المرحلة الأولى

في أحكام الوجود الكلّيّة
و فيها خمسة فصول


الفصل الأوّل

في أنّ الوجود مشترك معنويّ

 

قوله: ما قال بعضهم ...

و هو أبوالحسن الأشعريّ و أبوالحسين البصريّ و جمع من أتباعها.

قوله: أنّ مفهوم الوجود مشترك لفظيّ بين الواجب و الممكن ...

و إنّما ذهبوا إلى هذا القول و إلى القول السابق حذرا من لزوم السنخيّة بين العلّة و المعلول مطلقا أو بين الواجب و الممكن، مع أنّ السنخيّة بين العلّة و المعلول من شرايط العلّيّة، لأنّ علّة الوجود وجود؛ نعم المعلول بالقياس إلى علّته المفيضة ليس شيئًا بحيالها بل شيئيّة المعلول بشيئيّة علّته كما سيأتي.

قوله: و ردّ بأنّا إمّا أن نقصد بالوجود ...

حاصله: أنّه إذا قلنا «الواجب موجود» فإمّا أن نفهم من موجوديّته المعنى المفهوم من وجود الممكن و هو الاشتراك و إمّا أن لانفهم منها المعنى المفهوم من وجود الممكن و حينئذٍ إمّا أن لانفهم منها شيئا أصلاً و هذا هو تعطيل العقل عن الفهم و إمّا أن نفهم منها غير المعنى المفهوم من وجود الممكن و مقابله و حينئذٍ لمّا كان المعنى المفهوم من وجود الممكن هو الثبوت و التحقّق و مقابل الثبوت مصداق للعدم (و إلاّ ارتفع النقيضان) كان معنى قولنا: «الواجب موجود» هو «الواجب معدوم» تعالى عن ذلك.

 

الفصل الثانى

في أصالة الوجود و اعتباريّة الماهيّة
قوله: إنّا بعد جسم أصل الشكّ ...

إنّ المصنّف رحمه‏الله قد أشار إلى مقدّمات لابدّ منها قبل الورود في البحث و هي ثلاثة:
الأولى: أنّ السفسطة باطلة و أنّ هناك أمورا واقعيّة إجمالاً، و قد تقدّم البحث عن هذه المقدّمة في مدخل الكتاب و هذه المقدّمة لابدّ منها، لأنّ البحث عن أنّ الأصيل هو الوجود أو الماهيّة فرع تحقّق أصيل في الخارج و أنّ في الخارج أمورا واقعيّة.
و الثانية: أنّ للأشياء الواقعيّة حيثيّتين متغايرتين و هما الوجود و الماهيّة، و هذه المقدّمة أيضا لابدّ منها، إذ لولا الوجود و الماهيّة في الأشياء لما صحّ البحث عن الأصيل منهما و المصنّف قد أثبت هذه المقدّمة بوجهين: أوّلهما أنّا نجد الأشياء مختلفة متمايزة مسلوبا بعضها عن بعض في عين أنّها أمور واقعيّة، فلها ماهيّات محمولة عليها، بها يباين بعضها بعضا و وجود محمول عليها مشترك المعنى بينها، و ماهيّتها غير وجودها، لأنّ المختصّ غير المشترك، و ثانيهما أنّ حيثيّة الماهيّة لو كانت عين حيثيّة الوجود لما صحّ سلب الوجود عن الماهية، لاستحالة سلب الشيء عن نفسه، مع أنّ الماهيّة قد يسلب عنها الوجود، فما نجده في الأشياء من حيثيّة الماهيّة غير ما نجده فيها من حيثيّة الوجود.
الثالثة: أنّ الوجود و الماهيّة كليهما ليسا أصيلين، بل الأصيل في كلّ شيء حيثيّة واحدة منهما و الحيثيّة الأخرى أمر اعتباريّ تنسب اليها الواقعيّة بالعرض والمجاز، إذ لو كانت الحيثيّتان أصيلتين لاستلزم ذلك كون كلّ شيء واحد شيئين إثنين و هو خلاف الضرورة.

قوله: و إذ كان كلّ شيء انّما ينال الواقعيّة ...

هذا شروع في الإستدلال على أصالة الوجود و اعتبارية الماهيّة و توضيحه: أنّ الواقعيّة ليست في حريم ذات الماهيّة، إذ لو كانت في حريم ذاتها لم يمكن اتّصافها بالبطلان و نفي الواقعيّة (لأنّ اتّصاف الشيء بنقيضه محال) مع أنّ الماهيّة قد يسلب عنها الواقعيّة فيقال: الإنسان معدوم ـ مثلاً ـ ، فالواقعيّة خارجة عن حريم ذاتها، لكنّ الماهيّة تنال الواقعيّة إذا حمل عليها الوجود، فلو لم يكن الوجود في مرتبة ذاته أصيلاً ذا واقعيّة للزم أن يكون ضمّ معدوم إلى معدوم آخر مناطا للواقعيّة و هو باطل بالضرورة فالوجود هو الأصيل الواقع بالذات.

قوله: كما قال به المشّاوءون ...

أي إنّ في كلماتهم ما هو ظاهر في أصالة الوجود أو قابل للحمل عليها و إلاّ إنّ هذه المسألة لم تكن معنونة بالاستقلال في كلماتهم بل استحدثت من زمان صدر المتألّهين نعم قد يوجد في ضمن المسائل الأخرى إشارات و ظهورات لها؛ و منها ما قاله بهمنيار في ضمن مسألة بساطة الوجود، فإنّه قال: «الفاعل إذا أفاد وجودا فإنّما يفيد حقيقته و حقيقته موجوديّته، فقد بأن من جميع هذا أنّ وجود الشيء هو أنّه في الأعيان لا ما يكون به في الأعيان».(1) و قال أيضا: «الوجود حقيقته أنّه في الأعيان لا غير و كيف لا يكون الأعيان ما هذه حقيقته».(2) و منها ما قاله الشيخ في ضمن مسألة نفي الماهيّة عن الواجب، فإنّه قال: «فالأوّل لا ماهية له و ذوات الماهيّات تفيض عليها الوجود منه».(3)

قوله: أنّ الوجود موجود لكن بذاته لا بوجود زائد ...

إذ لو كان موجودا بوجود زائد لكان في مرتبة ذاته خاليا عن الواقعية، فلا يكون أصيلاً و هو خلاف المفروض. و بعبارة أخرى أنّ هذا الإشكال وارد على القول بعدم الأصالة للوجود أمّا على القول بأصالته فلا، لأنّ الوجود إذا كان أصيلاً كان معناه أنّه موجود في مرتبة ذاته فلا يحتاج في الموجوديّة و الواقعيّة إلى وجود زائد و إذا لا تكون موجوديّته بوجود زائد لايمكن أن ينقل الكلام إليه، فإذن لايلزم التسلسل.

1. التحصيل، ص 284 و ص 286.
2. التحصيل، ص 284 و ص 286.
3. الهيات، الشفاء، ص 491.

قوله: وجه الاندفاع أنّ الملاك في كون الشيء واجبا ...

توضيحه: أنّا إذا قلنا الواجب موجود بذاته كان المراد من قولنا «بذاته» نفي الواسطة في الثبوت، أي الواجب في اتّصافه بالوجود لايحتاج إلى العلّة، بخلاف الممكن فانّه يحتاج إلى العلّة في اتّصافه بالوجود و إذا قلنا: «الوجود موجود بذاته» كان المراد من قولنا «بذاته» نفي الواسطة في العروض، أي الوجود في اتّصافه بالوجود لايحتاج إلى أمر زائد على ذاته بخلاف الماهيّة، فإنّها تحتاج في اتّصافها بالوجود إلى أمر زائد على ذاتها و هو الوجود و بين الواسطة في العروض و الواسطة في الثبوت بون بعيد فلايلزم من نفي الأولى نفي الثانية فلا يلزم الإشكال.

قوله: كما نسب إلي الإشراقيّين ...

قال الشيخ الإشراقي: «الوجود يقع بمعنى واحد و مفهوم واحد على السواد و الجوهر و الإنسان و الفرس فهو معنى معقول أعمّ من كلّ واحد و كذا مفهوم الماهيّة مطلقا و الشيئيّة و الحقيقة و الذات على الإطلاق، فندّعي أنّ هذه المحمولات عقليّة صرفة».(1)

1. حكمة الإشراق، ص 64.

قوله: انقلاب ضروريّ الاستحالة.

لأنّ الماهيّة قبل تعلّق الوجود بها اعتباريّة، لا واقعيّة لها، فلو كان الوجود اعتباريّا لا واقعيّة له كان حال الماهيّة بعد تعلّق الوجود بها كحالها قبل تعلّق الوجود، إذ ضمّ معدوم إلى معدوم لايصير مناطا للواقعيّة، فلو صارت مع ذلك بعد تعلق الوجود أصيلة لكانت هذه الصيرورة انقلابا و تحوّلاً في الماهيّة من دون وقوع، أي تحوّل فيها و هو محال لإنّه تناقض.

قوله: كما قال به الدوّانى ...

فإنّه قائل بوحدة الوجود و كثرة الموجود، قال: إنّ الوجود واحد شخصيّ لا كثرة فيه أصلاً لا بحسب الأنواع و لا بحسب الأفراد و لا بحسب المراتب و هو وجود الواجب، لكنّ الموجود كثير و له معنيان: أحدهما نفس الوجود كما في الواجب، و ثانيهما المنسوب إلى الوجود كما في الممكنات و للمعنى الثاني نظائر في كلام العرب كالحدّاد و اللابن و التامر بمعنى المنسوب إلى الحديد و اللبن و التمر، فبناءِ على هذا المرام (في مسألة الوحدة و الكثرة في الوجود) كان اللازم عليه أن يلتزم بأصالة الماهيّة في الممكنات، إذ لو قال بأصالة الوجود فيها للزم عليه أن يلتزم بكثرة‏مّا في حقيقة الوجود و هو لايرضيها.

قوله: و أنّ الوجود حيثيّة تقييديّة في كلّ حمل ماهويّ ...

