المسيحية

 

١ ـ عصر ظهور عيسى عليه‏السلام

ولد المسيح عيسى عليه‏السلام في إحدى نقاط العالم التي كانت قد خضعت حديثا لنفوذ الرومان، و فلسطين هي آخر الأراضي التي وقعت تحت سيطرتهم. و في هذا العصر رزح اليهود تحت سلطة الرومان الذين مارسوا ضدّهم ضغوطا كبيرة، أسفرت عن نشوب اضطرابات و حركات تمرّد في صفوف اليهود في فلسطين، تمّ إخمادها و قمعها بكلّ قسوة.
أما بصدد نهضة عيسى عليه‏السلام ، فيمكن القول بأنها مُنيت في البداية بالفشل، إلاّ أنّها انتشرت فيما بعد بعزيمة أتباعها الذين مضوْا قُدُما في هذا السبيل، و استطاعت أن تستقطب أتباع سائر الديانات السابقة.

 
٢ ـ التنبّؤ بظهور عيسى عليه‏السلام

هناك عدّة مجموعات دينية في العالم، منها الأديان الإبراهيمية التي تشكّل مجموعة واحدة، و أديان الهند الصينية التي تشكّل مجموعة أخرى. و كلّ دين متأخر يدّعي أن الأديان السابقة التي تنتمي إلى نفس المجموعة قد تنبّأت بظهوره. و في هذا الإطار سعى لمسيحيون دون جدوى إلى البحث ـ و منذ عصور غابرة ـ عن تنبّؤات بظهور عيسى عليه‏السلام في العهد القديم، ولكن اسمه عليه‏السلام لم يرد فيه قط. و لأجل تحقيق ما يصبون إليه، عمدوا إلى تأويل بعض النصوص الواردة في الكتاب المذكور، بغية استكشاف تنبّؤات لها علاقة بعيسى عليه‏السلام ، و قد كثر هذا النوع من التأويلات في إنجيل مَتّى الذي يُقال أنه كُتب لأجل إرشاد اليهود.
يُذكر أنّ مقدارا كبيرا من هذه التنبّؤات يرتبط بصلب عيسى عليه‏السلام ، و هو أمر نفاه القرآن الكريم، واعتبره مجّرد وهم و تلبيس. (١)

 
٣ ـ سيرة عيسى عليه‏السلام

ركَنَ أتباع الأديان الإلهية و بسبب إيمانهم الراسخ إلى الواقع التاريخي لأنبياء اللّه‏ و رسله و اطمأنوا له، بيد أنّ الشكوك ظلّت تساور بعض العلماء حول ذلك الواقع. و قد كتب المؤرَخ الكبير وِل ديورانت تقريرا عن تاريخ (٢٠٠) سنة من التشكيك حول الوجود التاريخي لشخصية عيسى عليه‏السلام ، جاء فيه: هل شخصية عيسى عليه‏السلام حقيقة واقعية؟ و هل سيرة مؤسّس المسيحية حاكتها هموم الناس و أحزانهم و تخيّلاتهم و آمالهم، و اعتبار شخصية عيسى عليه‏السلام شخصية أسطورية خرافية كسائر أساطير آلهة المشركين؟
هذا النقاش حول أسطورية عيسى عليه‏السلام بدأ منذ القرن الثامن عشر الميلادي، و أثار العالم الفرنسي فولني هذا الشك في كتابه «على أنقاض الإمبراطورية» عام ١٧٩٠ م. و حينما التقى نابليون بونابرت بالكاتب الألماني الشهير فيلاند عام ١٨٠٨ م لم يسأله عن السياسة أو الحرب، بل سأله عمّا إذا كان يعتقد بواقعية عيسى عليه‏السلام أم لا؟(٢)
ولد عيسى عليه‏السلام ـ وفقا لإنجيليْ متّى و لوقا ـ في بيت لحم (على بعد ٨ كم من أورشليم)، و هي التي وُلد فيها داود عليه‏السلام قبل حدود ١٠٠٠ عام من الميلاد. و تعتبر سنة ولادة المسيح بداية التاريخ الميلادي، ولكن يصعب تحديد سنة ولادته على وجه الدقة، و يحتمل أن تكون قبل أربع إلى ثمان سنوات من مبدأ التاريخ الميلادي.

١ ـ النساء / ١٥٧ .
٢ ـ قصّة الحضارة : ٣ / الفصل ٢٦ .

و مهما يكن، فإنّ أمّه مريم عليهاالسلام كانت مخطوبة لنجّار من مدينة الناصرة اسمه يوسف. و قد وردت قصّة ولادته في بداية إنجيليْ متّى ولوقا، إلاّ أنّها لم ترد في إنجيلي مرقس و يوحنّا، كما لم يرد فيها ذكر لبيت لحم، و إنّما أشارا فقط إلى مدينة الناصرة.(١)
و نطالع في إنجيل مَتّى:
    (١٨) أما ميلاد يسوع المسيح، فهكذا كان. لمّا كانت مريم أمُّه مخطوبة ليوسف، وجدت قبل أن يتساكنا حاملاً من روح القدس (١٩) و كان يوسف زوجها بارّا، فلم يرد أن يشهر أمرها، فعزم على أن يطلّقها سرّا (٢٠) و ما نوى ذلك حتى تراءى له ملاك الرّبّ في الحلم و قال له: «يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأتي بامرأتك مريم إلى بيتك، فإنّ الذي كوِّن فيها هو من روح القدس (٢١) وستلد إبنا فسمِّه يسوع، لأنّه هو الذي يخلّص شعبه من خطايا هم (٢٢) و كان هذا كله ليتمّ ما قال الرّبّ على لسان النبيّ: (٢٣) «ها إنّ العذراء تحمل فتلد ابنا يسمّونه عمّا نوئيل» أي «اللّه‏ معنا» (٢٤) فلمّا قام يوسف من النوم، فعل كما أمره ملاك الرّبّ فأتى بامرأته إلى بيته (٢٥) على أنّه لم يعرفها حتى ولدت إبنا فسمّاه يسوع .(٢)
و أُطلق عليه بعد ولادته اسم يسوع، و أبدله اليونانيون و الرومانيون إلى يسوس (Iesus, Iesous)، و عُرف في العربية باسم عيسى و لم ترد في الأناجيل أيّة إشارة إلى حياة الطفولة و أوان الشباب لعيسى. و لمّا بلغ من العمر حدود ثلاثين سنة، قصد يوحنّا المعمدان (يحيى عليه‏السلام ) للتعميد، ممّا يؤيد احتمال معرفته بفرقة الاسينين من قبل.

١ ـ مرقس : ١ / ٩، يوحنا : ١ / ٤٥ ـ ٤٦ و ٧ / ٤٢ .
٢ ـ متّى : ١ / ١٨ـ ٢٥ .

و قد ورد في الأناجيل ذكرُ إخوةٍ لعيسى عليه‏السلام و أخوات، و وفقا لعقيدة المسيحيين الكاثوليك و الأرثذوكس فإنّ مريم عليهاالسلام ظلّت عذراء إلى آخر عمرها، فمن المستحيل أن يكون لعيسى عليه‏السلام اخوة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، و لهذا عمدوا إلى تأويل كلام الإنجيل في هذا الصدد. أمّا المسيحيون البروتستانت، فيميلون إلى المعنى الظاهر لهذه الكلمات من خلال القول بأنّ عيسى عليه‏السلام ولد من مريم العذراء، و لكن مريم عليهاالسلام و زوجها يوسف النجار مارسا حياتهما الزوجية بصورة طبيعية عقب ولادته عليه‏السلام ، و أنجبا أطفالاً، و نهاية العبارة السالفة الذكر من إنجيل متّى تؤيد وجهة النظر هذه.
يُذكر أن القرآن الكريم أشار إلى بعض معجزات عيسى عليه‏السلام كتكلّمه في المهد، و بعث الحياة في الطيور المخلوقة من الطين. و قد ذكرت ذلك بعض أناجيل أبوكريفا.

 
٤ ـ يوحنّا المَعْمَدان

ظهر قبل بعثة عيسى عليه‏السلام بقليل و في أرض يهودية نبي شاب هو يحيى بن زكريا، ذاع أمره في بني إسرائيل، و كان يعظ الناس بقوله: «توبوا، قد اقترب ملكوت السموات».(١)
و يُراد بملكوت السموات لدى بني إسرائيل: مملكة السماء، و هي هدفهم النبيل. و لهذا السبب ـ و طبقا لتصريح الأناجيل في موارد مختلفة ـ فإنّ دعوة يوحنا المعمدان قد أحرزت نجاحا باهرا، و تركت أثرا عميقا في نفوس الناس، حتى أن جماعات كثيرة من مختلف شرائح المجتمع كانت تقصده، وتتوب على يديه، و كان هو يعمّدهم (أي يغسّلهم في نهرالأردن لتطهيرهم من الخطايا و الذنوب).

١ ـ متّى : ٣ / ٢، مرقس : ١ / ٤، لوقا : ٣ / ٣ .

و كان يحيى عليه‏السلام جريئا في الحق، يقول ما يعتقد دون خوف أو وجل من سطوة حاكم و طغيان ملك. و قد ندّد بخطايا هيرودس ملك اليهود الظالم و حاكم ولاية الجليل، الأمر الذي لم يُطقه ذلك الملك، فأمر بقطع رأسه في السجن. (١)
و لما سمع عيسى المسيح عليه‏السلام بنبأ اعتقال يحيى عليه‏السلام بارح مدينته الناصرة، و توجّه إلى مدينة كفرناحوم الواقعة على ساحل بحيرة‏الجليل.
    (٢٣) و كان [عيسى] يسير في الجليل كله، يعلم في مجامعهم و يعلن بشارة الملكوت، و يشفي الشعب من كل مرض و علة (٢٤) فشاع ذكره في سورية كلها، فأتوه بجميع المرضى المصابين بمختلف العلل و الأوجاع من الممسوسين و الذين يصرعون في رأس الهلال و المقعدين فشفاهم (٢٥) فتبعته جموع كثيرة من الجليل و المدن العشرو أورشليم و اليهودية و عبر الأردن.(٢)
إنّ عيسى عليه‏السلام كنظيره يحيى عليه‏السلام بشّر بقرب ملكوت السماء دون أن يخلق له ذلك متاعب مع الناس.
وأيقن الكثير ممّن آمن أنه سيصبح ملكا لمملكة السماء، في وقت شعر فيه زعماء اليهود أنّ تعليمات يسوع تهددهم. بعد أن أدركوا أنه لا يلبّي طموحاتهم في ظهور المسيح الفاتح، و أنه ماضٍ في إدانة خطيئاتهم وسوء أخلاقهم، فعمدوا إلى التآمر عليه.
وقد أثنى عيسى عليه‏السلام على يحيى عليه‏السلام غير مرّة، و اقتدى بسيرته الحسنة في نقاشاته و سجالاته مع خصومه.(٣)

١ ـ متّى : ١٤ / ١ ـ ١٢، مرقس : ٦ / ١٤ ـ ٢٩، لوقا : ٩ / ٧ ـ ٩ .
٢ ـ متّى : ٤ / ٢٣ ـ ٢٥، مرقس : ١ / ١٤ ـ ١٥، لوقا : ٤ / ١٤ ـ ١٥.
٣ ـ متّى : ٢١ / ٢٣ ـ ٢٧، مرقس : ١١ / ٢٧ ـ ٣٣، لوقا : ٢٠ / ١ ـ ٨ .

 
٥ ـ نهضة عيسى عليه‏السلام

واصل عيسى عليه‏السلام مهمّة يحيى عليه‏السلام و بدأ دعوته مبشّرا بقرب ملكوت السماء، و تصدّى للإرشاد والوعظ في الكنائس، و تبنّى زعامة الأتباع و المؤمنين. يقول لوقا: عاد إلى الخليل، و اشتغل بالوعظ في الكنائس:
    (١٨) روح الرّبّ عليّ لأنه مسحني لأبشّر الفقراء، و أرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم، و للعميان عودة البصرإليهم، و أُفرّج عن المظلومين (١٩) وأُعلن سنة رضا عند الربّ.(١)
و كان عيسى( عليه‏السلام ) قد شرع في التبشير و هو في الثلاثين من عمره، و قام تعليمه الأساسي على أمرين:

١ ـ توبوا، أي توبوا عن الخطيئة و توبوا إلى اللّه‏.
٢ ـ اقبلواولاية اللّه‏ على حياتكم (أي ملكوت اللّه‏).

و لم يقتصر عيسى عليه‏السلام على الوعظ و التعليم، بل أخذ:

١ ـ يجري المعجزات و يشفي المرضى بإذن اللّه‏.
٢ ـ يحارب الشياطين و يطردهم.
٣ ـ يغفر الخطايا باسم اللّه‏.
٤ ـ يعزّي المرضى و المحزونين و الفقراء.
٥ ـ يعاشر الخطاة.
٦ ـ ينتقد بشدّة رؤساء اليهود و علماء الشريعة.
٧ ـ ينبّيء بأزمة عالمية خطيرة، يكون النصر فيها للّه‏.

٨ ـ ينشيء جماعة من التلاميذ يعيشون مثله، و ينقلون تعاليمه إلى الآخرين.
و كانت تلك‏الجماعة مكوّنة من فريق الخاصة، و هم اثناعشر رجلاً (الرسل، الحواريون)، و فريق أوسع منهم هم التلاميذ.

١ ـ لوقا : ٤ / ١٨ ـ ١٩ .

 
٦ ـ عيسى عليه‏السلام ثائرا

كان عيسى عليه‏السلام ـ كما يُستشفّ من مطالعة الأناجيل ـ من الشخصيات الثورية التي سعت جاهدة إلى إنقاذ المستضعفين من مخالب الظالمين، إلاّ أنّه ينبغي التذكير بأن المسيحيين كانوا و ما زالوا يردّدونَ أنّ مهمّة المسيح عليه‏السلام اقتصر على الهداية إلى ملكوت السماء، و أنّ صلبه جاء تكفيرا عن خطايا البشر، و هذه النظرة لا تنسجم مع الأناجيل، بيْد أنها تتفق و كلمات بولس.
و نستعرض الآن نماذج من مواقفه الثورية و السياسية:

١ ـ ٦ ـ اختراق تنظيمات العدو

أوصى عيسى عليه‏السلام أتباعه وتلاميذه مراراً بالإفصاح عن هويتهم أمام الناس، إلاّ أنه أذن لأحد تلامذته بالمشاركة في جلسات المجمع اليهودي (سنهدرين) مستخفيا، لأنه يصبّ في صالح الأهداف العليا للرسالة. و يبدو واضحا ـ و بحكم طبيعة عمله ـ أنه كان يرفع التقارير لعيسى عليه‏السلام ليطلّعه على مؤامرات المجمع و خيانة يهوذا الإسخر يوطي، و قد ظل الدور الذي لعبه التلميذ المذكور و الذي تطلّب منه الإنكار الصوري لعيسى عليه‏السلام ظل طيّ الكتمان.
و لما أُلقي ـ في نهاية الأمر ـ القبض على المسيح عليه‏السلام ، و تمّ صلبه في الظاهر، و تخلّى عنه جلّ أتباعه خوفا، في تلك الظروف الرهيبة، انطلق التلميذ المذكور إلى الحاكم الجائر، و طلب منه جثمان عيسى عليه‏السلام فأمر الحاكم بتسليمه إليه، فأخذه و دفنه باحترام بالغ، و تروي أسفار الديانة المسيحية بشأنه مايلي:
«و جاء عند المساء رجل غني من الرامة اسمه يوسف، و كان هو أيضا قد تتلمذ ليسوع».(١)
«جاء يوسف الرامي و هو عضو وجيه في المجلس، و كان هو أيضا ينتظر ملكوت اللّه‏».(٢)
«و جاء رجل اسمه يوسف، و هو عضو في المجلس، و امرؤٌ صالح بارّ لم يوافقهم على قصدهم و لاعملهم، و كان من الرامة، و هي مدينة لليهود، و كان ينتظر ملكوت اللّه‏».(٣)
«و بعد ذلك جاء يوسف الرامي، و كان تلميذا ليسوع يُخفي أمره خوفا من اليهود».(٤)

٢ ـ ٦ ـ التعميد في الدم

استعمل المسيح عليه‏السلام مصطلح التعميد المقدس لبيان مبلغ شوقه للشهادة في سبيل اللّه‏ (التعميد في الدم). قد جاء التعميد بمعنى الشهادة أيضا في إنجيل مرقس : ١٠ / ٣٨ ـ ٣٩، كما ورد في الأناجيل التعميد في الماء، و التعميد في النار و روح القدس.(٥) و ورد تعبير «صبغة اللّه‏» في القرآن الكريم،(٦) و قد فسّرها بعضهم بالتعميد الإلهي.

١ ـ متّى : ٢٧ / ٥٧ .
٢ ـ مرقس : ١٥ / ٤٣ .
٣ ـ لوقا : ٢٣ / ٥٠ ـ ٥١ .
٤ ـ يوحنا : ١٩ / ٣٨ .
٥ ـ متّى : ٢ / ١١، مرقس : ١ / ٨، لوقا : ٣ / ١٦ .
٦ ـ البقرة / ٣٨ .

(٤٩) جئت لألقي على الأرض نارا، و ما أشدّ رغبتي أن تكون قد اشتعلت (٥٠) و عليّ أن أقبل معمودية، و ما أشدّ ضيقي حتى تتمّ (٥١) أتظنون أني جئت لأحلّ السلام في الأرض؟ أقول لكم: لا، بل الانقسام (٥٢) فيكون بعد اليوم خمسة في بيت واحد فنقسمين، ثلاثة منهم على اثنين، و اثنان على ثلاثة (٥٣) سينقسم الناس فيكون الأب على ابنه و الابن على أبيه، و الأم على بنتها و البنت على أمّها، و الحماة، على كنّتها و الكنّة على حماتها. (١)

٣ ـ ٦ ـ صليب الشهادة

يقدس المسيحيون الصليب كرمز لصلب المسيح الذي جاء تكفيرا عن خطايا البشر. و قد ورد عن المسيح قوله: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه و يحمل صليبه و يتبعني». و هذا الكلام يدل بوضوح على ان تقديس الصليب يرجع إلى عهد حياة المسيح عليه‏السلام لا أنه رمز لصلبه. و معنى حمل الصليب هو الاستهانة بالحياة و إنكار الذات و الاستعداد للتضحية في سبيل اللّه‏. و قد تمثّل ذلك في ارتداء الأكفان من قبل الشعب الإيراني المسلم كتعبير عن الاستعداد للتضحية و الشهادة في سبيل اللّه‏ إبّان أحداث الثورة الإسلامية، كما تمثّل أيضا في قول دِعبل شاعر أهل البيت عليه‏السلام : إني أحمل خشبتي منذ أربعين سنة، و لاأجد من يصلبني عليها.(٢)
(٢٥)و كانت جموع كثيرة تسير معه فالتفت و قال لهم: (٢٦) «من أتى إليّ و لم يفضلّني على أبيه و أمه و امرأته و بنيه و إخوته و أخواته بل على نفسه أيضا لا يستطيع أن يكون لي تلميذا (٢٧) و من لم يحمل صليبه و يتبعني لا يستطيع أن يكون لي تلميذا». (٣)

١ ـ لوقا : ١٢ / ٤٩ ـ ٥٣ .
٢ ـ عبداللّه‏ بن المعتز، طبقات الشعراء، ص ١٢٥.
٣ ـ لوقا : ١٤ / ٢٥ ـ ٢٧ .

