود فيما لاتتحقّق الوحدة، فيلزم بطلان تساوق الوجود و الوحدة و هذا خلف، فإذن الواجب كما أنّه موجود بنفس ذاته، كذلك واحد بنفس ذاته، فهو واحد بالوحدة الحقّة، هذا و لكن لمّا كان هذا البيان متوقّفا على أبحاث الوحدة و لم تبيّن بعدُ أثبت المصنّف رحمه‏الله المطلوب ببيان آخر لايتوقّف على تلك الأبحاث و لذا فسّر الواحد بالوحدة الحقّة بلازمه؛ فإنّ الواحد بالوحدة الحقّة لا يمكن فرض الثانيله إذ كلّ ما فرضته ثانيا له، امتاز بشيء من الكمال ليس في الأوّل فلا يكون الواحد بالوحدة الحقّة صرف الوجود بل هو مركّب من الوجود و العدم، و المركّب من الوجود و العدم ليس عين الوجود، و إذا لايكون عين الوجود لايكون عين الوحدة أيضا بحكم تساوقهما، فليس واحدا بالوحدة الحقّة و هذا خلف، فإذن ثبت أنّ الواحد بالوحدة الحقّة لا يمكن فرض الثانيله، فجُعل هذا اللازم معرّفا له و الواجب متحقّق فيه هذا المعنى اللاّزم، فهو واحد بالوحدة الحقّة.

قوله: أنّه واحد لا بالعدد

فإنّ الواحد بالعدد من أقسام الواحد غير الحقّة ـ كما سيأتي ـ و قد ثبت أنّ الواجب واحد بالوحدة الحقّة، ثمّ هذا الكلام قد اُخذ من كلام مولى الموحدين أميرالموءمنين حيث قال: «الأحد بلا تأويل عدد»(1).

قوله: و إلاّ خرج عن صرافة الوجود

إذ لو كان له جزء خارجيّ و هو المادّة و الصورة لكان له جنس و فصل (و هو الجزء العقليّ) و لو كان له الجنس و الفصل لكان له الماهيّة، و الماهيّة حدّ الوجود و الحدّ يُخرج الوجود من الصرافة.

قوله: لم يكن محكوما بحكم في نفسه

لأنّ الوجود الإمكانيّ عين الربط بالعلّة؛ أي: حاجته إلى العلّة عين ذاته لا أنّه عارض لها، فالحاجة قد ملأت تمام هويّة الوجود الإمكانيّ، فلا توجد فيها حيثيّة مستقلّة أصلاً و إلاّ كانت الحاجة جزءا من هويّته لا عينها و هو خلاف المفروض، فإذا لم توجد فيها حيثيّة مستقلّة لم يوجد فيها حكم مستقلّ، فالوجود الإمكانيّ و إن كان مناقضا للعدم إلاّ انّه غير مستقلّ في هذا الحكم و في غيره من الأحكام.

1. نهج البلاغة خ 152

 

الفصل الخامس

في أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد
قوله: فالشيء ما لم يجب لم يوجد

فإن قلت: كيف يتصوّر سبق وجوب الممكن على وجوده و هو قبل وجوده معدوم؟
قلت: هذا الوجوب عبارة عن حيثيّة تعيّن وجود المعلول في مرتبة العلّة و الحيثيّات الّتي هي للمعلول في مرتبة علّته مقدّمة على الحيثيّات الّتي هي للمعلول في مرتبته الخاصّة.
بيان ذلك: سيأتي في آخر الفصل أنّ للمعلول وجوبا آخر لاحقا به مادام متلبّسا بالوجود، فالمعلول مادام موجودا واجب الوجود، متعيّن الوقوع؛ هذا من جانب و من جانب آخر أنّ كلّ ما ثبت للمعلول فهو موجود في مرتبة ذات العلّة؛ بوجود العلّة إذ لا استقلال للمعلول من وجه، فكلّ مايوجد فيه من الحيثيّات فهو مأخوذ من علّته المفيضة و بناءًا على هذا، إنّ وجود المعلول و وجوبه اللاحق موجود في مرتبة ذات العلّة بوجود العلّة و لمّا كانت العلّة سابقة على المعلول بمرتبته الخاصّة كان وجوب المعلول الّذيهو موجود بعين وجود العلّة سابقا على المعلول بمرتبته الخاصّة، و هذا الوجوب السابق الموجود بعين وجود العلّة هو المراد بالوجوب في قولهم «الشيء ما لم يجب لم يوجد» فالإشكال مندفع؛ و نظير هذا الإشكال و الجواب يجري في قولهم «الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد» فتدبّر.

