توضيحه: أنّ الوجود إمّا رابط و إمّا مستقلّ و الرابط هو الموجود بوجود غيره فهو
شيء بشيئيّة غيره لا بشيئيّة لنفسه و المستقلّ هو الموجود بوجود نفسه فهو شيء
بشيئيّة نفسه لا بشيئيّة غيره، أمّا الوجود المستقلّ فبديهيّ التحقّق و أمّا الوجود
الرابط، فيمكن الاستدلال عليه مضافا إلى ما في المتن بأنّ حاجة العرض إلى موضوعه
عين هويّته الخارجيّة، إذ لو لم يكن كذلك لكان حاجته إلى موضوعه عارضة لهويّته
زائدة عليها، فلم يكن العرض في مرتبة ذاته المتقدّمة على وصفه عرضا و بعبارة أخرى
ما فرضناه عرضا ليس عرضا بالذات بل هو عرض بالعرض و هذا خلف فإذن ثبت أنّ وجود
العرض عين الحاجة إلى موضوعه، فالحاجة قد ملأت تمام هويّته فلا يوجد فيه حيثيّة
مستقلّة أصلاً و إلاّ لكان العرض محتاجا الى
موضوعه في بعض حيثيّاته، فلا يكون عين الحاجة بل الحاجة حيثيّة من حيثيّاته و هذا
خلف.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ شيئيّة العرض بشيئيّة موضوعه، إذ لو لم يكن كذلك لكان منفصل
الذات عن شيئيّة موضوعه، فكان مستقلاًّ في تذوّته و شيئيّته فله استقلال بوجه، لكن
التالي باطل لأنّ الاستقلال بوجه ينافي فقره بتمام هويّته، فالمقدّم مثله فإذن ثبت
أنّ شيئيّة العرض بشيئيّة موضوعه فالعرض موجود بوجود رابط بالنسبة إلى موضوعه، فإذن
ثبت أنّ بعض الموجود وجود رابط و هو المطلوب.
شروع في الإستدلال على الوجود الرابط، توضيحه أن يقال:
أوّلاً إنّ من القضايا الخارجيّة مايكون مفادها ثبوت الشيء و هي الهليّات البسيطة و
منها ما يكون مفادها ثبوت شيء لشيء و هي الهليّات المركّبة.
ثانيا لمّا كان معيار صدق القضيّة الخارجيّة انطباق مفادها على مطابقها الخارجيّ
وجب وجود شيء في الخارج يطابق عليه مفاد القضيّة الخارجيّة الصادقة و إلاّ لم تكن
صادقة.
ثالثا أنّا إذا قلنا مثلاً «زيد قائم» و فرضناها قضيّة صادقة فهناك قضيّة صادقة
مفادها ثبوت القيام لزيد في الخارج، فيجب أن يكون في الخارج مطابَق يطابق مفاد هذه
القضيّة عليه لكن ليس المطابَق وجود زيد في الخارج و لا القيام أيضا؛ لأنّ وجود كلّ
منهما في الخارج مطابَق ثبوت شيء لا ثبوت شيء لشيء، فإنّ ثبوت شيء لشيء مفهوم حرفي
تعلقّى، فيجب أن يكون مطابَقه بالذات حيثيّة تعلقيّة أيضا و ثبوت شيء بما هو كذلك
ليس حيثيّة تعلقيّة، فلو فرض كونه مطابَقا لمفاد ثبوت شيء
لشيء فهو مطابَق بالعرض لا بالذّات فإذن يجب لصدق القضيّة أن يكون في الخارج شيء
آخر وراء الموضوع و المحمول حتّى ينطبق عليه مفاد هذه القضيّة الذي هو ثبوت شيء
لشىء.