(٣٤) و دعا الجمع و تلاميذه و قال لهم: «من أراد أن يتبعني فليزهد في نفسه و يحمل صليبه و يتبعني (٣٥) لأنّ الذي يريد أن يخلّص حياته  يفقدها، و أما الذي يفقد حياته في سبيلي و سبيل البشارة فإنّه يُخلّصها».(١)

٤ ـ ٦ ـ السيف بدل السلام

كان المترفون من اليهود يحملون تصورا خاطئا عن المسيح الموعود، الأمر الذي جعل المسيح يعلن عن أهداف رسالته بغية تصحيح مسار أفكارهم و تصوراتهم.
(٣٤) لا تظنّوا أنّي جئت لأحمل السلام إلى الأرض، ماجئت لأحمل سلاما بل سيفا (٣٥) جئت لأُفرّق بين المرء و أبيه، و البنت و أمّها، و الكَنّة وحماتها (٣٦)فيكون أعداءالإنسان أهل‏بيته.(٢)

٥ ـ ٦ ـ الدعوة إلى الكفاح المسلّح

حينما علم المسيح عليه‏السلام أنّ إلقاء القبض عليه بات أمرا وشيكا، و علم أيضا أنه سيعامل معاملة مجرم، سعى إلى الدعوة للكفاح المسلح، إلاّ أنّ دعوته هذه لم تجد آذانا صاغية.
(٣٦) فقال لهم: «... من لم يكن عنده سيف فليبع رداءه و يشتره (٣٧) فإني أقول لكم: يجب أن تتم في هذه الآية و أُحصى مع المجرمين، فإن أمري ينتهي، فقالوا: «يا ربّ، ههنا سيفان، فقال لهم: كفى».(٣)
من هنا، و بسبب التصور الخاطى‏ء الذي كان يحمله أصحاب عيسى عليه‏السلام عن المسيح الموعود، فانهم لم يدركوا عمق الخطر الذي يتهدّده، و لم يُبالوا كثيرا بأمره الأكيد بشراء السيوف، ثمّ ما لبثوا أن وقفوا على أهمّية السلاح بعد أن باغت المسيح عليه‏السلام جمعٌ غفير و هم يحملون السيوف و العصيّ، بيد أنّ عدم أخذهم الأُهبة اللازمة للدفاع، حال دون الاستفادة من السلاح في تلك الظروف الحرجة،

١ ـ مرقس : ٨ / ٣٤ ـ ٣٥، متّى : ١٠ / ٣٧ ـ ٣٩ و ١٦ / ٢٤ ـ ٢٦، لوقا : ٩ / ٢٣ ـ ٢٥ .
٢ ـ متّى : ١٠ / ٣٤ ـ ٣٦ .
٣ ـ لوقا : ٢٢ / ٣٦ ـ ٣٨ .

ممّاحدا بالمسيح عليه‏السلام إلى مناشدة أصحابه بعدم مواجهة العدو.(١)
(٥١) و إذا واحد من الذين مع يسوع قد مدّ يده إلى سيفه، فاستله و ضرب خادم عظيم الكهنة، فقطع أذنه (٥٢) فقال له يسوع: إغمد سيفك، فكل من يأخذ بالسيف، بالسيف يهلك.(٢)

٦ ـ ٦ ـ تحقير الملك

وصف عيسى المسيح عليه‏السلام هيرودس ملك ولاية الجليل بالثعلب، دون أي خوف أو وجل من ظلمه و قسوته و هو الذي قتل يحيى عليه‏السلام .
(٣١) في تلك الساعة دنا بعض الفرّيسيين فقالوا له: اخرج فاذهب من هنا، لأنّ هيرودس يريد أن يقتلك (٣٢) فقال لهم: اذهبوا فقولوا لهذا الثعلب:ها إني أطرد الشياطين و أُجري الشفاء اليوم و غدا، و في اليوم الثالث ينتهي أمري (٣٣) ولكن يجب عليّ أن أسير اليوم و غدا و اليوم الذي بعدهما، لأنه لا ينبغي لنبيّ أن يهلك في خارج أورشليم» .(٣)

١ ـ و هو نظير ما حصل لنبي الإسلام صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خلال محنة المسلمين في مكّة المكرمة، حيث منع أصحابه من أي إقدام مسلح بسبب عدم توفر مقوّمات الدفاع.
٢ ـ متّى : ٢٦ / ٥١ ـ ٥٢، مرقس : ١٤ / ٤٧، لوقا : ٢٢ / ٥٠ ـ ٥١، يوحنا : ١٨ / ١٠ ـ ١١ .
٣ ـ لوقا : ١٣ / ٣١ ـ ٣٣ .

بهذا النحو تعامل المسيح عليه‏السلام مع ملك ولاية الجليل. أما بولس الذي جاء بعده. فقد أوصى بإطاعة الملوك و الحكام.
(١) ليخضع كل امرى‏ء للسلطات التي بأيديها الأمر، فلاسلطة إلاّ من عنداللّه‏، والسلطات القائمة هو الذي أقامها (٢) فمن عارض السلطة قاوم النظام الذي أراده اللّه‏، و المقاومون يجلبون الحكم على أنفسهم (٣) فلا خوف من الرؤساء عندما يفعل الخير، بل عندما يفعل الشرّ أ تريد ألاّ تخاف السلطة؟ افعل الخير تنل ثناءها (٤) فإنها في خدمة اللّه‏ في سبيل خيرك، ولكن خف إذا فعلت الشرّ فإنها لم تتقلد السيف عبثا، لأنها في خدمة اللّه‏ كيما تنتقم لغضبه من فاعل الشرّ (٥) و لذلك لابد من الخضوع لاخوفا من الغضب فقط بل مراعاة للضمير أيضا (٦) و لذلك تؤدّون الضرائب و الذين يجبونها هم خدم اللّه‏ يعملون ذلك بنشاط (٧) أدّوا لكلّ حقه الضريبة لمن له الضريبة، و الخراج لمن له الخراج، و المهابة لمن له المهابة، و الإكرام لمن له الإكرام. (١)

 
٧ ـ ٦ ـ اللّه‏ و قيصر

قيل إنه جاء في الأناجيل «أوكلوا عمل قيصر لقيصر و عمل اللّه‏ للّه‏». ولكن ينبغي أن يُعلم (أولاً) أن العبارة المذكورة في الأناجيل هي على النحو التالي «أدّوا لقيصر ما لقيصر، و للّه‏ ما للّه‏»، (ثانيا) أن الكلام المذكور فاقد الدلالة، لأن المسيح قاله في حال التقية:
(٢٠) فترصّدوه و أرسلوا جواسيس يظهرون أنهم من أهل الورع، ليأخذوه بكلمة فيسلموه إلى قضاء الحاكم و سلطته (٢١) فسألوه: يا معلّم نحن نعلم أنك على صواب في كلامك و تعليمك لاتُحابي أحدا، بل تعلِّم سبيل اللّه‏ بالحق (٢٢) أيحلّ لنا أن ندفع الجزية إلى قيصر أم لا؟ (٢٣) ففطن لمكرهم فقال لهم (٢٤) أروني دينارا! لمن الصورة التي عليه و الكتابة؟ فقالوا: لقيصر (٢٥) فقال لهم: أدّوا إذا لقيصر ما لقيصر، و للّه‏ ما للّه‏». (٢)

١ ـ رسالة بولس إلى أهل روما : ١٣ / ١ ـ ٧ .
٢ ـ لوقا : ٢٠ / ٢٠ ٢١، متّى : ٢٢ / ١٥ ـ ٢٢، مرقس : ١٢ / ١٣ ـ ١٧ .

٨ ـ ٦ ـ مخاصمة تجّار الدين

عنّف عيسى عليه‏السلام زعماء اليهود الدينيين المرائين المتكالبين على الدنيا، مما أثار سخطهم، فراحوا يتآمرون للقضاء عليه، و إليك مقطعا من كلامه عليه‏السلام في هذا الصدد:
(١٣) الويل لكم أيّها الكتبة و الفرّيسيون المراؤون، فإنكم تقفلون ملكوت السموات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون، و لا الذين يريدون الدخول تدعونهم يدخلون (١٤) الويل لكم أيّها الكتبة و الفرّيسيون فإنكم تأكلون بيوت الأرامل و أنتم تظهرون أنكم تطيلون الصلاة، سينالكم العقاب الأشد (١٥) الويل لكم أيّها الكتبة و الفرّيسيون المراؤون فإنكم تجوبون البحر و البر لتكسبوا دخيلاً واحدا، فإذا أصبح دخيلاً جعلتموه يستحقّ جهنّم ضعف ما أنتم تستحقّون... (٢٩) الويل لكم أيّها الكتبة و الفرّيسيون المراؤون فإنكم تبنون قبور الأنبياء و تزيّنون ضرائح الصدّيقين (٣٠) و تقولون لو عشنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء (٣١) فأنتم تشهدون على أنفسكم بأنّكم أبناء قتلة الأنبياء (٣٢) فاملأوا أنتم مكيال آبائكم (٣٣) أيّها الحيّات أولاد الأفاعي، كيف لكم أن تهربوا من عقاب جهنم.(١)

١ ـ متّى : ٢٣ / ١٣ ـ ٣٣، لوقا : ١١ / ٣٩ ـ ٥٤ .

٩ ـ ٦ ـ إظهار القدرة

قال عيسى المسيح عليه‏السلام :
(٢٧) سوف يأتي ابن الإنسان في مجد أبيه و معه ملائكته فيجازى يومئذ كل امرىٍ‏ء على قدر أعماله (٢٨) الحق أقول لكم من الحاضرين ههنا من لايذوقون الموت حتى يشاهدوا ابن الإنسان آتيا في ملكوته.(١)
و أخيرا، دخل عيسى عليه‏السلام في أواخر أيامه مدينة القدس، ممتطيا حمارا مستقبلاً بحفاوة من قبل منتظري ملكوت السموات الذين راحوا يهتفون: «تبارك الآتي، الملك باسم الرب».
(٣٩) فقال له بعض الفرّيسيون من الجمع: يامعلم انتهر تلاميذك (٤٠) فأجاب: أقول لكم: لو سكت هؤلاء لهتفت الحجارة. (٢)
ثم دخل الهيكل بكل أبّهة و إجلال و طرد الصيارفة. و لعل بعض الناس كان يعتقد أن المسيح الموعود يقبل على فرس و يطيح عرش الملوك الظلمة، إلاّ أن الخطوة الوحيدة التي قام بها عيسى المسيح عليه‏السلام ، هو أنه امتطى حمارا كان أخذه عارية، و بعد دخوله الهيكل (قلب طاولات الصيارفة و مقاعد باعة الحمام).(٣)
و أراد المسيح بعد هذا أن يبلوَ المجتمع الإسرائيلي، فلمّا رأى مخالفة الفرّيسيين العلنية لمواقفه الإصلاحية، أيقن أن الشرائط لم تتوفر بعد لإجراء تغييرات جذرية، الأمر الذي دعاه إلى مخاطبة مدينة القدس بعد عتاب شديد لها بقوله:
(٣٧) أورشليم، أورشليم يا قاتلة الأنبياء و راجمة المرسلين إليها، كم مرّة أردت أن أجمع أبناءك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، فلم تريدوا (٣٨) هوذا بيتكم يترك لكم قفرا (٣٩) فإنّي أقول لكم لاترونني بعد اليوم حتى تقولوا «تبارك الآتي باسم الربّ» .(٤)

١ ـ متّى : ١٦ / ٢٧ ـ ٢٨، مرقس : ٩ / ١، لوقا : ٩ / ٢٦ ـ ٢٧ .
٢ ـ لوقا : ١٩ / ٣٩ ـ ٤٠ .
٣ ـ متّى : ٢١، مرقس : ١١، لوقا : ١٩، و يوحنا : ١٢ .
٤ ـ متّى : ٢٣ / ٣٧ ـ ٣٩، لوقا : ١٣ / ٣٤ ـ ٣٥ .

١٠ ـ ٦ ـ تتميم التوراة

بيّن عيسى عليه‏السلام الخطوط العريضة لرسالته لما وعظ من على سفح جبل، و قال:
(١٧) لا تظنوا أنّي جئت لاُءبطل الشريعة أو الأنبياء، ما جئتُ لاُءبطل بل لأُكمل (١٨) الحق أقول لكم: لن يزول حرف أونقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء أو تزول السماء و الأرض (١٩) فمن خالف وصيّة من أصغر تلك الوصايا و علّم الناس أن يفعلوا مثله عُدّ الصغير في ملكوت السموات و أما الذي يعمل بها و يعلِّمها فذاك يُعدّ كبيراً في ملكوت السموات.... (٣٨) سمعتم أنه قيل العين بالعين و السنّ بالسنّ (٣٩) أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرّير، بل من لَطَمك على خدّك الأيمن فاعرض له الاخر. (١)
و قد تصور بعضهم أن معنى العبارة الآنفة الذكر هو التسليم و الخضوع أمام الظلم، و لكن هذا التصور ـ كما يبدو ـ بعيد عن الصحة، لاسيما إذا نظرنا إليها باعتبارها موعظة أخلاقية تؤكّد على ضرورة العفو و التسامح في الأمور الشخصية، و هي نظير ماجاء في القرآن الكريم و الأحاديث الإسلامية و سيرة الأنبياء و الأولياء من التأكيد على الصبر و العفو عن المذنبين و السلام عليهم و كظم الغيظ عن أفعالهم القبيحة.(٢)
و من أبرز الصفات الحسنة للإنسان المتّقي عند أميرالمؤمنين علي عليه‏السلام ، هي «أن يعفو عمّن ظَلَمه، و يُعطي من حَرَمه، و يصلُ من قَطَعه»(٣)، و أشار عليه‏السلام إلى شيء من هذا القبيل في كتابه الذي بعثه إلى نجله الإمام الحسن عليه‏السلام ، و أضاف:

١ ـ متّى : ٥ / ١٧ ـ ٣٩ .
٢ ـ راجع على سبيل المثال: النحل / ١٢٦ ـ ١٢٨، المؤمنون / ٩٦، الفرقان/ ٦٣ ـ ٧٢، و فصّلت / ٣٤ ـ ٣٦.
٣ ـ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٤.

«إيّاك أن تصنع ذلك في غير موضعه، أو أن تفعله بغير أهله»(١).
و نطالع في رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه‏السلام أنه نسب القول «إنْ لطمَ أحد خدّك الأيمن، فأعطِ الأيسر» إلى المسيح عليه‏السلام (٢) و نقرأ في الإنجيل أيضا:
(٢١) فدنا بطرس و قال له: يا ربّ، كم مرة يخطأ إليّ أخي و أغفرله؟ أ سَبْعَ مرّات؟ (٢٢) فقال له يسوع: لا أقول لك سبع مرات، بل سبعين مرة سبع مرات. (٣)
و ورد في إنجيل يوحنا أنه لّما أُلقي القبض على عيسى عليه‏السلام ، لطمه أحد الحرّاس، فاعترض عليه عليه‏السلام و قال له: «لماذا تضربني». (٤)
و على الرغم من أن المسيح عليه‏السلام وصّى بعدم مقاومة الأشرار، فإن تلامذته و أتباعه لم‏يرضخوا للظلم، و اعتبروا وصيّته تلك ممّا يتعلّق بالقضايا الشخصية، و كانوا يستمدّون العون من اللّه‏ في مواجهة الملوك و الأعداء، و يبتهلون إليه تعالى بهذا الدعاء:
(٢٤) يا سيّد، أنت صنعت السماء و الأرض و البحر و كلّ شيء فيها (٢٥) أنت قلت على لسان أبينا داود عبدك، بوحي روح القدس. لماذا ضجّت الأمم، و إلى الباطل سعت الشعوب؟ (٢٦) ملوك الأرض قاموا، و على الرب و مسيحه تحالف الرؤساء جميعا (٢٧) تحالف حقا في هذه المدينة هيرودس و بنطيوس بيلاطس و الوثنيون و شعوب إسرائيل على عبدك القدّوس يسوع الذي مسحته (٢٨) فاجروا ما خطّته يدك من ذي قبل و قضت مشيئتك بحدوثه (٢٩)

١ ـ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
٢ ـ بحارالأنوار: ١٤ / ٢٨٧، و قد جاءت عبارة الإنجيل تلك ضمن مواعظ السيد المسيح عليه‏السلام في آخر كتاب «تحف العقول» لابن شعبة الحرّاني.
٣ ـ متّى : ١٨ / ٢١ ـ ٢٢، لوقا : ١٧ / ٣ ـ ٤ .
٤ ـ يوحنّا : ١٨ / ٢٢ .

فانظر الآن يا ربّ إلى تهديداتهم، وهب لعبيدك أن يعلنوا كلمتك بكل جرأة. (١)
و شعر رؤساء الدين اليهودي بأنّ تعليم عيسى يهدّدهم، فتآمروا عليه ليقتلوه، و خانه يهوذا الإسخريوطي أحد الرسل، فأُسلم إلى السلطات الرومانية بتهمة التآمر عليها لإطاحة حكمها الاستعماري، و في آخر ليلة من حياته تناول العشاء مع رسله، و بعد العشاء الأخير قبضت السلطة الرومانية على عيسى و أحالته على القضاء، و حكمت عليه بالإعدام، و تعلِّمنا الأناجيل أنّ عيسى صلب و مات على الصليب و قُبر.
و بعد ثلاثة أيام أقامه اللّه‏ من الموت، و ظهر لتلاميذه عدّة مرّات، ثم رُفع إلى السماء و في عيد العَنْصَرَة حلّ روح القدس على التلاميذ، فكون منهم جماعة تحمل رسالة عيسى و تعمل عمله على مرّ العصور.

٧ ـ الرّسل

اختار عيسى المسيح عليه‏السلام في بداية الدعوة أتباعا يستعين بهم على نشرها، و قد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في آخر سورة الصف، و نطالع في الإنجيل:
(١٨) و كان يسوع سائرا على شاطى‏ء بحر الجليل، فرأى أخوين، هما سمعان الذي يقال له بطرس و اندراوس أخوه يُلقيان الشبكة في البحر لأنهما كانا صيّادين (١٩) فقال لهما: اتبعاني أجعلكما صيّادي بشر (٢٠) فتركا الشِّباك من ذلك الحين و تبعاه(٢).

١ ـ أعمال الرسل : ٤ / ٢٤ ـ ٢٩ .
٢ ـ متّى : ٤ / ١٨ ـ ٢٠، مرقس : ١ / ١٦ ـ ١٨ .

١ ـ ٧ ـ الحواريون الإثنى عشر

قد عُرف هؤلاء الأتباع بتلاميذ عيسى عليه‏السلام ، و اختار منهم (١٢) تلميذا سمّاهم الرسل(١)، و أطلق عليهم القرآن الكريم اسم الحواريين، و ورد بنفس هذا المعنى في اللغة الحبشية.
(٢٨) فقال لهم يسوع: الحق أقول لكم، أنتم الذين تبعوني متى جلس ابن الإنسان على عرش مجده عندما يجدّد كل شيّ، تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر عرشا لتدينوا أسباط إسرائيل الإثني عشر.(٢)
أما أسماء رسل عيسى عليه‏السلام الإثني عشر الذين ورد ذكرهم في الأناجيل(٣) فهم كالتالي:

١ـ شمعون بن يونا (بطرس).
٢ـ اندراوس (شقيق بطرس).
٣ـ يعقوب بن زبدى.
٤ـ يوحنّا (شقيق يعقوب).
٥ ـ فيليبس.
٦ـ برتلماوس.
٧ـ توماس.
٨ـ متّى العشار.
٩ـ يعقوب بن حلفى.
١٠ـ تدّاوس (يهوذا، شقيق يعقوب).

١١ـ شمعون الغيور.
١٢ـ يهوذا الإسخريوطي.

١ ـ لوقا : ٦ / ١٣ .
٢ ـ متّى : ١٩ / ٢٨ .
٣ ـ متّى : ١٠ / ٢ ـ ٤، مرقس : ٣ / ١٦ ـ ١٩، لوقا : ٦ / ١٤ ـ ١٦، أعمال الرسل : ١ / ١٣ .

يُذكر أنّ الأناجيل أفادت ـ و كما تنّبأ عيسى عليه‏السلام ـ بأنّ جميع الرسل انفضّوا من حوله عليه‏السلام ، حينما أُلقي القبض عليه، و كان يهوذا الإسخريوطي قد خانَ المسيح من قبل، و أرشد إليه الفرّيسيين و الرومان، و سهّل لهم صلبه، و تقاضى منهم على ذلك أجرا.
و لمّا مضى عيسى عليه‏السلام ، و بغية إكمال عدد الرسل الاثني عشر، تمّ انتخاب (متياس) بدلاً عن يهوذا الإسخريوطي(١).
و يُعدُّ شمعون من كبار الرسل، و قد أطلق عليه عيسى عليه‏السلام اسم بطرس (أي الصخرة)، لأنه يشكّل الحجر الأساس للكنيسة أو المجتمع المسيحي:
(١٨) و أنا أقول لك: أنت صخر و على الصخر هذا سأبني كنيستي فلن يقوى عليها سلطان الموت (١٩) و سأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فما ربطته في الأرض ربط في السموات، و ما حللته في الأرض حُلّ في السموات.(٢)
أصبح يوحنّا رسولاً في سنّ الطفولة(٣).
و أكمل إنجيله ـ وفق عقيدة المسيحيين ـ في نهاية القرن الأول و هو في سنّ الشيخوخة، و كتب متّى الرسول أحد الأناجيل، كما نسبت بعض رسائل العهد الجديد إلى بطرس و يوحنّا و بقيّة الرسل، و نسبت إليهم أيضا أناجيل و رسائل أبوكريفا ـ يُذكر أن بعض الفرق المسيحية تُرجع تاريخ كنائسها إلى بعض الرسل.