قوله: و من الممتنع أن يوءثّر المعلول في وجود علّته

لأنّ إجبار المعلول للعلّة متوقّف على وجوده و وجوده متوقّف على إيجاد العلّة و الإيجاد متوقّف علي إجبار المعلول: إذ المفروض أنّ الإيجاد مستند إلى الإجبار، فيلزم الدور و هو الممتنع.

قوله: أو لا تنفكّ عنه

إشارة إلى تفسير السيّد صدر الدين الشيرازيّ المشهور بسيّد المدققين حيث قال: «الذات لاتكون سببا للأولويّة بل الأمر في الأولويّة نظير الأمر في وجود الواجب، حيث إنّ وجوده لاينفكّ عن ذاته من دون أن يكون عليّة بين الذات و الوجود»(1).

قوله: و نقل عن بعضهم اعتبارها في طرف العدم

الفرق بين هذا القول و سابقه: أنّ الوجود في هذا القول لا أولويّة له بالنسبة إلى شيء من الموجودات بخلاف القول السابق حيث إنّ له أولويّة بالنّسبة إلى بعض الموجودات.

1. راجع: الشوارق، ص 84.

قوله: على انّ في القول بالأولويّة إبطالاً ...

توضيحه: أنّ العلّة لو رجّحت وجود المعلول و لم يجب بها وجود المعلول لجاز عدم المعلول، فإذا فرض عدم المعلول في حال رجحان الوجود و حضور علّة الوجود، فإمّا أن يكون علّة العدم (و هي عدم علّة الوجود) محقّقة أو تكون غير محقّقة فإن كانت محقّقة لزم اجتماع النقيضين، إذ المفروض أنّ علّة الوجود و علّة العدم الّتي هي عدم علّة الوجود محقّقتان، و إن لم تكن محقّقة لزم أن يكون عدم المعلول محقّقا من دون أن تكون علّته محقّقة و هذا باطل لضرورة توقّف المعلول وجودا و عدما على علّته.

قوله: و من فروع هذه المسألة أنّ القضايا...

لمّا كان المعتبر في القضايا البرهانيّة اليقين، و اليقين يعتبر فيه المطابقة لنفس الأمر، فالقضايا الّتي جهتها الأولويّة ليست ببرهانيّة، إذ الأولويّة غير واقعة في نفس الأمر على ما تقدّم فلا مطابَق لجهة تلك القضايا في نفس الأمر حتى تكون يقينيّة و برهانيّة، نعم، إذا كان المراد من الأولويّة التشكيك بأن نقول مثلاً العلّة حين وجود المعلول موجودة بالأولويّة، ثبت في نفس الأمر الأولويّة و القضيّة الحاكية عنها يقينيّة برهانيّة.
 

الفصل السادس

في علّة حاجة الممكن إلى العلّة
قوله: و هل علّة حاجته إلى العلّة هو الإمكان أو الحدوث