فيه تأمّل، بيانه: أنّ الحيثيّة قد تكون تقييديّة إذا كانت من أجزاء موضوع القضيّة بحيث لو لم يعتبر من الموضوع لصارت القضيّة كاذبة كقولنا: «كلّ حيوان من حيث كونه ناطقا إنسان، فإنّ هذه الحيثيّة من أجزاء الموضوع و القضيّة بدونها كاذبة، و قد تكون تعليليّة إذا كانت مبيّنة لسبب الحكم و لم تكن من أجزاء موضوع القضيّة بحيث لو لم يعتبر من أجزائه و لم يذكر في القضيّة لم يضرّ بصدق القضيّة بل القضيّة خالية عن بيان سبب الحكم فقط كقولنا: «الماء الحارّ من حيث كونه مجاورا للنار مسخّن»، فإنّ هذه الحيثيّة تُبيّن سبب الحكم و لم تكن من أجزاء موضوع القضيّة لأنّ الموضوع هو الماء الحارّ فالقضيّة صادقة و إن لم تذكر الحيثيّة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الوجود ليس حيثيّة تقييديّة فيما يحمل على الماهيّات، إذ لوكان حيثيّة تقييديّة لوجب اعتباره مع الماهيّات عند حمل شيء عليها؛ لأنّ الوجود حينئذٍ من أجزاء موضوع القضيّة، فلا تكون القضيّة صادقة بدونه، فيجب اعتباره معها حذرا من لزوم الكذب في القضيّة، لكن التالي باطل فكذا المقدّم، لأنّ ماهيّة الإنسان مثلاً و إن لم تخلُ عن الوجود في الواقع لكن لاتحتاج في حمل ذاتياتها عليها إلى اعتبار الوجود معها، لأنّ حمل الذاتيّ كالجنس و الفصل على الذات حمل أوّلي ـ كما سيأتي ـ و في الحمل الأوّلي لايعتبر الوجود في الموضوع بل المعتبر فيه نفس ذات الشيء المرفوع عنها جميع المحمولات الخارجة عنها حتّى الوجود.(1)
و أيضا لو كان الوجود حيثيّة تقييديّة في حمل الذاتيّ على الذات لكانت نسبة الذاتيّ إلى الذات بالإمكان لا بالوجوب، لأنّ الذات حينئذٍ تكون علّة ناقصة بالنسبة إلى الحكم الذي هو الذاتيّ فيكون النسبة بينهما بالإمكان و هو باطل محال، لأنّ الذاتي عين الذات كما سيأتي فتكون نسبته إليه بالوجوب لا بالإمكان، فإذن قد ثبت أنّ الوجود ليس حيثيّة تقييديّة فيما يحمل على الماهيّات. و أمّا ما استدلّ به المصنّف بقوله: «أنّ الماهيّة في نفسها باطلة هالكة لا تملك شيئا فثبوت ذاتها و ذاتيّاتها لذاتها بواسطة الوجود» فنقول: مدخلية الوجود في ثبوت الذاتي للذات ليست بأن يكون الوجود جزءًا من موضوع الحكم بل بأن يكون الوجود يثبت به الماهيّة فإذا ثبتت الماهيّة بالوجود فاحكامها ثابتة لنفسها لا للماهيّة مع قيد الوجود، أي لو أمكن أن يتحقّق الماهيّة الإنسانيّة ـ مثلاً ـ مجرّدة عن كافّة الوجودات لحمل على الماهيّة الإنسانية في ذلك الوعاء أجزائها الذاتية كالحيوان و الناطق، فإذن الوجود ليس حيثيّة تقييديّة فيما يحمل على الماهيّات.

1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 2 / 16.

قوله: فالماهيّة و إن كانت إذا اعتبرها العقل ...

هذا دفع لما يتوهّم في المقام، توضيحه: أنّكم قلتم: «أنّ كلّ ما يحمل على الماهيّات فإنّما هو بالوجود» و هذا الحكم منتقض بما قالوا من أنّ الماهيّة من حيث هي هي ليست إلاّ هي لاموجودة و لا معدومة، إذ قد حكم في هذه القضيّة بأنّ الماهيّة ثابتة لذاتها مع أنّ الوجود مسلوب عنها، فثبوت ذات الماهيّة لنفس ذاتها ليس بالوجود.
و توضيح الجواب أنّ المراد من الوجود في قولنا: «كلّ ما يحمل على الماهيّات فإنّما هو بالوجود» هو الوجود العارض الخارج عن متن الماهيّة و أمّا المسلوب عن الماهيّة فإنّما هو الوجود في مرتبة ذات الماهيّة لا الوجود العارض، فلا تهافت بين الكلامين، فإذن ذات الماهية ثابتة لذاتها بالوجود الخارج عنها و إن كان الوجود مسلوبا عن مرتبة ذاتها.

قوله: و كذا لوازم ذاتها الّتي هي لوازم الماهيّة ...

فيه تأمّل يظهر وجهه ممّا تقدّم، فإنّ الوجود لو كان حيثيّة تقييديّة في حمل لوازم الماهيّات على الماهيّات لكانت نسبة اللوازم إلى نفس الماهيّات بالإمكان، لأنّ ذات الماهيّة حينئذٍ تكون علّة ناقصة للحكم الذي هو اللازم المحمول فتكون النسبة بينهما بالإمكان لا بالوجوب، و إذا كانت النسبة بالإمكان جاز انفكاك اللازم عن ملزومه فليس اللازم لازما؛ هذا خلف.
فإن قلت: هذا ما التزم به المصنّف فإنّه قال تبعا للمحقّق الدوّاني: إنّ لازم الماهيّة ليس لازماً لها في الحقيقة بل هو لازم للوجودين الخارجيّ و الذهنيّ.
قلت: لو فرضنا تحقّق ماهيّة الأربعة مجرّدة عن كافة الوجودات لكانت زوجة، لأنّها تنقسم في ذلك الوعاء الى المتساويين، فالزوجيّة لازمة لنفس الأربعة لا للأربعة الموجودة بالوجود الخارجيّ و الذهنيّ.

قوله: أنّ الوجود لايتّصف بشيء من أحكام الماهيّة ...

توضيحه: أنّ حقيقة الوجود لمّا كانت عين حيثيّة ترتّب الآثار امتنع أن تحلّ الذهن لأنّ حقيقة الوجود ما لم يسلب عنها ترتّب الآثار لم تحلّ الذهن و إن سلب عنها ترتّب الآثار ليست حقيقة الوجود، لأنّ حيثيّة ترتّب الآثار عين حقيقة الوجود، فإذا سلب عنها هذه الحيثيّة سلب عنها حقيقتها الّتي بها هي هي، فلم تحلّ الذهن تلك الحقيقة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ للماهيّات باعتبار حلولها في الذهن أحكاما لا يتّصف بشيء منها حقيقة الوجود و ذلك كالجزئيّة و الكلّيّة فإنّ الماهيّة الموجودة في الذهن باعتبار صدقها على فرد واحد تتّصف بالجزئيّة و باعتبار صدقها على أفراد كثيرة تتّصف بالكلّيّة ثمّ الماهيّة المتّصفة بالكلّيّة تتّصف بالنوعيّة و الجنسيّة و الفصليّة و العرضيّة العامّة و الخاصّة باعتبارات مختلفة في الصدق مذكورة في المنطق و حقيقة الوجود لا تتّصف بهذه الأحكام؛ لأنّها لا تحلّ الذهن حتّى تكون باعتبار صدقها على فرد واحد متّصفة بالجزئيّة و باعتبار صدقها على أفراد كثيرة، متّصفة بالكلّيّة و باعتبار صدقها على أفراد متّفقة الحقيقة متّصفة بالنوعيّة و كذا غيرها من الأحكام.

قوله: فإنّ هذه جميعا أحكام طارئة على الماهيّة ...

في كلّيّته تأمّل، لأنّه من الواضح أنّ الجزئيّة و الكلّيّة و النوعيّة و الجنسيّة و الفصليّة و العرضيّة العامّة و الخاصّة طارئة على الماهيّة من جهة صدق الماهيّة على شيءٍ مّا، اَمّا أنّ طريان الجزئيّة و الكلّيّة على الماهيّة من جهة صدق الماهيّة على شيء مّا فلأنّ الصدق معتبر في مفهوم الجزئيّ و الكلّيّ، فإنّ الجزئيّ هو المفهوم الصادق علي فرد واحد و الكلّيّ هو المفهوم الصادق على أفراد كثيرة فما لم تصدق الماهيّة على شيءٍ واحد أو على أشياء كثيرة لاتتّصف بالجزئيّة و الكلّيّة؛ و أمّا أنّ طريان الجنسيّة و النوعيّة و الفصليّة و العرضيّة من جهة صدق الماهيّة على شيء مّا فلأنّ هذه الحالات من أقسام الكلّيّ و الكلّيّ معتبر فيه الصدق على كثيرين فما لم تصدق الماهيّة على الأفراد لاتتّصف بالنوعيّة و غيرها، و لكن طريان الجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها على الماهيّة ليس من جهة صدق الماهيّة على شيءٍ مّا لأنّ الجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها من المقولات من أحكام الماهيّة مطلقا لامن أحكام الماهيّة الموجودة في الذهن، فإنّ الإنسان مثلاً متّصف بالجوهريّة و جوهريّته لا تتوقّف على صدق الإنسان على شيءٍ أو صدق شيءٍ عليه بخلاف الكلّيّة ـ مثلاً فإنّ اتّصاف الإنسان بالكلّيّة يتوقّف على صدقه على أفراد كثيرة كما تقدّم، فإذن الدليل الجاري في الجزئيّة و الكلّيّة و أقسامها لايجري في الجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها من المقولات، فإذن الحريّ إثبات المدّعى فيها بطريق آخر بأن يقال: إنّ الجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها كانت من أقسام الماهيّة و الماهيّة حيثيّة ذاتها حيثيّة عدم الإباء عن العدم، لكن حقيقة الوجود حيثيّة ذاته حيثيّة الإباء عن العدم فلا يتّصف حقيقة الوجود بالجوهريّة و الكمّيّة و الكيفيّة و غيرها من المقولات.

قوله: إنّ الوجود يساوق الشخصيّة ...

أي الوجود و التشخّص متّحدان ذاتا متغايران مفهوما؛ أمّا تغايرهما مفهوما فواضح، لأنّ مايفهم من التشخّص و هو حيثيّة الإباء عن الصدق على كثيرين غير ما يفهم من الوجود، و أمّا اتّحادهما ذاتا فلأنّ التشخّص لولم يكن عين الوجود لكان عارضا له، زائدا عليه، فكان الوجود في مرتبة ذاته غير آبٍ عن الصدق على كثيرين، فإذن جاز اتّصافه بالكلّيّة لكن اتّصاف الوجود بالكلّيّة محال ـ كما تقدّم، فعدم اتّحادهما محال و هو المطلوب.

