وعاية الحكمة
في
شرح نهاية الحكمة

حسين عشّاقي الإصفهاني
المركز العالمي للدّراسات الإسلامية
مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسية

كلمة المكتب

الحمد للّه و الصّلاة و السّلام على أنبياء اللّه، لا سيّما رسوله الخاتم و آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.
أمّا بعد، لا شكّ انّ إصلاح المناهج الدراسية المتداولة في الحوزات العلمية و المعاهد الدراسية في العصر الحاضر ـ الذي عُرف بعصر ثورة المعلومات ـ بات حاجة ملحّة يقتضيها تطوّر العلوم وتكاملها عبر الزمان، وظهور مناهج تعليمية وتربوية حديثة تتوافق مع الطموحات و الحاجات الإنسانية المتجدّدة.
و هذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز، فوضعوا نصب أعينهم إصلاح النظام التعليمي في قائمة الأولويات بعد أن باتت فاعليته رهن إجراء تغييرات جذرية على هيكليّة هذا النظام.
و يبدو من خلال هذه الروءية إنّ إصلاح النظام الحوزوي ليس أمرا بعيد المنال، إلاّ أنّه من دون إحداث تغيير في المناهج الحوزوية ستبوء كافّة الدعوات الإصلاحية
بالفشل الذريع، و ستموت في مهدها.
و المركز العالمي للدراسات الإسلامية ـ الذي يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاّب الوافدين من مختلف بقاع الأرض للاغتراف من نمير علوم أهل البيت عليهم‏السلام شرع في الخطوات اللاّزمة لإجراء تغييرات جذرية على المناهج الدراسيّة المتّبعة وفق الأساليب العلميّة الحديثة بهدف عرض الموادّ التعليميّة بنحو أفضل، الأمر الذي لا تلبّيه الكتب الحوزويّة السائدة؛ ذلك انّها لم توءلّف لهدف التدريس، وإنّما أُلّفت لتعبّـر عن أفكار موءلّفيها حيال موضوعات مرّ عليها حُقبة طويلة من الزمن و أصبحت جزءاً من الماضي.
و فضلاً عن ذلك فانّها تفتقد مزايا الكتب الدراسيّة التي يراعى فيها مستوى الطالب و موءهّلاته الفكريّة والعلميّة، و تسلسل الأفكار المودعة فيها وأداوءها، واستعراض الآراء و النظريات الحديثة التي تعبّر عن المدى الذي وصلت إليه من عمق، بلغة عصرية يتوخّى فيها السهولة و التيسير و تذليل صعب المسائل مع احتفاظها بدقّة العبارات و عمق الأفكار بعيداً عن التعقيد الذي يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوى.
و انطلاقاً من توجيهات كبار العلماء و المصلحين و على رأسهم سماحة الإمام الراحل قدس‏سره ، و تلبية لنداء قائد الثورة الإسلامية آية اللّه الخامنئي ـ مدّظـله‏الوارف ـ قام هذا المركز بتخويل «مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسيّة» مهمّة تجديد الكتب الدراسيّة السائدة في الحوزات العلميّة على أن يضع له خطة عمل لإعداد كتب دراسيّة تتوفّر فيها المزايا السالفة الذكر.
و قد بدت أمام المكتب المذكور ـ و لأوّل وهلة ـ عدّة خيارات:
1. اختصار الكتب الدراسيّة المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التي لها مساس بالواقع العملي.
2. إيجازها و شحنها بآراء و نظريات حديثة.
3. تحديثها من رأس بلغة عصرية وإيداعها أفكار جديدة، إلاّ أنّ العقبة الكأداء التي ظلّت تواجه هذا الخيار هي وقوع القطيعة التامّة بين الماضي والحاضر، بحيث تبدو الأفكار المطروحة في الكتب الحديثة و كأنّها تعيش في غربة عن التراث، و للحيلولة دون ذلك، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة في قالب واحد تمثّل في المحافظة على الكتب الدراسيّة القديمة كمتون و شرحها بأُسلوب عصري يجمع بين القديم الغابر و الجديد المحدّث.
و بناء على ذلك راح المكتب يشمّر عن ساعد الجدّ و يستعين بمجموعة من الأساتذة المتخصّصين لوضع كتب و كراسات في المواد الدراسيّة المختلفة، من فقه و أُصول و تفسير و كلام و فلسفة و رجال و حديث و أدب و غيرها.
و قد ارتأى المكتب ـ في مادّة الفلسفة ـ طبع كتاب «وعاية الحكمة في شرح نهاية الحكمة» تأليف سماحة الحجّة الشيخ حسين عشّاقى ـ زيدعزّه ـ بعد اضافة ما اتحفنا به المؤلّف الكريم من نظرات جديدة و بعد التصحيح و التقييم و التنقيح المطبعي.
و في الختام لا يفوتنا إلاّ أن نتقدّم بالشكر الجزيل و الثناء الوافر لأُستاذنا الموءلِّف على ما بذله من جهود في هذا الصعيد، و نبتهل إلى‏اللّه‏ سبحانه أن يديم عطاءه العلمي.
 