العلّة في قولهم «علّة الحاجة» عبارة عن ما هو الملاك في تحقّق الشيء في الخارج سواء كان مغايرا للشيء المفروض أو عينه، فإنّ ملاك تحقّق الشيء في الخارج إمّا علّته الخارجة عنه كالواجب بالنّسبة إلى الصادر الأوّل مثلاً و إمّا نفس الشيء كالواجب بالنّسبة إلى وجود نفسه، فإنّ ملاك تحقّق الواجب في الخارج نفسه لا الأمر الخارج من نفسه.
إذا عرفت هذا نقول إنّ الأقوال في هذه المسألة أربعة:
الأوّل أنّ علّة حاجة الشيء إلى العلّة الشيئيّة فالشيء بما هو شي يحتاج إلى العلّة، الثاني أنّ علّة حاجة الشيء إلى العلّة الحدوث، فالشيء بما هو مسبوق الوجود بالعدم الزمانيّ يحتاج إلى العلّة.
الثالث أنّ علّة حاجة الشيء إلى العلّة الإمكان الماهويّ، فالشيء بما هو غير ضروريّ الوجود و العدم يحتاج إلى العلّة.
الرابع أنّ علّة حاجة الشيء إلى العلّة الإمكان الفقريّ، فالشيء بما هو عين الحاجة يحتاج إلى العلّة.
ثمّ القول الأوّل للعوام و لا قائل به من بين العلماء بعد بطلان التسلسل، فإنّ المبدأ الأوّل مع أنّه شيء لايحتاج إلى العلّة؛ و القول الثاني لجمع من المتكلّمين؛ و الثالث لأكثر الحكماء و الرابع لصدر المتألهين و أتباعه، و من وجوه الفرق بين القولين الأخيرين أنّ الملاك على القول الثالث أمر زائد على الحاجة و على القول الرابع نفس الحاجة، أي ليس حاجة الممكن إلى العلّة مستندة إلى علّة خارجة منها، بل الممكن محتاج لأنّه عين الحاجة، بخلاف القول الثالث حيث إنّ حاجته مستندة إلى علّة خارجة و هو الإمكان الماهويّ.

قوله: و استدلّوا عليه بأنّ الماهيّة باعتبار وجودها ضروريّة الوجود

توضيحه أنّ الضرورة توجب الغنى عن العلّة و هو واضح، و لا فرق في ذلك بين أن تكون الضرورة حاصلة للشيء من ذاته كالواجب بالذات أو حاصلة من ناحية الغير كالماهيّة الّتي ثبت لها الضرورة بشرط المحمول بسبب اعتبار الوجود لها، فإنّ الماهيّة بعد ما ثبت لها الضرورة بشرط المحمول بسبب اعتبار الوجود الثابت لها من ناحية علّة مّا، ارتفعت حاجتها إلى علّة أخرى و ارتفاع حاجتها ليس إلاّ لضرورتها، فالضرورة تمام المعيار في كون الشيء مستغنيا عن العلّة، فيجب رفعها حتى تثبت الحاجة، و رفع الضرورة هو الإمكان، فالإمكان هو المعيار في كون الشيء محتاجا إلى العلّة و أمّا الحدوث فهو غير صالح لأن يكون معيارا للحاجة، لأنّ الحدوث عبارة عن كون وجود الشيء مسبوقا بالعدم، فلابدّ في الشيء الحادث من اعتبار الوجود اللاحق بعد العدم السابق، فما لم يعتبر الوجود له لم يتحقّق له الحدوث و إذا اعتبر فيه الوجود حصل له الضرورة بشرط المحمول و الضرورة ـ كما عرفت ـ مناط الغنى لا الحاجة.
إن قلت: إنّ الظاهر من أقوال الحكماء أنّ معيار الحاجة الإمكان الخاصّ لا العامّ، لكن مقتضى هذا الدليل الإمكان العامّ؛ لأنّ معيار الغنى عن العلّة في اتّصاف الشيء بالوجود هو ضرورة الوجود فقط، فمعيار الحاجة فيه هو سلب ضرورة الوجود فقط و هو الإمكان العامّ.
قلت: الحق أنّ معيار الحاجة هو الإمكان العامّ لا الخاصّ كما هو مقتضى هذا الدليل إلاّ أنّ معيار حاجة الممكن في وجوده سلب ضرورة الوجود و معيار حاجة الممكن في عدمه سلب ضرورة العدم، و الحكماء جمعوا هذين الإمكانين العامّين، فقالوا: معيار حاجة الممكن في وجوده و عدمه هو الإمكان الخاصّ لأنّ الإمكان الخاصّ مجموع الإمكانين العامّين.