قوله: و لا ماهيّة نوعيّة للوجود ...

و إلاّ اندرج الوجود تحت تلك الماهيّة و صدقت عليه، و قد تقدّم أنّ هذا محال.

قوله: و الوجود لا موضوع له و لا جنس له و لا له خلاف مع شيءٍ ...

إذ ليس ماوراء الوجود شيء حتّى يكون هو موضوعا للوجود أو يكون للوجود خلاف معه و كذا ليس للوجود ماهيّة حتّى تكون جنسا له.

قوله: إنّ الوجود لايكون جزءِ لشيء ...

سيّأتي في الفصل اللاحق أنّ للوجود حقيقة واحدة ترجع إليها الكثرات، فلا شيء ورائها بحيث لايرجع إليها و إلاّ كانت هناك حقائق متباينة و هو باطل كما سيأتي و هذه الحقيقة الواحدة هي الّتي لاتكون جزءًا لشيءٍ و لا جزءًا لها فلا تغفل.

قوله: و بهذا البيان يثبت أنّ الوجود لا جزء له ...

أي جزء الوجود إن كان نفس الوجود فذلك باطل، إذ لا معنى لكون الشيء جزءًا لنفسه و إن كان غير الوجود كان باطل الذات، فلا يمكن ان يكون جزءًا للوجود، ثم إنّ الظاهر أنّ قوله الأخير «و يتبيّن أيضا الخ» مستدرك.

قوله: و من الدليل على ذلك جواز سلب الوجود عن الماهيّة...

هذه وجوه ثلاثة استدلّ بها على عدم كون الوجود جزءًا أو عينا للماهيّة.
بيان الأوّل أنّ الوجود يصحّ سلبه عن الماهيّة و لو كان عينا او جزءًا لها لم يصحّ ذلك، لإستحالة سلب الشيء أو جزئه الذاتيّ عنه.
و الثاني أنّ حمل الوجود على الماهيّة يحتاج إلى دليل فليس عينا و لا جزءًا لها، لأنّ ذات الشيء و ذاتيّاته بيّنة الثبوت له لاتحتاج فيه إلى الدليل.
و الثالث أنّ ماهيّة الممكن في نفسها ليست فيها ضرورة الوجود و لا ضرورة العدم و إلاّ كانت واجبة بالذات أو ممتنعة بالذات و هذا خلف، فلو كان الوجود عينها أو جزئها لخرجت الماهيّة في نفسها من لاضرورة الوجود و العدم بالذات إلى ضرورة الوجود بالذّات، لأنّها تأبى بذاتها عن العدم الذي هو نقيضه أو نقيض ذاتيّها فيكون واجبة بالذات و هذا خلف.
هذا توضيح الأدلّة الثلاثة لكن في الدليل الثاني نظر، لأنّ ذاتيّات الشيء بيّنة له إذا كانت الماهيّة معقولة بالكنه، فللخصم أن يقول: إن كان المراد أنّا نحتاج إلى دليل بعد معقوليّة الماهيّة بالكنه، فذلك غيرمعلوم؛ و إن كان المراد أنّا نحتاج إليه قبل معقوليّة الماهيّة بالكنه فلا نسلّم أنّ الاحتياج إلى الدليل قبل كشف الذاتيّات و قبل معقوليّتها بالكنه ينتج المطلوب لأنّ ثبوت الذاتيّ للذات قبل الكشف و المعقوليّة بالكنّه قضيّة نظريّة يحتاج إثباتها إلى دليل و مجرد فرض الوجود ذاتيّا للماهيّة لا يكفي في التصديق به لأنّ الفرض يحتمل أن لا يكون مطابقا للواقع فنحتاج لدفع هذا الاحتمال إلى دليل.

قوله: فالماهيّات المختلفة يختلف بها الوجود ...

إن قلت: إذا كانت الماهيّات اعتباريّة فكيف يختلف الوجود بها.
قلت: إنّ الوجودات واسطة في ثبوت الماهيّات بالعرض أمّا اختلاف الماهيّات لاختلاف الوجودات فواسطة في الإثبات.

قوله: هذا معنى قولهم أنّ الماهيّات أنحاء الوجود ...

لمّا كان الظاهر من هذا القول أنّ الماهيّات من سنخ الوجودات و هو باطل، لأنّ حيثيّة الوجود حيثيّة الإباء عن العدم بخلاف الماهيّة، أوّله المصنّف بأنّ المقصود أنّ الماهيّات يختلف بها الوجودات فيمتاز بعضها عن بعض بامتياز الماهيّات.

قوله: فللتصديقات النفس الأمرية الّتي لا مطابق لها...

لا شكّ و لا خلاف في أنّ القضايا الصادقة هي القضايا الّتي ينطبق مفادها على الواقع و نفس الأمر، لكن الحكماء اختلفوا في تفسير الواقع و نفس الأمر و أكثرهم قالوا: إنّ نفس الأمر في كلّ شيء عبارة عن نفس ذلك الشيء مع قطع النظر عن فرض الفارض؛ فإذا كان للشيء شيئيّة و واقعيّة مع قطع النظر عن فرض الفارض فتلك الشيئيّة و الواقعيّة نفس الأمر لذلك الشيء بخلاف ما كان له الشيئيّة و الواقعيّة بفرض الفارض، فإذن ثبوت الزوجيّة للأربعة مثلاً ثبوت نفس الأمريّ، لأنّ لزوجيّة الأربعة شيئيّة و واقعيّة بحسب نفسها أي مع قطع النظر عن فرض الفارض لكن ثبوت الفرديّة للأربعة ليس ثبوتا نفس الأمريّ، إذ لا شيئيّة و لا واقعيّة لفرديّة الأربعة مع قطع النظر عن فرض الفارض بل الأربعة فرد بفرض الفارض فقط، و المصنّف رحمه‏الله لم يرض بهذا التفسير، إذ ليس هذا التفسير جامعا لجميع موارد نفس الأمر و ذلك لأنّ لنا قضايا صادقة قطعا فيجب أن يكون لها نفس الأمر حتّى تطابقه و تكون صادقة؛ لكن مع ذلك لا يوجد لها على التفسير السابق نفس الأمر، مثلاً إنّ للعدم أحكاما صادقة قطعا كقولنا: «العدم يناقض الوجود» و قولنا: «عدم العلّة علّة لعدم المعلول» فيجب أن تكون لها نفس الأمر و مع ذلك لا يوجد نفس الأمر لمثل هذه القضايا بناءًا على التفسير السابق و ذلك لأنّ مفهوم العدم لا مطابَق له حقيقة لا في الخارج و لا في الذهن و إلاّ لم يكن عدما، فإذن لا شيئيّة لنفس العدم مع قطع النظر عن فرض الفارض و إذا لم تكن للعدم شيئيّة، لم تكن لأحكامه شيئيّة لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له، فلا شيئيّة لأحكام العدم أيضا فبناءًا على التفسير السابق لايكون للعدم و لا لأحكامه نفس الأمر، مع أنّ هذه الأحكام لكونها صادقة يجب أن تكون لها نفس الأمر، فالتفسير السابق لايكون جامعا.
ثمّ إنّ الإشكال المذكور لاينحصر في أحكام العدم فحسب، بل هناك مفاهيم أخرى وزانها وزان مفهوم العدم و إشكال عدم الجامعيّة كما يجري في العدم كذلك يجري فيها، فمن تلك المفاهيم المفاهيم الماهويّة، فإنّ المفاهيم الماهويّة تحكي عن حيثيّات باطلة الذات بلحاظ نفسها، لأنّها اعتباريّة فلا شيئيّة لنفس الماهيّات حقيقة و اذ لا شيئيّة لها فلا شيئيّة لأحكامها أيضا، فالقضايا الصادقة الّتي تحكم فيها بأحكام الماهيّات كقولنا: «الإنسان حيوان» و إن وجب أن يكون لها نفس الأمر إلاّ أنّها بناءًا على التفسير السابق ليس لها نفس الأمر، فالتفسير السابق ليس جامعا لنفس الأمر في مثل أحكام الماهيّات أيضا، و من تلك المفاهيم المفاهيم الّتي حيثيّة مصداقها المفروض حيثيّة أنّه في الخارج كالوجود، فإنّ الحقائق الوجوديّة ليست مصاديق حقيقيّة لمفهوم الوجود ـ كما سيّأتي فى الأمر العاشر في آخر الفصل ـ و إذا لم تكن الحقائق الوجوديّة مصاديق لمفهوم الوجود لايبقى لمفهوم الوجود مطابق واقعي، إذ كلّ أمر واقعي فهو من الحقائق الوجوديّة بناءًا على أصالة الوجود و الحقائق الوجوديّة ليست مصاديق لمفهوم الوجود ـ كما تقدّم، فلم يبق مطابق واقعيّ لمفهوم الوجود، و إذا لم تكن لمفهوم الوجود مطابق واقعي تصير الأحكام الواردة عليه فاقدة للشيئيّة و الواقعيّة، فتكون فاقدة لنفس الأمر بحسب التفسير السابق مع أنّ هذه القضايا لكونها صادقة يجب أن تكون لها نفس الأمر.
ثمّ إنّ الأمر في شوءون الوجود كالقوة و الفعل و غيرهما كالأمر في حقيقة الوجود، فإنّ مفاهيمها لا مطابق لها حقيقة، فلا شيئيّة لأحكامها فلا يتحقّق لتلك الأحكام نفس الأمر مع أنّ الواجب أن يكون لها نفس الأمر، و من تلك المفاهيم مفهوم الماهيّة الذي هو عرض عامّ بالنسبة إلى جميع الماهيّات، فإنّ مفهوم الماهيّة ليس من سنخ المفاهيم الماهويّة (كما سيأتي في الفصل الأوّل من المرحلة السادسة) و إذا لم يكن من سنخ الماهيّات بل هو عرض عام بالنسبة إليها لم تكن الماهيّات مصاديق حقيقيّة له، فلا يبقى لهذا المفهوم مصداق حقيقيّ و مطابق واقعي، إذ الوجودات ليست مصاديق لهذا العنوان كما هو ظاهر و الماهيّات أيضا لم تكن مصاديق حقيقيّة له ـ كما تقدّم ، فيبقى هذا العنوان بلا مطابق واقعيّا و إذا كان فاقدا للمصداق الواقعيّ تصير الأحكام الواردة عليه فاقدة للشيئيّة و الواقعيّة فلا يتحقّق له نفس الأمر مع أنّ القضايا الصادقة الجارية في هذا المفهوم تقتضي وجود نفس الأمر فيها فليس التفسير السابق جامعا أيضا. فعلى أساس هذا الإشكال في الموارد المذكورة عدل المصنّف رحمه‏الله عن ذلك التفسير و فسّر الثبوت النفس الأمريّ بالثبوت الذي هو أعمّ من الثبوت الواقعيّ و الثبوت الاعتباري.
بيان ذلك: إنّ الأشياء الموجودة قسمان: أحدهما أن يكون الشيء موجودا بلحاظ نفسها من غير احتياج في الاتّصاف بالموجوديّة إلى اعتبار الوجود له. و ثانيهما أن يكون الشيء موجودا لا بلحاظ نفسه بل بالفرض و الاعتبار كموجوديّة الماهيّات فإنّ الماهيّات لمّا لم تكن متأصّلة في التحقّق كانت محتاجة في اتّصافها بالموجوديّة إلى اعتبار الوجود لها.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الثبوت النفس الأمريّ عبارة عن الثبوت العامّ الشامل لثبوت الأشياء الموجودة بلحاظ نفسها و لثبوت الأشياء الموجودة بلحاظ الفرض و الاعتبار و بهذا التفسير يندفع إشكال عدم الجامعيّة في الموارد الّتي ذكرت سابقا.
أمّا اندفاع الإشكال في الأحكام الواردة على العدم، فلأنّ العدم و إن لم يكن له واقعيّة و شيئيّة بلحاظ نفسه إلاّ أنّ النفس تعتبره شيئا في قبال الوجود و إذا اعتبرته شيئا في قبال الوجود صارت الأحكام الواردة عليه واجدة للشيئيّة واقعا، فإنّ عدم العلّة و عدم المعلول في قولنا: «عدم العلّة عله لعدم المعلول» و إن كانا فاقدين للشيئيّة إلاّ أنّ النفس تعتبر كلاًّ منهما شيئا في قبال شيئيّة وجود العلّة و شيئية وجود المعلول. ثمّ تحكم بأنّ هذا الشيء المفروض علّة لذلك الشيء المفروض و الثبوت النفس الأمريّ الذي لابدّ منه في القضايا الصادقة موجود هنا على تفسير المصنّف رحمه‏الله بخلاف التفسير السابق لأنّ المانع من وجود نفس الأمر في أمثال هذه القضايا بناءًا على التفسير السابق هو قاعدة الفرعيّة، فإنّ عدم العلّة لمّا كان بلحاظ نفسه فاقدا للواقعيّة و الشيئيّة كان الحكم الوارد عليه فاقدا للواقعيّة و الشيئيّة أيضا، بخلاف ما إذا فرض لعدم العلّة شيئيّة، فإنّ قاعدة الفرعيّة لاتمنع من ثبوت العليّة للعدم الذي فرض أنّه شيء، فلعليّة عدم العلّة الذي فرض أنّه شيء واقعيّة و نفس الأمر على التفسير المصنّف رحمه‏الله .
و أمّا اندفاع الإشكال في الأحكام الواردة على الماهيّات، فلأنّ الماهيّة و إن لم تكن لها واقعيّة بلحاظ نفسها إلاّ أنّ لها واقعيّة باعتبار الوجود لها و إذا ثبت لها الواقعيّة بالاعتبار كانت لأحكامها واقعيّة و نفس الأمر بعد ذلك الاعتبار.
و أمّا إندفاع الإشكال في المفاهيم الّتي حيثيّة مصداقها المفروض حيثيّة أنّه في الخارج، فلأنّ هذه المفاهيم و إن كانت فاقدة للمطابق الواقعيّ ـ كما تقدّم ـ إلاّ أنّ النفس تعتبر الوجودات الخارجيّة مطابقا لهذه المفاهيم فالوجودات الخارجيّة و إن لم تكن مصاديق لتلك المفاهيم حقيقة إلاّ أنّ النفس تعتبر تلك الوجودات مصاديق لتلك المفاهيم و إذا اعتبرتها مصاديق لها تحكم عليها بأحكام نفس الأمريّة بمثل البيان السابق.
و أمّا اندفاع الإشكال في مفهوم الماهيّة، فلانّ هذا المفهوم و إن كان فاقدا للمصداق الواقعيّ ـ كما تقدّم إلاّ أنّ النفس تعتبر الماهيات مصداقا لهذا المفهوم فالماهيّات المختلفة كالإنسان و الفرس و الغنم و غيرها و إن لم تكن مصاديق حقيقيّة لهذا المفهوم إلاّ أنّ النفس تعتبرتلك الماهيات مصاديق لذلك المفهوم و اذا اعتبرتها مصاديق له تحقّقت الواقعيّة لهذا المفهوم بتبع الواقعية للماهيّات الّتي تعتبر أنّها ذات واقعيّة بتبع الوجود، ثمّ تحكم عليها بأحكام نفس الأمريّة فتدبّر.

