اليهودية

 
١ـ العبرانيون

ينحدر اليهود من العِرق السامِي الذي ينتسب إليه الآشوريون و العرب. ولغة و آداب و ثقافة وعادات و رسوم هذه الأقوام متقاربة بنحو دفع بالباحثين إلى الاعتقاد بأنهم ينحدرون من أصل واحد، و لذا فإنّ البحث عن ثقافة كل قوم يستدعي البحث عن ثقافة سائر الأقوام السامية، فالبحث في الأدب العربي مثلاً، إنما تكتمل حلقاته فيما لو رافقته دراسة في اللغات العبرية و السريانية والحبشية.
و لا تتوفّر بين أيدينا معلومات دقيقة عن الجذور التاريخية للعبرانيين، و يرى بعض الباحثين أن كلمة «عبراني» أطلقها الكنعانيون على إبراهيم عليه‏السلام بعد دخوله أرض كنعان، ثم أصبحت من ألقابه، و سرى ذلك في أعقابه ؛ لأن العبراني من مادة (ع ب ر) و تعني عبور النهر، باعتبار أن إبراهيم عليه‏السلام عبر نهر الفرات في طريقه إلى أرض كنعان.
و يرى بعض آخر من الباحثين أنّ عبراني منسوب إلى عابر، و هو اسم جدّ من أجداده الأقدمين.
و يقول آخرون إنّ إبراهيم ينحدر من عرق آري، انطلاقاً من كون اسم أبيه أو عمّه آزر، إلاّ أنّ الباحثين يستبعدون هذه النظرية، لعدم توفّر معلومات عن المعنى اللغوي لكلمة آزر في القرآن الكريم و المصادر الإسلامية.
جدير بالذكر أنّ اسم والد إبراهيم عليه‏السلام في التوراة هو تارَح.

 
٢ـ ابراهيم عليه‏السلام

بلغ إبراهيم الخليل عليه‏السلام من العظمة بمكان، بحيث أصبح مثاراً للنزاع بين اليهودية و المسيحية و الإسلام، و كلّ يدّعيه لنفسه، يقول الله تعالى: «ما كانَ إبراهيمُ يَهوديّاً و لا نصرانيّاً و لكنْ كانَ حَنيفاً مُسلِماً و ما كانَ مِنَ المُشرِكينَ»(١). و كانت له مكانة سامية أيضاً لدى المشركين الذين دأبوا على زيارة و تقديس كل ما يمتّ بصلة إلى إبراهيم في مكّة المكرّمة.
و قد ذكرت التوراة نسب إبراهيم عليه‏السلام ، و أنهته إلى آدم عليه‏السلام . هذه السلسلة من النسب وجدت طريقها إلى بعض الكتب الإسلامية دون أيّ فحص و تدقيق عن أصلها و منشئها.
و حسب وجهة نظر أهل الكتاب، فإن إبراهيم ولد في مدينة أُور(٢) عام ٢٠٠٠ ق .م. (أي قبل أكثر من ٤٠٠٠ عام)، و قد أطلق عليه في البداية ـ و وفقاً لما جاء في التوراة ـ اسم أبرام (و يعني الأب السامي) ثم بدّله الله سبحانه إلى اسم إبراهيم (و يعني أبا الأقوام) و هو في التاسعة و التسعين من عمره.
و طبقاً للتوراة، فقد عزم والد إبراهيم و هو تارح على السفر إلى أرض كنعان (في غرب فلسطين)، و اصطحب معه ولده إبراهيم عليه‏السلام ، و سارة زوجة إبراهيم، و حفيده لوطاً عليه‏السلام ، و في أثناء الطريق عدل عن رأيه، و حطّ الرحال في مدينة حرّان الواقعة في جنوب تركيا الحالية، و المتاخمة للحدود السورية.
لقد أطلقت التوراة على أبيإبراهيم اسم‏تارح، في حين سمّاه القرآن‏الكريم آزر، و وصفة بالشرك(٣).

