قد نسب هذا القول إلى الفخر الرازىّ لكن الظاهر من كلامه أنّ العلم عنده عبارة عن إضافة حاصلة بين العاقل و الصورة المرتسمة من المعقول في العاقل.(1)
إنّ دعوى الحكماء مشتملة على جزئين: الأوّل أنّ العلم هو حصول صورة من الشيء في الذهن لا أنّه إضافة بين العالم و المعلوم الخارجيّ؛ الثاني أنّ الصورة الحاصلة من الشيء متّحدة الماهية معه و منطبقة عليه و هذه البراهين الثلاثة تثبت الجزء الأوّل من الدعوى كما أنّ قوله الآتى: «و لو كان الموجود في الذهن شبحا ...» يثبت الجزء الثاني منها.
1. راجع: المباحث المشرقية: 1 / 331.
أي إنّ الوجوه المتقدّمة و إن أثبتت المدّعى بالنسبة إلى العلم بالأمور الكلّيّة و الصرفة و المعدومة لا بالنسبة إلى غيرها إلاّ أنّا لا نرتاب أنّ جميع ما نعقله من سنخ واحد، فإذا كان العلم في تلك الأمور عبارة عن حصول صورة الشيء في الذهن كان العلم في غيرها كذلك.
المعقول إمّا أن يكون بالذات أو يكون بالعرض، و المعقول بالذات عند الحكماء عبارة
عن الصور الذهنيّة؛ أى ما يكون معقولاً بنفس ذاته لا بالصورة الذهنيّة و عند القائل
بالإضافة عبارة عن الأمر الخارجىّ بما هو متعلّق العلم، و المعقول بالعرض عند
الحكماء عبارة عن الأمر الخارجىّ؛ أى ما يكون معقولاً بصورته الذهنيّة لا بنفسه و
عند القائل بالإضافة عبارة عن الأمر الخارجىّ بما هو هو، أى لا بما هو متعلّق العلم
فالمعقول بالذات و بالعرض متغايران ذاتا عند الحكماء و متغايران اعتبارا عند القائل
بالإضافة، لانّهما عنده عبارة عن الأمر الخارجىّ لكن قد يعتبر بما هو متعلق العلم،
و قد يعتبر بما هو هو.
إذا عرفت هذا نقول: يرد على القائل بالإضافة إيرادان: الأوّل أنّ معقولنا قد يكون
معدوما في الخارج فكيف يمكن أن يكون متعلّق الإضافة في الخارج، الثاني أنّ المعقول
بالذات لمّا كان متّحد الذات مع المعقول بالعرض عنده كان دائمىّ الانطباق على
المعقول بالعرض فلا يمكن أن يتحقّق خطأ في العلم؛ لأنّ معيار الخطأ في العلم عباره
عن عدم الانطباق بين المعقول بالذات و المعقول بالعرض لكن عدم الانطباق لا يحصل
أصلاً لاتّحاهما ذاتا.
بيان ذلك: أنّ كلّ علم لنا إمّا تصديق و إمّا تصور، و المفروض أنّ تصوّرنا من الأشياء غير مطابق لها، فكلّ تصور يعود إلى الجهل؛ لأنّ الجهل عبارة عن عدم انكشاف الأشياء للنفس،(1) و كذا الأمر في التصديقات، إذ من البديهيّ أنّ التصديق بأنّ الإنسان حيوان مثلاً يتوقّف على تصوّر أطرافه و المفروض أنّ تصوّر أطرافه غير حاصل لنا واقعا، فيعود كلّ تصديق إلى الجهل أيضا، و من هنا يعلم أنّ نفي كاشفيّة العلم عن الخارج نفي للعلم أيضا؛ فالنزاع بين الحكماء و القائلين بالشبح يرجع إلى النزاع في وجود العلم و عدمه، فالقائل بوجود العلم لايمكنه أن ينكر كاشفيّة العلم عن الخارج كما هو عليه، و المنكر للعلم يلزمه المحال؛ لأنّ نفي العلم متوقّف على تصوّره و تصوّر العلم علم من العلوم، فيلزم من نفي العلم وجوده و هو محال، فنفي العلم محال فإذن ثبت وجود العلم و كاشفيّته الراجعة إليه.