المركز العالمي للدراسات الإسلامية
مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسية

مقدّمة المؤلّف

ما زالت البراعم قد تفتّحت والفواكه قد نضجت منذ غرست الحكمة المتعالية في حديقة الفلسفة الإسلامية و من أجمل أزهارها و أطيب ثمراتها كتاب «نهاية الحكمة» الذي ألّفها الحكيم الربّاني و العارف الصمداني العلاّمة محمّدحسين الطباطبائي رحمه‏الله ؛ فإنّ فيها جواهر دفينة و حقائق ثمينة تميّزها عن سائر الكتب المعمولة نشير إلى بعضها إجمالاً:
1. إنّ المؤلّف قد ألّف النهاية في أواخر عمره لأنّ تاريخ إتمامها على ما كتبه في آخر الكتاب هي سنة «1395 ق» و هذا قبل وفاته رحمه‏اللّه‏ بسبع سنوات، فالكتاب قد ألّف في زمن كمال المؤلّف، فإنّ المحقّق ما زال ينمو في حياته العلمية فالذي يحصّله في زمن كماله فهو أكمل نظرياته العلمية، و هذه المزّية ربّما لا توجد في سائر الكتب.
2. إنّ العبارات المستعملة فيها سليسة بليغة بحيث لا توجد فيها العُقد اللفظيّة الموجودة في أكثر الكتب الرائجة في الحوزة.
3. إنّ الدأب الرائج فيها إثبات المسائل على الأسلوب البرهانيّ و الاجتناب عن
الأساليب الشعريّة و الخطابيّة و غيرها من القياسات غير الموقنة.
4. إنّ المؤلّف قد اجتنب عن كثير من المناقشات الّتي أوردها المتكلّمون على الفلسفة و اعتنى بأبحاث و آراء أظهرها الغربيون قبال المتقدّمين و ذلك لأفول تلك المناقشات و بروز هذه الآراء.
5. إنّ النتائج المترتّبة على كلّ مسألة قد ذكرت بعد إثبات المسألة.
6 . انّ المسائل المبحوث عنها في النهاية مسائل فلسفيّة فقط بحيث لم يبحث فيها عن سائر المسائل إلاّ استطرادا.
فهذه بعض الوجوه الّتي قد امتازت بها «النهاية» عن سائر الكتب و حيث إنّ هذا الكتاب قد صار متنا دراسيّا في الحوزة و غيرها و رأيت أنّ نجومها الباهرة غير ظاهرة لمراصديها كتبت عليها شرحا موضحا لحقائقها و سمّيته «وعاية الحكمة في شرح نهاية الحكمة» اقتباسا من القرآن الكريم و كلام اميرالمؤمنين عليه‏السلام ، قال الحكيم في محكم كتابه «و تعيها(1) أذن واعية(2)» و قال أميرالمؤمنين عليه‏السلام في وصف آل‏محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله «هم عيش العلم و موت الجهل ... عقلوا الدين عقل وعاية و رعاية، لا عقل سماع و رواية فانّ رواة العلم كثير و رعاته قليل».(3)