قوله: توسّعا اضطراريّا باعتبار الوجود لها ...

فإنّ العقل حيث يصدّق أحكاما صادقة في الماهيّات كقولنا: «الإنسان حيوان ناطق» اضطرّ إلى اعتبار الثبوت للماهيّات، لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له.

قوله: الماهيّة و القوة و الفعل ...

فإنّ العقل حيث يصدّق أحكاما صادقة في مفهوم الماهية (الذي هو عرض عامّ بالنسبة إلى المقولات) كقولنا: «الماهيّة تغاير الوجود» اضطرّ إلى اعتبار الثبوت لهذا المفهوم بتبع ثبوت مصاديقها الّتي هي الإنسان و الفرس و الغنم و غيرها من الماهيّات فهذا العنوان ثابت بثبوت الماهيّات الّتي هي ثابتة بثبوت الوجود، و أيضا إنّ العقل حيث يصدّق أحكاما صادقة في القوّة و الفعل كقولنا «كلّ ما هو بالقوّة فهو مادّيّ» اضطرّ إلى اعتبار الثبوت لهما بأن يفرض الوجودات الخارجيّة مصاديق لهما، فهما ثابتان بتبع ثبوت الوجودات الخارجيّة.

قوله: غير أنّ الأمور النفس الأمريّة لوازم عقليّة للماهيّات ...

أي كلّما ثبتت الماهيّات ثبت الأمر الواقعيّ لأنّ ثبوت الماهيّة بعرض الوجود، ففرض موجوديّة الماهيّة فرض وجود حقيقيّ يتحقّق الماهيّة من ناحيته.

قوله: و فيه أنّ الكلام منقول إلى ما عنده من‏الصور المعقولة ...

هذا إن كانت الصور المعقولة الموجودة عند العقل علوما حصوليّة، أمّا إن كانت علوما حضوريّة فيرد عليه أنّ تلك الصور تكون حينئذٍ وجودات عينيّة، فكانت هي الّتي تطابقها علومنا سواء عقلها عقل أو لا، فلا ضرورة لوجود العقل حينئذٍ.

قوله: و عرّفوها بصفة الموجودالّتي ليست موجودة و لا معدومة ...

قولهم: «صفة» أرادوا بها المعنى الانتزاعيّ القائم بالغير مثل العالميّة و الكاتبيّة و سائر الإضافات لا القائم بالغير مطلقا، و احترزوا بإضافة الصفة إلى الموجود عن صفات المعدوم فإنّها صفة للثابت لا للموجود و بقولهم: «ليست موجودة» عن الصفات الوجوديّة للموجود كالأعراض و بقولهم «لا معدومة» عن الصفات السلبيّة.

قوله: كالضاحكيّة و الكاتبيّة ...

فإنّ الضاحكيّة ليست موجودة، لأنّها عبارة عن إضافة الضحك إلى ذات الإنسان و الإضافات من الأمور الانتزاعيّة الّتي ليست موجودة، و ليست معدومة لأنّها صفة للموجود و صفتيّتها فرع ثبوتها في الجملة و كذا الأمر في الكاتبيّة.

قوله: لا مجرى لبرهان اللمّ في الفلسفة ...

قد تقدّم البحث عنه في آخر مدخل الكتاب فراجع إن شئت.

قوله: إنّ حقيقة الوجود حيث كانت ...

توضيحه: أنّ حقيقة الوجود ما لم يسلب عنها ترتّب الآثار لم تحلّ الذهن و إن سلب عنها ترتّب الآثار ليست حقيقة الوجود بل غيرها، لأنّ حيثيّة ترتّب الآثار عين حقيقة الوجود، فإذا سلب عنها هذه الحيثيّة انقلبت عن حقيقتها و هو محال، لأنّ المفروض أنّها حقيقة الوجود مع أنّها ليست كذلك و هذا هو التناقض.

قوله: و أمّا الوجود الذهنيّ الّذي سيأتي إثباته ...

هذا جواب لإشكال، توضيحه: أنّ الوجود الذهنيّ مع أنّه وجود، لا يترتّب عليه الآثار و هذا يناقض أنّ الوجود عين حيثيّة ترتب الآثار، والجواب: أنّ الوجود الذهنيّ يترتّب عليه آثار نفسه و أمّا الآثار المسلوبة عنه فهو آثار المحكيّ عنه لا آثار نفسه فلا تناقض بين القولين.

قوله: كالماهيّات الموجودة في الخارج الّتي لها صورة عقليّة ...

فإنّ الماهيّات حيث لم تكن عين الخارجيّة جاز أن تحلّ الأذهان بأنفسها فلها صورة عقليّة هي عين الماهية الخارجيّة لكن حقيقة الوجود حيث كانت عين الخارجيّة لايمكن أن تحلّ الأذهان فلا صورة عقليّة لها حقيقة.

قوله: و بأن أيضا أنّ نسبة مفهوم الوجود ...

إذ فرق بين المقامين من جهة أنّ الأفراد الخارجيّة للماهيّات أفراد حقيقيّة لها لانحفاظ الماهيّة في موطن الذهن و الخارج، فما في الأذهان من الماهيّات عين ما في الخارج منها، بخلاف الوجودات الخارجيّة فإنّها ليست أفرادا حقيقيّة لمفهوم الوجود، إذ لا صورة عقليّة للوجود حتى تنطبق على أفراده الخارجيّة حقيقة، فحمل مفهوم الوجود على الوجودات الخارجيّة حمل العرض العامّ الزائد على حقيقة الأفراد على الأفراد.
 

الفصل الثالث

في أنّ الوجود حقيقة مشكّكة

قوله: إنّ الكثرة من الجهة الاولى ...