١ ـ آل عمران / ٦٧.
٢ ـ مدينة أور؛ احدى المدن الاثرية القديمة الواقعة على ضفاف نهر الفرات عثر عليها عقب عمليات الحفر والتنقيب التي أجريت في العراق قبل زهاء قرن.
٣ ـ الأنعام / ٧٤.

و يعتقد علماء الشيعة أن جميع أجداد النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ و منهم أبو ابراهيم ـ كانوا موحّدين، هذا الاعتقاد دفعهم إلى القول بأن آزر كان عمّ إبراهيم، و أنه لاضير في اللغة العربية من إطلاق الأب على العمّ، و قد ورد نظيره في القرآن الكريم.(١)
وقد ورد في التوراة أنّ إبراهيم عليه‏السلام غادر حرّان بأمر الله تعالى، وله من العمر (٧٥) سنة، قاصداً أرض كنعان، و بمعيّته زوجته سارة و ابن أخيه لوط عليه‏السلام و رهط من أهل حرّان، فلما وصلها نصب خيامه على سفح جبل يقع في شرق بيت ايل، ثم نزل مدينة حَبْرون (الخليل).
و مكث فيها إلى آخر عمره و لازالت مقبرة أسرته موجودة إلى الآن في تلك المدينة.
أما لوط عليه‏السلام ، فقد رحل إلى مدينة سَدوم، و قام بالدعوة فيها و في المدن المجاورة لها، فكذّبه الناس و عصوْه، فأنذرهم عذاب اللّه‏ فلم يكترثوا، فهلكوا عن بكرة أبيهم، و قد جاء ذكر هذه الحادثة في القرآن الكريم أيضاً.(٢)
و ثَمّة حادثتان بالغتا الأهمية في حياة إبراهيم عليه‏السلام لم تتعرّض لهما التوراة قطّ، إحداهما تحطيم الأصنام و إلقاؤه في النار، و الأخرى حادثة بناء الكعبة.
و قد سرد القرآن الكريم الحادثة الأولى في سورتي الأنبياء و الصافّات، في حين أشار إلى الحادثة الثانية، و هي بناء الكعبة على يد إبراهيم و إسماعيل في سورة البقرة، الآية ١٢٧، و قد تمّ بناؤها في أواخر عمره الشريف، نظراً إلى أن الله سبحانه وهب له إسماعيل، و هو في سن الشيخوخة.(٣)
و قد وردت في التوراة قصة ذبح ولده، و فيها أن إبراهيم عليه‏السلام أمر بأن يذبح إسحاق عليه‏السلام دون أن يبوح له بذلك، بل قال له: أُمرت بذبح شاة كقربان يرسله لي ربّي.

١ ـ البقرة / ١٣٣.
٢ ـ انظر: سورة الحجر ، والشعراء ، و القمر .
٣ ـ إبراهيم / ٣٩.

أمّا القرآن الكريم فإنّه تحدّث عن وقائع قصّة إسماعيل على النحو التالي:
«فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعىَ قالَ يا بُنىَّ إنّى أرى فى المَنامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنى إنْ شَاءَاللّه‏ُ مِنَ الصّابِرينَ».(١) و كما نعلم فإن اللّه‏ سبحانه قد فداه بكبش، و نجّى إسماعيل من الموت.

 
٣ ـ إسماعيل و إسحاق عليهماالسلام

ونقرأ عن إبراهيم عليه‏السلام في التوراة:

(١) لاتخفْ يا أبرام. أنا ترس لك، و أجرك عظيم جداً (٢) أيّها السيّد الرب ماذا تعطيني؟ إني منصرف عقيماً، و قيّم بيتي هو أليعازَر الدمشقي (٣) وقال أبرام: إنك لم ترزقني نسلاً فهوَ ذا ربيب بيتي يرثني (٤) فإذا بكلمة الربّ إليه قائلاً: لن يرثك هذا بل من يخرج من أحشائك هو يرثك (٥) ثم أخرجه إلى خارج، وقال: انظر إلى السماء و أحصِ الكواكب إن استطعت أن تحصيَها، وقال له: هكذا يكون نَسلك.... (١٨) في ذلك اليوم قطع الرّب مع أبرام عهداً قائلاً: لنسلك أُعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات(٢).