ثمّ إنّ هذا المطابَق و إن كان غير الموضوع و المحمول ـ كما تقدّم ـ لكن وجوده عين
وجودهما بوجه آخر(1) و ذلك لأنّه الأمر الذي به يرتبط المحمول بالموضوع فلو كان
منفصل الذات عنهما لاحتاج إلى رابط يربطه بالموضوع و رابط يربطه بالمحمول و إلاّ
كان وجوده أجنبيّا عنهما و الأجنبىّ عن الشيئين لايكون سببا لارتباطهما، فإذن
المفروض ثلاثة صار خمسة ثمّ يحتاج بين كلّ إثنين منهما إلى رابط و هكذا فيتسلسل و
هو باطل، فإذن ثبت في الخارج شيء يطابقه مفاد الهليّة المركّبة و ليس منفصلاً و
منحازا عن الموضوع و المحمول و هو الوجود الرابط.
1. سيأتى بيانه في الحاشية اللاحقة.
أى هذه وحدة في عين الكثرة و كثرة في عين الوحدة، فإنّ الوجود الرابط في عين أنّه
مغاير لوجود الموضوع و المحمول متّحد معهما ـ كما تقدّم بيانه ـ هذا و لكن ليعلم
أنّ الوحدة في الكثرة بين الوجود الرابط و الموضوع قد تكون مغايرة للوحدة في الكثرة
بين الوجود الرابط و المحمول.
توضيح ذلك: إنّ الوحدة في الكثرة قد تتحقّق بأن كان هناك وجود واحد ذو مراتب،
فالوجودات المتكثّرة و إن كانت مختلفة بحسب مراتبها إلاّ أنّها راجعة إلى وجود واحد
و أصل فارد كوجود العلّة و المعلول، فإنّ لهما وجودا واحدا في عين
اختلاف مرتبتهما، و قد تتحقّق بأن كان هناك وجود واحد ذو مرتبة واحدة و هذا الوجود
الواحد في عين وحدته حيثيّات وجوديّة متعدّدة من غير اختلاف في مرتبة تلك الحيثيّات
و هذا مثل وجود الصادر الأوّل فإنّ فيه حيثيّات وجوديّة متعدّدة في عين كونه واحدا
ذا مرتبة واحدة، كحيثيّة فاعليّته للصادر الثاني و حيثيّة معلوليّته للواجب و هذه
الحيثيّات لم تكن مختلفة بحسب المفهوم فحسب، بل إنّها مختلفة متعدّدة بحسب الواقع و
لذا كان لكلّ منها لوازم مختلفة و أحكام متفاوتة، فإنّ في الصادر الأوّل حيثيّة
الفاعليّة و حيثيّة المعلوليّة و هاتان الحيثيّتان متّحدتان في الوجود و في
المرتبة، لأنّ حيثيّته الّتي بها صار فاعلاً نفسها معلولة للواجب، إذ كلّ شيء معلول
للواجب فنفس تلك الحيثيّة الفاعليّة بمرتبتها الخاصّة معلولة للواجب، فهما متّحدتان
في الوجود و في المرتبة، لكن مع ذلك هما مختلفتان في الواقع لإختلاف لوازمهما، فإنّ
الصادر الأوّل بوجوده الواحد و بمرتبته الواحدة مستلزم لوجود فاعل قبله و لوجود
معلول بعده، لكن الذي هو مستلزم لوجود فاعل قبله هو حيثيّة معلوليتّه لاحيثيّة
فاعليتّه و إلاّ لزم أن يكون الواجب مستلزما لوجود فاعل قبله؛ لأنّ معيار الاستلزام
لوجود فاعل قبله ـ و هو حيثيّة الفاعليّة على الفرض ـ موجود في الواجب مع أنّ
الواجب لا فاعل قبله، و كذا الذي هو مستلزم لوجود معلول بعده هو حيثيّة فاعليّته لا
حيثية معلوليّته و إلاّ لزم أن يكون المعلول الأخير في السلسلة مستلزما لوجود معلول
بعده، لأنّ معيار الاستلزام لوجود معلول بعده و هو حيثيّة المعلوليّة على الفرض
موجود فيه مع أنّ المعلول الأخير لا معلول بعده و إلاّ لم يكن معلولاً أخيرا، فإذن
ثبت أنّ حيثيّة الفاعليّة و حيثيّة المعلوليّة مختلفتان في الواقع في عين كونهما
متّحدتين في الوجود و في المرتبة، فهذه نوع آخر من الوحدة في الكثرة
مغاير للوحدة في الكثرة الّتي توجد في الحقائق المشكّكة الّتي لها مراتب مختلفة.