١ ـ أعمال الرسل : ١ / ١٥ ـ ٢٦ .
٢ ـ متّى : ١٦ / ١٨ ـ ١٩، يوحنا : ٢١ / ١٥ ـ ١٩ .
٣ ـ يوحنّا : ١٣ / ٢٣ ـ ٢٥ و ٢١ / ٢٠ .

٢ ـ ٧ بولس

و على الرغم من أنّ عيسى عليه‏السلام عيّن بطرس خلفا له، إلاّ أنّ رسولاً آخر هو بولس حاز على مكانة أفضل حتى عُدّ المؤسس الحقيقي للمسيحية.
و كان اسمه في البداية شاؤول، و هو من الأسماء العبرية، و يُلفظ باليونانية (سَولُس)، ثم بدّل اسمه إلى (بولس) بعد اعتناقه المسيحية.
و كان بولس الروماني الجنسية من اليهود المتطرّفين الذين اضطهدوا المسيحيين بعنف، ثمّ ادّعى أنه بينما كان يسير في طريقه من مدينة القدس إلى دمشق لإلقاء القبض على بعض المسيحيين، آنس في الطريق نور عيسى عليه‏السلام ،فاعتنق المسيحية بأمره عليه‏السلام (١).
ثم أخذ ـ بعد هذا التحوّل المفاجى‏ء ـ في التبشير للمسيحية، فتحملّ في هذا السبيل ألوانا من المحن، و كان قد ادّعى الرسالة من قبل المسيح عليه‏السلام ، و طاف مدنا عديدة، و نشر المسيحية إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، و وجّه رسائل إلى حديثي العهد بالمسيحية، نُقل بعضها في العهد الجديد.
و قد أثارت الأفكار الجديدة التي طرحها بولس صراعا عنيفا بينه و بين بطرس و سائر الرسل، و انعكس جانب من هذا الصراع في سِفر أعمال الرسل، و في رسائله، فقد كتب يقول:
(١١) و لكن لما قدم صخر [بطرس] إلى أنطاكية، قاومته وجها لوجه، لأنه كان يستحق اللوم(٢).

١ ـ أعمال الرسل : ٩ / ١ ـ ٣١ .
٢ ـ رسالة إلى أهل غلاطية : ٢ / ١١ .

كما أشار بولس عند تعداد فضائله و تذليله للعقبات التي واجهته في التبشير، أشار إلى الإخوة الكذّابين، و يريد بهذا الاصطلاح الرسل الذين خالفوا أفكاره:
(٢٢) هم عبرانيون؟ و أنا عبرانيّ، هم إسرائيليون؟ و أنا إسرائيلي، هم من نسل إبراهيم؟ و أنا أيضا (٢٣) هم خدم المسيح؟ ـ أقول قول أحمق ـ و أنا أفوقهم، أفوقهم في المتاعب، أفوقهم في دخول السجون، أفوقهم كثيرا جدّا في تحمّل الجلد، في التعرّض لأخطار الموت مرارا (٢٤) جلدني اليهود خمس مرّات أربعين جلدة إلاّ واحدة (٢٥) ضربت بالعصيّ ثلاث مرّات، رجمت مرّة واحدة، انكسرت بي السفينة ثلاث مرات، قضيت ليلة و نهارا في عرض البحر (٢٦) أسفار متعددة، أخطار من الأنهار، أخطار من اللصوص، أخطارمن بني قومي، أخطار من الوثنيين، أخطار في المدينة، أخطار في البّريّة، أخطار في البحر، أخطار من الإخوة الكذّابين (٢٧) جهد و كدّ، سهر كثير، جوع و عطش، صوم كثير، برد و عري (٢٨) فضلاً عن سائر الأمور من همّي اليوميّ و الاهتمام بجميع الكنائس (٢٩) فمن يكون ضعيفا و لا أكون ضعيفا؟ و من تزلّ قدمه و لا أحترق أنا؟ (٣٠) إن كان لابدّ من الافتخار، فسأفتخر بحالات ضعفي (٣١) إنّ اللّه‏ أبا الربّ يسوع ـ تبارك للأبد ـ عالم لا أكذب (٣٢) كان عامل الملك الحارث في دمشق يأمر بحراسة المدينة للقبض عليّ (٣٣) و لكنّي دُليت في زنبيل من كُوَّة على السور، فنجوت من يديه(١).
توفّي بولس ـ كما يقال ـ في روما في حدود الأعوام ٦٤ ـ ٦٧، و يذهب المسيحيون إلى أنّ عددا من الرسل مثل بطرس و بولس قد استشهد. يُذكر أنّ ضريح بطرس الواقع على تلّ الفاتيكان في روما قد حاز على أهمية كبيرة، و أصبح منذ القدم قاعدة للكاثوليك. وتُعدّ كنيسة (سانت بيتر) وقصورها وحدائقها من أروع الآثار الفنّية فيالعالم.
هذا، و لم تتعرّض الكتب التاريخية المستقلة لرسل عيسى عليه‏السلام بشيء.

١ ـ الرسالة الثانية إلى أهل قورنتس : ١١ / ٢٢ ـ ٣٣ .

 
٨ ـ تأسيس الكنيسة

أشارت الأناجيل إلى سيرة المسيح عليه‏السلام ، و أوردت مقتطفات من كلامه، إلاّ أنّ اهتمامها انصبّ بالدرجة الأساسية على تبشيره عليه‏السلام . و قد جاءت أخبار صلبه في نهاية الأناجيل الأربعة، و خلاصة ما جاء فيها أنه كان زاهدا، ماضي العزم في إصلاح مجتمعه المُمزّق البالي، و قد سعى كل السعي في تنفيذ برامجه الإصلاحية على نطاق واسع، إلاّ أنّ النجاح لم يحالفه كثيرا. و لمّا مضى عليه‏السلام ، و تأسسّت الكنيسة و المجتمع المسيحي المتمثّل في عدد من تلاميذه و حواريّيه، أخذ هذا الدين ينهض شيئا فشيئا. و يعتقد المؤرخون أنّ خطة بولس ـ الذي اعتنق المسيحية بعد المسيح عليه‏السلام ـ في التبشير كان لها أكبر الأثر في هذا الشأن، إلاّ أنّ الجماعة المسيحية تنسب هذا الدور إلى روح القدس.
و مهما يكن، فقد عرفت الجماعة التي جاء وصفها في أسفار العهد الجديد ب «الكنيسة الرسولية» أي كنيسة الرسل و أجيال المسيحيين الأوائل، و تمتدّ الحقبة المعينة على وجه التقدير بين سنة (٣٠) و سنة (١٠٠)، أعني بين العنصرة و تدوين آخر سِفر من أسفار الكتاب المقدس.
لقد وصف سفر أعمال الرسل حياة الجماعة المسيحية الأولى على الوجه التالي:
(٤٢) كانوا يواظبون على تعليم الرسل و المشاركة و كسر الخبز و الصلوات (٤٣) و استولى الخوف على جميع النفوس لما كان يجري عن أيدي الرسل من الأعاجيب و الآيات (٤٤) و كان جميع الذين آمنوا جماعة واحدة، يجعلون كل شيء مشتركا بينهم (٤٥) يبيعون أملاكهم و أموالهم، و يتقاسمون الثمن على قدر احتياج كل منهم (٤٦) يلازمون الهيكل كلّ يوم بقلب واحد، و يكسرون الخبز في البيوت، و يتناولون
الطعام بابتهاج و سلامة قلب (٤٧) يسبّحون اللّه‏ و ينالون حظوة عند الشعب كله.(١)
و لكن هذه (الحظوة) تحوّلت مع الأيام إلى عداوة من جهة اليهود أولاً ثم من قبل الامبراطورية الرومانية.
و انطلقت في أورشليم و بقيادة يعقوب الرسول جماعة مسيحية من أصل يهودي، فكثر عددها في المدينة ثمّ في نواحي فلسطين، كما انطلق مرسلون من أمثال بولس و برنابا، فحملوا البشارة إلى غير اليهود، و لقد قامت في أعقاب ذلك أولى الأزمات التي واجهت الكنيسة، إذ طرح هذا السؤال:
هل ينبغي للوثنيين المهتدين أن يصبحوا أولاً يهودا، و يخضعوا للشريعة اليهودية قبل أن يسمح لهم باعتناق المسيحية؟
كان موقف بولس ـ و قد تبنّاه أيضا بطرس و يعقوب ـ أن اللّه‏ أقام عيسى من الأموات، فأفسح المجال أمام زمن جديد للخلاص، و عليه فلم يَعُد المسيحيون مضطرّين إلى اتباع الشريعة اليهودية.
ثمّ أخذ المهتدون من الوثنية يزدادون عددا بفضل تبشير الرسل في سائر أنحاء الامبراطورية الرومانية، فغلب في الكنيسة المسيحية العنصر الآتي من غير اليهودية، و تكوّنت جماعات صغيرة من المؤمنين، توزّعت في مدن الإمبراطورية من سورية الى مصر، فالأناضول، فاليونان، فإيطاليا. و يشير التقليد إلى أن بطرس اعتبر رئيسا لجماعة الرسل في أورشليم أولاً ثم في أنطاكية، و أخيرا في روما حيث أُعدم في أيام نيرون.

١ ـ أعمال الرسل : ٢ / ٤٢ ـ ٤٧ .

 

٩ ـ الكتاب المقدّس

يتألّف الكتاب المقدّس من قسمين: العهد القديم، و العهد الجديد، و يرجع سبب هذه التسمية ـ حسب التصور المسيحي ـ إلى أن اللّه‏ تعالى أخذ من الإنسان ميثاقين: أحدهما الميثاق القديم، و يعود إلى الأنبياء قبل عيسى المسيح عليه‏السلام ، و قد بيّن فيه سبل النجاة من خلال الوعد و الوعيد و القانون و الشريعة، و الآخر الميثاق الجديد الذي بدأ بظهور المسيح عليه‏السلام ، و بيّن فيه أن النجاة تكمن في المحبّة. و يعتقد المسيحيون أنّ الإله الابن تجلّى بشكل إنسان مجسّم، تبنّى خطايا البشر، و تحمّل الصلب تكفيرا لذنوبهم. هذه العقيدة ـ مع بُعدها عن العقل و المنطق ـ شكّلت أساس المسيحية. و في هذا الصدد نطالع في إنجيل يوحنّا:
(١٦) فإنّ اللّه‏ أحبّ العالم حتى أنه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (١٧) فإن اللّه‏ لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم.(١)
إن القسم الذي تحدّث عن الميثاق القديم في الكتاب المقدس أُطلق عليه العهد القديم، أما القسم الذي تحدّث عن الميثاق الجديد، فأطلق عليه العهد الجديد.
و يعتبر العهد القديم ـ في الحقيقة ـ الكتاب السماوي لليهود، و يحظى باحترام المسيحيين، الذين جعلوه في بداية كتابهم المقدّس.
وقد دُوّن العهد الجديد باللغة اليونانية، و تصدّرته أربعة أناجيل، و تعني كلمة «الإنجيل» اليونانية: البشرى، أي البشرى بقرب ملكوت السموات أو بالميثاق الجديد.
و يُعدّ العهد الجديد الذي يخلو من أسفار أبو كريفا موضع اتفاق جميع المسيحيين، ثم أخذت هذه الأسفار تحظى بالقبول تدريجيا خلال القرون الثلاثة الأولى.

١ ـ يوحنّا : ٣ / ١٦ ـ ١٧ .

يُذكر أنّ عدد أسفار أبو كريفا العهد الجديد يفوق نظائرها في العهد القديم.
و قد تُرجم الكتاب المقدّس إلى لغات كثيرة من قبل منظّمات عديدة أنشئت لهذا الغرض في جميع أنحاء العالم، منها جمعية الكتب المقدسة التي أُسست في لندن عام (١٨٠٤ م)، و أنشأت لها فروعا في أكثر الدول.
و يبلغ مجموع أسفار العهد القديم و العهد الجديد (٦٦) سِفرا، منها (٣٩) سِفرا تعود للعهد القديم (سبق الحديث عنها في اليهودية)، و (٢٧) سفرا تخصّ العهد الجديد، الذي يمكن تقسيمه موضوعيا إلى أربعة أقسام:

١ ـ الأناجيل.
٢ ـ أعمال الرسل.
٣ ـ رسائل الرسل.
٤ ـ الرؤيا و المكاشفة.

١ ـ ٩. الأَناجيل

أقدمت نخبة كبيرة من تلاميذ و حوارييّ عيسى عليه‏السلام على تدوين سيرته و دعوته، و أُطلق على مدوّناتهم فيما بعد اسم الأناجيل. و قد نالت أربعة منها اعترافا رسميا، و هُجرت بقية الأناجيل.(١) و الأناجيل المعتمدة، هي:

١ ـ لم يعترف المسيحيون بإنجيل برنابا ـ الذي حاز على اهتمام المسلمين، و فيه بشارات عديدة بظهور الرسول الخاتم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ و اعتبروه إنجيلا مجعولاً. قد ورد اسم إنجيل برنابا في الفهرست الذي نشره البابا جلاسيوس الأول قبل بعثة النبي محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ولكن المسيحيين يزعمون أن الإنجيل المذكور قد فُقد ولاصلة له بإنجيل برنابا الحالي. و يوجد لدى المسيحيين أيضا شيء مكتوب حظي باحترامهم، يُعرف برسالة برنابا. ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ الرسالة المذكورة هي غير إنجيل برنابا.

١ ـ إنجيل متّى (يستعرض سيرة و مواعظ المسيح مع الإشارة إلى تنبؤات العهد القديم).
٢ ـ إنجيل مرقس (و هو أقدم و أوجز سِفرلمواعظ المسيح و سيرته)
٣ ـ إنجيل لوقا (يستعرض سيرة و مواعظ المسيح استنادا إلى شهود عيان).
٤ ـ إنجيل يوحنّا (و هو أحدث سفر لمواعظ المسيح و سيرته، و فيه تأكيد على ألوهيته).

يُذكر أن مصنّفي الإنجيليْن الأول و الرابع كانا من حوارييّ عيسى عليه‏السلام ، و مصنفي الإنجيليْن الثاني و الثالث كانا من حوارييّ حواريّيه عليه‏السلام ، و هم أشبه بالتابعين.
و يغلب على الأناجيل الثلاثة الأولى طابع الانسجام فيما بينها و تسمّى بالاناجيل الإزائية.

٢ ـ ٩. أعمال الرسل

دوّنت في القرن الأول كتب كثيرة عن سيرة رسل المسيح عليه‏السلام ، إلاّ أنه لم يُقَرّ إلاّ واحد منها، عُرف بسفر أعمال الرسل الذي دوّنه لوقا مؤلف ثالث الأناجيل حول سيرة الرسل لاسيما بولس.

٣ ـ ٩. رسائل الرسل

اكتسبت الرسائل التي وجّهها بعض رسل المسيح إلى المجتمعات و الأفراد على أهمية بالغة، ثمّ أخذت شيئا فشيئا طريقها إلى العهد الجديد الذي ضمّ (٢١) رسالة، منها (١٣) رسالة لبولس و فيها الإشارة إلى مواعظه و نقاشاته و سجالاته، و رسالة واحدة لمجهول، و رسالة أخرى ليعقوب الذي كان كثير الانتقاد لبولس، و نُسبت بقية الرسائل الى بطرس و يوحنا و يهوذا و إليك عناوين جميع الرسائل التي اشتمل عليها هذا القسم:

١ ـ رسالة بولس إلى أهل روما.
٢ ـ رسالة بولس الأولى إلى أهل قورنتوس.
٣ ـ رسالة بولس الثانية إلى أهل قورنتوس.
٤ ـ رسالة بولس إلى أهل غلاطية.
٥ ـ رسالة بولس إلى أهل أفسوس.
٦ ـ رسالة بولس إلى أهل فيلبّي.
٧ ـ رسالة بولس إلى أهل كولوس.
٨ ـ رسالة بولس الأولى إلى أهل تسّالونيقي.
٩ ـ رسالة بولس الثانية إلى أهل تسّالونيقي.
١٠ ـ رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس.
١١ ـ رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس.
١٢ ـ رسالة بولس إلى تيطس.
١٣ ـ رسالة بولس إلى فيليمون.
١٤ ـ رسالة إلى العبرانيين.
١٥ ـ رسالة يعقوب (إلى المسيحيين كافّة).
١٦ ـ رسالة بطرس الأولى (إلى المسيحيين كافّة).
١٧ ـ رسالة بطرس الثانية (إلى المسيحيين كافّة).
١٨ ـ رسالة يوحنّا الأولى (إلى المسيحيين كافّة).
١٩ ـ رسالة يوحنّا الثانية (إلى المسيحيين كافّة).
٢٠ـ رسالة يوحنّا الثالثة (إلى المسيحيين كافّة).
٢١ ـ رسالة يهوذا (إلى المسيحيين كافّة).

٤ ـ ٩. الرؤيا و المكاشفة

راجت قبل ظهور المسيح عليه‏السلام كتب مكاشفات عديدة في أوساط اليهود، و أبرز نموذج لها هو سفر دانيال في العهد القديم، و قد دوّن المسيحيون أسفاراً في شكل رؤيا أو كشف إلى جانب صياغة سفر الرؤيا في العهد القديم بنحو ينسجم مع أهدافهم.
واستأثرت رؤيا يوحنّا التي جاءت في آخر العهد الجديد باهتمام واسع، وجرى التقليد المسيحي على الاعتقاد بأنّ يوحنّا الذي هو أصغر حواريي عيسى عليه‏السلام سنّاً، قد فصّل و شرح رؤياه و ختمها بانتصار المسيحية على قوى الشرّ.
و يشتمل هذا القسم على سفر واحد، هو رؤيا يوحنّا اللاهوتي.

 
١٠ـ مكانة الكتاب المقدس

يمكن البحث في مكانة الكتاب المقدس من خلال رؤىً ثلاث:

١ ـ رؤية الكنيسة.
٢ ـ رؤية المفكّرين.
٣ ـ رؤية المسلمين.

١ ـ ١٠ رؤية الكنيسة

حظي الكتاب المقدس بعهديه القديم و الجديد بتقديس المسيحيين، و أطلقوا عليه أسماءً و ألقاباً ـ من قبيل كتاب اللّه‏ أو الوحي ـ لاتُطلق إلاّ على كتاب سماويّ.
و في هذا الصدد، كتب العالم المعاصر توماس ميشال اليسوعي يقول:
يعتقد المسيحيون أنّ أسفار الكتاب المقدس كتبها اللّه‏ بواسطة مؤلفين من البشر، و عليه فإنهم يقولون بأن للأسفار المقدّسة مؤلِّفا إلهياً و مؤلِّفا بشرياً.
أو بعبارة أخرى : يعتقد المسيحيون أنّ اللّه‏ ألّف الكتاب المقدس بواسطة إلهامات روح
القدس، دافعاً المؤلفين البشر إلى الكتابة، و موفّراً لهم العون في الكتابة، بحيث عبّروا عن كل ما عناه اللّه‏ دون سواه.
و يلاحظ المسلمون أنّ المسيحيين يخالفون في ذلك موقف الإسلام، فاللّه‏ في المعتقد المسيحي هو المؤلف الأخير للكتاب المقدس، إلاّ أنه ألّفه من خلال مؤلّف بشري كان عاملاً له تعالى، و هذا المؤلّف البشري هو إنسان عاش في عصر معيّن، و طُبع بطابعه، وقُيِّد بحدود المعرفة و اللغة التي تُقيِّد سائر الآدميين. و المسيحيون على وجه الإجمال لايقولون بأن اللّه‏ أملى الكتب المقدّسة على المؤلّف البشري، بل إنه أتاح له أن يعبّر عن الرسالة الإلهية بطرقه الخاصة، وفنونه الأدبية الخاصة وأسلوبه الشخصي(١).
يعتقد اليهود والمسيحيون أنّ التوراة من تأليف موسى عليه‏السلام ، وأنّ أسفار الأنبياء التي ورد ذكرها في العهد القديم بأسمائهم، هي من تأليفاتهم.
ويؤمن المسيحيون أيضا بأنّ الأناجيل الأربعة قد دوّنت بعد سنوات من مضي عيسى عليه‏السلام وأن كتاب الله أطلق في بداية ظهور المسيحية على أسفار العهد القديم فحسب، ولكن أسفار العهد الجديد تغلغلت إلى المجامع المسيحية شيئا فشيئا، و اكتسب صبغة إلهية.
ويذهب المسيحيون قاطبة إلى أنّ الأناجيل الحاضرة التي تتناول سيرة المسيح عليه‏السلام و كلماته هي من تدوين متّى ومرقس ولوقا ويوحنّا. جاء في مطلع إنجيل لوقا:
(١) لما أن أخذ كثير من الناس يدونون رواية الأمور التي تمت عندنا(٢) كما نقلها إلينا الذين كانوا منذ البدء شهود عيان للكلمة، ثم صاروا عاملين لها(٣) رأيت أنا أيضا، وقد تقصيتها جميعاً من أصولها، أن أكتبها لك مرتبة يا تاوفيلس المكرّم (٤) لتتيقّن صحّة ما تلقيت من تعليم(٢).