١ ـ الصافات / ١٠٢.
٢ ـ سفر التكوين : ١٥ / ١ ـ ١٨.

ثمّ إن التوراة تخصّ العهد المذكور بإسحاق جدّ بني إسرائيل، و تقول في سِفر التكوين:

(١٨) فقال إبراهيم للّه‏: لو أن إسماعيل يحيا أمام وجهك. (١٩) فقال اللّه‏: بل سارة امرأتك ستلد لك ابناً و سمِّه و أُقيم عهدي معه عهداً أبدياً لأكون له إلهاً ولنسله من بعده. (٢٠) و أما اسماعيل فقد سمعت قولك فيه وها أناذا أباركه و أنمّيه و أُكثره جداً جداً و يلد اثني عشر رئيساً و أجعله أمة عظيمة (٢١) غير أن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك سارة في مثل هذا الوقت من السنة المقبلة.(١)

ورد في التوراة أن اللّه‏ سبحانه كان قد وعد إبراهيم عليه‏السلام بالبركة في نسله مراراً، و قد رُزق من جاريته هاجر ولداً اسمه إسماعيل (و يعني يسمع اللّه‏)، و بعد مضي (١٤) عاماً رُزق من زوجه سارة ولداً اسمه إسحاق (ويعني يضحك).
وقد أوجزت التوراة الكلام في هذه الواقعة، و اكتفت بالإشارة إلى أن إسماعيل عليه‏السلام سكن فاران، و أن أمه اختارت له زوجة من مصر، و أعرضت عن الخوض في تفاصيل حياته، حتى أنها لم تتحدّث بجملة واحدة عن بناء الكعبة.
و طبقاً لما جاء في الروايات الإسلامية فإن العثور على الماء لأجل إسماعيل، إنما كان في مكة المكرمة، ويُعرف اليوم ببئر زمزم، في حين تقول التوراة إن ذلك كان في مكان يُدعى بئر شِبَع.
وجاء في التوراة أيضاً أنّ إسحاق عليه‏السلام ورث إبراهيم عليه‏السلام و أنه رُزق توأمين، سمّى أحدهما عيسو (ويعني لغةً كثيف الشعر، و كان هو كذلك عند ولادته)، و سمّى الآخر يعقوب (ويعني يتعقب) لان ولادته أعقبت ولادة شقيقه التوأم.

 
٤ ـ إسرائيل

كان ليعقوب عليه‏السلام اثنا عشر ولداً، ولُقّب بإسرائيل. هذا الاسم المركّب فسّره أهل الكتاب بمن نال الظفر على اللّه‏، وأصل المعنى في العبرية هو من انتصر على خصمه الشجاع. وقد ورد في التوراة أن يعقوب صارع اللّه‏ سبحانه فغلبه، فأُطلق عليه إسرائيل(٢)، و لكنّ أهل الكتاب قالوا ـ منذ القدم ـ إن المقصود من اللّه‏ في القصة المذكورة،

١ ـ سفرالتكوين : ١٧ / ١٨ـ ٢١.
٢ ـ راجع : سفر التكوين : ٣٢ / ٢٤ ـ ٣٢.

هو أحد ملائكته.(١)
و بعد سرد عدة مقاطع، وردت حادثة فقد يوسف عليه‏السلام ، و ما أسفر عنها من استقرار بني إسرائيل في أرض مصر، و بها تختتم مطالب سفرالتكوين من التوراة.
ونطالع في سفر الخروج من التوراة أنه توفّر لبني إسرائيل عيش رغيد في أرض مصر، و تكاثر نسلهم فيها، و أن إقامتهم في مصر كانت أربعمائة و ثلاثين عاماً.(٢)
وتقدّم بنو إسرائيل (وهم اثنا عشر قبيلة أُطلق على كل منها السبط) في العلوم و الفنون، مما أثار حسد و خشية المصريين من نفوذهم و تهديدهم للحكم، و لهذا قرّروا استضعاف بني إسرائيل، و العهدة إليهم بالأعمال الشاقة، كما استقرّ رأيهم على أن يذبّحوا أبناءهم و يستبقوا بناتهم.