أي الماهيّات المتكثّرة تتّصف بالموجوديّة بعرض الوجود كما أنّ الوجود يتّصف بالكثرة بعرض الماهية؛ أمّا الأوّل فلأنّ الوجود أصيل في التحقّق و الماهية اعتباريّة فاتّصاف الماهيّات بالموجوديّة بعرض الوجود؛ و أمّا الثاني فلأنّ اختلاف ماهيّة لماهيّة أخرى لا يحتاج في تحقّقه إلى اعتبار أمر زائد، فإنّ كلّ ماهيّة مع قطع النظر عن كلّ شيءٍ سوى ذاتها إذا قيست إلى ماهيّة أخرى تكون مغايرة لها فالاختلاف بين الماهيّات و هو السبب للكثرة، صفة لها بالذات و لوجود الماهيّات بالعرض.

قوله: و يستنتج من ذلك ...

لمّا كان فهم مسألة التشكيك متوقفا على فهم كون ما به الامتياز عين ما به الاشتراك كان الواجب أن نبحث في هذا المبحث في مقامين: الأوّل في إمكان كون ما به الإمتياز عين ما به الاشتراك، و الثاني في وقوعه في حقيقة الوجود.
أمّا المقام الأوّل فنقول إنّه ممكن لوقوعه في وجود الصادر الأوّل فإنّ الصادر الأوّل يشارك الممكنات في المعلوليّة و يمتاز عن غيره بما يكون به صادرا أوّلاً لكن ما به الإمتياز فيه عين ما به الاشتراك، إذ لو لم يكن كذلك للزم أن يكون الصادر الأوّل مركّبا من جزئين متغايرين و كلّ مركّب معلول لأجزائه، متأخّر عنها، فليس الصادر الأوّل صادرا أوّلاً لتأخّره عن أجزائه و هذا خلف؛ فإذن ثبت أنّ ما به الامتياز في الصادر الأوّل عين ما به الاشتراك فهو يمتاز عن سائر المعاليل بنفس حيثيّة معلوليّته المشتركة بين جميع المعاليل و هو المطلوب.
أمّا المقام الثاني فالبحث فيه يتوقّف علي مقدّمة و هي أنّ الوجود بسيط لا جزء له أمّا بناءًا على كونه حقيقة واحدة فلانحصار الأصالة في الوجود فلا غير حتّى يتركّب الوجود منه؛ و أمّا بناءًا على كونه حقائق فلأنّ أجزاء الحقائق الوجوديّة إمّا أن تكون من الوجودات أو لاتكون كذلك و الثاني باطل، إذ لا واقعيّة لغير الوجود؛ و الأوّل باطل أيضا لأنّ الأجزاء الوجوديّة مشتركة في كونها وجودات فلابدّ في كلّ جزءٍ منها من جزءٍ وجوديّ آخر حتّى يتميّز كلّ منها عن غيره فننقل الكلام في تلك الأجزاء و نقول: إنّ الأجزاء أيضا مشتركة مع غيرها في كونها وجودات فلابدّ في كلّ جزءٍ منها من جزءٍ وجوديّ آخر يتميّز به كلّ منها عن غيره و هكذا يذهب الأمر إلى غير النهاية فيتسلسل و هو باطل فإذن ثبت أنّ الوجودات سواء كانت راجعة إلى حقيقة واحدة او إلى حقائق مختلفة بسيطة لا جزء لها.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ للوجود انقسامات بحسب نفسه كانقسامه إلى ما بالفعل و ما بالقوّة و كانقسامه إلى الوجود المستقلّ و الرابط و غيرهما من الانقسامات فكلّ قسم من الأقسام مشترك في الوجود، لأنّ الوجود مقسم لها و المقسم مشترك بين أقسامه و من جانب آخر لابدّ لكلّ قسم من خصوصيّة يمتاز كلّ منها عن قسيمه لكن هذه الخصوصيّة ليست مغايرة لحيثيّة الوجود المشتركة بين جميع الوجودات و إلاّ كان كلّ وجود مركّبا من جزئين متغايرين و هو باطل ـ كما تقدّم فإذن ثبت أنّ ما به الامتياز في كل وجود من الوجودات عين ما به الاشتراك فيه و هو المطلوب.

قوله: بمعنى أنّها فيه غير خارجة منه ...

قد يقال: «مقوّم الشيء» والمراد به جزء الشيء كالحيوان و الناطق بالنسبة إلى الإنسان و قد يقال و المراد به ما ليس بخارج عن الشيء فكلّ شيء مقوّم لنفسه بهذا المعنى، لأنّ الشيء لايكون خارجا عن نفسه.

قوله: فللوجود كثرة في نفسه ...

إعلم أنّ القائل بالتوحيد إمّا أن يقول بكثرة الوجود و الموجود جميعا و هذا مذهب المشّائين القائلين بأنّ للوجود أفرادا حقيقة و يختصّ واحد منها بالواجب، و إمّا أن يقول بوحدة الوجود و الموجود جميعا و هذا مذهب الصوفيّة، فانّهم يقولون: إنّ لحقيقة الوجود فردا واحدا و هو وجود الواجب الموجود بنفس ذاته و البواقي وهم و خيال كثاني ما يراه الأحول و إمّا أن يقول بوحدة الوجود و كثرة الموجود و هذا هو المنسوب إلى ذوق المتألّهين و ارتضاه جمّ غفير كالمحقق الدوّاني و المحقّق الداماد و صدر المتألهين في برهة من الزمان، قالوا إنّ الوجود واحد حقيقي لا كثرة فيه لا بحسب الأنواع و لا بحسب الأفراد و لا بحسب المراتب و هو الوجود الواجب لكنّ الموجود عندهم متعدّد ذو أفراد و أحد أفراده الواجب الذي هو موجود بمعنى أنّه نفس الوجود و ساير أفراده هي الماهيّات الّتي هي موجودة بمعنى أنّها منسوبة إلى وجوده تعالى نظير الحدّاد و التامر و اللابن بمعنى المنسوب إلى الحديد و التمر و اللبن، و إمّا أن يقول بوحدة الوجود و الموجود جميعا في عين كثرتهما و هذا هو المنسوب إلى الفهلويّين و به قال أتباع الحكمة المتعالية.
قالوا: إنّ الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب متفاوتة بالشّدة و الضعف و نحوهما و هذا التفاوت و الكثرة لاينافي الوحدة، لأنّ ما به الامتياز في كلّ مرتبة متفاوتة عين ما به الاشتراك، بل هذه الكثرة تؤكّد الوحدة لأنّه من السعة و الحيطة فكلّما كانت الفعليّات أكثر كانت الوحدة أوفر و السلب أعوز و أفقد و لذا سمّيت هذه الكثرة كثرة نورانيّة و كثرة الماهيّات كثرة ظلمانيّة فللوجودات الخاصّة الإمكانيّة حقائق لكنّها روابط محضة بالنسبة إلى الحق فلم تكن أشياء بحياله.

قوله: فتكون حقيقة الوجود كثيرة في عين أنّها واحدة ...

إنّا بعد أن سلّمنا أنّ في الوجود أقساما لابدّ أن نلتزم بوجود ما به الامتياز في كلّ من الأقسام و حينئذٍ إمّا أن لايكون في كلّ قسم ما به الاشتراك بل كلّ من الوجودات مباين لغيره بتمام ذاته البسيطة، أو يكون، و الأوّل و هو قول المشائين ـ باطل كما سيّأتي ـ ، و الثاني إمّا أن يكون ما به الاشتراك مغايرا لما به الامتياز أو يكون عينا له، و الأوّل باطل إذ يلزم عنه تركّب الوجودات من جزئين مغايرين و هو باطل ـ كما تقدّم فتعيّن الثاني و هو أن يكون ما به الإشتراك في كلّ قسم عين ما به الإمتياز فباعتبار ما به الإشتراك يكون الوجود حقيقة واحدة و باعتبار ما به الامتياز يكون الوجود كثيرة، فحقيقة الوجود واحدة في عين أنّها كثيرة و كثيرة في عين أنّها واحدة.

قوله: لا بالجزء ...

إذ لا جزءَ للوجود لما تقدّم من أنّ أجزاء الوجودات إمّا أن تكون من الوجودات أو من غيرها، و الثاني باطل إذ لا واقعيّة لغير الوجود و كذا الأوّل إذ يلزم منه التسلسل لأنّ أجزاء الوجودات مشتركة في كونها وجودات فلابدّ لها من مميّزات وجوديّة فننقل الكلام إلى تلك الأجزاء المميّزة و نقول إنّها أيضا مشتركة في كونها وجودات فلابدّ لها من مميّزات وجوديّة أخرى و هلمّ جرّا فيتسلسل.

قوله: الحقّ أنّها حقيقة واحدة ...