١ـ مدخل إلى العقيدة المسيحية، توماس ميشال اليسوعي، ص ١٨، دار المشرق ،بيروت، ط ١٩٩٢ م.
٢ ـ لوقا : ١ / ١ ـ ٣ .

جدير بالذكر إنّ الأناجيل الحالية تناولت كلمات عيسى عليه‏السلام دون أن تنسب ما جاء فيها من معارف وحكم إلى الوحي، خلافا للتوراة الحالية التي نسبت بعض نصوصها الى الوحي، إلى جانب استعراضها لسيرة موسى عليه‏السلام وكلماته.
ويبدو جلياً أن الذكر الحكيم نصّ صراحة على أن الإنجيل الحقيقي نزل على عيسى عليه‏السلام (١) و هو لايشبه سائر الأناجيل البتة .
ويتّضح تاريخياً أنّ المسيحيين لم يكونوا يعتقدون بأنّ لعيسى عليه‏السلام كتاباً، بل أن الأناجيل تمحّضت لبيان سيرته وكلماته فحسب(٢)، وفي هذا الصدد كتب توماس ميشال:
و قد سبق الأناجيل المكتوبة تقليد شفهي، فيسوع مات بحسب المعتقد المسيحي حوالي السنة (٣٠)، وأتباعه الذين عرفوه وشاهدوا أعماله، وسمعوا أقواله، حفظوا ما تذكروه عن يسوع، ولمّا أخذ المسيحيون الأوائل يجتمعون للصلاة، استعادوا في حلقاتهم روايات تلك الأعمال والأقوال، و راحت هذه الروايات تتبلور وتزداد حجما(٣).

١ ـ آل عمران / ٣،٦٥، المائدة / ٤٦ ـ ٤٧، مريم / ٣٠، الحديد/ ٢٧ .
٢ـ خلافا للمسلمين الذين يعتقدون بأن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مبين للقرآن الكريم.
٣ـ مدخل إلى العقيدة المسيحية: ٣٤.

إنّ عدم وجود كتاب لعيسى عليه‏السلام لايذكر صراحة في أي موضع ،لوضوح هذه المسألة عند المسيحيين ،و لايخطر ببال المسيحي قطّ أنّ له عليه‏السلام كتابا، بل هم يصرّون على إنكار ذلك أحيانا عند حواراتهم مع المسلمين. يقول توماس ميشال:
إنّ المسيحيين لا يدّعون البتة أنّ يسوع حمل كتابا هو الإنجيل. فيسوع في رأيهم لم ينقل وحياً على نحو ما نقل محمد القرآن في رأي المسلمين، بل يعتقد المسيحيون بأن يسوع نفسه هو تجسّد وحي الله للبشرية، ولا يحمل رسالة، بل أنه هو الرسالة ونتيجة لذلك لا نبتغي إنجيلاً خطّه يسوع بيده أو أملاه على أحد تلاميذه.
ولمّا كان المسيحيون يؤمنون بأنّ يسوع هو تجسد كلمة الله أو رسالته، فإنهم يعتقدون بأنّ الأناجيل هي ثمرة جهود تلاميذه الملهمة لإعلان إيمانهم بالمسيح ولبيان ما يعنيه هذا الإيمان لجماعة أتباعه. كل من الأناجيل الأربعة يؤدّي شهادة خاصة به، مميّزة للمسيح، وفي حين يختلف بعضها عن بعض بوجهة النظر والتفاصيل، فجميعها متفق جوهريا في شأن هوية يسوع وماهية رسالة الله إلى أتباعه بواسطته. وعليه فالمسيحيون لايختارون إنجيلاً فيتبعوه بمعزل عن الأناجيل الأخرى، لأنّ إيمانهم مبني على التعاليم الأربعة معا ويهتدي بهديها. وهم يعتقدون بأنّ إيمانهم غير كامل إن هم تخلوا عن أيً من هذه الأناجيل.
و هذا مايقودنا إلى أمر ثان يعكس هو أيضا الفرق بين المفهومين المسيحي و الاسلامي للوحي. فالمسيحيون يعترفون بأربعة أناجيل، وبأربعة فقط، ويقرّون بأن هذه الأربعة هي الصحيحة دون سواها، لأن الجماعة المسيحية الأولى اعتبرتها آتية من لدن الله. ومن الثابت أنّ الإيمان المسيحي مبني على إيمان الرسل الحواريين، والمسيحيون الأوائل آمنوا بأن روح الله وفّر الهداية لجماعتهم، أي للكنيسة.
ومن ذلك نفهم أن الله كان يهدي الجماعة ويلهمها بواسطة روح القدس طوال السنين الثلاثين المصيرية (٣٠ ـ ٦٠) التي لم يكن فيها أناجيل مكتوبة، بل كانت أقوال يسوع وأفعاله تنقل مشافهة، والروح بذاته ألهم الإنجيليين الأربعة فكتبوا أناجيلهم، وأودعوها مااختاروا من أقوال يسوع و أفعاله الكثيرة، و ممّا حققه الروح نفسه بنوع خاص أنه كوّن و هدى نظره الإنجيليين اللاهوتية في شأن مايريد الله أن ينقله إلى البشرية من خلال حياة يسوع وموته وقيامته.
وأخيرا و بهدي من الروح نفسه اعترفت الجماعة المسيحية الأولى، من بين كتابات مسيحية كثيرة بـ (٢٧) كتابا بما فيها الأناجيل الأربعة، وقررت بأنها حررت بإلهام من اللّه‏، و سُمّيت هذه الأسفار كتب العهد الجديد، وهي المرجع الأساسي الجازم للإيمان المسيحي على مدى الأزمان.
و مثل هذا المفهوم للعلاقة بين الكتب المقدسة و الوحي، يختلف عن مفهوم الإسلام لها. فالمسلمون يؤمنون بأن الله أرسل محمدا وأوحى إليه القرآن، وأنّ الأُمة الاسلامية تكوّنت بموجب تعاليم القرآن، أما المسيحيون فيقولون بأن الجماعة المسيحية انتجت و كوّنت بهدي من روح الله، إقرارها الخاص بإيمانها، و كتبها التي تشير إلى وحي الله في يسوع، و على النحو ذاته، فإن الجماعة هي التي قررت أنّ كتبها المقدسة هي كتاب اليهود المقدس والأسفار السبعة والعشرون المذكورة دون سواها.
أما كيف تمّ هذا التحديد، فبنوع من الإجماع، وقد حصل هذا الإجماع باكرا إذ ظهرت أولى لوائح الأسفار الكتابية بين السنة (١٥٠) والسنة (٢٠٠). وبعد عدّة قرون حددت الكنائس تحديداً رسميا كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية في المجمع التريدنتينيّ عام (١٥٤٦ م) أي الأسفار تعتبر من أسفار الكتاب المقدّس، إلاّ أنّ تلك القرارات المتأخرة لم تكن سوى تأكيد لما بات اعتقاد المسيحين التقليدي)(١).
إنّ عقيدة أهل الكتاب بالكتب السماوية جاءت بالنحو الذي ذكرها القرآن الكريم:
«و ما قدروا اللّه‏ حقّ قدره إذ قالوا ماأنزل الله على بشر من شى‏ء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلّمتم مالم تعلموا أنتم ولا آباءكم قل اللّه‏ ثمّ ذرهم فى خوضهم يلعبون»(٢).

١ـ مدخل إلى العقيدة المسيحية : ٣٩ ـ ٤١.
٢ ـ الأنعام / ٩١ .

و قد فسّرت الآية المذكورة في كتاب «التفسير الأمثل» مع أخذ وجهة نظر أهل الكتاب حول التوراة والإنجيل.

٢ ـ ١٠ ـ رؤية المفكّرين

قطعت العلوم الحديثة كل صلة لها بالأديان. فلم يعد الإيمان بما وراء الطبيعة يتمتّع بمنزلة رفيعة في العلوم المختلفة كالتاريخ والاجتماع وعلم الآثار. ويرى العلماء الغربيون أن الكتاب المقدس أثر قديم له جذور تاريخية عميقة، و أنّه أُلِّف على يد البشر، و ذهبوا أيضا إلى أنّ العلاقة بين الإنسان و خالقه لاتنضوي تحت أيّة مقولة من المقولات العلمية، و أنه من العسير إثبات المعجزة بالعلم. من هنا ساورتهم الشكوك حيال المفاهيم الدينية و الوجود التاريخي للأنبياء، إذ لم تفصح عنهم المصادر التاريخية المستقلة.
و يذهب العلماء إلى أنّ العهد القديم يرجع إلى (٢٥٠٠) سنة، والعهد الجديد إلى (١٩٠٠) سنة، وهو قريب من تاريخ الكنيسة التقليدي.

٣ ـ ١٠ رؤية المسلمين

إنّ إحدى المسائل التي كانت مثارا للنزاع بين الكلام الإسلامي والكلام المسيحي، هي مسألة التحريف، فقد صرّح القرآن الكريم في العديد من آياته بنزول التوراة والإنجيل (وليس الأناجيل) «... وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى‏للناس وأنزل‏الفرقان...»(١).

١ ـ آل عمران / ٣ـ ٤ .

و يعتقد المسلمون أنّ التوراة و الإنجيل المنزّلين من الله سبحانه قد طرأ عليهما التحريف، و حذفت منهما مسائل من قبيل البشارة بظهور نبي الإسلام صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، و أضيفت إليهما خرافات و أوهام كجسمانية اللّه‏ تعالى، ولكن أهل الكتاب رفضوا فكرة تحريف كتبهم المقدّسة بشدّة، وأظهروا مشاعر الغضب إزاء هذا الإدعاء، ولفتوا الأنظار إلى النسخ الخطية للعهد القديم التي يرجع تاريخها إلى (٢٠٠٠) سنة، وإلى النسخ الخطية للعهد الجديد التي يرجع تاريخها الى (١٦٠٠) سنة، والتي تحتفظ بها المتاحف والمكتبات الهامّة في العالم، و راحوا يتساءلون عن زمن التحريف وعن مكانه و مغزاه؟
و قد ردّ علماء و محققو الإسلام على هذه التساؤلات بإجابات تستند في معظمها إلى الاعتقاد بنزول التوراة والإنجيل، الأمر الذي أثار دهشة المسيحيين الذين لم يؤمنوا قطّ بأن لعيسى عليه السلام كتابا.
إنّ إلقاء نظرة سريعة على التوراة والأناجيل تكشف بسهولة عن أنّ هذه الكتب مغايرة للطابع العام للقرآن الكريم، بل هي بالكتب التاريخية أشبه. يذكر أنّ الأناجيل الأربعة لم تنسب أيّ نص من نصوصها إلى الوحي، بل نسبت الأحاديث والحكم الواردة فيها إلى عيسى عليه‏السلام .
و يعتقد المسيحيون أنّ الأناجيل دوّنها البشر، و أضفوا عليها صبغة إلهية وفقا لمعاييرهم الكلامية الخاصة، و ادّعوا أنه ليس ثمّة كتاب سماوي وراء هذه الكتب.
إنّ الحقيقة التي ينبغي أنّ نعيها لئلاّ نكون أكثر كاثوليكية من البابا نفسه، هي أن المسيحيين حين يعرضون الأناجيل الأربعة للمسلمين للإيمان بمضامينها لايدّعون أنها لعيسى عليه‏السلام كما تقدّم سلفا، بل يعتقدون أنها دوّنت بعده عليه‏السلام لأجل تبيان رسالته. مثلما كان النبي محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مبيّنا للقرآن المجيد.

 
١١ ـ الذكر الحكيم والتحريف

قد يقال إن مسألة تحريف التوراة والإنجيل وردت في القرآن الكريم. ولكنها لم ترد فيه بنحو صريح. والآيات التي تمّ الاستناد إليها لإثبات التحريف، هي:
الآية الأولى: «أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه و هم يعلمون»(١).
الآية الثانية:«و إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب و يقولون هو من عنداللّه‏ و ما هو من عندِاللّه‏ِ و يقولون على اللّه‏ الكذب و هم يعلمون»(٢).
الآية الثالثة:«من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا و عصينا واسمع غير مسمع و راعنا ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم‏اللّه‏ بكفرهم فلايؤمنون إلا قليلاً»(٣).
الآية الرابعة والخامسة:«فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلبوهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظّا ممّا ذكروا به ولاتزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم فاعف عنهم واصفح إن اللّه‏ يحب المحسنين»(٤).
و قبل أن نلقي نظرة عامة على الآيات المذكورة، لابدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الآيات قد نسبت التحريف إلى اليهود فيما يرتبط بالتوراة فحسب، ومن الصعب بمكان أن نقول للمسيحيين أنّ اليهود حرّفوا إنجيلكم.

١ ـ البقرة / ٧٥ .
٢ ـ آل عمران / ٧٨ .
٣ ـ النساء / ٤٦ .
٤ ـ المائدة / ١٣، ومثلها في ٤١ .

ويبدو أنّ القرآن الكريم لم ينص على تحريف كتب اليهود والنصارى صراحة، لأنه:
أولاً: إن الآيات المذكورة لم تصرح بتحريف التوراة والإنجيل، بل جاء فيها ـ كما

رأينا في أحد الموارد ـ تعبير «كلام اللّه‏» الذي أجمع المفسّرون على أنّه إشارة إلى عمل أحبار اليهود في عصر موسى عليه‏السلام ، و لاعلاقة له بتحريف التوراة والإنجيل بعد بعثة الرسول الأكرم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ولعلّ الآية ناظرة إلى السلوك غير المناسب ليهود صدر الإسلام تجاه كلام الله (القرآن الكريم)، حيث كانوا يحرّفون الآيات التي يسمعونها عند نقلها إلى الآخرين بغية النيل منه(١).
و جاء في الموارد الثلاثة المذكورة تعبير «كلم» الذي سنلقي الضوء عليه من خلال الاستعانة بالآية (٤٦) من سورة النساء.
ثانيا: إنّ التحريف المذكور في الآيات عزي إلى السمع واللسان «يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه»، «يلوون ألسنتهم بالكتاب»، «ليّا بألسنتهم» و قيل إن القرآن الكريم نص في ثلاثة مواضع على تحريف الكلم، وردت جميعها في الآية (٤٦) من سورة النساء. وإليك هذه التحريفات مشفوعة بشكلها الصحيح:
١ ـ «سمعنا و عصينا» بدل «سمعنا و أطعنا»، ذلك أنّ بعض اليهود كان يحرّف اللفظ العبري (عسنو) الذي يعني فعلنا إلى عصينا بالعربية استهزاءً.
٢ ـ «اسمع غير مسمع» بدل «اسمع» فحسب.
٣ ـ «راعنا» بدل «انظرنا» و (راع) في اللغة‏العبرية تعني الشرير...، فراعنا أي شريرنا.
إن التلاعب بالألفاظ و الكلمات لأهداف خاصة كان واحدا من عادات اليهود المذمومة، و تجد نماذج كثيرة من ذلك في التلمود؛ و تحدّثت كتب السير عن أنّ بعض اليهود كان يُحيّي النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بقوله: السام عليك (أي الموت عليك)، فيرد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عليهم: عليك.

١ ـ نظير حيلة بعض اليهود بالإيمان بالاسلام وجه النهار والكفر به آخره بهدف زلزلة إيمان المسلمين [آل عمران / ٧٢].

و نستشف من هذا كله أنّ القرآن الكريم لم ينص على تحريف التوراة والإنجيل بشكل صريح، و إنما تحدث عن تحريف الكلم، و هذا التحريف وقع في الكلمات المتداولة في حوارهم مع الآخرين، ولا علاقة له بالتوراة والإنجيل، إضافة إلى أنّ التحريف المذكور لم يتجاوز مرحلة القول والسمع إلى مرحلة التدوين، كما أنّ آيات التحريف ليست ناظرة إلى كتب التوراة والإنجيل المتواجدة حاليا، وللبتّ في ذلك يجب صرف النظر عن هذه الآيات .

 
١٢ ـ العقائد

يعني المسيحيون بعلم اللاهوت (أو اللاهوت اختصارا) سائر مظاهر اجتهاداتهم الفكرية لفهم إيمانهم. و يؤكّد اللاهوتيون الأرثوذكس على أنهم لايعرفون عن الله عزّوجلّ إلاّ ما أوحاه لهم هو نفسه. وعليه فعلم اللاهوت على وجه الدقة: (علم الوحي)، وهو يشمل لدى المسيحيين مجالاً من الدراسات الدينية أوسع من مجال الكلام في الاتجاه الإسلامي.
و من جملة الامور التي تدخل في حدود البحث عن الإِلهيات الموضوعات التالية:

ـ الدراسات المرتبطة بتعليم الكتاب المقدس.
ـ الاجتهادات لفهم مجموع الحقائق في ضوء التعاليم المسيحية.
ـ التطورات التاريخية في صيغ التعبير عن الإيمان المسيحي على مر العصور.
ـ صيانة ما نعرفه عن الله بواسطة العقل وحده.
ـ تبيان معنى القداسة المسيحية وطرق الوصول اليها.
ـ مبادى‏ء الأخلاقيات، وتطبيق التعاليم المسيحية عمليا في حياة المسيحيين.

إنّ المسيحية تحاول أن تنأى بنفسها عن وصمة الشرك، وإذا ما وجدت عبارات لا
تليق بالذات الإلهية المقدسة في مصادرهم الدينية القديمة كالتوراة والإنجيل، فإنهم يحاولون تبريرها أو صرف الألفاظ عن معانيها الظاهرة.
يشار إلى أنّنا نواجه شحّة في الألفاظ عند الحديث عن الله و ماوراء الطبيعة، الأمر الذي لايمكن معه مؤاخذة تلك الكتب، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّ هذه الكتب لما كانت من تأليف البشر، فأننا ـ نحن المسلمون ـ غير معنيين بتبرير عباراتها، وما على المسلم إلا أن يسلك طريق الإنصاف في تعامله مع أهل الكتاب لاسيما وأن القرآن الكريم قد أكدّ على ذلك. وأمرنا بمجادلتهم بالتي هي أحسن(١).
كما تنبغي الإشارة إلى أنّ ثمّة عبارات مماثلة وردت في القرآن الكريم (كنسبة المكر والكيد والانتقام) إلى اللّه‏ سبحانه و تعالى، مع هذا الفارق، وهو أن هذه العبارات صادرة عن اللّه‏ سبحانه، و لهذا فإن الواجب الشرعي والعقلي للمسلمين يحتم عليهم تبريرها وتفسيرها بنحو يليق به سبحانه، في حين يعتقد أهل الكتاب أنّ العبارات الواردة في كتابهم السماوي صادرة عن بشر ضعيف، كثير الزلاّت والهفوات، و على الرغم من هذا الاعتقاد فإنهم لم يهملوها، بل بذلوا الوسع في سبيل تبريرها وحلّ رموزها.
ويشتمل الميراث الديني لأهل الكتاب على بعض المسائل العرفانية الدقيقة، و من أروعها الإلهيات السلبية (Apophatic Theology) التي تسعى جاهدة إلى سلب الصفات البشرية عن اللّه‏ المتعال، حتّى بلغ بها الأمر إلى القول بأن الله ينبغي أن ينزّه عن اطلاق كلمات مثل (وجود) و (موجود) في حقه، على الرغم من وجوده القطعي.
ونحن كمسلمين نرحب بكل الجهود المبذولة لتنزيه الله سبحانه، ونعتبرها من الشروط اللازمة لفتح باب الحوار مع أهل الكتاب والتعاون معهم.

١ ـ العنكبوت / ٤٦ .