 
٥ ـ ديانة قاطني الصّحراء

عاش العبرانيون في بداية أمرهم حياة البداوة، ثم بدأوا في الاستقرار بالمدن في عهد النبي يوسف عليه‏السلام .(٣) وقد أثّرت حياتهم البدوية تأثيراً بالغاً على اعتقاداتهم و طقوسهم الدينية.
ولما نجّى موسى بني إسرائيل من جور فرعون، تاهوا في صحراء سيناء أربعين سنة، ثم عاشوا حياة الاستقرار في المدن و أسّسوا حضارة هي ميراث قيّم لليهود. و ما المسيحية إلاّ نتاج لتلك الحضارة.

١ ـ راجع : سفر هوشع : ١٢ / ٣ ـ ٤.
٢ ـ راجع : سفر الخروج : ١٢ / ٤٠.
٣ ـ ورد هذا الموضوع في سورة يوسف، الآية ١٠٠ .

 
٦ ـ تبدّل الأَفكار عند بني إسرائيل

إنّ تبدّل أفكار الشعوب أمر طبيعي وليس بغريب، وقد تأثّر العبرانيون خلال تنقّلهم و ارتحالهم من مكان إلى آخر بأفكار شعوب مختلفة، و في هذا الصدد جاء في سورة الأعراف، الآية ١٣٨ أن بني إسرائيل حينما جاوزوا البحر صادفوا قوماً يعكفون على أصنام لهم، فطلبوا من موسى عليه‏السلام أن يجعل لهم صنماً يعبدونه، فأنكر عليهم هذا الطلب أشدّ الإنكار.
و تأثّر بنو إسرائيل أيضاً لما استقروا بمصر بمعتقدات المصريين، إذ عهدوا بعد مبارحتهم أرض مصر إلى تقليد المصريين في تقديسهم للعجل، فصنعوا عجلاً، و راحوا يعبدونه.

 
٧ ـ موسى عليه‏السلام

نطالع في الاصحاح الثاني من سفر الخروج من التوراة:
«ومضى رجل من آل لاوي،(١) فتزوّج بابنة لاوي، فحملت المرأة وولدت ابناً، ولما رأت أنه جميل، أخفته ثلاثة أشهر، ولما لم تستطع أن تخفيه بعد، أخذت له سلّة من البردي و طَلَتْها بالحُصَر و الزّفت، وجعلت الولد فيها ووضعتها بين القصب على حافة النهر، ووقفَت أخته من بعيد لتعلم ما يحدث له، فنزلت ابنة فرعون إلى النيل لتغتسل، و كانت وصائفها يتمشّين على شاطى‏ء النيل، فرأت السلة بين القصب، فأرسلت خادمتها فأخذتها و فتحتها، ورأت الولد فإذا هو صبي يبكي، فاشفقت عليه، و قالت: هذا من أولاد العبرانيين، فقالت أخته لابنة فرعون: هل أذهب و أدعو لك مرضعاً من العبرانيات ترضع لك الولد، فقالت لها ابنة فرعون: اذهبي، فذهبت الفتاة و دعت أم الولد، فقالت لها ابنة فرعون: اذهبي بهذا الولد فارضعيه لي، و أنا أُعطيك أُجرتك، فأخذت المرأة الولد و أرضعته، ولما كبر الولد، جاءت به ابنة فرعون فأصبح لها ابناً، و سمّته موسى، وقالت: لأني انتشلته من الماء».

١ ـ اسمه في الأخبار الإسلامية عمران، و في التوراة عمرام بن قهات بن لاوي بن يعقوب (سِفر الخروج : ٦ / ١٤ ـ ٢٠).