حسين عُشّاقي الإصفهاني
25/02/1372 ه.ش

1. قال في المصباح المنير: «وعيت الحديث وعيا من باب وعد، حفظته و تدبرته...» و قال ايضا: «استوعيته لغة في الاستيعاب و هو أخذ الشيء كله».
2. سورة الحاقة: 12.
3. نهج‏البلاغة، خطبة 239.

 

بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم

الحمدللّه‏ ربّ العالمين و الصّلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه‏ على أعدائهم اجمعين.
 

قوله: إنّا معاشر الناس أشياء موجودة جدّاً.

هذا بيان لوجه الحاجة إلى‏الفلسفة و حاصله: أنّا نعلم بأنّ في العالم أمورا واقعيّة كالإنسان و المياه و الكواكب لكن كثيراً مّا نخطأ في إدراكاتنا فنحسب ما ليس بموجود موجوداً و بالعكس، فلامحالة نحتاج إلى بحث يقينيّ يفيدنا تمييز الموجود ممّا ليس بموجود و هو الفلسفة.
 

قوله: و لا أن ننكر الواقعية مطلقا ...

قال المصنّف في تعليقته على الأسفار:
«حتّى إنّ فرض بطلانها و رفعها مستلزم لثبوتها و وضعها، فلو فرضنا بطلان كلّ واقعية في وقت أو مطلقا كانت حينئذٍ كل واقعية باطلة واقعا، أي الواقعيّة ثابتة و كذ السوفسطيّ لورأى الأشياء موهومة أو شكّ في واقعيّتها فعنده الأشياء موهومة واقعاً و الواقعيّة مشكوكة واقعا، أي هي ثابتة من حيث هي مرفوعة».(1)
 

قوله: فإنّما هو في اللفظ فحسب ...

و الشاهد على ذلك إنّ الإنسان إذا شكّ في الواقعيّة مطلقا ينسب ذلك الشكّ إلى نفسه فيقول «أنأ شاكّ فى كلّ شى‏ء»؛ و هذا الكلام يدلّ على أنّ الإنسان و إن كان يظهر الشكّ في كلّ شيء إلاّ أنّه في نفس ذلك الوقت معتقد بوجود نفسه و شكّه؛ اذ لو لم يكن كذلك لم يجز نسبة ذلك الشكّ الى نفسه، لإنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له، فعلى الأقل الإنسان نفسه و شكّه معلوما الوجود عنده.
 

قوله: فنحسب ما ليس بموجود موجودا أو بالعكس ...

فإنّا نحسب أنّ الإنسان و الشجر و الحجر و غيرها من الماهيات موجودات واقعيّة مع أنّ هذه الأمور غير موجودة حقيقة؛ لإنّ الماهيات أمور اعتباريّة فلا وجود لها إلاّ بالعرض و كذا نحسب أنّ وجود الإنسان و الشجر و الحجر و غيرها من الوجودات غير موجود واقعاً مع أنّ وجودات هذه الأمور موجودات حقيقيّة؛ لأنّ الوجود هو الأصيل.
قوله: فإنّ القياس البرهاني هو المنتج للنتيجة اليقينية ...
لانّه القياس الوحيد الذي يتشكّل من اليقينيّات، فينتج نتيجة يقينيّة و أمّا سائر الأقيسة من المغالطة و الجدل و الخطابة و الشعر فلا يكون جميع مقدّماتها من اليقينيّات فلا تنتج نتيجة يقينيّة.