قوله: فالعلّة هي الإمكان

لايخفي أنّ القول بأنّ علّة الحاجة هي الإمكان، يلائم القول بأصالة الماهيّة، لأنّ شيئيّة الماهيّة - وهي المتأصّلة على الفرض - كافية في انتزاع الإمكان عنها، لكن حاجتها إلى العلّة بعد لحاظ الوجود لها الزائد عليها و ما بالذات متقدّم على ما بالغير، فالإمكان الذاتيّ متقدّم على حاجة الماهيّة إلى العلّة فلا إشكال على القول بأصالة الماهيّة في أن تكون علّة الحاجة هي الإمكان، أمّا على القول بأصالة الوجود فلا يكون الإمكان علّة للحاجة، لأنّ الإمكان متأخّر عن الماهيّة و هي متأخّرة عن الوجود الأصيل و الوجود متأخّر عن الإيجاد و هو متأخّر عن الحاجة، و هي متأخرة عن علّة الحاجة فيكون الإمكان متأخرا عن علّة الحاجة بمراتب، فلو كان علّة للحاجة للزم تقدّم الشيء على نفسه بمراتب، فإذن الحقّ: أنّ علّة الحاجة ليست الإمكان الماهويّ بل الحق أنّ العلّة هي الإمكان الفقريّ، كما عليه صدر المتألهين؛(1) أي: الشيء بما أنّه عين الحاجة و الفقر محتاج إلى العلّة، لكن ليعلمْ أنّ العلّة في هذا القول ليست بمعناها المصطلح ـ كما تقدّم بيانه ـ و إلاّ لزم تقدّم الحاجة على نفسها.

قوله: و أمّا الماهيّة الموجودة بما انّها موجودة فلها الضرورة...

إنّ الخصم حيث يزعم أنّ الوجود الدائم يغني الشيء عن العلّة، بيّن المصنّف رحمه‏الله أنّ الوجود و إن أغنى الشيء عن العلّة - حيث أنّ الماهيّة بما أنّها موجودة، لها الضرورة بشرط المحمول و الضرورة مناط الغنى عن العلّة - إلاّ أنّ الوجود أغناه عن العلّة الجديدة لاعن العلّة مطلقا؛ لأنّ لازم ذلك الوجود الماهيّة و لازم الماهيّة الإمكان و لازم الامكان الحاجة، فذلك الوجود لازمه الحاجة إلى العلّة، فلا تنفكّ عنه، ففرض ذلك الوجود ملازم لفرض حاجته إلى علّة مّا؛ فإذن ذلك الوجود إن أغنى الشيء عن العلّة أغناه عن العلّة الجديدة لا العلّة مطلقا و معنى غناه عن العلّة الجديدة غناه عن موجوديّة أخرى.
قوله: لامعنى لكون الزمان مسبوقا بعدم زمانيّ
إذ لازمه أن يكون الزمان موجودا قبل وجوده و هذا هو التناقض.

1 - راجع: الاسفار، ج 3، ص 253.

 

الفصل السابع

في أنّ الممكن محتاج إلى العلّة بقاءا
قوله: متعلّق الذّات بعلّته

أي: تعلّق المعلول بعلّته عين ذاته، إذ لو لم يكن عينها لكان عارضا لها و لازمه أنّ ذات المعلول موجودة قبل تعلّقه بعلّته؛ و معناه: أنّ المعلول لا يتوقّف في وجوده على علّته و هذا ضروريّ البطلان، فإذن ثبت أنّ تعلّق المعلول بعلّته عين ذاته فإذا ثبت هذا ثبت أنّ الحاجة لاينفكّ عن المعلول، لأنّ الشيء لاينفكّ عن نفسه، فالمعلول محتاج إلى العلّة بقاءا و حدوثا.
 