أقول: قد برهن على وحدة الوجود أو يمكن أن يبرهن عليها بوجوهُ أخر:
منها أنّ حقيقة الوجود صرف (اذ لا واقعيّة لغير الوجود حتى تتخلّل في حقيقة الوجود و تخرج الحقيقة بذلك عن الصرافة) و صرف الشيء واحد لايتثنّى فينتج من الشكل الأوّل أنّ حقيقة الوجود واحد لايتثنّى.
و منها أنّ الواجب بالذات لا تعدّد فيه لما سيّأتي من أدلّة التوحيد، فلو تعدّدت حقيقة الوجود فهو ناشٍ من الوجودات الممكنة لكن الوجودات الممكنة ليست أشياء منحازة عن وجود الواجب بل هي من شوءون وجوده، لأنّ الوجودات الممكنة وجودات رابطة و الوجود الرابط عين الفقر و محض الحاجة فلا استقلال فيه أصلاً فلو كانت وجوداتها منحازة عن المبدأ الأوّل مستقلّة عنه في شيئيّتها لتخلّل في الفقر المحض جهة استقلال، فيلزم الجمع بين المتنافيين و هو باطل بالضرورة، فإذن ثبت أنّ للوجود حقيقة واحدة و هو وجود الواجب و البواقي شوءونه.
و منها أنّ الوجود لو كان متعدّدا للزم تركّب الواجب، لأنّ وجود الواجب و الممكن مشتركان في الموجوديّة فلابدّ في كلّ منهما ممّا به الامتياز، فيلزم تركّب الواجب ممّا به الامتياز و ما به الاشتراك و هو باطل بالضرورة.
فإن قلت: التركّب ممنوع لجواز كون ما به الإمتياز فيها راجعا إلى ما به الإشتراك.
قلنا: لو سلّم لأنتج المطلوب أيضا لأنّ حقيقة الوجود حينئذٍ واحدة مشكّكة يرجع ما به الامتياز فيها إلى ما به الإشتراك.
و منها أنّه لو كان هناك وجود غير وجود الواجب بالذات لكان ذلك معلولاً للواجب (بأدلّة التوحيد) لكن المعلوليّة في الشيء ممتنعة، إذ المعلول إمّا أن يكون مستقلاًّ في حيثيّة كونه معلولاً أو يكون تابعا في تلك الحيثيّة للواجب و التالي بشقّيه باطل أمّا الأوّل فلأنّ المعلول فقر محض فلا حيثيّة مستقلّة فيه أصلاً و أمّا الثاني فلاستلزام ذلك كون الواجب معلولاً تعالى عن ذلك.
و منها أنّه لو كان هناك وجود غير وجود الواجب بالذات لكان فاعله الواجب بالذات (بأدلة التوحيد) لكن الفاعليّة للواجب بالذات ممتنعة لأنّ الفاعليّة في حاقّ معناها محدودة و لذا لاتساوق الوجود، إذ المعلول الأخير في السلسلة لايصدق عليه الفاعليّة فلو كان ذات الواجب فاعلة للزم أن تكون ذاته تعالى محدودة، إذ حيثيّة الفاعليّة عين ذات الفاعل، و التالي باطل بالضرورة فكذا المقدّم.
أقول: يمكن المناقشة في بعض هذه البراهين بأنّ المدّعى هنا إثبات الوحدة التشكيكيّة و البرهان يثبت الوحدة الشخصيّة فتدبّر.

قوله: و من الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق كثيرة ...

إذ لابدّ في المنتزع منه من خصوصيّة توجب انتزاع المفهوم عن هذا المصداق لا عن غيره، إذ لولا ذلك لأمكن انتزاع كلّ مفهوم عن كلّ مصداق و هو باطل بالضرورة فهذه الخصوصيّة إن كانت في هذا المصداق لاتوجد في ذلك فلا يصدق المفهوم عليه، و إن كانت في ذلك المصداق لاتوجد في هذا فلا يصدق عليه؛ و إن كانت في مجموعهما لاتوجد في شيء منهما فلا يصدق على كلّ واحد منهما؛ و إن كانت في القدر المشترك بينهما لم ينتزع المفهوم الواحد عن الكثير بما هو كثير.

قوله: علي ما يتلقّاه الفهم الساذج ...

عبرّ بهذا التعبير لأنّ حقيقة النور لاتشكيك فيها حقيقة بل بالعرض.
بيان ذلك: أنّ في مراتب النور الحسّي و أمثاله ثلاثة مذاهب:
الأوّل أنّ المراتب في النور و غيره أنواع مختلفة و هو مذهب المشّائين، فإنّهم قالوا: إنّ الاختلاف في المراتب لولم يكن نوعيّا للزم التشكيك في الماهية و هو محال عندهم.
الثاني أنّ المراتب في النور و غيره مراتب مختلفة لحقيقة واحدة و اختلاف المراتب ليس بأمر خارج عن تلك الحقيقة بل بنفس ذاتها و هو مذهب الإشراقيّين.
الثالث أنّ المراتب في النور و غيره مراتب لحقيقة واحدة لكن اختلاف المراتب ليس بتلك الحقيقة بل بالوجود الزائد عليها، فالنور الشديد مثلاً شديد لكن لا في أصل نوريّته بل في وجوده المتعلق به و كذا النور الضعيف ضعيف لكن لا في أصل نوريّته بل في وجوده و هذا مذهب المحققين من الحكماء.
فعلى مذهب المشّائين لا تشكيك في النور أصلاً و على مذهب الإشراقيّين أنّ النور مشكّك بالتشكيك الخاصّيّ و على مذهب المحقّقين أنّ النور مشكّك بالتشكيك العاميّ و بالعرض فتشبيه الوجود بالنور الحسّيّ مبنيّ على الفهم الساذج الذي قد جعل ما بالعرض مكان ما بالذات فتدبّر.

قوله: فالنور حقيقة واحدة بسيطة ...

أي غير مركّبة من حقيقة النور و شيء آخر كالظلمة مثلاً في النور الضعيف.

قوله: ما به الاشتراك فيها عين ما به الاميتاز ...

و ذلك لما تقدّم في أوّل الفصل من أنّ حقيقة الوجود بسيطة لا جزءَ لها فما به الاشتراك في كلّ مرتبة يجب أن يكون عين ما به الاميتاز فيها و الاّ لزم التركّب فيها و هو باطل كما تقدّم.

قوله: و كان من شأن المرتبة الضعيفة أنّها لاتشتمل ...

اشتمال الشديد على كمال و عدم اشتمال الضعيف عليه ليس نظير اشتمال المأة و عدم اشتمال التسعين على الآحاد الزائدة على التسعين، لأنّ للمراتب المختلفة حقيقة واحدة فما يوجد في الوجود الشديد من الكمالات يوجد بعينها في الوجود الضعيف أيضا من دون أن يكون الضعيف فاقدا لشيء من كمالات الشديد الّتي بها هو هو بل الاشتمال المذكور نظير صورة كبيرة و صورة صغيرة لشخص واحد، فانّ النقوش الّتي انتقشت في الصورة الكبيرة و الصغيرة واحدة من غير اختلاف في كونها صورة لزيد مثلاً إلاّ أنّهما مختلفتان من حيث الزيادة و النقصان الراجعتين إلى نوع من التشكيك أيضا و من هنا يعلم أنّ العرفان بمرتبة واحدة من الوجود كما هو حقّه عرفان بجميع الحقائق الوجوديّة.

قوله: أمّا المرتبة الشديدة فذاتها مطلقة غيرمحدودة ...

توضيح ذلك: أنّ المرتبة الضعيفة تنتزع عنها حيثيّتان: حيثيّة أنّها وجود و حيثية أنّها عدم للمرتبة الشديدة، و الحيثيّة الثانية تنتزع عنها عند مقايستها الى المرتبة الّتي فوقها، فإنّ الضعيف ليس في مرتبة الشديد فيصدق عليه عدم المرتبة الشديدة و انتزاع هذه الحيثيّة العدميّة هو المراد من المحدوديّة في قولنا: «الوجود الضعيف محدود بالنسبة إلى الشديد»، و من المعلوم أنّ الوجود الشديد لاينتزع عنه هذه الحيثيّة العدميّة، لأنّ وجود كلّ مرتبة لاينتزع عنه عدم تلك المرتبة و إن انتزع عنه عدم مرتبة أشدّ منها، فإذن الشديد لايوجد فيه الحيثيّة العدميّة الّتي توجد في الضعيف فليس الشديد محدودا بالنسبة إلى ما دونه من المراتب.

قوله: نوع من البساطة و التركيب غيرالبساطة و التركيب ...

فإنّ المراد من التركّب في تلك الموارد عبارة عن انضمام شيء إلى شيء آخر مغاير للأوّل و المراد من التركّب هنا انتزاع حيثيتي الوجود و العدم عن الوجود الضعيف، بمعنى أنّ العقل كما يجد الوجود الضعيف مصداقا لمفهوم الوجود يجده أيضا مصداقا لمفهوم العدم (أي عدم المرتبة الشديدة) و إن لم يكن ذلك الوجود بحسب الخارج إلاّ مصداقا للوجود.

قوله: التركيب من جهة الأجزاء الخارجيّة أو العقليّة أو الوهميّة ...

التركيب الخارجي هو التركيب من المادة و الصورة، و التركيب العقليّ هو التركيب من الجنس و الفصل، و التركيب الوهميّ هو التركيب من أجزاء المقدار الموجودة بالفرض.

قوله: تخصّصا بحقيقته العينيّة البسيطة ...

قال المصنّف في حواشيه على الأسفار(1) ما حاصله: إنّ المراد بالحقيقة هي الحقيقة المأخوذة بشرط لا الّتي هي أعلى مراتب التشكيك و لا حدّ لها إلاّ أنّها لا حدّ لها و هي نفس الحقيقة الصرفة غير أنّها مأخوذة بشرط لا، فإنّها إحدى المراتب و لو كانت مأخوذة لابشرط جامعت سائر المراتب و لم تكن مرتبة مقابلة لسائر المراتب.
أقول: إن كان المراد من التخصّص الامتياز فالحقّ ما قاله المصنّف هناك، لأنّ الامتياز عبارة عن كون الشيء متميّزا عن ما يشاركه في أمر عامّ لكن لا مشارك لحقيقة الوجود المأخوذة لابشرط إذ ليس وراء تلك الحقيقة شيء آخر حتى يشارك تلك الحقيقة، فلا امتياز لتلك الحقيقة فإذن يجب أن يفسّر الحقيقه بما فسّره المصنّف ليتحقّق الامتياز، نعم بناءًا على هذا التفسير لا يبقى فرق جوهريّ بين الطريقين الأوّلين من الطرق الثلاثة؛ لأنّ التخصّص في الطريقين يحصل بمرتبة خاصّة سواء كانت تلك المرتبة أعلى المراتب أو لم تكن كذلك، و أمّا إن كان المراد من التخصّص ما يعمّ الامتياز و التشخص جاز أن يكون المراد بالحقيقة حقيقة الوجود المأخوذة لا بشرط، لأنّ التشخّص صفة نفسيّة فلا يحتاج الشيء في كونه متشخّصا إلى شيء آخر مشارك له، فإذن حقيقة الوجود المأخوذة لابشرط حقيقة متشخّصة بنفس ذاتها العينيّة البسيطة و عبارة المصنّف هنا لا يأبى عن هذا الاحتمال فتدبّر.

1. الأسفار: 1 / 45.

قوله: و تخصّصا بالماهيات ...

فإن قلت: الماهيّة اعتباريّة لا شأن لها إلاّ بالوجود فكيف يكون تخصّص الوجود بتخصّص الماهيّات.
قلت: تقدّم في الفصل الثاني أنّ الحقّ أنّ الوجود ليس حيثيّة تقييديّة فيما يحمل على الماهيّات بل أحكام الماهيّات تحمل عليها من دون واسطة في العروض بحيث لو جاز تقرر الماهيّات مجرّدة عن كافّة الوجودات لحمل عليها أحكامها و اختلاف الماهيات من هذه الأحكام، فالماهيّات مختلفة ممتاز كلّ منها عن الآخر بذاتها و الوجودات ممتازة بعرض اختلاف الماهيّات، نعم الوجود واسطة في عروض الوجود للماهيّات لا في حمل أحكامها عليها.
 