هذه الحادثة تشبه إلى حدّ كبير ماجاء في سورة القصص من‏القرآن الكريم، وطبقاً للحسابات‏التاريخية، فإنها وقعت فيحدود عام١٢٥٠ ق. م.
وعلى أية حال، فقد نظم موسى أمور قومه، وأعدّهم لقتال الكافرين، وعلّمهم أحكام اللّه‏، وبارك فيهم، ثم توفّي في مكان يُعرف ب «موآب» بالقرب من البحر الميّت، وقد بلغ مائة و عشرين عاماً، و أقام بنو إسرائيل الحداد عليه لمدّة ثلاثين يوماً. هذه الوقائع نقلت في آخر سفر التثنية، و بها خُتمت التوراة:
«...(٥) فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب بأمر الرب و دفنه (٦) في الوادي في أرض موآب تجاه بيت فعور و لم يعرف أحد قبره إلى يومنا هذا (٧) و كان موسى ابن مئة و عشرين سنة حين مات و لم يكلّ بصره و لم تذهب نضرته (٨) فبكى بنو إسرائيل على موسى في برِّيَّة موآب ثلاثين يوماً إلى أن انقضت أيام الحزن على موسى (٩) أما يشوع بن نون فمليء روح حكمة، لأن موسى وضع عليه يديه فأطاعه بنو إسرائيل و عملوا كما أمر الربّ موسى (١٠) ولم يقم من بعد في إسرائيل نبي كموسى الذي عرفه الربّ وجهاً لوجه (١١) في جميع
الآيات والخوارق التي أرسله الربّ ليصنعها في أرض مصر بفرعون و جميع رجاله و كل أرضه (١٢) و في كل يد قوية وكل مخافة عظيمة صنعها موسى على عيون إسرائيل كله.

 
٨ ـ تأسيس اليهودية

نطالع في الاصحاح الثالث من سفر الخروج أنه تراءى لموسى على جبل حوريب في صحراء سيناء ملاك الرب في لهيب نار من وسط عُلّيقة و تكلّم معه.
وورد في القرآن الكريم أن أول كلام للّه‏ سبحانه مع موسى عليه‏السلام ، كان من شجرة في وادي طوى:
«فلمّا قَضى موسى الأَجَلَ و سارَ بأهلِهِ آنَسَ من جانب الطُّور ناراً قالَ لاِءَهلِهِ امكثوا إنّى آنَسْتُ ناراً لَعلّى آتيكُم مِنْها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلّكُم تصْطَلون. فَلمّا أتاها نُودى من شاطِى‏ءِ الوادِ الأَيْمَنِ فى البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا موسى إنّى أنا اللّه‏ُ ربُّ العَالَمينَ»(١)
وطبقاً لما جاء في التوراة، فإن اللّه‏ تعالى وعد موسى أن يفكّ أسر بني إسرائيل من أيدي المصريين، و أن يهبهم أرض كنعان المباركة، و انطلاقاً من ذلك فقد تلقّى أمراً بالذهاب إلى فرعون، و يطلب منه أن يترك بني إسرائيل وشأنهم، و تقرّر أن يؤازره هارون في هذه المهمة.
و ورد في التوراة أن اللّه‏ سبحانه زوّد موسى عليه‏السلام بمعجزة تبديل عصاه إلى ثعبان، وظهور نور ساطع من يده، فجمع فرعون السحرة لأجل منازلة موسى عليه‏السلام ، فابتلع الثعبان جميع أدوات سحرهم، فأدرك السحرة آنذاك أن ماجاء به موسى عليه‏السلام ليس من السحر في شيء.

١ ـ القصص / ٢٩ ـ ٣٠ .

وورد في القرآن المجيد أنهم آمنوا بموسى عليه‏السلام غير هيّابين ولاوجلين من فرعون ثم أنزل اللّه‏ ـ عقب هذه المعجزات ـ صوراً من العذاب على المصريين. و في كل مرة يقطع فرعون على نفسه عهداً بفك أسر بني إسرائيل. إلاّ أنه لم يفِ بوعده قط. وقد أشارت التوراة إلى عشرة أنواع من العذاب:

١ ـ تبديل مياه المصريين إلى دم.
٢ ـ ازدياد عدد الضفادع.
٣ ـ ازدياد البراغيث.
٤ ـ ازدياد الذباب.
٥ ـ موت دواب المصريين إثر تفشي الوباء.
٦ ـ إصابة المصريين و دوابّهم بالدُّمّل.
٧ ـ إصابتهم بالبَرَد، و تلف المزارع و الحيوانات.
٨ ـ ازدياد الجراد.
٩ ـ حلول الظلام في مساكنهم لمدّة ثلاثة أيام.
١٠ ـ هلاك المواليد الأبكار للمصريين (حتى فرعون) و حيواناتهم.