١ ـ ١٢. الخلفـيات

ورد في القرآن الكريم «... وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم اللّه‏ أنّى يؤفكون»(١).
لاحظ المفكرون الغربيون في القرون الأخيرة أنّ ثمّة تشابها عجيبا بين المسيحية و الأديان الهندية، و رأوا أنّ كثيرا من عقائد المسيحية كالتثليت والفداء وقصة الصلب هي بعينها موجودة في الأديان الوثنية دون أن يكون لها جذور تاريخية في عقائد بني إسرائيل.
و ممّا زاد في حيرتهم و دهشتهم أنهم عثروا على جمل في الإنجيل تشبه الى حد كبير جملاً في كتب الهندوس والبوذيين، كما أنّ بعض الألقاب التي أطلقت على المسيح مثل حمل الله، وابن الله، والفادي وغيرها كانت تطلق على غيره في تلك الأديان.
وعلى ضوء ذلك أكّدوا هذه الحقيقة، وهي أن العقائد والاصطلاحات المسيحية في هذا الباب قد اقتبست من أديان أخرى، باعتبار أنّ جذورها التاريخية أقدم من المسيحية بمراحل.
و قد اكتشفت عام (١٩٤٧ م) طوامير في صحاري فلسطين وفي مغارات ساحل البحر الميّت، أدّت إلى نشوء حركة فكرية حول المسيحية، فقد اشتملت تلك الطوامير على مقاطع من الكتاب المقدس والتفاسير والأدعية يعود تاريخها إلى ماقبل (٢٠٠٠) سنة، أي إلى عصر المسيح عليه السلام تقريبا.
و قد ذهب العلماء بعد مطالعة تلك الطوامير إلى أنّها تتعلق بفرقة الأسينيين ـ التي مرّت الإشارة إليها في مبحث اليهودية ـ الذين غلبت عليهم حياة التصحر، و راجت بينهم أفكار عرفانية، واستبدّ بهم الشوق لرؤية مسيح بني إسرائيل، و قد أودعوا كتبهم في جرار، و أخفوها في مغارات بالقرب من البحر الميّت ثم جُهل مصيرها و انقطعت أخبارها.

١ ـ التوبة / ٣٠ .

إنّ كشف هذه الطوامير انعكس بشكل عجيب على المحافل العلمية في العالم لاسيما بعد أن أثبتت التجارب أنها صحيحة و معتبرة وليست مزيفة كما تصور ذلك بعضهم في بداية الأمر.
قال بعض العلماء: إنّ الطوامير المكتشفة ستغيّر رؤيتنا العلمية تجاه المسيح عليه‏السلام و بداية المسيحية.
و قد ألّف العديد من الكتب حول تلك الطوامير، من بينها كتاب «مفهوم طوامير البحر الميّت» لعالم مسيحي متفتح الذهن هو أ. باول. ديفيس، وهو كتاب جدير بالاهتمام. ومما جاء فيه بعد تحليل دقيق لما تضمنته تلك الطوامير:
إنّ اعتقاد أي مسيحي بالمسيحية يتلخّص في أنّ المسيح بشّر بها، ومات كمسيح و منقذ، ثمّ نهض من بين الأموات، و أسس الكنيسة المسيحية التي انتشرت بجهود حوارييه في أرجاء العالم، وأنّه عليه‏السلام كان يهوديا ورث السنن و الثقافة اليهودية و يعتقد المسيحي أيضا أن الرسل كانت لهم مدوّنات من بشارة عيسى عليه‏السلام ، و قاموا بنشر تعاليمه، و يقول بأنهم و بسبب صحبتهم لعيسى عليه‏السلام و ماشاهدوه و ماسمعوه منه وما اكتسبوه من تجارب شخصية قد آمنوا بأنه كان المنقذ و رب البشر و ابن اللّه‏.
و على أية حال، فمعتقدات أي مسيحي لاتتجاوز هذا المقدار، دون أن يخطر بباله أبدا أن معظم معتقداته كانت رائجة قبل المسيحية، أو أن كثيرا من أصولها لايوجد في الكتاب المقدس.
هذا الشي يجهله عامة المسيحيين تماما، أما العلماء منهم فهم يعلمون أنّ الوثنيين في عصر المسيح عليه‏السلام و مابعده كانت لديهم آلهة يعبدونها، و أنّ أسماءها جاءت بعينها في العقيدة المسيحية، فميترا كانت منقذة للبشرية، و كذلك تموز و أدونيس و أوزوريس.
إنّ إطلاق الفادي على المسيح عليه‏السلام والتي تسرّبت أخيرا إلى المسيحية لم تكن عقيدة يهودية، ولم يؤمن بها المسيحيون الأوائل الذين عاشوا في فلسطين.
إنّ المسيح الذي كان ينتظره اليهود و النصارى القدامى ليس هو ابن اللّه‏، و إنما هو نبي مبعوث من قبل اللّه‏ تعالى، و لم يكن من المقرر أن يُقتل تكفيرا عن خطايا البشر، بل كان من المقرر أن يؤسس حكومة على الأرض ينقذ بها البشر، و لم يتطلع المسيحيون القدماء إلى عيسى عليه‏السلام بإعتباره منقذاً يمنحهم الإذن بالدخول إلى السموات، بل باعتباره مؤسسا لنظام سياسي جديد على الأرض، وهذا هو غاية آمالهم.
و قد راجت العقيدة المسيحية في أوساط الوثنيين حينما نادت بعيسى عليه‏السلام كإله منقذ. و هذه العقيدة توائم تماما ماسبقها من أديان خرافية لاسيما ديانة ميترا، فكما يحتفل في (٢٥) كانون الأول (الانقلاب الشتوي) بذكرى مولد ميترا، فإن المسيحيين يحتفلون فيه بذكرى مولد المسيح عليه‏السلام ، و حتى يوم السبت الذي هو سابع الأيام لدى اليهود و الذي حظي في شريعة موسى (التوراة) بتقديس اللّه‏ سبحانه، قد تمّ استبداله بيوم الأحد نتيجة التأثر بالأفكار الميترائية التي تذهب إلى اعتبار اليوم الأول (الأحد) يوم الشمس الفاتح.
و في زمن انتشار المسيحية لم يبق صقع في حوض البحر المتوسط إلاّ و راج فيه التفكير بالأم العذراء وابنها الذي قتل تكفيرا عن خطايا البشر، واقتبس بأسلوب ماهر من أسطورة الهة الأرض العذراء ونجلها فاكهة الأرض الذي يخرج إلى الدنيا لكي يموت ثم يتحول في التراب إلى بذر للفاكهة القادمة، وتبدأ عندها دورة جديدة.
إنّ اختلاف الفصول على الأرض يرتبط باختلاف يماثله في السماء، ذلك أن آلهة برج السنبلة العذراء التي يقترن طلوعها بمرور نجم شعراء اليماني من المشرق معلنا عن ولادة جديدة للشمس،.... و بهذا النحو تفاعلت أسطورة الأرض مع أسطورة السماء، و تفاعلا معا بحكايات الأبطال الأسطوريين في التاريخ الأثري لتنبثق منها أسطورة البطل الفادي.
و زعم أن الكهف الذي ولد فيه عيسى عليه‏السلام هو نفسه الذي ولد فيه حوروس، ذلك الإله الذي ذهب ضحية روح الشر، فغشي أمه إيزيس حزن عميق، وقد زخرت الأديان القديمة بأسطورة الفداء و الفادي، و أسهب في شرحها المؤلفون أمثال: فريزر في كتابه الغصن الذهبي (The GoIden Bough)، و غيلبر موري الأستاذ المتخصص في الآداب اليونانية والرومانية.
و في المسيحية طقوس غلب عليها الطابع المسيحي على الرغم من اقتباسها من أديان قديمة، فالعشاء الرباني مثلاً اقتبس من ديانة ميترا ثمّ دمج بالعشاء المسيحي الفلسطيني. و لم يقتصر الأمر على هذا الجانب، بل جاوزه إلى اقتباس مجموعة من العقائد كتقديس دم الحمل (او الثور) من عقائد ديانة ميترا، واقتباس مجموعة من التعاليم الأخلاقية من أقوام وثنية اعتنقت المسيحية، و من تعاليم الرواقيين.
فالمسيحية كدين ليست بعيدة في أسسها عن العقائد الوثنية وهناك تشابه كبير بينهما في كثير من الوجوه.
يذكر أنه من النادر إطلاق لقب المعلم على عيسى عليه‏السلام ، واشتهر بألقاب أخرى كالمسيح، و المخلص، و الرب(١).
ثم يضيف مؤلف الكتاب قائلاً:
إنّ ثمّة عاملاً رئيسيا رجح كفة الاعتقاد بالمسيح الفادي عند المسيحية على سائر الأديان التي تؤمن بالفداء، وهو بولس، ذلك القديس اليهودي الذي ظهرت براعته في التوفيق بين المسيحية والوثنية التي كان على دراية تامّة بها. وهو أول من احتضن فكره توثيق الصلة بين اسرائيل و معبد أثينا، معبد اورشليم بمذبح ميترا، ويهوه إله الإسينيين بالإله المجهول لتل أورباغوس.

١- Davies, A.poweII, The Meaning of the Dead Sea : New york, New American Library, ١٩٥٦, pp. ٨٩-٩١. Scorlls

وقد ألّف العلماء الغربيون العديد من الكتب في هذا الصدد، وجاءت خلاصة مباحثهم في كتاب «العقائد الوثنية في الديانة النصرانية» لمحمد طاهر التنير، وضم الكتاب العديد من الصور، منها صورة تمثال من تماثيل الديانة الهندية، له رؤوس ثلاثة كرمز للتثليث.
و أطلق على عيسى عليه‏السلام لقب الكلمة (Logos) الذي استل من فلسفة اليونان القديمة، ويؤمن المسيحيون ـ استنادا إلى إنجيل يوحنّا خاصة ـ بان يسوع انسان تحيا فيه كلمة اللّه‏: هذه الرسالة الأزلية التي بها خلق اللّه‏ الحكيم كل شيء، «نصبت خيمتها» بين البشر، متجسّدة في يسوع الانسان، بيسوع عاشت الرسالة الأزلية في إنسان يعمل لتحصيل لقمة العيش و يأكل و يشرب، له الأصدقاء و الأقارب، يتألّم و يموت.

٢ ـ ١٢. الإله، الرب، و ابـن اللّه‏

تطلق كلمة «الإله» في الاسلام على نطاق محدود لاتعرفه سائر الأديان، مثلاً ورد في التوراة الحالية:
«فقال الرب لموسى انظر قد جعلتك إلها لفرعون وهارون أخوك يكون نبيك»(١).
و ما ذكرناه يختص بلفظ (الإله)، أما الرب فهو أعم من الخالق و المخلوق، و لذا أطلقه يوسف عليه‏السلام على ملك مصر «ياصاحبى السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا... و قال للذي ظن أنه ناج منهما أذكرنى عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه...»(٢). فهو بمعنى مولى، ومالك.
وقد أطلق (ابن اللّه‏) في الأديان المختلفة على الأنبياء والصالحين،ونطالع في هذا الصدد ماجاء في حق سليمان عليه‏السلام : «لأني إياه اخترت لي ابنا وأنا أكون له أبا»(٣).

١ ـ الخروج : ٧ / ١ .
٢ ـ يوسف / ٤١ ـ ٤٢، و ٥٠ .
٣ ـ سفر الأخبار الأول : ٢٧ / ٦ .

و نقرأ عن بني إسرائيل: «قال الرب: إسرائيل هو ابني البكر»(١).
وتكرّر استعمال هذا الاصطلاح في الأناجيل الأربعة،وسائر أسفار العهد الجديد، كالنص التالي المنقول عن عيسى عليه‏السلام :
(٤٤) أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وصلّوا من أجل مضطهديكم (٤٥) لتصيروا بني أبيكم الذي في السماوات، لأنه يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينزل‏المطر على‏الأبرار والفجّار.(٢)
ويقول يوحنّا، مصنّف الإنجيل الرابع عن حواريي عيسى عليه‏السلام :
«أما الذين قبلوه، وهم الذين يؤمنون باسمه، فقد مكّنهم أن يصيروا أبناء اللّه‏».(٣)
ونقرأ أيضا في القرآن الكريم: «وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء اللّه‏ و أحبّاؤه».(٤)و(٥)
إنّ الاسلام مع قبوله لبعض المعاني الرمزية مثل يد اللّه‏، و بيت اللّه‏، إلاّ أنّه حرّم استعمال لقب «ابن الله»، لأنه أوجب ضلال أهل الكتاب.
و قد طرأ هذا التحريم بعنوان ثانوي، نظير تحريم جملة «راعنا»(٦).
و ليس ثمّة نص على التثليث في كتاب العهد الجديد، وعبارات مثل «الأب و الابن و روح القدس»(٧) لاتعطي هذا المدلول، لأي شخص لا يحمل هذه الفكرة مسبقا، و لا تخدش بألاف الشواهد (في العهدين القديم والجديد) التي تؤكد على التوحيد، نظير اقتران اسم اللّه‏ بالنبي و الملائكة في القرآن الكريم، فإنه يخلو من أي دلالة على التثليث.

١ ـ الخروج : ٤ / ٢٢ .
٢ ـ متّى : ٥ / ٤٤ ـ ٤٥ .
٣ ـ يوحنّا : ١ / ١٢ .
٤ـ المائدة / ١٨ .
٥ـ وفيالقرن الأخير تفقد غاندي زعيم ثورة الهند طبقة‏المنبوذين واصفا إيّاهم بأبناءاللّه‏.
٦ ـ سورة البقرة / ١٠٤ .
٧ ـ متّى : ٢٨ / ١٩ .

إن عدم وجود النص على التثليث في العهد الجديد، حدا ببعض الجهّال إلى بذل الوسع لتحريف الأناجيل بغية جعل التثليث فيها، ولكن ذلك لم يتيسّر لهم، لأنّ مضامينها كانت معروفة، الأمر الذي دعاهم إلى تحريف رسالة يوحنّا الاولى [٥ / ٧ - ٨]، وتضمينها نصا يدل على وحدة الأب والابن وروح القدس.
و قد أثبت المحققون الغربيون (بعد مقارنة النسخ الخطية بعضها ببعض) أن النسخ الخطية المتأخرة تشتمل على النص المذكور دون النسخ المتقدمة.
إنّ فقدان النص الدال على التثليث، وإجمال العبارات المتعلقة بألوهية عيسى عليه‏السلام ، دعا المسيحيين إلى توسيع لقب «ابن اللّه‏»، ونقله من معناه الرمزي إلى معناه الحقيقي، وظلّت مسألة ألوهية عيسى عليه‏السلام خلال القرون الثلاثة الاولى من ظهور المسيحية، ظلت موضع اختلاف وجدل إلى أن نهض في أوائل القرن الرابع الاسقف آريوس، فوقف بوجه الإعتقاد بألوهية عيسى عليه‏السلام ، ثمّ ازدادت المواجهة حدة، ممّا دعا قسطنطين (وهو أول امبراطور مسيحي) إلى عقد اجتماع في مدينة نيقية بآسيا الصغرى عام (٣٢٥ م) حضره (٣٠٠) أُسقفٍ، ناقشوا خلاله رسائل تمّت إلى الايمان والسلوك، وتمت فيه المصادقة على ألوهية عيسى عليه‏السلام بأغلبية ساحقة، والإعلان عن شجب رأي آريوس، وإصدار القانون النيقاوي المعروف، وها نحن نورد منه الفقرة التي تتعلق بعيسى عليه‏السلام .
«نؤمن باله واحد، أب، ضابط الكل، خالق كل الاشياء ما يرى و مالايرى و برب واحد يسوع المسيح ابن اللّه‏ المولود فى الأب المولود الوحيد أي من جوهر الأب ، إله من إله ، نور من نور ، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق ، مساوٍ للأب في الجوهر الذي به كان كل شيءٍ في السماء و على الأرض الذي من أجلنا نحن البشر و من أجل خلاصنا نزل و تجسّد و تأنس و تألم، وقام أيضاً في اليوم الثالث وصعد إلى السماء و سيأتي من هناك ليدين الأحياء والأموات و بالروح القدس.
وأما الذين يقولون انه كان زمان لم يوجد فيه و انه لم يكن له وجود قبل أن وُلِد و أنّه خُلِق من العدم أو أنّه من مادة أخرى أو جوهر آخر أو أن ابن اللّه‏ مخلوق أو أنه قابل التغيير أو متغير فهم ملعونون من الكنيسة الجامعة الرسولية»
(١).
و قد دلّت أخبار الأئمة الطاهرين عليه‏السلام و أقوال علماء الإسلام و المحققين الغربيين على أن عقائد المسيحية تبلورت على يد بولس الذي كتب في رسالته التي بعثها إلى أهل قولسي «أن عيسى عليه‏السلام هو صورة اللّه‏ الذي لايرى و بكر كل خليقة»(٢).
أما في رسالته التي بعثها إلى أهل فيلبي، فيقول:
(٦)فمع أنه في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة (٧) بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد، و صار على مثال البشر، وظهر في هيئة إنسان (٨) فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب(٣).
و قد جاء شرح سيرة بولس وأفكاره في سفر أعمال الرسل وفي رسائله، و تعرض لانتقاد شديد في أول إنجيل برنابا(٤) و آخره، في حين نسبت بعض الأحاديث الإسلامية(٥) ضلال المسيحيين إلى بولس (المتوفّى حدود ٦٤ أو ٦٧ م).
و وفقا لعقيدة المسيحيين فإن الأناجيل (الإزائية) التي يسودها طابع الانسجام دونت قبل إنجيل يوحنّا بعدة عقود، ودون انجيل يوحنا حدود عام (١٠٠ م) أي بعد (٣٠) سنة من وفاة بولس.

١ ـ نظام التعليم في علم اللاهوت القويم، جيمس أنس الأميركاني: ١ / ١٢٢، بيروت، ط الثانية، ١٨٩٠ م.
٢ ـ رسالة إلى أهل قولسي : ١ / ١٥ .
٣ ـ رسالة إلى أهل فيلبي : ٢ / ٦ ـ ٨ .
٤ـ ينكر المسيحيون إنجيل برنابا.
٥ـ راجع في هذا الصدد : بحار الأنوار للعلامة المجلسي : ٨ / ٣١١.

و يتضح من خلال مقايسة إجمالية بين محتوى الأناجيل الثلاثة الأولى وإنجيل يوحنّا، أن الأناجيل المذكورة لم تغال كثيرا في عيسى عليه‏السلام خلافا لإنجيل يوحنّا الذي شحن بالغلو، كالقول بألوهيته عليه‏السلام ، فقد جاء فيه: «إن سبب مخالفة اليهود لعيسى عليه‏السلام يعود إلى أنه عليه‏السلام جعل من نفسه إلها»(١).
يشار إلى أن الكلام المثبت للسيد المسيح عليه‏السلام في الأناجيل الأربعة، تضمّن و لمرّات عديدة تعبير (إلهي) عند ذكره عليه‏السلام للّه‏ عز وجل، مثال ذلك ما جاء في إنجيل يوحنّا:
«إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم»(٢).
و هذا مشهود في صلاته و عبادته و تضرّعه إلى اللّه‏، و نطالع في متى : ٢٧ / ٢٦، و مرقس: ١٥ / ٣٤، أنّ آخر صرخة لعيسى عليه‏السلام كانت: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني» .

٣ ـ ١٢. الثالوث

لم ترد كلمة «ثالوث» في الكتاب المقدّس قطّ، و أول استعمال معروف لها في تاريخ المسيحية كان على لسان ثاوفيلس الأنطاكي عام (١٨٠)، بيد أن أسس مفهوم الثالوث تلمس في العهد الجديد، وقد أفصحت عنها عبارة إعطاء حق التعميد الوارد في انجيل متى: «عمّدوهم باسم الأب، و الابن، والروح القدس».
و قد دأب مؤلفو الكتب المقدّسة على تسمية اللّه‏ بالأب، و هي الكلمة التي ورثوها عن اليهودية، كما علّم عيسى عليه‏السلام تلاميذه أن يصلّوا قائلين: «أبانا الذي في السماوات»(٣) .
و قال عليه‏السلام أيضا: «إنه يرجع إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم»(٤).

١ ـ أنظر : يوحنّا : ١٠ / ٣١ - ٣٨ .
٢ ـ يوحنّا : ٢٠ / ١٧ .
٣ ـ متّى : ٦ / ٩ .
٤ ـ يوحنّا : ٢٠ / ١٧ .