1. تعليقة المصنّف على الأسفار: 6 / 14.

 

قوله: كما أنّ اليقين هو الاعتقاد الكاشف عن وجه الواقع ...

إنّ لليقين معنيين: أحدهما اليقين بالمعنى الأعمّ و هو مطلق الاعتقاد الجازم، و ثانيهما اليقين بالمعنى الأخصّ و هو الاعتقاد المطابق للواقع الذي لايحتمل النقيض فيه لاعن تقليد و المقصود هنا هو المعنى الأخير فلا يشمل الجهل المركب و لا الظنّ و لا التقليد و إن كان معه جزم.
 

قوله: على أنّ البرهان لايجري في الجزئي بما هو متغيّر زائل ...

لمّا كان المطلوب في البرهان اليقين كان من الواجب ان تكون مقدّماته كليّة، بمعنى أنّ القضيّة البرهانيّة يجب أن تكون صادقة في جميع الأفراد المذكورة في القضيّة و في جميع أحوال تلك الأفراد، إذ لولم تكن كذلك لكانت كاذبة في بعض الأحوال أو في بعض الأفراد، فلم يبق لنا اليقين بتلك القضيّة فلا يكون القياس المركّب منها برهانا.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ الجزئي لمّا كان متغيّرا في ذاته و أحواله لم تكن الأحكام الجارية فيه كليّة، بل الأحكام الجارية فيه صادقة في بعض الأحوال، فلم يبق لنا اليقين بتلك الأحكام فلا يجرى فيه البرهان، مثلاً إذا قلنا زيد متحرّك بالإرادة و كل متحرّك بالإرادة حسّاس، لاينتج هذا القياس نتيجة يقينية لأنّ الصغرى ليست يقينية لأنّ الزيد فى بعض أحواله ميّت و الميّت لا يتحرّك بالإرادة، فالصغرى صادقة في بعض الأحوال كاذبة في بعض آخر و إذا لم تكن الصغرى يقينيّة لم تكن النتيجة يقينيّة فلا يكون القياس برهانا.
 

قوله: في أحكام تساوي الموجود من حيث هو موجود ...

إذ لو لا التساوي لكان ذلك الحال أعمّ مطلقا أو أخصّ مطلقا أو أعمّ و أخصّ من وجه أو مباينا؛ و الأوّل محال، إذ لا أعمّ من الموجود المطلق و إلاّ اجتمع النقيضان فيما يصدق عليه الأعمّ و لايصدق عليه الموجود المطلق، و الثاني باطل، لأنّ فرض كون الأخصّ من أحوال الأعمّ موجب لأن لايحصل اليقين بذلك الحال، لأنّ ذلك الحال صادق على بعض أفراد القضيّة فلا تكون القضيّة كليّة فلا تكون يقينيّة (كما تقدّم بيانه آنفا) مع أنّ اللازم في البرهان اليقين، و الثالث باطل ايضاً لجريان الإشكال الأوّل و الثاني فيه، لأنّ ذلك الحال أعمّ من وجه و أخصّ من وجه، و الرابع باطل أيضا، لأنّ أحوال الموجود المطلق تحمّل عليه و المبائن لا يحمل على الشيء، فثبت أنّ أحوال الموجود المطلق يجب أن تكون مساوية له.
 

قوله: كالخارجيّة المطلقة ...