و سرد القرآن الكريم تسع معجزات لموسى(١) و الظاهر أن المقصود منها هي المعجزات التي جاء بها لفرعون، و إلا فصريح القرآن الكريم، والتوراة أن معجزاته فاقت هذا العدد، و قد ذكر القرآن بعض أنواع العذاب السالفة الذكر.(٢)
و بناءً على ماورد في التوراة، فإنّ فرعون قد رضخ في النهاية للأمر الواقع، فأرسل إلى موسى وهارون ليلاً، و أذن لهم بالخروج ببني إسرائيل. فخرج بنوإسرائيل إلى جهة البحر الأحمر شرقي مصر و نصبوا هناك خيامهم، إلاّ أنّ فرعون سرعان‏ما نَدِم، فأتبعهم بجنوده، فلحق بهم و قد بلغوا شاطى‏ء البحر، فلما رأى قوم موسى فرعون و جنوده من بعيد، حينها رفع موسى يده إلى البحر، فانفلق، فتجاوزه بنو إسرائيل إلى الشاطيء الثاني، فلما تبعهم جنود فرعون في البحر، أشار موسى عليه‏السلام بيده بأمر من اللّه‏ سبحانه، فَغرقوا جميعاً. أما غرق فرعون نفسه، فلم تُفصح عنه التوراة.

١ ـ الإسراء / ١٠١.
٢ ـ الأعراف / ١٣٠ ـ ١٣٣ .

و يظهر من القرآن الكريم و الأحاديث أن بني اسرائيل خرجوا من مصر بأمرٍ من الله سبحانه، لا بإذن فرعون(١)، كما صرّح القرآن الكريم بأنّ موسى عليه‏السلام ضرب بعصاه البحر بأمرٍ منه تعالى، لا أنه مدّيده جهة البحر.
و قد مكث بنو اسرائيل أربعين سنة في شبه جزيرة سيناء، و هي مدّة التيه التي تعرضوا لها، و كانوا يأكلون فيها المنّ و السلوى النازليْن من السماء.
و أطلقت التوراة اسم المنّ على الغذاء النازل، لأن بني إسرائيل أخذوا يتساءلون ـ عند رؤيتهم له ـ بقولهم بالعبرية: «مان هوء»؟، وتعني ما هذا؟

 
٩ـ الألواح و الوصايا العشر

و لمّا مرّت ثلاثة أشهر على خروج بني إسرائيل من مصر، عُهد إلى موسى عليه‏السلام أن يتكلم مع الله سبحانه في وادي طور سيناء. و هناك تلقّى لَوْحين نُقشت فيهما وصايا الله سبحانه. و قد عبّر عنها القرآن بصيغة الجمع، الألواح.(٢) و تبرز من بينها عشر وصايا مهمة للغاية و اشتهرت باسم الوصايا العشر، و هي:

١ـ الربّ إلهك، فلا يكن لك آلهة أخرى أمامي.
١ ـ الشعراء / ٥٢ .
٢ ـ الأعراف / ١٤٥ .
٢ـ لا تسجد للأوثان.
٣ـ لا تنطق باسم الربّ باطلاً.
٤ـ أذكر يوم السبت لِتُقدِّسه.
٥ ـ أكرم أباك و أمّك.
٦ـ لا تقتل.
٧ـ لاتزنِ.
٨ـ لا تسرق.
٩ـ لا تشهد على قريبك شهادة زور.
١٠ـ لا تشتهِ أموال قريبك و عِرضه.

و قد وردت تفصيلات هذه الأحكام في الاصحاح (٢١) من سفر الخروج.