و قد ركن المؤلّفون المسيحيون العرب ـ لأجل وصف العلاقة بين الله و عيسى ـ إلى مفهومي الحلول و الاتحاد المذكورين في كتابات الصوفيين. و بسبب هذه العلاقة الخاصة، دُعي عيسى ابن اللّه‏، و لا يفهم من ذلك بتاتا أنه ولد ولادة جسدية، لأن فهماً من هذا القبيل تكرهه المسيحية على نحو ما يكرهه الإسلام، و غالبا ما يطلق العهد الجديد اسم روح القدس على روح اللّه‏، و لكن مفهوم المسيحية لروح القدس يختلف عنه في الإسلام، فالكتب المقدسة عندهم لا تقول أن روح القدس هو الملك جبرائيل، أو أنّه خلقّ من خلائق اللّه‏، بل تذهب إلى أنه اللّه‏ نفسه، و أنه يحيا في قلوب البشر و العالم المخلوق و يعمل فيها، أي أنه وجود اللّه‏ القادر الفعّال في العالم، و عيسى حملت به أمّه بقوة روح القدس، و قاده الروح إلى البرية قبيل انطلاقه للتبشير، كما أن الأناجيل تظهر روح القدس حالاًّ على عيسى في صورة حمامة ساعة تعميده في نهر الأردن، وهو (روح القدس) يرشد المجتمع المسيحي ويعلمه، و يكشف عن أسرار اللّه‏، ويلهم محرري الكتب المقدسة، و يدّعى في أسفار العهد الجديد: المعزّي، وروح الحكمة والايمان، و روح الشجاعة، والمحبّة والسرور.
و يدّعي المسيحيون على مر العصور وطوال تاريخ الكنيسة أنّ طبيعة اللّه‏ الثالوثية هي سرّ من الأسرار، لا يمكن تبيينه بعبارات بشرية. و مع أن الكتّاب و المتصوفين و المتكلمين المسيحيين حاولوا الاستعانة بمعطيات العهد الجديد لإدراك بعض ما يمتّ إلى طبيعة اللّه‏، إلاّ أنهم اعترفوا جميعاً بأنّ جهودهم مهما عظمت، ستظل قاصرة.
و قد لجأ المفكّرون المسيحيون على مرّ الأجيال إلى المفاهيم والنظم الفلسفية السائدة في أيّامهم للتعبير عن سرّ الثالوث، وأقر الباباوات والمجامع الكنيسيّة أنّ بعض صيغ التعبير مغلوطة، ولكنهم لم يقصروا صيغ التعبير الأخرى على ما حددوه. و لما كان المسيحيون يؤمنون بأن روح القدس لا ينفك يرشد الكنيسة، فإننا نقول مؤمنين بأن تفهمنا سرّ الثالوث سيظل ينمو ويتطور بفضل مساهمة الباباوات و المجامع والمفكّرين والمتصوفين ،وقد أعلنت المجامع الكنيسية الأولى التي انعقدت في نيقية وأفسوس وخلقيدونية والقسطنطينية أنّ الله واحد في ثلاثة أقانيم، ويمكن تعريب كلمة «أقنوم» اليونانية الأصل بعبارة (طريقة للوجود)، وعلى هذا الأساس، فالأقانيم الثلاثة في الله تعني ثلاث طرق أو ثلاث حالات لوجود الله وعمله.
و لأجل إيصال مفهوم الثالوث، استفاد الكتّاب المسيحيون العرب من الكلمة اليونانية الأصل «أقنوم» و من كلمة صفة (ميزة،مظهر) وتساوي كلمة «أقنوم» كلمة (persona) اللاتينية، وتعني القناع.

 
١٣ ـ الأسرار السبعة

يؤمن المسيحيون بأنّ المسيح القائم من الأموات يحيا في مجتمعه و معه، و أنه ما زال ينجّز الأعمال التي كان ينجّزها مدّة حياته في بلاد فلسطين من تعليم، و صلاة، و خدمات، و شفاء المرضى، و إطعام الجياع، و مسامحة الخطاة، و تكبد الآلام والموت، تلك الأعمال غير المنظورة التي قام بها المسيح تصبح منظورة في الحياة التي تحياها الكنيسة بالأسرار، أو بعبارة أخرى؛ عندما يشترك المسيحي في أحد الأسرار فإنه يؤمن إذ ذاك بأنه يلتقي المسيح الذي قام من الموت ومنحه نعمة اللّه‏ المخلّص.
هذا، و يتفق جميع المسيحيين تقريبا على أن السرّيْن الأساسيين هما التعميد و العشاء الرباني، وثمّة خمسة أسرار أخرى يعتقد بها المسيحيون الأرثوذكس و الكاثوليك، فيكون مجموع الأسرار سبعة.
أما البروتستانت فإنهم يختلفون في عدد الاسرار التي يعتقدون بها باختلاف طوائفهم، على الرغم من أن السواد الأعظم منهم يقبل السّريْن الأساسيين التعميد والعشاء الرباني. وثمة كنائس بروتستانتية قليلة لا أسرار عندها مثل «الكويكرز» و «جيش الخلاص».

١ - ١٣. التعميد

أول الأسرار وأساسها الذي لابدّ منه، هو سرّ التعميد، انه الدخول في الجماعة المسيحية، وبه يأخذ الفرد على عاتقه رسالة الكنيسة عبر الأجيال، ألا وهي الشهادة لأعمال اللّه‏ الخلاصية في عيسى، ويؤمن المسيحي بأن التعميد هو الوسيلة التي بها يمنحه اللّه‏ سائر المفاعيل الناتجة عن حياة عيسى و موته، و المسيحي، لايعمد إلاّ مرّة واحدة، وذلك حينما يدخل في الجماعة المسيحية.
أما كيفية التعميد، فهي ترتبط دائما بنوع من الغطس في الماء، ففي بعض الكنائس يتم سكب الماء على رأس من يطلب التعميد، وفي بعضها يغطس المتعمد في حوض من الماء ثم يخرج منه، ويتم التعميد في عدد من الكنائس باللجوء إلى المياه في وسط الطبيعة، أي إلى الأنهار أو البحيرات، ويقرأ القسيس عند التعميد هذه العبارة المقتبسة من إنجيل متّى: «إني أعمدك باسم الأب والابن و روح القدس». وتعمد بعض الكنائس البروتستانتية باسم يسوع فقط.
و يقام عيد الفصح في أول يوم أحد من صيرورة القمر بدراً عقب الاعتدال الربيعي في ٢٢ آذار إلى ٢٥ نيسان، ويقام عيد الفصح اليهودي ـ وهو ذكرى نجاة بني اسرائيل من يد الفراعنة ـ على مدار الأسبوع من ١٦ الى ٢١ (وفي خارج فلسطين الى ٢٢) نيسان العبري، ويتزامن في بعض السنين مع عيد الفصح المسيحي.
و تجري في هذا العيد مراسم خاصة، مثل: الأسحار، تلاوة الكتاب المقدس، المناجاة، الدعاء، إقامة العشاء الرباني، البحث الرمزي عن جسد عيسى عليه‏السلام و اعلام بعثه، الاحتفالات والمهرجانات، وإهداء البيض الملوّن... .
و ثمّة مراسم مفصّلة تقام قبل عيد الفصح وبعده، ولأجل الوقوف على جانب منها، يجب السفر في الزمان المناسب إلى بعض الدول المسيحية كإيطاليا لمشاهدتها عن كثب، وإلاّ فإن شرح هذه المراسم في الكتب أو مشاهدة الأفلام الخاصة بها يثير كثيرا من التساؤل والاستفسار.
و قد درجت العادة منذ غابر الازمان أن يعمّد أعضاء الجماعة الجدد في أثناء أهمّ أعياد المسيحيين و هو يوم الفصح، و يستمر هذا العيد ثلاثة أيام، و يحل في الربيع غير بعيد عن عيد فصح اليهود، وقوام العيد أعمال عبادية ثلاثة، يركز كل منها على حدث من الاحداث التي جرت في حياة عيسى عليه‏السلام والتي يستند إليها الإيمان المسيحي:

١ ـ في مساء يوم الخميس، يقام تذكار عشاء عيسى الأخير .
٢ ـ يوم الجمعة (عند الظهر تقريبا) يتذكّر المسيحيون موت عيسى عليه‏السلام على الصليب.
٣ ـ بين مساء السبت وصباح الأحد يتمّ الاحتفال الفصحي بقيامة عيسى، وعودته الى حياة جديدة.

و أهمّ تلك الأعياد هو الاحتفال الفصحي، و كان يقام في السابق مساء يوم السبت، و يستمر ليلا إلى أن ينبلج فجر يوم الأحد ،و هو وقت قيامة المسيح بحسب رواية الأناجيل. أما في عصرنا الحاضر، فتتراوح مدّة الاحتفال بين ساعتين إلى أربع ساعات، يعلن في أثنائها المنتمون الجدد الى الجماعة المسيحية إيمانهم و يعمّدون، في حين يقوم الاعضاء القدماء بتجديد إعلان إيمانهم والالتزام بحياة مسيحية حقة.

٢ - ١٣. التثبيت

السرّ الثاني التثبيت، وهو القسم الثاني من طقس التدرج في المسيحية، ففي التعميد يكون التركيز على الخلاص من الخطيئة، إذ يصالح الله تعالى الخاطئ ويدعوه إلى حياة الإيمان والطاعة، أما في التثبيت، فيكون التشديد على الناحية الايجابية في تأدية الشهادة لما حققه اللّه‏ من أجل البشرية في عيسى، و على استمداد القوة من روح القدس للقيام بهذا الواجب. ولما كان الخلاص غير مقتصر على غفران الخطايا، بل هو دعوة
لمتابعة رسالة عيسى بتبديل العالم على نحو ما يريده اللّه‏ سبحانه و تعالى، فإن التثبيت يقوي مَنْ يتقبله ليتحمل أعباء مسؤولياته في المجتمع على ما يليق بالمسيحي الراشد.
التثبيت يمنحه الأسقف أو من ينوب عنه، وقوامه أن يمسح طالبه بالزيت في حين يقال له: «تقبل روح القدس لتستطيع تأدية الشهادة للمسيح». وقد تختلف تلك العبارة الأساسية اختلافا بسيطا باختلاف الكنائس مع المحافظة على جوهرها.
و إذا كان الداخلون في الكنيسة من البالغين، فإنهم يتقبّلون سري التعميد و التثبيت معا على أنهما قسمان في طقس واحد، أما إذا كان المعمّدون أطفالا، فيتم تثبيتهم في وقت لاحق وهم على عتبة البلوغ بين الثالثة عشر و السادسة عشر، و بعض الكنائس البروتستانتية لا تعمّد الأطفال لقولها بأن التعميد يجب أن يسبقه قرار واع باتباع المسيح.

٣ - ١٣. الزواج المسيحي

يرى المسيحيون أن الزواج ليس من الامور الدنيوية، فهو يرمز إلى حب الله للبشرية، ولما كان الزواج وحده حب بين شخصين يلتزمان العيش معا في الأمانة المتبادلة و التعاون، و يسعيان لخلق جو يساعد على انجاب الأولاد وتربيتهم بحيث يعيشون في الإيمان و حب اللّه‏، فإن المسيحيين يعتبرونه رمزا بشريا للطريقة التي يعامل اللّه‏ بها الإنسانية. ذلك بأن اللّه‏ سبحانه يحب الناس و يهتمّ بهم و يظل أمينا لوعوده لهم. و في الزواج يعد المسيحيون بأن يجعلوا من اتحاد الرجل بامرأته علاقة حبه لحب اللّه‏ للبشر و لحب المسيح لجماعة تلاميذه. و لهذا السبب يرون أن الزواج التزام مدى الحياة، ولا يوافقون على الطلاق وإعادة الزواج مادام القرين حيّا.

٤ - ١٣. الدرجات المقدسة

بهذا السر يكرس المرء حياته لخدمة الجماعة المسيحية، ومن خلالها جميع بني البشر، و هناك ثلاث درجات أساسية:

الاولى: المطران، يمثل المسيح في منطقة معينة تدعى الابرشيّة، فينوب عنه معلماً، وإماماً لمراسم العبادة، وخادماً.
الثانية: الكاهن أو القسيس، يعاون المطران في مهامّه الثلاث المذكورة على صعيد جماعة واحدة.
الثالثة: الشمّاس، يبشّر بكلمة الله، ويساعد الفقراء والمسنين والمرضى والمحتضرين.

أما سائر الالقاب الكنيسية، مثل البابا، والبطريرك، ورئيس الأساقفة(١)، والكردينال، والأرشمندريت، والمونسنيور، وسواها، فهي تشير إلى وظائف معينة في الجماعة، ولا مدلول لها على صعيد الأسرار.

٥ - ١٣. المصالحة

في سرّ التوبة أو المصالحة يتقبل المسيحيون غفران اللّه‏، و هم يؤمنون بأنه إذا ما تابوا غفر لهم تعالى، كما أنه يغفر للمسلمين واليهود وغيرهم عندما يتوبون عن خطاياهم. ويأتي المسيحيون إلى سرّ المصالحة ليسمعوا كلام الغفران الالهي، و ليتذكروا كيف أن الله حقق مغفرته هذه الحاضرة أبدا، بواسطة أفعال الخلاص التي أجراها المسيح في أثناء حياته. و حيث أنّ الخطيئة إهانة لا تمس الله وحده، بل لها مضاعفات ونتائج على الصعيد الإجتماعي، فالمسيحيون يتقبّلون علامة غفران اللّه‏ في إطار جماعة الكنيسة.
و قد اتخذ سر التوبة وجوها مختلفة على مر القرون، ففي العصور الاولى من تاريخ الكنيسة كانت التوبة تتم على نحو علني. ثم في العصور المتأخرة درجت عادة الاعتراف الفردي بالخطايا. واليوم يتم التشديد في سر التوبة على الناحية الجماعية.

١ ـ جمع أسقف ، و هي كلمة يونانية الأصل، معناها الناظر.

٦ - ١٣. مسحة المرضى

إن كانت الخطيئة (وهي مرض النفس) تهدد علاقة المرء باللّه‏، فمرض الجسد هو أزمة بشرية تهدد بوضع حد للحياة الأرضية نفسها، وفي كلتا الحالتين يأتي المسيح لسماع رسالة اللّه‏ الخلاصية، و هو يؤمن بأن الله أرسل المسيح ليكون إلى جانب المرضى فيعزيهم و يشفيهم و يهيّئهم لساعة الموت، و سرّ مسحة المرضى علامة تشير إلى وجود اللّه‏ و حبه، وتذكر أنّ الله لم يتخل عن الممتحنين بالأمراض.
و بعبارة أخرى، إنّ الغاية من هذا السر، مواجهة العزلة الأليمة التي غالبا ما يشعر بها المرضى، لا سيما إذا ما راح الجسد يذوب شيئاً فشيئاً في طريقه إلى الموت. مسحة المرضى بالزيت المقدس تؤكد للمريض أنه ليس وحده، بل إن المسيح معه يقوده إلى اللّه‏ تعالى، و أنّ ثمّة جماعة من إخوانه المؤمنين تدعو له ومعه.

٧ ـ ١٣. العشاء الرباني (الإفخارستيّا)

ليس العشاء الرباني في نظر المسيحي واحدا من الأسرار السبعة فحسب، بل هو العمل الأساسي في الإيمان المسيحي و شعائر العبادة المسيحية، وأنه في الوقت نفسه ذكرى لعشاء المسيح الأخير مع تلاميذه في الليلة التي سبقت موته، في أثناء ذلك العشاء أعطى المسيح تلاميذه الخبز و الخمر على أنهما جسده و دمه، ويؤمن المسيحيون أنهم حين يشتركون في هذا العشاء، يكون المسيح موجودا معهم وجوداً جسديا، و يؤمنون أيضا أنه كما أبرم العهد بين اللّه‏ والشعب اليهودي بدم الذبائح على جبل سيناء، فكذلك يبرم العهد الجديد بين اللّه‏ والبشر بدم عيسى المسيح.
لقد ابتكرت كل الكنائس المسيحية طقوسها أو شعائرها الخاصة للاحتفال بالعشاء الرباني، إلاّ أنّ هناك عنصرين أساسيين ثابتين في سائر تلك الطقوس، هما:

١ ـ القراءات في الكتاب المقدس (اثنتان أو ثلاث) .
٢ ـ تناول القربان المقدس.

في أثناء مباركة الخبز و الخمر يتلو المترئس كلمات المسيح في العشاء الأخير، و في الكنائس الأرثوذكسية و الكاثوليكية لا يترأس الاحتفال إلاّ الأسقف أو من ينوب عنه، أي الكاهن. وبالإضافة إلى القراءات والتناول ثمّة تراتيل وصلوات للتوسل والشكران، وعظة قوامها شرح مقاطع الكتاب المقدّس التي تليت، وتطبيقها على حياة المسيحيين اليومية، وتبادل السلام.
يشعر الكثير من البروتستانت بأن العشاء الرباني بالغ الخطورة، بحيث ينبغي التهيّؤ له على أتم وجه، فلا يحتفل به إلاّ في بعض المناسبات، و بناء على ذلك يقيم الكثيرون منهم عشاء الرب أربع مرّات في السنة أو مرّة واحدة في الشهر، أما الأرثوذكس فيحتفلون به في أيّام الأحد والأعياد، في حين يرى الكاثوليك أن العشاء الرباني قلب عبادة الله اليومية، وهذا ما يحدوهم إلى الاحتفال به في كل يوم.

 
١٤ - أسباب انتشار المسيحية

ثمّة عاملان رئيسيان يؤثّران في نمو وانتشار أي دين : أحدهما : تحمّل الضغوط و المصاعب في سبيله، والثاني: التبليغ، فالدين إذا أهمل يموت.
و قد تعرّض المسيحيون طيلة (٣٠٠) سنة من ظهور المسيحية إلى ألوان من المحن و الاضطهاد، و قدّموا ضحايا كثيرة في هذا السبيل، حتى تمكّنوا في هذه المدّة من وضع أسس الدين، ومن نشره بين أقوام مختلفة، ولكن جهودهم لم تكن تخلو من إخفاقات.
إنّ ازدياد عدد المسيحيين في الإمبراطورية الرومانية أدّى إلى الاعتراف بهذا الدين رسميا في النصف الاول من القرن الرابع، وعلى إثر العامل الثاني، أي التبليغ و التبشير، أخذ ينتشر في أرجاء واسعة من العالم.
إنّ بعض الأديان مثل اليهودية لاتفتقر إلى التبليغ، إيماناً منها بأن كثرة الأتباع لا يعزّز كيانها، بينما أولت أديان أخرى كالإسلام والمسيحية اهتماما ًكبيراً بالتبليغ، فالوفود والهيئات التبشيرية المسيحية بعثت قديماً إلى معظم أرجاء العالم لنشر الدين المسيحي، وفي القرون الأخيرة وعلى إثر ازدهار الحضارة الغربية وظهور الاستعمار والغزو الثقافي أخذت المسيحية تنتشر في الشرق أيضاً.

 
١٥ ـ ظهور الجدل الكلامي

انتشرت المسيحية في أرجاء الامبراطورية الرومانية، وأخذ المفكّرون يستعملون المصطلحات الفلسفية والمفاهيم السائدة في أيّامهم للتعبير عن العلاقة القائمة بين اللّه‏ و عيسى، وبهذه الطريقة تبلور علم اللاهوت المسيحي.
بعض المسيحيين الأوائل تأثّروا بالأفكار الغنوصية، فانكروا إنسانيّة عيسى عليه‏السلام . وكان الغنوصيون يعدّونه ملاكاً حمل معه معرفة سرية للّه‏. وإلى جانب هؤلاء، قام الظاهريون فقالوا بأنّ عيسى ظهر فقط بمظهر البشر، ولم يكن له جسم بشري، ولم يمت على الصليب. أما الكنائس المسيحية، فقد شجبت في القرن الثاني تعاليم الغنوصيين والظاهريين، وأكدت على حقيقة الإنسانية في عيسى عليه‏السلام .