الفصل الرابع

في شطر من أحكام العدم
قوله: نعم ربما يضاف العدم إلى الوجود ...

ليس المراد أنّ الإنسان يعقل مفهوم العدم المطلق أوّلاً ثم يعقل الأعدام الخاصّة بإضافة العدم المطلق إلى ملكة ملكة حتّى يحصل الأعدام الخاصّة المتميّز بعضها عن بعض، لأنّ تعقل العامّ بعد تعقل الخاصّ لاحتياجه إلى حضور أفراد منه ينتزع منها، بل المراد أنّ الإنسان بعد ما يتهيّأ عنده أعدام خاصّة و عدم مطلق و أراد ثانيا تصوّر الأعدام الخاصّة حصّله بإضافة العدم المطلق إلى الملكات.
بيان ذلك: إنّا نجد الكثرة من الموجودات كزيد و عمرو و غيرهما ثم نقيس بعضها إلى بعض، مثلاً إنّا نتصوّر زيدا ثم إذا تصوّرنا عمروا، لم نجد زيدا عند هذا التصوّر فيغلط الذهن فيتوهّم عدم الوجدان وجدان العدم فينتزع عدم زيد من وجود عمرو و عدم عمرو من وجود بكر مثلاً، فيحصل الأعدام الخاصّة بمنزلة الأفراد الكثيرة، ثم ينتزع العدم المطلق منها كانتزاع الكلّيّ من أفراده، ثم إذا أراد ثانيا تصوّر الأعدام الخاصّة حصّله بإضافة العدم المطلق إلى، الملكات فيتميز بذلك عدم من عدم نظير ما نتصوّر أوّلاً من طريق الحسّ مثلاً زيدا و عمروا و بكرا ثم ننتزع منها الإنسانيّة، ثم إذا أردنا تفصيل الإنسانية قلنا: إنسان طويل، إنسان قصير، فنميّز الإنسانيّة بأمور خارجة منها.(1)

قوله: و ذلك نوع من التجوّز ...

و هو المجاز في الإسناد لأنّ إسناد العلّيّة إلى عدم العلّة إسناد إلى غيرما هي له حقيقة لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له، لكن العقل يعتبر لعدم العلّة ثبوتا فرضيّا فيجعله من الموجودات ثم يسند العليّة إليه.

قوله: حقيقته الإشارة إلى ما بين الوجودين من‏التوقّف ...

مثلاً قولنا: «عدم الغيم علّة لعدم المطر» كناية عن قولنا: «الغيم علّة للمطر»؛ لأنّ القول الأوّل من لوازم القول الثاني، فيذكر الأوّل و يراد به الثاني فالأوّل يشير إلى الثاني.

قوله: كالعدم الذاتيّ و العدم الزمانيّ و العدم الازليّ ...

العدم الذاتيّ هو العدم المجامع مع الشيء و العدم الزمانيّ هو العدم غير المجامع مع الشيء و العدم الأزليّ هو العدم غير المسبوق بالوجود.

1. راجع: تعليقة المصنّف على الأسفار: 1 / 349.

قوله: و بذلك يندفع الإشكال في اعتبار عدم العدم ...

توضيح الإشكال: أنّ عدم العدم نوع من العدم، لأنّ عدم العدم مقيّد بسبب الإضافة الموجودة فيه و المقيّد نوع من المطلق و من جانب آخر أنّ عدم العدم مقابل للعدم تقابل التناقض، لأنّ عدم العدم رافع للعدم و رافع الشيء نقيضه، و النوعيّة و التقابل لايجتمعان لأنّ الشيء صادق على نوعه و غير صادق على مقابله، ففرض النوعيّة و التقابل هنا فرض كون الشيء صادقا على شيء و غير صادق عليه و هو محال بالضرورة.
و الجواب أنّ الموضوع في قولنا: «عدم العدم نوع من العدم» هو مفهوم عدم العدم، لأنّ النوعيّة من المعقولات الثانية المنطقيّة فيكون موضوعها من المفاهيم، و الموضوع في قولنا: «عدم العدم مقابل للعدم» هو ما يحكي عنه مفهوم عدم العدم لا نفس المفهوم بما هو هو، فانّ مفهومي العدم و عدم العدم لا تقابل بينهما و لذا جاز اجتماعهما في الذهن، و عند اختلاف الموضوعين في القولين يرتفع التنافي بينهما فلا إشكال في البين.

قوله: نوع من العدم ...

خبر لقوله «فعدم العدم ...».

قوله: و بمثل ذلك يندفع ما أورد على قولهم ...

توضيح الإشكال: أنّ قولنا: «المعدوم المطلق لايخبر عنه» نفسه خبر عن المعدوم المطلق فينحلّ ذلك إلى قضيّتين و هما: «المعدوم المطلق لايخبر عنه» و «المعدوم المطلق يخبر عنه بانّه لا خبر عنه»؛ و من الواضح أنّ القضيّة الثانيّة نقيض للأولى فهذه القضيّة تناقض نفسها.
و الجواب: أنّ الموضوع في القضيّتين مختلف و عند اختلاف الموضوعين لا تناقض بين القضيّتين، لأنّ الموضوع في القضية الأولى هو المعدوم المطلق بما هو بطلان محض، أي ما كان معدوما مطلقا بالحمل الشايع و من المعلوم أنّ الذي لا حظّ له من الوجود لا خبر عنه، لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له بالضرورة، و الموضوع في القضيّة الثانية هو المعدوم المطلق بما أنّه مفهوم من المفاهيم، أي ما كان معدوما مطلقا بالحمل الأوّلي و من المعلوم أنّ المعدوم المطلق بالحمل الأوّلي من المفاهيم الموجودة في الذهن، و الموجود يمكن أن يخبر عنه و بالجملة المعدوم المطلق الذي هو معدوم مطلق بالحمل الشايع لايخبر عنه و المعدوم المطلق الذي هو معدوم مطلق بالحمل الأوّلي يخبر عنه بأن لا خبر عنه فلا تنافي بين القضيّتين.
أقول: في هذا الجواب نظر من وجهين: الأوّل أنّ إشكال التناقض باق على حاله في القضيّة الأولى لأنّكم تقولون فيها: أنّ المعدوم المطلق الذي هو معدوم مطلق بالحمل الشايع لايخبر عنه، و هذا نفسه خبر عن المعدوم المطلق الذي هو معدوم مطلق بالحمل الشايع، فالإشكال باق على حاله.
الثاني أنّا إذا قلنا المعدوم المطلق لايخبر عنه لا ننظر إلى مفهوم المعدوم المطلق نظرا استقلاليّا بل ذلك المفهوم مرآة بها ينظر إلى مصداقه المفروض فلا نتوجّه إلى نفس المفهوم حتّى يمكن أن يقال: إنّ المعدوم المطلق الذي هو معدوم بالحمل الأوّلي يخبر عنه بأن لا خبر عنه، فإنّ الخبر عن المعدوم المطلق بالحمل الأوّلي فرع التوجّه إليه مع أنّه لا نتوجّه إليه أصلاً، فإذن الحق في الجواب أن يقال: إنّ الذي يحكي عنه مفهوم المعدوم المطلق، من حيث كونه موجودا في الواقع يخبر عنه و من حيث كونه معدوما بالفرض و الاعتبار لايخبر عنه فلا تناقض في البين.

توضيح ذلك يتوقف على أمرين:

الأوّل أنّه سيأتي أنّ كلّ مفهوم لابدّ له من مصداق يحكي عنه و إلاّ لم يكن المفهوم مفهوما، فإن وجد للمفهوم ما هو مصداق له واقعا فهو المحكيّ عنه بالمفهوم و إن لم يوجد له ما هو مصداق له واقعا وجب أن يجعل له ما هو مصداق له بالفرض و الاعتبار و مفهوم المعدوم المطلق من القبيل الثاني، إذ كلّ شيء ثبت له المصداقيّة لمفهوم فهو موجود واقعا، لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له، و إذا كان موجودا واقعا لم يكن مصداقا للمعدوم المطلق واقعا، فلا يوجد لمفهوم المعدوم المطلق ما هو مصداق له واقعا، و بعبارة أخرى المعدوميّة المطلقة و المصداقيّة لاتجتمعان لأنّ المصداقيّة مستلزمة للموجوديّة مع أنّ المفروض كونه معدوما مطلقا، فإذن لايوجد لمفهوم المعدوم المطلق مصداق هو معدوم واقعا، فيجب أن يكون مصداقه معدوما بالفرض و الاعتبار موجودا في الواقع بلحاظ ثبوت المصداقيّة له.
الثاني أنّ الجمع بين متقابلين أحدهما واقعيّ و ثانيهما فرضيّ ممكن غير مستحيل، إذ لا تقابل بينهما في الواقع فإنّ الاجتماع بين الثلج الواقعيّ و النار الفرضيّة ممكن، فيجوز كون الشيء ثلجا واقعا و نارا بالفرض و كذا يجوز اجتماع لوازمهما، فانّ الثلج الواقعيّ الذي فرض كونه نارا، بارد بما هو ثلج واقعا و حارّ بما هو نار فرضا.
إذا عرفت هذين نقول: لمّا كان مفهوم المعدوم المطلق حاكيا عن ما هو معدوم بالفرض و موجود في الواقع و كان لازم موجوديّته الواقعيّة الإخبار و لازم معدوميّته الفرضيّة عدم الإخبار عنه كان اجتماع الإخبار و عدم الإخبار جايزا فيه، إذ كما يجوز اجتماع الموجوديّة الواقعيّة و المعدوميّة الفرضيّة في موضوع القضيّة كذلك يجوز فيه اجتماع لازم موجوديّته الواقعيّة و لازم معدوميّته الفرضيّة، لأنّ جواز الملزوم مستلزم لجواز اللازم فلا تناقض في القضيّة أصلاً.

قوله: و الّلاثابت في الذهن ثابت فيه ...

فإنّ المحمول في هذه القضيّة نقيض للموضوع و الموضوع و المحمول في القضيّة الموجبة متّحدان في الذات فيلزم اجتماع النقيضين.

قوله: فالجزئيّ جزئيّ بالحمل الأوّلي ...