 
١٠ـ عبادة العِجل

تقول التوراة انه لما أبطأ موسى في عودته من طور سيناء، قصد بنو إسرائيل هارون، و طلبوا منه أن يقيم لهم إلـها يعبدونه، و أتوْا إليه بما يملكونه من ذهب، فصنع منه عجلاً مسبوكاً، و رغّبهم إلى عبادته.
أطلَعَ الله سبحانه موسى على هذا الأمر، و أراد إهلاكهم، إلاّ أنه صرف عنهم العذاب إثر شفاعة موسى عليه‏السلام .
أخذ موسى اللّوحيْن و رجع إلى بني إسرائيل، فلمّا رأى أعمالهم القبيحة، ضرب باللّوْحين الأرض، و قبّح فعل أخيه، وأحرق العجل و ألقى برماده في الماء، و شرّبه بني إسرائيل، ثمّ أمرهم بأن يسلّوا سيوفهم و أن يقتل بعضهم بعضاً لمّدة نصف يوم.
القرآن الكريم أورد هذه القصّة و في مواضع مختلفة منه، وفق الصورة المذكورة، إلاّ أنه
نزّه الساحة المقدسة لهارون عليه‏السلام عن ارتكاب هذا العمل القبيح (طه / ٩٠)، و عزا صنع العجل إلى شخص يُعرف بالسامريّ.
وقد اعترض أهل الكتاب على كلمة السامريّ الواردة في القرآن الكريم، و قالوا إن شخصاً مثل هذا لاوجود له، لأن السامريّ منسوب إلى مدينة السامرة في فلسطين، و هذه المدينة شيّدها الملك (عُمْرى) الذي ظهر بعد موسى عليه‏السلام بسنوات طويلة.(١)
وأجاب عنه العلامة البلاغي رحمه‏الله بقوله : إنّ ثَمّة شخصاً في بني إسرائيل يُدعى شمرون بن يشاكر بن يعقوب، و يُطلق على عشيرته لقب الشمروني،(٢) و تُلفظ الشمروني في اللغة العربية بالسامري.(٣)
و صرّحت التوراة بأن اللّه‏ سبحانه أمر موسى عليه‏السلام أن ينحتَ لوحين آخرين، لكي يكتب فيهما وصاياه.

 
١١ ـ التوراة أو تاريخ اليهود

التوراة لفظ عبري، يعني القانون، إذ احتوت على أحكام و قوانين كثيرة. والشريعة هي الاسم الآخر للتوراة.
لقد ميّز الباحثون أربعة مصادر أو أساليب تدوين رئيسية للتوراة هي:

١ ـ مصدر الوهيمي (E ) و يتضمّن مقاطع من التوراة ورد فيها اسم الوهيم (أي الاله).
٢ ـ مصدر يهْوَهي ( J ) و يتضمّن مقاطع من التوراة ورد فيها اسم يهوه.
٣ ـ مصدر كاهني ( P ) و يتضمّن مقاطع من التوراة تبحث في الكهنوت اليهودي.
٤ ـ مصدر سفر التثنية ( D ) و هو رسالة مستقلة أضيفت كسفر خامس إلى التوراة.

١ ـ سفر الملوك الأول : ١٦ / ٢٤ .
٢ ـ التكوين : ٤٦ / ١٣ ؛ الأعداد : ٢٦ / ٢٤ .
٣ ـ البلاغي، محمد جواد، الهدى إلى دين المصطفى: ١ / ٩٨ ـ ٩٩، صيدا، مطبعة العرفان، ١٣٣١ هـ. .