1. سيأتى البحث في هذا المقام بنحو أبسط في آخر الفصل التاسع من المرحلة الحادية عشرة.
أي حكاية الحاكي عن المحكيّ عنه تتوقّف على العلم بالمحكيّ عنه و المفروض أنّ العلم
بالمحكيّ عنه يحصل بتلك الحكاية، فيلزم الدور.
أقول: للخصم أن يمنع المقدّمة الأولى، إذ الحكاية من آثار وجود الحاكي و لا مدخليّة
فيها للعلم بالمحكيّ عنه و إلاّ يرد مثل هذا الإشكال على القول المشهور؛ لأنّ الصور
الذهنيّة حاكية عن الخارج، فلو كانت حكايتها متوقّفة على العلم بالخارج مع أنّ
العلم بالخارج يحصل بحكاية الصور الذهنيّة و بكاشفيّتها للزم الدور، نعم العلم
بالحكاية يتوقّف على العلم بالمحكيّ عنه لكن هذا لايضرّ؛ لأنّ العلم بالحكاية
يتوقّف على العلم بالمحكيّ عنه و العلم بالمحكيّ عنه يتوقّف على نفس الحكاية لا على
العلم بالحكاية، فلادور، إذ المتوقّف غير المتوقّف عليه، فإذن الحق في الجواب أن
يقال: انّ قولكم بحكاية الأشباح ينتج القول المشهور، إذ الحكاية هي العلم بالمحكيّ
عنه بسبب العلم بالحاكي، ففرض حكاية الأشباح فرض العلم بالماهيّات الخارجيّة كما هي
عليه.
و أيضا فإنّ العلم بأنّ كلّ علم مخطيء يتوقّف على العلم بالخارج كما هو عليه، إذ ما لم يعلم الخارج كما هو عليه لايعلم عدم انطباق ما في الذهن لما في الخارج حتّى يحكم بالخطأ، فإذن يلزم من العلم بأنّ كل علم مخطيء، العلم بأنّ العلم مصيب و هذه هي المناقضة.
هذه مقدّمة يبتني عليها حلّ الإشكالات الواردة على الوجود الذهنيّ و حاصلها: أنّ مجرد حمل مفهوم على شيء لايوجب اندراج ذلك الشيء تحت ذلك المفهوم و إلاّ لزم أن يندرج كلّ مفهوم تحت نفسه لحمل كلّ شيء على نفسه، بل معيار الاندراج صدق المفهوم على الشيء بحيث يترتّب عليه آثار ذلك المفهوم و بناءًا على هذا، الإنسان الذهنيّ مثلاً و إن حمل عليه الجوهر لكن مع ذلك لا يندرج تحت الجوهر، إذ لا يترتّب عليه الآثار الجوهريّة و كذا زيد الذهنىّ لايكون فردا للماهيّة الإنسانيّة و إن حمل عليه الإنسانية، إذ لا يترتّب عليه الآثار الإنسانيّة كالتعقّل.
لأنّ مقتضى جوهريّته الاستغناء عن الموضوع و مقتضى عرضيّته عدم الاستغناء عن الموضوع، فجمع الجوهريّة و العرضيّة في شيء واحد جمع المتنافيين.
و هذا الإشكال أصعب من الأوّل، لأنّ الاستغناء عن الموضوع ليس مأخوذا في ماهيّة الجوهر حتّى لايمكن سلبه عنها بل الاستغناء وصف لوجوده الخارجيّ، فإذا حصل الجوهر في الذهن سلب عنه، فلايلزم من جمع الجوهريّة و العرضيّة الجمع بين المتنافيين، فالإشكال الأوّل قابل للدفع بخلاف هذا الإشكال، فإنّ الجوهريُّة منحفظة على الفرض فلا تجتمع مع الكيفيّة.
أقول: هذا الجواب و إن كان كافيا لدفع إشكال اندراج شيء واحد تحت مقولتين، لكنّه
غير كافٍ لدفع إشكال اجتماع المقولتين في شيء واحد في مقام تقرّره الماهويّ.