الفصل الثامن

في بعض أحكام الممتنع بالذات
قوله: كما تحقّق أنّ الواجب بالذات لايكون واجبا بغيره

قد تقدّم هذا البحث في هذا الكتاب في آخر الفصل الثاني من هذه المرحلة.

قوله: فهو ممتنع لا محالة من جهة بهايستلزم

ما يستلزم الممتنع بالذات فهو ممتنع لا محالة، إذ لو لم يمتنع لجاز وقوعه و وقوعه مستلزم لوقوع الممتنع بالذات على الفرض و وقوع الممتنع بالذات بديهيّ البطلان، فإذن المستلزم للممتنع بالذات ممتنع لكن ليس امتناعه بالذات بل بالغير؛ إذ تقدّم أنّ الاستلزام بين الشيئين لا يقع إلاّ إذا كان أحدهما علّة للآخر أو هما معلولان لعلّة واحدة و الممتنعان بالذات ليسا كذلك و إلاّ كان أحدهما على الأقلّ معلولاً فلم يكن ممتنعا بالذات، فالمستلزم للممتنع بالذات ممتنع بالغير و كلّ ممتنع بالغير فهو ممكن بالذات، فالمستلزم للممتنع بالذات يجتمع فيه الإمكان الذاتيّ و الامتناع الغيريّ، لكن استلزامه له ليس من جهة إمكانه الذاتيّ بل من جهة امتناعه الغيريّ لأنّ المستلزم للممتنع بالذات من جهة إمكانه الذاتيّ التى هي جهة ماهويّة غير مجعول واقعا، فلايكون من هذه الجهة معلولاً حتّى يقع الاستلزام بينه و بين الممتنع بالذات، فإذن ثبت أنّ المستلزم للممتنع بالذات مستلزم له من جهة امتناعه الغيريّ لا من جهة إمكانه الذاتيّ.

قوله: كون الجسم غير متناهي الأبعاد يستلزم ممتنعا بالذات

هذا أحد البراهين الّتي أقيمت على تناهي الأبعاد، تقريره: أنّ البعد لو لم يكن متناهيا لجاز حصول زاوية لها ستّون درجة مثلاً من خطّين غير متناهيين، فلو حصلت هذه الزاوية لصار الخطّ الممتدّ بين ساقيها غير المتناهيين غير متناهٍ أيضا، إذ يحصل من الزاوية و ذلك الخطّ الممتدّ بين ساقيها مثلث متساوي الأضلاع و المفروض أنّ ضلع هذا المثلث غير متناه فالخطّ الممتد بين ساقيها غير المتناهيين غير متناهٍ أيضا مع أنّه محصور بين الساقين فيكون ذلك الخط متناهيا و غير متناه و هذا هو التناقض الممتنع بالذات.

قوله: فإنّه ليس من جهة ماهيّته الإمكانيّة

لانّ الشيء من جهة ماهيّته الإمكانيّة غير مجعول واقعا، فلا يكون من هذه الجهة معلولاً للواجب حتّى يستلزم وجوده لوجود الواجب.

قوله: التلازم الاصطلاحيّ لايكون بين ممتنعين بالذات

اذ قد تقدّم أنّ التلازم بين الشيئين لايقع إلاّ إذا كان أحدهما علّة للآخر أو هما معلولان لعلّة واحدة، و الممتنعان بالذات ليسا كذلك و إلاّ كان أحدهما على الأقلّ معلولاً فليس ممتنعا بالذّات، هذا خلف.

قوله: فإنّ الأوّل يحكم فيه بصدق التالي وضعا و رفعا...

فيه نظر، إذ قد عرفت في المنطق أنّ وضع المقدّم في الشرطيّ اللزوميّ يلازم وضع التالي، أمّا رفعه لايلازم رفع التالي، لأنّ الملزوم قد يكون أخصّ من لازمه و رفع الأخص لايكون ملازما لرفع الأعمّ، فلا يحكم في الشرطيّ اللزوميّ بصدق التالي رفعا على تقدير صدق المقدّم رفعا، بل يحكم فيه بصدق التالي وضعا على تقدير صدق المقدم وضعا.