إذا عرفت هذا نقول: إذا قلنا مثلاً: «الثلج أبيض» تحقّق هناك الوحدة في الكثرة بين
الوجود الرابط و وجود المحمول لما تقدّم من أنّهما متغايران في عين كونهما متّحدين
لكن الوحدة في الكثرة هنا من القبيل الثاني لا الأوّل لأنّ ثبوت العرض لموضوعه
(الذي هو حيثيّة وجوده الرابط) عين ثبوته في نفسه من غير اختلاف في المرتبة، إذ لو
اختلفا بحسب المرتبة لكان العرض محتاجا إلى موضوعه في بعض مراتب وجوده، فيكون العرض
عرضا بحسب بعض مراتبه لا بحسب نفسه، فليس العرض عرضا هذا خلف، و كذلك تحقّق هناك
الوحدة في الكثرة بين الوجود الرابط و وجود الموضوع لما تقدّم من أنّهما متغايران
في عين كونهما متّحدين لكن الوحدة في الكثرة هنا من القبيل الأوّل لا الثاني، لأنّ
مرتبة الوجود الرابط عين مرتبة وجود العرض و مرتبة وجود العرض مغاير لمرتبة وجود
موضوعه، فمرتبة الوجود الرابط مغاير لمرتبة وجود الموضوع، هذا إذا كان المحمول عرضا
أمّا إذا كان المحمول جوهرا أمكن تحقّق الوحدة في الكثرة بنوعيه فتدبّر.
لأنّ الأمر الواحد الشخصىّ لايمكن اتّحاده مع أمرين متغايرين و قد تقدّم أنّ الوجود الرابط متّحد مع كل من طرفيه فيجب أن يكون طرفاه متّحدين في الوجود.
أقول: هذا التعليل غير جارٍ في القضايا المشتملة على الحمل الأوّليّ؛ لأنّ الموضوعات و المحمولات في تلك القضايا و إن كانت متّحدة بحسب المفهوم إلاّ أنّ الحمل لابدّ فيه من اختلاف مّا بين الموضوع و المحمول ـ كما سيأتي ـ و الاختلاف بوجه مّا بينهما يصحّح تخلّل الرابط بينهما فليس التعليل جاريا هنا، فالاستثناء الموجود في كلام المصنّف ليس في محلّة؛ إذ ليس لمستثنى منه فرد موجود. نعم الرابط في تلك القضايا وجود ذهنىّ دائما؛ لأنّ طرفي الرابط، المفهوم بما هو لا بما هو حاك عن الخارج؛ و أمّا الهليّات البسيطة فحقّ القول فيها ما قاله المصنّف لأنّ تلك القضايا حاكية عن الخارج و ليس في الخارج إلاّ وجود الشيء و لا خبر هناك عن الماهيّة حقيقة حتّى يتخلّل الرابط بين الوجود الذي هو المحمول و الماهيّة الّتي هي الموضوع؛ نعم لو اعتبرنا للماهيّة ثبوتا في الخارج بعرض الوجود جاز تخلّل الرابط بينهما بعد اعتبار الثبوت للماهيّة في الخارج، لكن الرابط كالماهيّة موجود حينئذٍ بعرض الوجود و لا واقعيّة له بحسب الحقيقة.