و هي حيثية ترتّب الآثار، فإنّ كلّ موجود سواء كان خارجيا او ذهنياً يترتّب عليه أثر مّا و لو كان ذلك الأثر طرداً لعدم، فانّ الوجود الذهني و إن لا يترتّب عليه آثار المحكي عنه إلاّ أنّه يترتّب عليه أثر مّا بهذا المعنى، فهو خارجي بهذا المعنى، فالخارجيّة تساوي الموجود المطلق و كذا الوحدة العامة فإنّها عبارة عن حيثيّة عدم الانقسام، فإنّ الموجود سواء كان كثيرا أو واحداً لاينقسم من حيث أنّه موجود و إن كان الكثير منقسماً بلحاظ حيثيّة أخرى، فالموجود الكثير واحد من حيث الموجودية فهو واحد من هذه الحيثيّة، فالوحدة العامة الشاملة للواحد و الكثير تساوي الموجود المطلق و كذا الفعلية الكليّة فإنّها عبارة عن حيثيّة ترتّب الأثر على الشيء من دون تأخير زماني، فإنّ كل موجود سواء كان بالفعل أو بالقوّة يترتّب عليه أثر مّا من دون تأخير و لو كان ذلك الأثر طردا لعدم، فالموجود الذي بالقوّة يترتّب عليه أثر مّا بهذا المعنى و ان كان بعض آثاره الآخر يترتب عليه مع تأخير زماني، فهو موجود بالفعل بهذا اللحاظ، فالفعلية الكلية الشاملة للموجود بالفعل و بالقوة تساوي الموجود المطلق.
 

قوله: لأنّ موضوعها أعم الموضوعات ...

فإنّ العلوم تتناسب و تتخالف بحسب موضوعاتها، فإذا كان موضوع علم أعمّ من موضوع علم آخر، سمّي الأعمّ موضوعا بالعلم الأعمّ كالمقدار و الجسم التعليمي، فإنّ الأوّل موضوع الهندسة، و الثاني موضوع المجسّمات، فيسمّى الهندسة بالعلم الأعمّ و المجسّمات بالعلم الأخصّ وحيث إنّ موضوع الفلسفة أعمّ الموضوعات فالفلسفة أعمّ العلوم.
 

قوله: لكنها ليست غيره ...

أي كانت المحمولات المثبتة فيها من سنخ الوجود، إذ قد تقدّم أنّ من المستحيل أن يتّصف الموجود بأحوال غير موجودة، فحال الوجود المحمول عليه يجب أن يكون من سنخ الوجود و من شوءونه كالعلّية و المعلولية.
 

قوله: إنّ المسائل فيها مسوقة على طريق عكس الحمل ...

كلّ قضية مردّدة المحمول ينحلّ الى موجبتين جزئيتين، فإنّ قضية «الموجود إمّا واجب أو ممكن» تنحلّ إلى «بعض الموجود واجب» و «بعض الموجود ممكن»؛ ثم لمّا كان قولنا: «بعض الموجود واجب» عكسا مستويا لقولنا: «الواجب موجود» و كذا قولنا: «بعض الموجود ممكن» عكسا مستويا لقولنا: «الممكن موجود» كان إثبات قولنا: «الواجب موجود» في قوّة إثبات قولنا: «بعض الموجود واجب»؛ و كذا إثبات قولنا: «الممكن موجود» في قوّة إثبات قولنا: «بعض الموجود ممكن»، لأنّ إثبات الأصل إثبات للعكس كما بيّن في المنطق، فلذا يستدلّ في الفلسفة على قضية «الواجب موجود» و على قضية «الممكن موجود» بدلاً عن قولنا: «بعض الموجود واجب» و قولنا: «بعض الموجود ممكن».
 

قوله: لم يتصوّر هناك غاية خارجة منه ...

أعلم أنّ أسامي العلوم قد تطلق و يراد بها مسائلها و قد تطلق و يراد بها العلم بتلك المسائل، فإن كان المراد من الفلسفة مسائلها فواضح أن لايكون لها غاية، اذ ليس وراء موضوعها و محمولاتها المثبتة لموضوعها شيء من الأشياء حتّى يكون غاية مترتّبة على الفلسفة، فلا يقصد العلم بالفلسفة لأجل غاية مترتّبة على نفس الفلسفة، نعم هناك فوائد تترتّب على العلم بالفلسفة لكن لايكون تلك الفوائد غاية لنفس الفلسفة، لأنّ الفلسفة ليست هي العلم بالمسائل بل هي نفس المسائل، و إن كان المراد من الفلسفة العلم بمسائلها فواضح أن يكون لها غاية، إذ يمكن فرض غاية مترتبة على العلم بمسائلها، و الظاهر انّ المصنّف هنا أراد المعنى الأوّل و في بداية الحكمة أراد المعنى الثاني حيث صرّح هناك بوجود الغاية للفلسفة فلا تهافت بين الكلامين.
 