قوله: عند فرض أمر مستحيل ...

أي عند فرض أمر مستحيل (و هو المقدّم الشرطي الذي يستدلّ المدّعي على استحالته في قياس استتثناييّ) لينجرّ ذلك الفرض إلى وقوع استحالة تال مستحيل في عالم الموجودات (و هو باطل بالضرورة لأنّ وقوعها يستلزم وقوع معروضه المستحيل) و بالجملة إذا فرضنا مقدّما نريد بيان استحالته ليستلزم ذلك الفرض وقوع أمر مستحيل بيّن الاستحالة، يقول الخصم استلزام هذا المقدّم لذلك التالي ممنوع لجواز استلزامه لنقيض هذا التالي.

قوله: بالبيان الخلفيّ أو الإستقاميّ

القياس الخلفيّ مايستدلّ فيه على المدّعى بردّ نقيضه بقياس استثنائيّ بأن يقال: إنّ المدّعى حقّ لأنّ نقيضه باطل و يدلّ على بطلان النقيض قياس استثنائيّ.
القياس الإستقاميّ ما يستدلّ فيه على المدّعى مستقيما لا بردّ نقيضه و المراد منه هنا القياس الإستثنائيّ.
ثمّ إنّ القياس الإستثنائيّ لمّا كان متوقّفا على استلزام المقدّم للتالي فحيث شكّ في الاستلزام لاينتج القياس، فلا ينتج القياس الخلفيّ المتوقّف على ذلك و بناءا على هذ
أورد على القياس الخلفيّ إشكال و هو أنّ نقيض المدّعى محال على قول المدّعي و هو يستلزم شيئا آخر على قول المدّعي أيضا، فذلك اللازم واجب الوجود بالقياس إلى المقدّم فيكون عدم ذلك اللاّزم محالاً بالقياس إلى المقدّم، لكن المحال قد يستلزم محالاً آخر فالمقدّم و هو المحال على قول المدّعي يمكن أن يكون مستلزما لعدم اللاّزم (الذي هو المحال الآخر) و بذلك يبطل استلزام المقدّم للتالي فلا ينتج القياس، مثلاً إذا أردنا بطلان الدور فرضنا وقوع الدور و وقوعه يستلزم تقدّم الشيء على نفسه فهو ـ أي تقدّم الشيء على نفسه ـ واجب بالقياس إلى وقوع الدور فيكون نقيضه، أي عدم تقدّم الشيء على نفسه محالاً بالقياس إلى وقوع الدور لكن لمّا كان الدور محالاً على قول المدّعي و المحال قد يستلزم المحال فيمكن أن يقول الخصم إنّ الدور يمكن أن يستلزم عدم تقدّم الشيء على النفس و بذلك يحصل الشكّ في استلزام وقوع الدور لوقوع تقدّم الشيء على نفسه فلاينتج المطلوب.
و هذا الإشكال واضح الفساد، لأنّ المحال لايستلزم أي محالٍ كان بل محالاً إذا قدّر وجودهما يكون بينهما تعلّق سببيّ و مسبّبيّ و لايكون بين المحال المفروض كالدور و نقيض لازمه تعلّق سببيّ و إلاّ اجتمع وجود اللازم و عدمه عند فرض ذلك المحال المفروض و هو باطل بالضرورة.

قوله: ثمّ الحجج القائمة على نفي هذه الصفات...

هذه مقدّمة أخرى للإشكال و حاصلها أنّ الملازمة واقعة بين تلك الصفات و إلاّ لم يمكن السلوك من إحديها إلى الأخرى، و هذه المقدّمة إذا انضمّت إلى أنّ تلك الصفات ممتنعات بالذات، أنتجت أنّ الملازمة تقع بين الممتنعات الذاتيّة، و هذا خلاف ما تقدّم من أنّ الملازمة لاتقع بين الممتنعات الذاتيّة.