بيان الإشكال: إنّ الإنسان المعقول مثلاً جوهر بالحمل الأوّلي بناءًا على انحفاظ
الذاتيّات و هو من الكيفيّات النفسانيّة حقيقة، فتكون الكيفيّة مأخوذة في حدّه
الماهويّ، فيلزم أن يكون الإنسان المعقول جوهرا و كيفا معا في مقام تقرّره الماهويّ
فيكون جوهرا و كيفا معا بالحمل الأوّليّ و هذا أيضا باطل عندهم كما أنّ كون الشيء
جوهرا و كيفا معا بالحمل الشايع باطل عندهم.
و التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ اجتماع الجوهريّة و الكيفيّة في شيء واحد ممكن لا
استحالة فيه بناءًا على ما هو الحقّ من التشكيك في الماهيّة.
توضيح ذلك أنّ المقولات و إن كانت متكثّرة ممتازا بعضها من بعض إلاّ أنّها راجعة
إلى حقيقة واحدة ماهويّة، فهي واحدة في عين أنّها كثيرة و كثيرة في عين أنّها واحدة
كحقيقة الوجود؛ و البرهان على ذلك أنّا ننتزع من جميع ما يطلق عليه المقولة
كالجوهر و الكمّ و الكيف و غيرها مفهوما واحدا و هو مفهوم الماهيّة، فإنّ هذا
المفهوم ينتزع من المقولات و يحمل عليها بالذات فيقال الجوهر ماهيّة، الكمّ ماهيّة،
الكيف ماهيّة ... و من الممتنع انتزاع مفهوم واحد عن الكثير بما هو كثير غير راجع
إلى وحدة مّا فلابدّ في تلك المقولات من أمر مشترك هو المنتزع عنه لهذا المفهوم
الواحد العامّ و ذلك الأمر المشترك إمّا أن يكون جنسا للمقولات المشهورة أو لازما
لما هو جنس لها؛ لأنّ ما بالعرض يجب أن ينتهي إلى ما بالذات دفعا للدور و التسلسل،
فيرجع الجوهرو الكيف و الكم و غيرها إلى مقولة واحدة و تكون المقولات المشهورة
أنواعا لذلك الجنس الواحد لا أجناسا عالية.
ثم إنّه سيأتى في الفصل الخامس من المرحلة الخامسة أنّ الجنس ليس جزءًا للنوع بل هو
عين النوع فبناءًا على ذلك أنّ الجنس المشترك بين الجوهر و الكيف و الكم و غيرها
ليس جزءًا لها بل هو عين كلّ منها، فإذن ثبت أنّ الكيف مثلاً و إن كان مغايرا
للجوهر إلاّ أنّه عين الجوهر لرجوعهما إلى حقيقة واحدة هي عين كلّ منهما فيرجع ما
به الامتياز في المقولات المشهورة إلى ما به الاشتراك فيها و هذا هو التشكيك في
الماهية، فإذن ثبت أنّ المقولات و إن كانت متعدّدة متكثّرة إلاّ أنّها راجعة إلى
حقيقة واحدة.
إذا عرفت هذا نقول: كما أنّ كلّ وجود من الوجودات قد انطوى فيه سائر الوجودات كذلك
كلّ ماهية من الماهيّات قد انطوى فيها سائر الماهيّات و ذلك لأنّ الكثرة في الحقائق
المشكّكة راجعة إلى الوحدة، فكلّ مرتبة من مراتبها قد انطوى فيها سائر المراتب،
فكلّ ماهيّة كلّ الماهيّات كما أنّ كلّ وجود كلّ الوجودات، فإذن لا إشكال في كون
الصور العلميّة الّتي هي من الكيفيّات جوهرا أو كمّا أو غيرها من
المقولات، نعم كلّ مرتبة من مراتب الحقائق المشكّكة و إن انطوى فيها سائر المراتب
إلاّ أنّ الغلبة و الظهور في كلّ مرتبة لتلك المرتبة بحيث يكون سائر المراتب واقعا
تحت شعاع تلك المرتبة المفروضة و مستورا بظهورها الغالب، فالصورة العلميّة الحاكية
عن الجوهر و إن كانت جوهرا حقيقة إلاّ أنّ الغلبة و الظهور لحيثيّة كيفيّتها لا
لحيثيّة جوهريّتها كما أنّ الأمر بالعكس في الخارج، و نظير هذا ما يظهر في القيامة
من صور الوحوش في الإنسان، فإنّ الناس يحشر بصور نيّاتهم فيكون بعض الناس خنزيرا أو
قردة و غيرهما، فإنّ ذلك البعض و إن اجتمع فيه الإنسانيّة و الخنزيريّة مثلاً لكن
الغلبة و الظهور لخنزيريّته لا لإنسانيّته كما أنّ الأمر بالعكس في الدنيا، تدبّر و
اغتنم.