قوله: فالبراهين المستعملة فيها ليست ببراهين لمّيّة ...

توضيح ذلك: أنّ ثبوت المحمولات للموجود المطلق عين ثبوت الموجود المطلق، إذ لاخارج وراء الموجود المطلق حتّى تثبت تلك المحمولات للموجود المطلق بثبوت مغاير لثبوت الموجود المطلق، فإنّ ماوراء الموجود المطلق عدم محض، فثبوت المحمولات للموجود المطلق عين ثبوت الموجود المطلق و الموجود المطلق لاعلّة له، اذ ليس ورائه شيء فلا يكون لثبوت المحمولات للموجود المطلق علّة لأنّ ثبوتها للموجود المطلق عين ثبوت الموجود المطلق كما تقدّم و لا علّة للموجود المطلق و إذا لم يكن لثبوت المحمولات للموجود المطلق علّة، فالبراهين الّتي أقيمت على ثبوت المحمولات للموجود المطلق لم تكن براهين لمّيّة و هو المطلوب.
و بهذا البيان يندفع المناقشة في كلام المصنّف أوّلاً بأنّ شرط البرهان اللميّ كون الحدّ الأوسط علّة لثبوت الحدّ الأكبر للأصغر، لا كونه علّة لنفس الحدّ الأصغر فعدم وجود العلة للموجود المطلق لاينافي ثبوت العلّة لحمل الموجود على شيء و لا لحمل مفهوم آخر للموجود المطلق... و ثانيا عدم وجود علّة للموجود المطلق لايستلزم عدم علّة لحصّة خاصّة أو لمرتبة خاصة منه و ثالثا بناءِ على كون المسائل الإلهيّة من مسائل الفلسفة لا مناص عن قبول إمكان إقامة البرهان اللميّ فيها، فإنّ الأفعال الإلهيّة يمكن إثباتها من طريق الصفات الّتي هي عين الذات الإلهيّة تبارك و تعالى، فيسلك من العلّة إلى المعلول و هو برهان لميّ.
وجه الاندفاع: أمّا الإشكال الأوّل فمندفع بأنّا سلّمنا أنّ شرط البرهان اللميّ كون الحدّ الأوسط علّة لثبوت الحدّ الأكبر للأصغر، لا كونه علّة لنفس الحدّ الأصغر، لكن لمّا كان ثبوت الأكبر للأصغر عين ثبوت الأصغر ـ كما تقدّم بيانه ـ و لم يكن لثبوت الأصغر (و هو الموجود المطلق) علّة، لم يكن لثبوت الأكبر للأصغر علة فلا يجري في الفلسفة البرهان اللميّ؛ و أمّا الثاني و الثالث فمندفعان بأنّا لانسلّم أنّ المسألة الّتي يستدلّ عليها من طريق العلّة مسألة فلسفيّة وحدها، إذ قد تقدّم أنّ المحمولات الفلسفيّة تساوي الموجود المطلق و حصّة الموجود المطلق لا تساويه بل المسألة الفلسفيّة في مورد الإشكال قضيّة مردّدة المحمول و كلّ حصّة من الموجود المطلق شقّ من شقوق تلك القضيّة و من المعلوم أنّ جميع الشقوق لا يكون له علّة فلا يكون المسألة بمجموعها مبرهنة بالبرهان اللميّ.
 

قوله: إنّ السلوك من المعلول إلى العلّة لايفيد يقينا ...