قوله: إنّ الدليل على وجود الحق المبدع إنّما يكون بنحو من البيان...

إنّ السلوك من طريق الملازمات العامّة كالسلوك من طريق العلّة إلى المعلول يفيد اليقين بخلاف السلوك من المعلول إلى العلّة حيث أنّه لايفيد اليقين، و الدليل على وجوده تعالى أو على صفاته الذاتيّة بما أنّه سلوك من طريق الملازمات العامّة شبيه بالبرهان اللميّ في إفادة اليقين و لم يكن برهانا لمّيّا إذ لا علّة للواجب و لا لصفاته الذاتيّة حتّى يسلك منها إلى وجوده أو إلى صفته الذاتيّة.

قوله: كذلك يمتنع استلزام الممكن لممتنع بالذات

أى يمتنع استلزامه له بما هو ممكن بالذات لا بما هو ممتنع بالغير، إذ قد تقدّم أنّ مايستلزم الممتنع بالذات فهو ممتنع بالغير و الممتنع بالغير ممكن بالذات، فالممكن بالذات قد يستلزم الممتنع بالذات لكن لابما هو ممكن بالذات بل بما هو ممتنع بالغير ـ كما تقدّم بيانه في أوّل الفصل ـ .

قوله:فإنّ جواز تحقّق الملزوم الممكن...

و أيضا إنّ الممكن من جهة إمكانه الذاتيّ الّتي هي جهة ماهويّة غير مجعول، فلا يكون من هذه الجهة معلولاً حتّى يقع الاستلزام بينه و بين غيره.

قوله: و يدفعه أنّ المراد بالممكن هو الماهيّة

توضيحه: أنّ المراد من الممكن في قولنا: «الممكن لايستلزم الممتنع بالذات» هو الماهيّة المتساوية النسبة إلى الوجود و العدم و الماهيّة بنفسها غير مجعولة بالذات، لأنّ الماهيّة اعتباريّة و الأثر الّذيتضعه العلّة أمر واقعيّ أصيل، فلا تكون الماهيّة مجعولة بذاتها معلولة بنفسها فلا ارتباط بينها و بين الواجب حتّى يكون نفيها بنفسها مستلزما لنفي الواجب بالذات؛ نعم عدمها الزائد عليها مستلزم لعدم الواجب، لأنّ عدمها الزائد معلول لعدم الواجب و المعلول مستلزم للعلّة لكن عدمها الزائد ليس ممكنا بمعنى الماهيّة المتساوية النسبة حتّى يكون استلزامه لعدم الواجب الّذي هو الممتنع بالذات ناقضا لقولنا: «الممكن لايستلزم الممتنع بالذات» لأنّ عدمها الزائد ليس ماهيّة و هو ظاهر و ليس متساوي النسبة إلى الوجود و العدم بل هو ضروريّ العدم لأنّ الشيء ضروريّ لنفسه.

قوله: ففي الإشكال مغالطة بوضع الإمكان الوجوديّ موضع الإمكان الماهويّ

فإنّ الممكن بالإمكان الفقريّ وجوده مستلزم لوجود الواجب بالذات، إذ هويّته عين التعلّق بالواجب، ففرض تحقّقه ملازم لفرض تحقّق ما يتعلّق به الّذيهو الواجب و كذا عدمه مستلزم لعدم الواجب بالذات، إذ هويّته عين التعلّق بعدم الواجب، ففرض تحقّقه ملازم لفرض تحقّق ما يتعلّق به الّذيهو عدم الواجب بالذات، أمّا الممكن بالإمكان الماهويّ ليس كذلك لأنّه غير مجعول بذاته غير مرتبط بالواجب ارتباط المعلول بعلّته، فلا يكون ثبوته بنفسه و لا عدمه بنفسه مستلزمين لوجود الواجب أو لعدم الواجب، فوضع الأوّل مكان الثاني يوجب الإشكال.

قوله: هي المسماة بالمعقولات الثانية

قد تقدّم البحث عنها في الفصل الأوّل.