و ذلك بأن نفرض في قولنا «زيدمعدوم» مثلاً ثبوتا فرضيّا للمحمول ثمّ نحمله على زيد فيتحقّق الرابط الوجودىّ بين زيد و الثبوت الفرضيّ للمحمول، ثم نعتبر هذا الربط ربطا عدميّا؛ أي نفرض ربط العدميّ بالموجود عدما رابطا؛ و كذا الأمر في القضايا السالبة، فإنّ فيها سلب الربط لكن نفرض و نعتبر سلب الربط عدما رابطا.
توضيحه: أنّ المفاهيم المنتزعة من الوجودات الرابطة ليست مستقلّة في المفهوميّة، و
الماهيّات مستقلّة في المفهوميّة فينتج من الشكل الثاني أنّ المفاهيم المنتزعة من
الوجودات الرابطة ليست من الماهيّات فالوجودات الرابطة لا ماهيّة لها، أمّا الصغرى
فلأنّ المفاهيم بما هي منتزعة من غيرها تابعة للمنتزع منه و المنتزع منه هنا وجود
رابط غير مستقلّ، فالمفهوم المنتزع من الوجود الرابط غير مستقلّ و أمّ
الكبرى فلأنّ الماهيّة مايقال في جواب السوءال بما هو و السوءال بما هو، سوءال عن
نفس حقيقة الشيء مع قطع النظر عن الأمور الزائدة على الحقيقة، فالمفهوم الذي يقع في
الجواب نفس حقيقة الشيء مع قطع النظر عن ما ورائها فيكون مستقلاًّ عن ما ورائها،
فإذن تمّ المطلوب.
أقول: كلّيّة الكبرى ممنوعة فإنّ بعض الماهيّات ما هو غير مستقلّ في المفهوميّة و
ذلك لأنّ بعض الماهيّات كما أنّها محتاجة في قوامها الماهويّ إلى أجناسها و فصولها
كذلك محتاجة في تقرّرها الماهويّ إلى أمور زائدة عليها و ذلك مثل الكيفيّات
المختصّة بالكمّيّات، فإنّ الانحناء مثلاً كما أنّه محتاج في قوامه الماهويّ إلى
أجناس و فصول ذاتيّة كذلك يحتاج في تقرّره الماهويّ إلى مقدار يقع عليه و ليس هذا
الاحتياج احتياجا في وجوده بل هو احتياج في ماهيته و لذا لو جاز أن يتقرّر الماهيّة
في وعاء خالٍ عن كافّة الوجودات لاحتاج الانحناء أيضا في ذلك التقرّر الماهويّ إلى
مقدار مّا في ذلك الوعاء و إذا احتاج الانحناء في تقرّره الماهويّ إلى مقدارمّا ثبت
أنّه غيرمستقلّ في المفهوميّة، إذ لا فرق بين الماهيّة الذهنيّة و الخارجيّة في
كونها ماهيّة؛ و في أحكام كونها ماهيّة لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز و لايجوز واحد؛
فكما أنّ ماهيّة الانحناء لايستقلّ في تقرّره الماهويّ في الخارج عن مقدارمّا كذلك
لايستقلّ في تقرّره الماهويّ في الذهن عن مقدار مّا، فلا يدرك الانحناء إلاّ بعد
إدراك مقدار مّا فهو ماهيّة غير مستقلّة في المفهوميّة و لأجل أنّ هذه المفاهيم و
أمثالها غير مستقلّة في المفهوميّة وجب أخذ موضوعها أو أخذ شيء آخر غير موضوعها في
حدودها و تعاريفها و هذه المفاهيم هي الّتي تسمّى بالذاتيّ في باب الحمل الذي هو
قسم من الذاتيّ في باب البرهان.