 
١٦ ـ المسيحية في روما

لما استقامت الكنائس، نهض الأساقفة بإعباء كل كنيسة من الكنائس المحلّية، يعاونهم في ذلك القسّيسون، واهتم الشمامسة بشؤون المعجزة و البائسين، و قدّموا ألواناً من أعمال البرّ و الإحسان، و ظهر في المجتمع المسيحي بالإضافة إلى هؤلاء أفراد ذو مواهب خاصة قاموا بخدمة الكنيسة وترسيخها، فكانت ثمّة رسل وأنبياء يتحدّثون بءالهام من روح اللّه‏، و مبشّرون، و دعاة، و معلّمون.
أما موقف السلطات الرومانية من الكنيسة، فكان متسامحاً في بعض الأحيان، ولكن غالباً ما لجأ الولاة إلى اضطهاد الأتباع و قتل الكثيرين منهم، بما فيهم بطرس و بولس. و مع مرور الزمن بدأت بعض المراكز كروما و أورشليم و الإسكندرية و أنطاكية تكتسب أهمية خاصة و قدرة متميّزة. و كان لهذه المدن الأربع بطاركة يرعون شؤونها. كما أنشئت في مناطقهم مقاطعات عرفت باسم «الابرشيات» يتولى أمورها الأساقفة .
و لما بنى قسطنطين عاصمته الجديدة القسطنطينية (اسطنبول) في القرن الرابع، اصبحت هذه المدينة من المراكز الهامّة التي يرعى كنيستها أحد البطاركة.
وقد تحول المسيحيون في أيام قسطنطين (المتوفّى ٣٣٧ م) من مجموعة تضطهدها سلطات الامبراطورية الرومانية إلى كيان ذي شأن عبر الاعتراف الرسمي بالكنيسة، الأمر الذي أسفر عن تحولات كبيرة في حياتها، ففي ظل الامبراطوريتين البيزنطية والرومانية أصبح أغلب الناس ـ باستثناء اليهود ـ مسيحيين. ولما تمّ الانشقاق بين الكنائس الشرقية والغربية، فءان كلاً من الجانبين اتخذ أسلوباً مستقلاً في المراسم العبادية والفلسفية و اللاهوتية.
و لمّا ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية في أوائل القرن السابع الميلادي و راح الولاة المسلمون يديرون شؤون المناطق التي سبق ان كانت مسيحية في مصر وبلاد الشام وما بين النهرين وشمال إفريقيا، اضطرّ المسيحيون إلى أن يأخذوا بعين الاعتبار الاسلام ديناً والمسلمين رفاقاً في الإيمان والمواطنة لا بل حكّاماً في أغلب الأحيان، وفي العصر الأموي ألّف يوحنّا الدمشقي أول كتاب مسيحي يبحث في المعتقدات الإسلامية.
و في القرن الحادي عشر وحتى الثالث عشر، شنّت الدول الأوروبيّة الحروب الصليبية، فكان من آثارها العداء و التوجّس الذي استمرّ إلى اليوم لا بين المسلمين و المسيحيين فحسب، بل بين مسيحيي غرب أوروبّا ومسيحيي الديار البيزنطية أيضاً.
وكان لأعمال التدمير والتنكيل والتقتيل التي مارسها الصليبيون في هجومهم على القدس (١٠٩٩ م) والقسطنطينية (١٠٢٤ م) أسوأ الأثر سواء عند المسلمين أو المسيحيين الشرقيين.

 
١٧ ـ الانشقاق في الكنيسة

تدلّ كلمة «الانشقاق» على انقسام لاعلاقة له بالعقيدة بين جماعتين من المسيحيين، و أهمّ الانشقاقات في تاريخ الكنيسة، هو ذلك الذي حصل بين كنيستي القسطنطينية و روما، وقد عرف احياناً ب «الانشقاق بين الشرق والغرب» ، فقد ذهبت الكنيسة الرومانية إلى أن الذين يرعون الكنائس ويسوسونها، هم أساقفة العالم، عاملين معاً في جسم واحد يشرف عليه أسقف روما، أما كنيسة القسطنطينية فترى أنّ خمسة مراكز للمسيحية تتساوى في السلطة، و هي: أورشليم و أنطاكية و روما و الإسكندرية والقسطنطينية.
و على الرغم من هذا الاختلاف في مفهوم السلطة، ظلّ المسيحيون التابعون لروما و القسطنطينية متحدين حتى القرن التاسع عندما حصل أول انقسام مؤقت في زمن فوتيوس بطريرك القسطنطينية. و في القرون اللاحقة تصالحت الكنيستان لفترات معينة، كانت تعقبها الانقسامات إلى أن تمّ الانشقاق الأخير بين روما والقسطنطينية سنة (١٠٤٥ م).
و مما لاشكّ فيه أن أغلب الانشقاقات كانت تنشأ لأسباب سياسية، إلاّ أنّ عنصراً عقائدياً دخل في الانشقاق الأخير، وقوامه استعمال عبارة «والابن» في قانون الإيمان. فالكاثوليك و كذلك البروتستانت يستعملون هذه العبارة للدلالة على إيمانهم بأن روح القدس منبثق من اللّه‏ الأب ومن عيسى الابن العاملين معاً. أما الأرثوذكس فإنهم يتمسكون بالصيغة الأصلية، ولايستخدمون عبارة «والابن» و يقولون بأن روح القدس منبثق من اللّه‏ الأب فحسب.
و على الرغم من أن تلك المسألة كانت موضع نقاش محتدم بين المسيحيين الشرقيين والغربيين في العصور المتقدمة، فانّها في الحقيقة ليست سبباً هامّاً للخلاف، والمسيحيون الغربيون يقبلون بالصيغة التقليدية التي يتمسك بها الشرقيون، والمشكلة لا تعني في الواقع إلاّ علماء اللاهوت، أما عامة المسيحيين فهم بعيدون عن هذا الجدال.
وفي العقود الأخيرة نشط السعي إلى الوحدة بين كنيستي القسطنطينية و روما، و في هذا الإطار زار الباباوات: يوحنّا الثالث والعشرون، وبولس السادس، و يوحنا بولس الثاني، البطريركين المسكونييّن أثيناغوراس و ديمتريوس في اسطنبول، وقد ردّ هذان الزيارة بالذهاب إلى روما. كما أنشأت الكنيستان لجاناً أنيط بها حل المشاكل بطريق يمكن معها تحقيق الوحدة.

 
١٨ ـ الامبراطورية المقدّسة

ما إن اعتنق قسطنطين قيصر الروم المسيحية في مطلع القرن الرابع الميلادي، حتى أخذ نفوذ الكنيسة يتصاعد بالتدريج، وبدأ تدخّلها في السياسة يأخذ منحىً صعودياً. و في عام (٨٠٠ م) توّج البابا زعيم المسيحيين شارلمان ملك فرنسا، فكانت هذه الخطوة بداية لتأسيس الامبراطورية الرومانية المقدسة. ومنذ ذلك الحين أصبح تدخّل رجال الدين المسيحي في السياسة أمراً علنياً. وفي ذلك العصر كان اندلاع الحروب الصليبية وإنشاء محاكم التفتيش، واستمر ذلك التدخل إلى عام (١٨٠٦ م)، فاعلن فيه رسمياً عن إنهاء تدخّل الكنيسة في الشؤون السياسية.
إنّ إحدى أفجع الحوادث التي مُنيت بها الإنسانية في القرون الأخيرة، هي صيحات الاعتراض التي رفعها رجال الكنيسة بوجه العلماء والمفكرين الغربيين في سعيهم الدؤوب نحو التقدم والرقيّ. هذا السلوك غير اللائق أساء إلى الوجه المشرق للدين، و دفع بالناس إلى إعلان رفضهم للكنيسة.
و على اثر تدخّل الكنيسة في الشؤون السياسية والاجتماعية، وصل علماء الغرب و مفكروهم إلى هذه النتيجة، وهي انّ تدخّل الدين في السياسة يحقق المنافع لرجال الدين، ويجلب المضار للناس كافة. وقد نالت هذه الفكرة تأييداً واسعاً من قبل قطاعات كبيرة من الشعب الذي سخط ضغوط الكنيسة، وخاض نضالاً فكرياً و مسلحاً ضدها، انتهى الى التحرر من قيودها.
و قد بحثت العلوم السياسية في أوروبا في القرون الوسطى عن دور الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أو الامبراطورية الرومانية المقدسة، وعمّن يقدّم على الاخر، و احتدم الجدل حولهما، فتوماس الاكويني (١٢٢٥ ـ ١٢٧٤ م) دافع في كتابه «الخلاصة اللاهوتية» عن دور الكنيسة، بينما دافع دانته ألياري (١٢٦٥ ـ ١٣٢١ م) في كتابه «حول السلطنة» عن المسيحية المتحدة تحت لواء الامبراطور والبابا.
و في عام (١٣٠٩ م) انتقل الكرسي البابوي من روما بإيطاليا إلى مدينة افينيون بفرنسا إثر الضغوط التي مارسها الامبراطور فيليب الرابع، واستمر هذاالوضع حتى عام (١٣٧٧م) أي مايقرب من سبعين عاماً، و أطلق على هذه الحقبة بالجلاء البابلي للباباوات، تشبيهاً لها بجلاء اليهود الى بابل في القرن السادس قبل الميلاد.
و لما أعيد الكرسي البابوي إلى روما، عارض ذلك باباوات افينيون و أصرّوا على إبقائه في مدينتهم، فكان هذا الأمر بداية للانشقاق الكبير الذي برز عام (١٣٧٧ م) و دام أربعين سنة، أي حتى عام (١٤١٧ م).
و في مطلع القرن الخامس‏عشر اشتدالنزاع على‏الكرسي البابوي بين‏ثلاثة من الباباوات، و هم: غريغوريس الثانيعشر بابا روما، ومعارضه بنديكتس الثالث بابا أفينيون، و جان الثالث والعشرون مرشّح الامبراطور، و بهذا واجهت الكنيسة و في وقت واحد نزاعاً بين‏الباباوات المذكورين الذين ادّعى كل واحد منهم أنّ‏الحقّ إلى جانبه. ولأجل بحث هذه المسألة ومسائل أخرى تمّ تشكيل مجمع كونستانس (١٤١٤ ـ ١٤١٨ م) الذي تقرّر فيه عزل الباباوات الثلاثة، وتعيين البابا مرتينس الخامس، و بهذا الإجراء وُضِعَ حدّ للانشقاق المذكور.
و في القرن السادس عشر الميلادي بحث نيكولا ماكيا فيلي (١٤٦٩ ـ ١٥٠٠م) في كتابه «الامير» المعايير اللازم توفّرها في الحاكم المقتدر، و أوصى أصحاب النفوذ بضرورة طمس القيم الأخلاقية في سبيل الوصول إلى الحكم، تطبيقاً لمبدأ: «الغاية تبرّر الوسيلة».
و في القرن السابع عشر، كتب توماس هابز يقول: لايجب الحد من صلاحية الحاكم و قدرته، لأنها نشأت من عقد اجتماعي، و بناءً على ذلك فإنّ من واجبات الحكومة توفير الأمن الاجتماعي و الاستجابة لمطالب الشعب. و أكّد جون لاك على هذا الموضوع بقوله: إذا تنصلت حكومة ما للوعود التي قطعتها على نفسها قبال الشعب فلابد من تنحيتها عن الحكم.
و في أواخر القرن الثامن عشر، و بعد سنوات من الهدوء، آل النفوذ السياسي للبابا إلى الضعف، حيث عمد ملوك فرنسا و ايطاليا و بموافقة الرأي العام إلى الاستيلاء بالقوة على قصور و أملاك البابا و مصادرتها، و بذلك قوّضوا النفوذ السياسي للكرسي البابوي، و أطاحوا به.
إنّ اخضاع الباباوات لهذا الوضع لم يكن بالأمر الهيّن، ولهذا أعادت إيطاليا طبقاً لقانون الضمانات الصادر في (١٨) أكتوبر عدداً من قصور البابا، ومنحته قدرة سياسية محدودة، إلاّ أن البابا لم يوافق على القانون المذكور، الأمر الذي أدّى إلى قطع العلاقات
الدبلوماسية بين الفاتيكان وإيطاليا، واستمرت القطيعة (٦٠) عاماً. وأخيراً وبعد محادثات طويلة استغرقت (٣) سنوات، تمّ عقد معاهدة لاتران (١١ شباط ١٩٢٩ م)، الّتي حلّت فيها مسألة روما، وفي عام (١٩٨٤ م) تمّ التوقيع على معاهدة جديدة بين الطرفين كبديلة عن معاهدة لاتران.

 
١٩ ـ الحركة الرهبانيّة

منذ أيام الرسل كان هناك بعض المسيحيين قد اختاروا اتّباع المسيح في حياة ا لتبتّل والتقشّف، فعيسى عليه‏السلام نفسه لم يتزوّج قطّ و قد علّم أنّ ثمّة من يظلون على البتولية في سبيل «ملكوت اللّه‏). علماً إنّ أغلبية الرسل بمن فيهم بطرس كانوا متزوّجين في حين كان بولس بتولاً، وحالته نادرة. وفي البداية كانت البتولية مرتبطة بالاعتقاد بعودة عيسى الوشيكة، وبمجيء اليوم الأخير، إلاّ أنه مع مرور الزمن ولما تبيّن أنّ مجيء عيسى الثاني لم يكن وشيكاً، اختار بعض المسيحيين البتولية علامة للحياة الجديدة التي ينبغي إيجادها في المسيح، وللعلاقات الجديدة ضمن الجماعة المسيحية، وهي علاقات مبنيّة لا على وشائج الدم والقرابة، بل على الإيمان باللّه‏.
و لابدّ من التذكر أنه منذ أيام الرسل كانت الحياة الزوجية في نظر المسيحيين الحالة الطبيعية لاتّباع المسيح وتأدية الشهادة لتعاليمه. والبتولية كانت ومازالت طوال تاريخ المسيحية سبيلاً استثنائياً لعدد محدود من المسيحيين يشعرون بأنهم مدعوون دعوة خاصة إلى السير فيه ليحيوا حياتهم الإيمانية.
و في القرون الأولى حيث عصفت الاضطهادات الهوجاء، كوّن المسيحيون جماعة صغيرة مشدودة الروابط، اتبعت طريق الإنجيل وسط المخاطر الجسيمة التي أحاطت بكل الأفراد. و لكن لما أصبحت المسيحية في زمن قسطنطين دين الدولة، و اعتنقها
أغلبية سكان الامبراطورية الرومانية، بات من الطبيعي أن تتدنى المستويات، و راح الكثير من المسيحيين يعيشون على نحو لا يعكس تعاليم عيسى، و من هذا الوضع الاجتماعي المتبدّل نتجت الحركة في اتجاه الترهّب في الصحراء. و معلوم أن اليهود سبقوا المسيحيين في هذا المجال إذ قامت عندهم قبل المسيح جماعات الإسينيين، و كان لها أديرة بالقرب من قمران على شاطى‏ء البحر الميت. و كانت تلك الجماعات ترى أن المجتمع العلماني شرير لايمكنه الخلاص، و تحاول أن تُبعد أعضاءها عن التجارب وفساد المجتمع باللجوء إلى طريقتهم الخاصة و العيش في الصحراء.
و في القرنين الثالث والرابع سلك بعض المسيحيين تلك الطريقة نفسها، فتركوا المدن كالإسكندرية و أنطاكية، و طلبوا العزلة في البرّيّة ليعيشوا فيها عيشة التوحد و الصلاة و التقشف، و ما كاد يذيع صيت أحد الرهبان القدّيسين المقيمين في خلوة الصحراء، حتى يتوافد عليه الكثيرون بغية استرشاده، والتتلمذ عليه، وامضاء الوقت معه في الصلاة. وكان بعضهم يختار البقاء معه ليعيش على غراره مقتدياً بمثاله. و هكذا قامت حول صوامع النساك والمتوحدين أولى الجماعات الرهبانية ذات الحياة المشتركة.
و هذه الظاهرة بدأت أول ما بدأت في برّية مصر، ثم سرعان ما انتشرت في المناطق الصحراوية بسورية و الجزيرة العربية و من أوائل النسّاك انطونيوس (المتوفّى ٣٥٦ م) و مقّار (المتوفّى ٣٩٩م)، و قد مارسا أشدّ صنوف التقشّف. أما باخوميوس (المتوفّى ٣٤٦م) فقد استقطب حوله رفاقاً وتلاميذ، وبنى تسعة أديرة في كل منها مائة راهب.
و كان باخوميوس أول من دوّن قانوناً لتنظيم الحياة الرهبانية الجماعية.
في مقابل ذلك اختلف مفهوم الحياة الرهبانية في رأي الآباء القيادوقيين: باسيليوس وغريغوريوس النزينزي وغريغورس النيصيّ، فإنهم قالوا بعدم فساد المجتمع البشري، وبالتالي بعدم الحاجة إلى نبذه. و كلّ من هؤلاء الأساقفة الثلاثة كان كثير الانشغال ملتزماً فعّالاً في المجادلات اللاهوتية و الأوضاع السياسية الراهنة، إلاّ أنّهم واظبوا جميعاً على العودة حيناً بعد حين إلى الصحراء للصلاة و التفكير، و بذلك شعروا أنهم يستطيعون كبح جماح الأشغال، والتذكّر أن هدف الحياة إنما هو اتباع تعاليم الإنجيل على أكمل وجه.
و قد سنّ باسيليوس قانوناً للرهبان مازال متبعاً في الكنائس الشرقية، وأنشئت الأديار «الباسيلية» في سائر أنحاء البراري السورية والعربية وفي المناطق القليلة السكان بالاناضول و اليونان و كان الرهبان يسدون الإرشاد و النصائح في أمور الدين إلى أهل المدن الوافدين عليهم، كما أنهم كانوا يوفرون الضيافة والملجأ و إمكانية الإخلاد إلى الهدوء للمسافرين الذين يضلّون طريقهم في الصحراء أو للمضطهدين والواقعين في بعض المشاكل.

 
٢٠ ـ الإصلاح الديني

أفرزت حياة الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى الكثير من الآفات، لعل أبشعها و أخبثها السيمونية، وهي بيع الوظائف الدينية والامتيازات الكنسية، إلى ذلك كان الباباوات و الأساقفة و الكهنة يستأثرون أو يكادون بالأدوار الأساسية في حياة الكنيسة في حين لا دور يذكر للعلمانيين الذين ظلّوا في جهل مطبق إزاء الإيمان و الدين، إلاّ أنّ كنيسة العصور الوسطى لم تعدم الحركات الإصلاحية بعضها قبل بسلطة البابا و حاول استئصال الفساد الذي شوّه وجه الكنيسة، و بعضها الآخر نبذ الكنيسة الكاثوليكية وحاول أن يحيا حياة مسيحية أفضل وأنقى فبرزت عنده في بعض الاحيان عناصر لاتوافق الإيمان التقليدي في الكنائس فاتّهم بالهرطقة وقد تعقبت الكنيسة والدولة معاً تلك البدع و حاربتها بكثير من القساوة في أغلب الأحيان.

١ ـ ٢٠ ـ الإنتفاضات القديمة

و أشهر تلك الإنتفاضات كانت حركات البُوكوميل في البلقان (من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر)، و الألبيجيّن في جنوب فرنسا (بين القرنين الثاني عشر و الثالث عشر) و الفَلدييّن في شمال إيطاليا (منذ القرن الثاني عشر و حتّى هذه الأيّام)، و ويكْلِف في انكلترا (القرن الرابع عشر) و هوس في بُوهيميا (القرن الخامس عشر)، و أنشئت محاكم التفتيش سنة (١٢٣٢ م) للتحقيق في البدع القائمة، و إصدار حكم الإعدام على كل من وُجد على ضلالة، و لم يكن مستعدّاً للتوبة.

٢ ـ ٢٠ ـ مارتن لوثر

في وقت كان الكثيرون في الكنيسة يدعون إلى الاصلاح تفجّرت قضيّة (صكوك الغفران) و راحت تدقّ إسفين الانقسام في كنيسة أوروبّا الغربية. ذلك أنّ عدداً من الوعّاظ المتحمّسين أخذوا يجوبون الأقطار الأوروبيّة مدّعين أنّ كل مؤمن يستطيع النجاة من عقاب الخطيئة فيحال تبرّعه للكنيسة بقدر من‏المال. فهبّ مارتن‏لوثر (المتوفّى ١٥٤٦م) و نشر عام (١٥١٧ م) لائحة أدرج فيها (٩٥) فقرة، خالف فيها الكاثوليكية. و إليك نص بعض هذه الفقرات:

ـ الخلاص يتمّ بالإيمان وحده.
ـ الكتاب المقدّس هو المرجع الوحيد للإيمان المسيحي.
ـ لا يجب الاعتقاد بأن العشاء الربّاني قرباناً.
ـ بطلان الرهبانية والنذر لأجلها.
ـ إيلاء العلمانيين دوراً أهم في طقوس العبادة وشؤون الرعاية.
ـ استقلال الكنيسة المحلّية عن روما.
ـ رفض بعض ممارسات الكاثوليك كالحج والصوم والاعتراف بالخطايا.
ـ معارضة التجاوزات كبيع صكوك الغفران، والسيمونية.

و كان لوثر يبتغي إصلاح الكنيسة بحسب تعاليم الكتاب المقدس الأصلية (لذا سمّيت حركته بالإصلاح الإنجيلي)، وكذلك العودة إلى إيمان الجماعة المسيحية الأولى. وقد حثّ لوثر الأمراء الألمان على نبذ سلطة البابا وفرض إصلاحه الإنجيلي. و في العصر الحاضر تنتشر الكنائس الإنجيلية الإصلاحية في بلاد أوروبّا الشمالية (ألمانيا، النرويج، السويد، الدانمارك، و فنلاندا).