لأنّ المعلول ما لم تكن علّته الخاصّة معلومة الوجود مشكوك الوجود، لأنّ الشكّ في العلة يلازم الشكّ في معلولها؛ إذ المعلول متعلق الوجود بعلّته فالشكّ في علّته يسري إليه و ما كان مشكوكا لا يفيد يقينا، فالسلوك من المعلول إلى العلّة لايكون برهانيا.(1)
قال المصنّف: «إنّ الدليل (أي السلوك من المعلول إلى العلّة) لا يفيد يقينا بنفسه و ليكن ج ب، ب ألف (أي نفرض أنّ كلّ ج ب و كلّ ب الف) و «الف» علة لـ «ب»، و ذلك لأنّ «ألف» حيث كان علّة لـ «ب» كان ضرورة «ج ب» متأخّرة عن ضرورة «ج ألف» و ضرورة «ج ألف» المطلوب متأخّرة عن ضرورة «ج ب» الصغرى، فاليقين بـ «ج ألف» متأخّر عن اليقين بـ «ج ألف»، هذا دور، فالمطلوب ثابت.(2)
فإن قلت: إن لم يكن السلوك من المعلول إلى العلة مفيدا لليقين فلم جعله المنطقيون من أقسام البرهان؟
قلت: ما تقدّم من البيانين جارٍ فقط في العلم الحصولي أمّا السلوك من العلم الحضوري بالمعلول إلى العلم الحصولي بالعلة، فلا يجري فيه البيانان، فيمكن السلوك من المعلول إلى العلة فيصحّ جعله من أقسام البرهان.

1. راجع: برهان الشفاء، المقالة الاولى، الفصل الثامن، ص 85.
2. البرهان للمصنّف، ص 37.

توضيح ذلك: أمّا عدم جريان البيان الأوّل فلأنّ الشكّ في العلّة كان ملازما للشكّ في المعلول و الشكّ في المعلول يزيل العلم الحصوليّ بالمعلول، أمّا العلم الحضوريّ بالمعلول فلايزول بالشكّ فيه، لأنّ العلم الحضوريّ بالشيء عين واقعيّة الشيء و واقعيّة الشيء لا تزول بالشكّ فيه؛ و الشاهد على ذلك أنّا إذا شككنا في وجود نفوسنا ننسب الشكّ إلى نفوسنا فنقول عند الشكّ «أنا شاكّ في وجود نفسي» فلو لم يكن وجود «أنا» معلوما بالعلم الحضوري عند الشكّ فيه لم يجز نسبة ذلك الشكّ إلى «أنا» لأنّ ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له، فإذن العلم الحضوري بوجود النفس باق على حاله و ان لم يكن لنا علم حصولي بوجودها و بوجود علّتها، فيمكن السلوك من هذا العلم الحضوري إلى العلم بوجود علّتها و هو البرهان الإنّي، و أمّا عدم جريان البيان الثاني فلأنّ اليقين الحضوري بـ «ج ب» (و هي الصغرى) ليس متأخّرا عن اليقين الحصولي بـ «ج ألف» (و هي النتيجة) لأنّ العلم الحضوري بالشيء لا يتوقّف على العلم الحصولي بعلّته فلا يلزم الدور فالسلوك من المعلول المعلوم بالعلم الحضوري إلى العلة سلوك برهاني يفيد اليقين.
قوله: المتلازمين العامين إلى الآخر ...
إنّما قيّد المتلازمين بالعامين لأنّه لولم يكن الملازمان عامين كأحوال الوجود المساوية له لاحتاج كل منهما إلى العلّة، فيكون السلوك اليقيني إليهما من طريق علّتهما لا من أحدهما إلى الآخر، فيكون ذلك برهانا لمّيّا لا إنّيّا هذا خلف، فيجب أن يكونا عامين حتّى لا يكون لهما علّة.