قال الشيخ: «إذا كان شيء عارضا لشيء و كان يوءخذ في حدّ العارض إمّ
المعروض له كالأنف في حدّ الفطوسة و العدد في حدّ الزوج و الخطّ في حدّ الاستقامة و
الانحناء، أو موضوع المعروض له كالخارج من المتوازيين لمساو زواياه من جهة
لقائمتين، أو جنس الموضوع المعروض له بالشرط الذي يذكر، فإنّ جميع ذلك يقال له أنّه
عارض ذاتيّ و عارض للشيء من طريق ما هو هو».(1)
و قال أيضا: «كل محمول برهانىّ إمّا مأخوذ في حدّ الموضوع أو الموضوع و ما يقوّمه
مأخوذ في حدّه».
و أمّا ما تقدّم من أنّ المفهوم الذي يقع في جواب «ما هو» نفس حقيقة الشيء مع قطع
النظر عن ما ورائه فهو و إن كان حقّا إلاّ أنّه مشروط بإمكان تعقّل حقيقة الشيء مع
قطع النظر عن ما ورائها، أمّا إذا لم يمكن فلابدّ فيه من تعقّل مايتوقّف عليه إدارك
الحقيقة.
1 و 2. راجع: الفصل الثاني من المقالة الثانية من كتاب برهان الشفاء، ص 126.
هذا تفسير لعدم الاختلاف النوعىّ بين الوجود الرابط و المستقلّ و قوله: «أو لايجوز» تفسير لاختلاف النوعىّ فهو لفّ و نشر مشوّش.
و هو عدم الاختلاف النوعىّ بين الوجود الرابط و المستقلّ، خلافا لصدر المتألّهين حيث: «يقول إنّ الحقّ هو الاختلاف النوعىّ بينهما».(1)
إذ لو لم تكن هويّة المعلول عين الحاجة إلى علّته لكان حاجته إلى العلة عارضة له، فيكون في مرتبة ذاته المتقدّمة على وصفه العارض غير مفتقر إلى علّته و هذا خلف.
1. راجع: الأسفار: 1 / 79.
إذ قد ثبت أنّ المعلول عين الحاجة إلى العلة فالحاجة قد ملأت تمام هويّة المعلول فلايوجد فيه حيثيّة مستقلّة أصلاً و إلاّ كانت الحاجة حيثيّة من حيثيّاته فلا يكون المعلول عين الحاجة و هذا خلف فبناءًا على هذا لو لم يكن المعلول بالنسبة إلى علّته وجودا رابطا لكان منفصل الذات عنها، فيكون مستقلاّ عنها في الشيئيّة، لكن التالى باطل؛ لأنّ الاستقلال بوجه ينافي فقره بتمام هويّته، فالمقدّم مثله، فالمعلول وجود رابط بالنسبة إلى علّته.
فإنّ بعض الموجودات بالنسبة إلى بعضها مستقلّ في الشيئيّة كالجواهر بالنسبة إلى
أعراضها و كالعلل بالنسبة إلى معاليلها؛ أى لاتكون شيئيّة الجواهر و العلل بشيئيّة
أعراضها و معاليلها، لأنّ شيئيّة الأعراض و المعاليل بشيئيّة الجواهر و العلل فلو
كانت شيئيّة الجواهر و العلل بشيئيّة أعراضها و معاليلها لدار فإذن ثبت أنّ وجودات
الجواهر و العلل مثلاً بالنسبة إلى وجودات الأعراض و المعاليل من قبيل الوجودات
المستقلّة لا الرابطة و إن كانت تلك الوجودات بالنسبة إلى عللها من الوجودات
الرابطة.
فإن قلت: تقدّم آنفا أنّ الاستقلال بوجه ينافي فقر المعلول بتمام هويّته، فكيف
تقولون الآن أنّ الجواهر و العلل ـ و هي معاليل لعلل أخرى ـ مستقلّة.
قلت: هذا الاستقلال لاينافي الفقر التام، لأنّ هذا الاستقلال ليس لنفس تلك الجواهر
و العلل حقيقة، بل هو من ظهورات استقلال علل تلك الجواهر و علل العلل
و من شوءون استقلالها، فليست الجواهر و العلل المفروضة مستقلّة في حيثيّة استقلالها
أيضا.