إعلم أنّ كلّ قضيّة تنحلّ إلى عقدين: عقد الوضع و هو اتّصاف ذات الموضوع بالوصف العنوانيّ للموضوع و عقد الحمل و هو اتّصاف ذات الموضوع بالوصف العنوانيّ للمحمول، فإنّ قولنا: «كلّ كاتب متحرك الأصابع» ينحلّ إلى «كلّ ما هو متّصف بالكتابة فهو متّصف بتحرك الأصابع» فذات الموضوع يحمل عليها الوصفان، و الحمل إمّا شايع و إمّا أوّلي، فالحمل في عقد الوضع و عقد الحمل إمّا شايع و إمّا أوّلي و شبهة التناقض تندفع في ما تقدّم باختلاف نوع الحمل، لكن اختلاف الحمل في بعض تلك القضايا راجع إلى عقد الحمل كما في الشبهة الأولى، أي الجزئيّ جزئيّ بالحمل الأوّلي و الجزئيّ كلّيّ بالحمل الشايع، و في بعضها راجع إلى عقد الوضع كما في الشبهة الثانية، أي ما هو اجتماع النقيضين بالحمل الأوّليّ ممكن و ما هو اجتماع النقيضين بالحمل الشايع ممتنع، وبعضها راجع إلى عقد الوضع و عقد الحمل كما في الشبهة الثانية، أي ما هو اللاثابت في الذهن بالحمل الأوّلي فهو ثابت في الذهن بالحمل الشايع.
 

الفصل الخامس

في أنّه لا تكرّر في الوجود
قوله: في أنّه لا تكرّر في الوجود ...

هذا التعبير أولى من التعبير بامتناع إعادة المعدوم من وجهين: الأوّل أنّ هذا التعبير أعمّ لشموله بالنسبة إلى إعادة المعدوم و اجتماع المثلين؛ الثاني أنّ التعبير بإعادة المعدوم بظاهره بحث عن المعدوم مع أنّ الفلسفة باحثة عن أحوال الموجود بخلاف التعبير بتكرّر الوجود.

قوله: و الهويّة العينيّة تأبى بذاته الصدق على‏كثيرين ...

أى التشخّص عين الوجود ذاتا، إذ لو لم يكن عين الوجود لكان عارضا له زائدا عليه، فكان الوجود في مرتبة ذاته غير آبٍ عن الصدق على كثيرين، فإذن جاز اتّصافه بالكلّيّة لكن اتّصاف الوجود بالكلّيّة محال لأنّ الكلّيّة من العوارض الّتي تعرض على الشيء من جهة صدقه على شيء و الوجود الذي هو حقيقة عينيّة لايقبل الصدق على شيء كما تقدّم توضيحه في الفرع الأوّل من الفصل الأوّل فإذن التشخّص عين الوجود ذاتا فتدبّر.

قوله: فلو فرض لموجود وجودان كانت هويّته العينيّة الواحدة كثيرة

لأنّ تعدّد الوجود يلازم تعدّد التشخّص لما تقدّم من عينيّة التشخّص و الوجود و بإزاء كلّ تشخّص يوجد شخص فلو فرض لموجود واحد وجودان، كان ذلك الموجود الواحد في عين أنّه واحد، أشخاصا متعدّدة و هو باطل بالضرورة.

قوله: مردود بأنّ العدم بطلان محض ...

حاصل الجواب: أنّ العدم ليس له ذات واقعيّة و تقرّر حقيقىّ حتّى يكون موجبا للإثنينيّة بين الوجودين إذ لو كان له ذات واقعيّة و تقرّر حقيقيّ لكان للعدم أصالة و للزم اجتماع النقيضين؛ لأنّ المفروض أنّ لتلك الذات تقرّرا حقيقيّا مع أنّه بطلان محض، ثمّ لو سلّمنا أنّ له ذاتا واقعيّة للزم أن يكون الوجود الثاني متميّزا عن الوجود الأوّل تميّزا واقعيّا غير وهميّ؛ لانّ الوجود الثاني مسبوق بالعدم المسبوق بالوجود و الوجود الأوّل مسبوق بالعدم غير المسبوق بالوجود و هذا بعد فرض كون العدم ذاتا واقعيّة موجب لبطلان العينيّة بين الوجودين مع أنّ المفروض عينيّتهما هذا خلف.

قوله: و حقيقة كون الشيء مسبوق الوجود بعدم...

هذا مبتدأ و خبره قوله: اختصاص وجوده بظرف من ظروف الواقع.

قوله: لزم تخلّل العدم بين الشيء و نفسه و هو محال ...

يظهر وجه الاستحالة بمقدّمة واضحة و هي أنّ الوسطيّة انّما تتصوّر بين شيئين متغايرين، فإذا لم يكونا لم تكن، فعلى هذا لو كان المعاد عينا للمبتدأ كما هو المفروض لكان العدم وسطا بين الشيء و نفسه و الشيء الواحد بما هو واحد لا وسط له.
و أيضا لو تخلّل العدم بين الشيء و نفسه لزم منه تقدّم الشيء على نفسه بالزمان و هو محال بالضرورة إذ لو كان الشيء موجودا في زمان ثمّ انعدم في زمان ثانٍ ثمّ وجد في زمان ثالث لكان زمان وجوده الأوّل أقدم من زمان عدمه و زمان عدمه أقدم من زمان وجوده الثاني و الأقدم من الأقدم من الشيء أقدم من ذلك الشيء، فيكون زمان وجوده أقدم من زمان وجوده، إذ المفروض أنّ الموجود ثانيا عين الموجود أوّلاً بلا فرق.

قوله: إبتداء ...

أى من غير أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم المسبوق بالوجود بأن يوجد مثلاً في الزمان الذي يوجد الشيء نفسه فيه.

قوله: فلأنّ الشيء المعاد بعينه و ما يماثله من‏جميع الوجوه مثلان ...

فإن قلت المثليّة ممنوعة، لأنّ زمان المعاد يغاير زمان المبتدأ.
قلت هذا صحيح في نفس الأمر لكنّ الخصم لايجعل هذا موجبا للفرق و لذا جعل معاد الشيء عين الشيء مع أنّ زمانهما مختلف.

قوله: إذ لا فرق بين العودة الأولى و الثانية و الثالثة ...

أى لمّا لم يكن فرق بين العودة الأولى و الثانية و هكذا إلى ما لا نهاية له، فلو فرض الإعادة في كلّ واحد منها للزم الترجيح بلا مرجّح و هو محال.
بيان الملازمة: أنّ المعاد إذا كان مبهما بأن لم يتعيّن أنّه هو المعاد الأوّل أو الثاني أو الثالث أو غير ذلك لزم وجود ما لم يتشخّص و هو محال؛ لأنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد، فلابدّ أن يتعيّن عدد العود فيه لكن عدد العود في المعاد ممّال مرجّح له، اذ كلّ ما يتعيّن به عدد العود و يكون سببا لاتّصاف المعاد بالأوّليّة مثلاً يوجد في الثاني و غيره، فلا مرجّح لكون المعاد متّصفا بالأوّليّة مثلاً، فوجوده يستلزم الترجيح بلا مرجّح و هو محال.

قوله: لأمر لازم لوجوده ...

و هو تشخّص الشيء فإنّ وجود الشيء ملازم للتشخّص و التشخّص يأبى عن التكرار لما تقدّم بيانه في أوّل الفصل فبما أنّ التشخّص أمر لازم، لا يمكن زواله عن الشيء فلا يمكن زوال الامتناع و بما أنّه لازم لوجود الشيء لايمتنع تحقّق الشيء إبتداء؛ لأنّ لازم الوجود موءخّر عن الوجود فلا يمنع عن الوجود الذي هو مقدّم عليه.

قوله: و ليس إيجادا بعد الإعدام ...

إن قلت: انعدام البدن و زواله بعد الموت ممّا لا ريب فيه، فتكون إعادته من قبيل الإيجاد بعد الإعدام.
يقال في الجواب:
اولاً أنّ شخصيّة الإنسان بروحه لا ببدنه المتغيّر، فإنّ الإنسان يتبدّل بدنه في طول عمره بمرّات حتّى يقال إنّه في كلّ سبع سنين يتبدّل مجموع أجزاء البدن و مع ذلك أنّ شخصيّة الإنسان محفوظة في طول عمره و بناءًا على هذا إنّ الإنسان الموجود في القيامة مع بدنه المناسب لنشأة القيامة عين الإنسان الذي كان في الدنيا.
و ثانيا أنّ عينيّة البدن الأخروىّ و الدنيوىّ بمعناها الفلسفيّ بحيث لم يكن بينهما أيّ فرق حتّى بحسب الزّمان و المكان و الوضع و غيرها ليست قطعيّة، بل المسلّم الضروريّ أنّ البدن الأخرويّ عين البدن الدنيوىّ عينيّة عرفيّة بحيث إذا رأي الناس زيدا مثلاً في القيامة يقولون إنّه هو الذّي كان يعيش في الدنيا و يدلّ على ما ذكر قوله تعالى «أو ليس الّذي خلق السموات و الأرض بقادر عَلى أن يخلق مثلهم...»(1) فإنّ مثل الشيء لايكون عينه عينيّة فلسفيّة و إن كان عينه عرفا و كذا قوله تعالى(2) «كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها» صريح في عدم العينيّة بمعناها الفلسفيّ و في ذيل هذه الاية حديث مروىّ في مجالس الشيخ بإسناده عن حفص بن غياث القاضي قال كنت عند سيد الجعافرة جعفر بن محمّد عليهم‏السلام لمّا قدّمه المنصور، فأتاه ابن أبى العوجاء و كان ملحدا، فقال ما تقول في هذه الاية «كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب»؟ هب هذه الجلود عصت فعذّبت فما بال الغير؟ قال أبو عبداللّه‏ عليه‏السلام ويحك هي هي و هي غيرها، قال: إعقلنى هذا القول فقال له أرأيت لو أنّ رجلاً عمد إلى لبنة فكسرها ثم صبّ عليها الماء و جبلها ثم ردّها إلى هيئتها الأولى أ لم تكن هي هي و هي غيرها؟ فقال: بلى أمتع اللّه‏ بك»؛ فإنّ هذا الحديث الشريف صريح في التغاير بين البدنين بوجه و اتّحادهما بوجه و التغاير بوجه ينافي العينيّة الفلسفية و اللّه‏ أعلم بالصواب.

1. سورة يس، الآيه 81 ـ 22.
2. راجع: تفسير الميزان في ذيل الآية.