٣ ـ ٢٠. المصلحون الآخرون

ما إن انبثقت حركة الإصلاح، حتّى ظهرت الاختلافات بين أتباع لوثر في عدّة أمور تمّت إلى الإيمان، و راح بعضهم يؤسّس كنائس خاصّة به. ففي سويسرا تزعم زفينكلي (Zwingli) (المتوفّى ١٥٣١ م) حركة الإصلاح فيها. و انفصل عن لوثر في مسألة حضورالمسيح في العشاء الرّباني. أما جان كلفان (Calvin) (المتوفّى ١٥٦٤ م) وهو أحد ألمع المصلحين، فقد رفض مفهوم الكهنوت و أدخل فكرة الاختيار المسبق، و برز تأثيره أكثر مابرز في سويسرا و هولندا و فرنسا واسكتلندا.
أما (الأناباتيست) أي تجديديّو التعميد، فلم يكونوا حركة واحدة، بل عدّة نزعات بروتستانتية رفضت تعميد الأطفال، و ركّزت على القبول الشخصي بعيسى مخلّصا، وشدّدت على التقوى الباطنة، و عمل روح القدس في المسيحي، وبساطة العيش و المسالمة، و رفض العنف، و نبذ السلطة الدينية و المدنية، والكنائس المنبثقة عن هذا التيار هي كنائس الكويكرز (جمعية الأصدقاء الدينية) والموراقيين والمنّونيّين والمعمدانيّين.

٤ ـ ٢٠. الإصلاح في إنجلترا

بدأ الإصلاح البروتستانتي في إنجلترا مع انشقاق حصل في أيّام هنري الثامن، فقد رفض هذا الملك سلطة روما، في حين ظلّ محافظاً على العقيدة الكاثوليكية. و مازالت كنيسة إنجلترا تتّسم بهذا الطابع و تكوّن مع شقيقات لها في بلدان أخرى (كنائس الشركة الأنكليكانية). و في عهد ابنة هنري الثامن الملكة اليزابث. وجد الكثير من عناصر البروتستانتية طريقه الى كنسية انجلترا. و على وجه التحديد ظهرت الأوجه الإنجليزية للإصلاح عند الطهوريين (puritans) الذين أرادوا تطهير كنيسة إنجلترا على نحو ما فعل كلفان و أتباعه، و الميثوديين (Methodists ) الذين انطلقوا بهمّة جون ويزلي (j.wesley ) و ركّزوا على التقوى الباطنة في معارضة الإيمان المبني على الصيغ اللاهوتية.
يذكر أنّ جميع تلك التيارات البروتستانتية انتقلت إلى الولايات المتحدة الإميركية (وهي اليوم أعظم دولة ذات أغلبية بروتستانتية في العالم) و إلى أستراليا و نيوزلندا و إفريقيا الجنوبية، كما نقلها المرسلون إلى آسيا و الشرق الأوسط و إفريقيا.

٥ ـ ٢٠. الإصلاح الكاثوليكي المضاد

اضطرّت الكنيسة الكاثوليكية إلى الاعتراف بصواب العديد من التّهم التي وجّهها إليها المصلحون، و رأى الكثيرون من أبنائها أنّ التجاوزات التي اعترض عليها المصلحون هي حقيقة راهنة، و ينبغي الكفّ عنها دون إبطاء، و من جهة ثانية لاحظ الكاثوليك أن المصلحين أهملوا باندفاعهم الإصلاحي عناصر أساسية من الإيمان المسيحي ومن ثم انطلقت حركة تسعى إلى إصلاح الكنيسة الكاثوليكة من الداخل، سمّيت ب «الإصلاح المضاد». و كانت الخطوة الأولى في هذه الحركة دعوة وجّهها البابا لعقد مجمع إصلاح إلتأم بين عامي ١٥٤٥ م، و ١٥٦٣ م، وعرف بالمجمع التريدنتينيّ (نسبة إلى المدينة التي استضافته)، ولم يشترك فيه لا الارثوذكس ولا البروتستانت.
و قد وضع المجمع التريدنتيني حدّاً لأغلب التجاوزات التي ندّد بها المصلحون، كما أنه أعلن مجدداً و دحضاً للمصلحين، التعليم الكاثوليكي التقليدي. ومن الذين عملوا بنشاط لإرساء الإصلاح المضادّ أعضاء رهبانيّات حديثة التأسيس كالكبّوشيين واليسوعييّن، وسعى الجميع إلى إصلاح الكنيسة الكاثوليكية من الداخل بالانصياع إلى سلطة البابا لابالخروج عنها. و البلدان التي طالها نشاط الإصلاح المضاد هي التي يغلب فيها الكاثوليك كاسبانيا و إيطاليا و بولونيا و ايرلندا.

٦ ـ ٢٠. الكنائس الأرثوذكسية والإصلاح

ازدهرت الدراسات اللاهوتية في الكنيسة الأرثوذكسية طوال قيام الامبراطورية البيزنطية، واستمرّت على ازدهارها بعد سقوط القسطنطينية، متأصلة في تقاليد عريقة. وفي القرن السادس عشر رأى الأرثوذكس أنه يجب عليهم توضيح موقفهم من المسائل العالقة بين الكاثوليك والبروتستانت. وعلى الرغم من أن أحد بطاركة القسطنطينية المدعو كيرلّس لوكاريس (المتوفّى ١٦٣٨ م) كان ميّالاً إلى مواقف كلفان، فاَءنَّ الكنائس الأرثوذكسية أقرّت بأنها تتمسك في أغلب المسائل المطروحة بالمواقف التقليدية على نحو ما فعلت الكنيسة الكاثوليكية.

٧ ـ ٢٠. المجمع الفاتيكاني الثاني (١٩٦٢ ـ ١٩٦٥ م)

انعقد آخر المجامع المسكونية في الكنيسة بدعوة من البابا يوحنا الثالث والعشرين، و كان يهدف إلى تجديد الكنيسة الكاثوليكية بمقتضى حاجات العصر الحديث. وقد شارك في المجمع أساقفة كاثوليك من جميع أرجاء العالم، وحضر إلى جانبهم مراقبون من الكنائس الأرثوذكسية والبروتستانتية. فضلاً عن ضيوف ينتمون إلى الإسلام واليهودية وديانات أخرى.
وقد صدرت عن المجمع الفاتيكاني هذا ست عشرة وثيقة، كانت الغاية منها تجديد سائر مظاهر الإيمان المسيحي و ممارساته. و إليك أهمّ تعاليم المجمع:

١ ـ مكانة الكتاب المقدّس المميّزة في إيمان الكنيسة.
٢ ـ كهنوت جميع المسيحيين.
٣ ـ الالتزام بمتابعة العمل في سبيل الوحدة المسيحية.
٤ ـ الالتزام الفعّال بالنضال من أجل العدالة و السلام و حقوق الإنسان.
٥ ـ إقامة شعائر العبادة باللغات المحلّيّة.
٦ ـ خلاص اللّه‏ لاتباع سائر الديانات.

و ثمّة وثيقة صادرة عن المجمع بعنوان «تصريح حول علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية» والفصل الخاص منها بالاسلام، هو أول كتابة عالجت فيها الكنيسة موضوع المسلمين معالجة رسمية، و فيما يلي مختصر لمضمون التصريح:

ـ على المسيحيين أن يحترموا المسلمين ويولوهم كل الاعتبار.
ـ المسلمون والمسيحيون يعبدون الإله الواحد، خالق السماء والأرض، القدير، الرحيم، المكلّم البشر.
ـ المسلمون والمسيحيون على السواء يجتهدون في أن يخضعوا لأوامره تعالى.
ـ كلا الفريقين يستند في إيمانه إلى إيمان إبراهيم.
ـ المسلمون يجلّون عيسى عليه‏السلام نبيّاً ويكرمون مريم العذراء.
ـ المسلمون والمسيحيون ينتظرون يوم الدين وقيامة الأموات.
ـ المسلمون يولون الحياة الأخلاقية اهتماماً خاصّا.
ـ و يعبدون اللّه‏ لاسيما بالصلاة والصوم والزكاة.

و اختتم المجمع تصريحه حول الإسلام بهذا الكلام:
«و لئن نشأت على مرّ القرون منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع يحضّ الجميع على أن يتناسوا الماضي، و ينصرفوا باخلاص الى التفاهم، و يصونوا ويعززوا معاً السلام والحرية والعدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية لصالح جميع الناس».
و في سنة (١٩٦٥ م) أنشأ البابا بولس السادس أمانة للحوار مع الأديان في الفاتيكان، ألحقها بعد ذلك بلجنة للحوار مع الإسلام، كان من مهامّها : تعزيز الاحترام المتبادل و التفاهم بين المسيحيين و المسلمين عن طريق المحاضرات الأكاديمية و الدراسات و المشاريع المشتركة في ميادين الشؤون الاجتماعية وقضايا التنمية والأخلاق.
٢١ ـ الفرق المسيحية
ظهرت في المسيحية كسائر الأديان فرق ومذاهب متعددة، كان بعضها قديماً وبعضها الآخر متأخراً نسبياً، وكثر أتباع بعض منها، وقلّ أتباع بعض آخر.
ويطلق المسيحيون على الفرقة اسم الكنيسة، وثمّة ثلاث فرق أو كنائس كبرى في المسيحية إلى جانب فرق صغرى، والإختلاف بين بعضها كالكاثوليك والارثوذكس جزئي للغاية، في حين كان كبيراً بين بعضها الآخر، كما هو الحال بين الكاثوليك والبروتستانت. وقد مرّ الحديث عن بعض الفرق لدى استعراض مبحث الإصلاح الديني. وفيما يلي نشير إلى الفرق أو الكنائس الثلاث الكبرى في المسيحية.

١ ـ ٢١. الكنيسة الكاثوليكية

و هي قديمة للغاية، يعود تاريخها الى عصر الحواريين (اي نحو ٢٠٠٠ سنة). وللكاثوليك رئيس روحي واحد هو البابا (pope) أي الأب. وظهرت لهم منذ تبشير رسل عيسى عليه‏السلام خمس كنائس كبرى أقيمت في كل من: أورشليم والإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية و روما.
و قد تمّ تأسيس كنيسة روما على يد بطرس، وتزعّمها بولس لبرهة من الزمان. وقد اعتبرت كنيسة روما نفسها أفضل من سائر الكنائس، وبالفعل أصبح تفوقها أمراً واضحاً. وللكنيسة الكاثوليكية أسقف أعظم هو البابا. يقضي في الخصومات والمرافعات التي تجري بين الكنائس، ويسلّم إلى رأيه و فتواه. و كان يطلق على أساقفة الكنائس الخمس
الآنفة الذكر ـ وقبل انتقال كرسي الامبراطورية إلى بيزنطة ـ اسم بطريرك. إلاّ أن أسقف روما لم يرتض هذا اللقب، واكتفى بعنوان البابا كامتياز له. يشار إلى أنّ معنى الكاثوليكية (Catholic) في اللغة اليونانية: الجامع.

٢ ـ ٢١. الكنيسة الأرثوذكسية

ظهرت هذه الفرقة قبل ألف سنة، وهي لا تختلف في عقائدها عن فرقة الكاثوليك، غير أنها لاتعترف بسلطة روحية واحدة، بل تذهب إلى أنّ أسقف روما (البابا) هو كسائر الزعماء الروحيين.
وتضمّ الكنائس الأرثوذكسية البطريركيات الأربع القديمة: القسطنطينية، و الإسكندرية، و أنطاكية، و أورشليم إلى جانب البطريركيات الحديثة: روسيا، وصربيا، و رومانيا، و بلغاريا، و جيورجيا فضلاً عن الكنائس الأرثوذكسية في قبرص و اليونان، و الجمهوريتين التشيكية و السلوفاكية، و بولونيا و ألبانيا.
و ينضوي المسيحيون الأرمن في عداد الأرثوذكس في العقائد. و كانت أرمينيا أول دولة في التاريخ تعتنق المسيحية ديناً رسمياً لها، و ذلك لما تنصّر ملكها «تريدات الثاني» سنة (٣٠١ م) على يد القدّيس غريغوريوس المنوّر. ولم تقبل الكنيسة الأرمنية بمجمع خلقيدونية ولذا فهي ليست متحدة بالكنائس الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، والزعيم الروحي لتلك الكنيسة هو كاثوليكوس (جاثليق) إتْشمِيدَزين.
و يختلف الأرثوذكس عن الكاثوليك في بعض المسائل الكلامية، فهم يعتقدون مثلاً أنّ روح القدس صادر عن الأب فقط، بينما يعتقد الكاثوليك و البروتستانت أنه صادر عن الأب والابن معاً. وينكر الأرثوذكس وجود المَطْهَر و هو مكان تطهر الانفس فيه بعد الموت يشار إلى أن معنى أرثوذكس (Orthodox) في اللغة اليونانية: المستقيم الرأي.

٣ ـ ٢١. الكنيسة البروتستانتية.

منذ حوالي (٥٠٠) سنة و حتّى اليوم، برزت في المسيحية فرق بروتستانتية لاحصرلها. والكنيسة البروتستانتية لا تعترف بزعامة روحية و مركزية، و لاتقيم وزناً للرهبنة، و ترفض عقائد الفرق الأخرى. و تؤمن بمسيحية معرّاة منها، كما أنها حافظت على عقائد غير عقلانية كالتثليث والفداء. يشار إلى أن البروتستانت (Protestant) إصطلاح فرنسي مشتقّ من اللاتينية، معناه المحتج.

 
٢٢. الديانة المسيحية في العصر الحاضر

كانت الجماعة المسيحية تؤمن في بداية الأمر بأنّ عيسى عليه‏السلام لن يلبث ان يعود في المجد، فراحت تنتظر بفارغ الصبر «اليوم الأخير». وعكست ذلك الانتظار وذلك التشوق الأسفار الأولى من أسفار العهد الجديد (كالرسالتين إلى أهل تسالونيقي)، في حين انصبّ اهتمام الأسفار اللاحقة (كالرسالتين إلى طيموتاوس والرسالة إلى تيطس و رسالتي القديس بطرس) على تنظيم الجماعة وتوجيهها، بحيث تسير سيرة مسيحية في هذه الدنيا.
و لئن أدرك السواد الأعظم من المسيحيين مع مرور الزمن أنّ عودة المسيح ليست بوشيكة، فقد ظلّت قلة منهم تعتقد بأن عيسى عليه‏السلام سيعود عما قريب، ذلك بأنهم فسّروا ما ورد في سفر الرؤيا عن القتال بين الخير والشرّ تفسيراً حرفياً، فراحوا ينتظرون عودة عيسى الوشيكة ليؤسّس ملكاً يدوم ألف سنة. يليها يوم الدينونة. و لطالما قامت في تاريخ المسيحية شيع صغيرة عرفت ب «الأخيريّة» أو «الألفية» دأبت على الاستعداد لمجيء المسيح في آخر الزمان.
و قد ظلّت المسيحية يراودها الشوق والأمل بعودة المسيح عليه‏السلام بعد ذهابه، بناءً على
فكرة انتظار الموعود، وتتلهّف لرؤيته كلما اقتربت من الألفية الأولى والثانية.
و منذ بداية ظهورها، أولت المسيحية أهمّية بالغة للتبشير، و جاب المبشّرون معظم أرجاء العالم بهدف التبشير، و بذلوا قصارى الجهد في تعلّم اللغات المختلفة و ترجمة الكتاب المقدس و إعداد كراسات تبشيرية، تساندهم في هذه المهمّة الدول الغربية.

الخلاصة

    ا ـ ولد عيسى عليه‏السلام في بيت لحم و هي التي ولد فيها داود قبل حدود ١٠٠٠ عام من الميلاد، و تعتبر سنة ولادة المسيح بداية التاريخ الميلادي، ولكن يصعب تحديد سنة ولادته على وجه الدقة.
وكان عليه‏السلام قد شرع في التبشير و هو في الثلاثين من عمره و قام تعليمه الأساسي على أمرين:

١ ـ توبوا، أي توبوا عن الخطيئة و توبوا إلى اللّه‏.
٢ ـ اقبلوا ولاية اللّه‏ على حياتكم.

    ب ـ اختار عيسى عليه‏السلام في بداية الدعوة اتباعاً يستعين بهم على نشرها، و اختار منهم ١٢ تلميذاً سمّاهم الرسل و أطلق عليهم القرآن اسم الحواريين.
و يعدّ شمعون من كبار الرسل و قد أطلق عليه المسيح اسم بطرس، اي الصخرة.
    ج ـ و على الرغم من أنّ عيسى عليه‏السلام عيّن بطرساً خلفاً له إلاّ أنّ رسولاً آخر هو بولس حاز على مكانة أفضل حتّى عدّ المؤسس الحقيقي للمسيحية.
كان اسمه في البداية شاؤول ثمّ بدّل اسمه إلى بولس بعد اعتناقه المسيحية، وقد أثارت الأفكار الجديدة التي طرحها صراعا عنيفاً بينه و بين بطرس وسائر الرسل، توفّي بولس في روما في حدود الأعوام ٦٤ ـ ٦٧.
    د ـ يعتبر العهد الجديد الكتاب المقدّس للمسيحيين و قد دوّن باللغة اليونانية، و يضمّ ٢٧ سفراً.
و ينقسم موضوعياً إلى أربعة أقسام: الأناجيل ـ أعمال الرسل ـ رسائل الرسل ـ الرؤيا و المكاشفة.
    ه ـ يؤمن المسيحيون بأنّ الأناجيل أربعة و هي: إنجيل متّى ـ إنجيل مرقس ـ إنجيل
لوقا ـ إنجيل يوحنّا قد دوّنت بعد سنوات من مضي عيسى عليه‏السلام و هي تتناول سيرته و كلماته، و لم يكونوا يعتقدون بأنّ له عليه‏السلام كتاباً، و لم يكونوا يختارون انجيلا فيتبعونه بمعزل عن الأناجيل الأخرى، لأنّ ايمانهم مبني على الإناجيل الأربعة معاً، و هم يعتقدون بأنّ إيمانهم غير كامل ان هم تخلوا عن أيّ من هذه الأناجيل.
    و ـ يعني المسيحيون بعمل اللاهوت سائر مظاهر اجتهاداتهم الفكرية لفهم إيمانهم و يؤكّد اللاهوتيون الأرثوذكس على أنهم لايعرفون عن اللّه‏ إلاّ ما أوحاه لهم هو نفسه، و عليه فعلم اللاهوت على وجه الدقة علم الوحي، و هو يشتمل لدى المسيحيين مجالاً من الدراسات الدينية أوسع من مجال الكلام في الإتجاه الإسلامي.
    ز ـ لاحظ المفكّرون الغربيون في القرون الأخيرة أنّ ثمّة تشابها عجيباً بين المسيحية و الأديان الهندية و رأوا أنّ كثيراً من عقائد المسيحية كالتثليث و الفداء و قصة الصلب هي بعينها موجودة في الأديان الوثنية دون ان يكون لها جذور تاريخية في عقائد بني إسرائيل.
    ح ـ لم ترد كلمة الثالوث في الكتاب المقدّس و أوّل استعمال معروف لها في تاريخ المسيحية كان على لسان ثاو فيلس الأنطاكي عام ١٨٠ م بيد أنّ أسس مفهوم الثالوث تلمس في العهد الجديد و قد افصحت عنها عبارة إعطاء حق التعميد في إنجيل متّى «عمدوهم باسم الأب و الإبن و روح القدس».
    ط ـ يتفق جميع المسيحيين على أنّ السرّين الأساسيين هما التعميد و العشاء الرباني، و ثمّة خمسة أسرار أخرى يعتقد بها المسيحيون الأرثوذكس و الكاثوليك فيكون مجموع الأسرار سبعة، و هي : التعميد ، التثبيت ، الزواج المسيحي ، الدرجات المقدسة ، المصالحة، مسحة المرضى و العشاء الرباني.
    ي ـ إنّ أهمّ الفرق أو الكنائس المسيحية هي: الكنيسة الكاثوليكية ، الكنيسة الارثوذكسية و الكنيسة البروتستانتية.

تمارين

١ ـ ما هو العهد الجديد، و ما هي أقسامه الرئيسية؟
٢ ـ لماذا عُدّ بولس المؤسس الحقيقي للمسيحية؟
٣ ـ اذكر تعريفا للكلمات التالية: الثالوث ، أقنوم ، الكويكرز ، الافخارستيا و السيمونية.
٤ ـ ما هي الأسرار السبعة؟
٥ ـ اشرح باختصار الإمبراطورية المقدسة؟
٦ ـ ما هو الإصلاح الكاثوليكي المضاد؟