لأنّ الناعتيّة للغير أثر من آثار الشيء و الأثر يترتّب على الشيء، إذا كان الشيء ذلك الشيء بالحمل الشايع لا بالحمل الأوّليّ.
حاصله: أنّ الصور الموجودة في الذهن كلّيّة من جهة قياسها إلى الخارج و هي جهة
كونها وجودا ذهنيّا، و متشخّصة من جهة عدم قياسها إلى الخارج و هي جهة كونها وجودا
خارجيّا.
فإن قلت: الكلّيّة أثر يحمل على الإنسان المعقول مثلاً و الإنسان المعقول إنسان
بالحمل الأوّليّ لا الشايع و قد قلتم أنّ الآثار مترتّبة على الشيء الذي هو هو
بالحمل الشايع، فكيف يجمع بين القولين.
قلت: الكلّيّة ليست أثر الإنسان بالحمل الأوّليّ؛ لأنّ الإنسان بالحمل الأوّليّ
لايحمل عليه إلاّ ذاته و ذاتيّاته، فما لم ينضمّ إليه قياسه إلى الخارج لا كلّيّ و
لا جزئيّ،
فاتّصافه بالكلّيّة يحتاج إلى حيثيّة تقييديّة و هي حيثيّة قياسه إلى الأفراد
الكثيرة، فالكلّيّة أثر الإنسان المعقول إذا انضمّ إليه قياسه إلى الأفراد الكثيرة.
حاصله: أنّ حيثيّة القياس إلى الخارج ليست وصفا مفارقا للوجود الذهنىّ حتّى يمكن تحقّق الوجود الذهنىّ بدون حيثيّة قياسه إلى الخارج بل هذه الحيثيّة مقوّمة للوجود الذهنىّ، فالصورة الموجودة في النفس ما لم تقس إلى الخارج ليست من الموجودات الذهنيّة بل هي وجود خارجيّ و بناءًا على هذا لكلّ موجود ذهنيّ مصداق يحكي عنه و ذلك المصداق إمّا أن يكون محقّق الوجود؛ أي لا يحتاج إلى فرض الفارض كمفهوم الإنسان حيث يحكى عن مصداق محقّق و إمّا أن يكون مقدّر الوجود كمفهوم العدم حيث يحكى عن مصداق مقدّر فرضيّ.
سيّأتي توضيحه في الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشرة.
أي في الفصل الأوّل من المرحلة الحادية عشرة.
إذ لو انطبع المجرّد في محلّ مادّي كالدماغ لتغيّر بتغيّر موضوعه المادّيّ و انقسم بانقسامه، و التغيّر و الانقسام من خواصّ المادّيّات فيكون مادّيا لا مجرّدا و هذا خلاف المفروض.
هي المفاهيم الّتي توجد تارة بوجود خارجىّ، فيترتّب عليها آثارها و توجد تارة بوجود ذهنيّ فلا يترتّب عليها آثارها.
إذ ما لم يسلب ترتّب الأثر عن الوجود العينىّ و الحيثيّات الوجودية كالقوّة و الفعل لم تحلّ الذهن و إن سلب عنها ترتّب الأثر انقلبت عن حقائقها؛ لأنّ ترتّب الأثر عين حقائقها فسلبه سلب لحقائقها.
فإنّ الماهيّات تحلّ الأذهان بأنفسها، فما في الذهن من الماهيّة الإنسانيّة مثلاً عين ما في الخارج منها، فهما متّحدان بحسب حقيقتهما الماهويّة بخلاف الوجود و العدم و مايرجع إليهما فإنّ ما في الذهن منها مغاير بحسب الحقيقة لما في الخارج منها.