تفسير للمنفيّ لا للنفى.
لأنّ ماسوى الواجب معلول و المعلول وجوده وجود رابط فلا مستقلّ إلاّ وجود الواجب.
إذ تقدّم أنّ كثرة الوجود بكثرة الماهيّات، فلو فرض هناك ماهيّتان لثبت هناك وجودان مع أنّ المفروض أنّ الوجود واحد.
كمقارنة العرض للموضوع و كمقارنة الحالّ للمحلّ.
فيه أنّ الصور النوعيّة لا ماهيّة لها حتّى يكون وجود الصور طاردا لعدم ماهيّتها و المفروض أنّ الوجود في نفسه لغيره هو الذي كان طاردا لعدمين: عدم ماهيّة نفسه و عدم عن شيء آخر، و بالجملة لو عرّف الوجود في نفسه لغيره بما عرّفه المصنّف لم يكن وجود الصور النوعيّة المنطبعة مصداقا لهذا القسم من الوجود. نعم إن عرّفناه بما وجوده في نفسه هو مجرّد ثبوته لغيره؛ أي أنّه عبارة عن نفس حيثيّة طارديّة العدم عن الغير، سواء كان طاردا لعدم ماهيّة نفسه أيضا كما في وجود الأعراض أو لم يكن كما في الصور المنطبعة كان وجود الصور مصداقا لهذا القسم.
و ذلك لأنّ وجود الأعراض لغيرها وجود رابط بين وجود الأعراض في نفسها و وجود موضوعاتها الجوهريّة و تحقّق الوجود الرابط بين طرفين يوجب نحوا من الاتّحاد الوجودىّ بينهما، فينتج من الشكل الأوّل أنّ وجود الأعراض لغيرها يوجب نحوا من الاتّحاد بين وجود الأعراض في نفسها و وجود موضوعاتها الجوهريّة فهما متّحدان؛ أمّا الكبرى فقد بيّنت في الفرع الثاني من الفصل الأوّل، و أمّا الصغرى فلأنّه تقدّم في هذا الفصل من أنّ وجود الأعراض وجود لغيرها و تقدّم في الفصل الأوّل أنّ وجود الشيء لغيره مطابَق لمفاد الهليّة المركّبة و المطابَق لمفاد الهليّة المركّبة وجود رابط، فإذن قد ثبت بعد إثبات الصغرى و الكبرى أنّ وجود العرض متّحد مع وجود موضوعه الجوهرىّ و لمّا كان العرض محتاجا إلى موضوعه الجوهرىّ لا العكس، عبّر عن ذلك الاتّحاد بأنّ العرض من شوءون وجود موضوعه؛ أي جعل وجود الجوهر أصلاً و وجود العرض شأنا من ذلك الأصل.
و ذلك لأنّ وجود الصور لغيرها وجود رابط بين وجودها في نفسها و وجود المادّة و الوجود الرابط يوجب الاتّحاد بين طرفيه، فوجود الصور المنطبعة للمادّة يوجب الاتّحاد بين وجود الصور في نفسها و وجود المادّة فهما متّحدان، لكن لمّا لم يكن الصور محتاجة الى المادّة بل الأمر بالعكس، لم يعبّر عن اتّحادهما بأنّ وجود الصورة من شوءون وجود المادّة و لذا اكتفى المصنّف رحمهالله بتعبير عدم المباينة.
وجود السواد ـ كما أنّه وجود في نفسه ـ وجود لغيره و هو من حيث كونه لغيره وجود ناعت للغير و المفهوم المنتزع منه بلحاظ كونه للغير، مفهوم ملحوظ فيه الغير فالوجود الناعت بما هو ناعت للغير يطرد العدم عن المفهوم الملحوظ فيه الغير لا العدم عن المفهوم المنتزع من الوجود في نفسه الذي لايلحظ فيه الغير.