إنّ أحد أقدم و أشهر الانتقادات الّتي كُتبت حول التوراة و الكتاب المقدس، هي للعالم و الفيلسوف الهولندي باروخ (بنديكت) سبينوزا (Baruch [Benedict] Spinoza) حيث وردت في كتابه المسمّى «رسالة في اللاهوت و السياسة» (باللغة اللاتينية).
تعرّض سبينوزا في كتابه إلى ضرورة البحث عن مدى اعتبار الكتاب المقدس من خلال التطرق إلى شواهده التاريخية و النقدية المطروحة، و دعم موقفه بأدلة كثيرة، و تأسف لكون القدماء تركوا الخوض في هذا الباب، و إذا كتبوا فيه شيئاً، فإنه بقي بعيداً عن الأضواء، و أضاف: إننا نعيش في ظروف راجت فيها مسائل، تعصّب لها الناس، و أطلقوا عليها اسم الدين دون أن يحكّموا العقل فيها. من هنا فإني عقدت العزم على المضيّ في هذا السبيل بشعور غامر باليأس، و أشرع ـ كخطوة أولى ـ في البحث عن مصنِّفِي الكتاب المقدس، لاسيما الأسفار الخمسة للتوراة.

يعتقد جميع أهل الكتاب تقريباً أنّ موسى عليه‏السلام هو مصنّف التوراة، و أصرّت فرقة الفريسيين من اليهود على هذا الاعتقاد، و اعتبرت من يخالفه مرتدّاً. لهذا لم يجرؤ ابن عزرا، و هو عالم متفتح الذهن على إظهار وجهة نظره في هذا الموضوع، بل اكتفى بإشارات مبهمة إلى عدم صواب هذا الاعتقاد، حيث قال: أمّا أنا فسوف أميط اللثام عن مغزى كلام ابن عزرا دون خشية و خوف، و سوف أصحر بالحقيقة للجميع.(١)

ثم بحث سبينوزا الأسفار الخمسة للتوراة بحثاً علمياً، و أثبت أن مصنّف التوراة لايمكن أن يكون موسى عليه‏السلام ، بل هو شخص آخر عاش بعد موسى. و بالطبع فإنّ بعض عبارات التوراة الحالية (مثل سفر الخروج : ١٧ / ١٤، و سفر الأعداد : ٢١ / ١٤) توحي إلى أنّ موسى عليه‏السلام كانت له مكتوبات أيضاً.

١ـ Spinoza Benedict de, A Theologico - Political Treatise, ch VIII.

 
١٢ ـ العهد القديم

العهد القديم اسم أطلقه النصارى على الكتاب المقدس لليهود في مقابل عهدهم الجديد. و يؤمن النصارى بالعهدين على حد سواء. وقد كُتب العهد القديم باللغة العبرية و قليل منه باللغة الكلدانية، و هما ـ نظير اللغة العربية ـ من اللغات السامية. و يبتدأ العهد القديم بكتاب التوراة.
و تتوفر نسخة من العهد القديم كُتبت باللغة اليونانية مترجمة عن اللغة العبرية، و سمّيت بالترجمة السبعينية. و يقال إن هذه الترجمة تمّت بمشاركة (٧٢) شخصاً و بأمر بطليموس فيلادلفوس ملك مصر في حدود سنة ٢٥٨ ق. م. و هذه النسخة تختلف مع الأصل العبري اختلافا يسيراً و أهمّ من ذلك أنها تشتمل على أقسام ليست موجودة في النسخة العبرية، أطلق عليها أبوكريفا (Apocrypha)، و أصبحت مثاراً للشك منذ عصور قديمة، إلاّ أنّها نالت إقبالاً من النصارى. و في ظل أحداث نهضة الإصلاح الديني (أي ما يقرب من خمسة قرون) ساورت البروتستانت شكوك حولها. و في عام (١٨٢٦ م) عمدت الجمعية البريطانية و الجمعية الأمريكية و بشكل رسمي إلى طبع الكتاب المقدس بحذف الأجزاء المذكورة منه، ممّا أثار حفيظة الكنائس الكاثوليكية و الأرثوذكسية.
وحان الآن الكلام عن الإرجاع إلى الكتاب المقدس:
يعلم الجميع كيفية الإرجاع إلى القرآن الكريم، و يُعلم أنه بدل ذكر الصفحة يُذكر اسم السورة و رقم الآية. وهذا الاسلوب عُمل به في الكثير من الكتب القديمة و المشهورة، كما هو المشاهد في آثار افلاطون و أرسطو و هوميروس و هيرودوتس و شكسبير و غيرهم. و وضعت لأجل الإرجاع إلى هذه الآثار تدابير معينة، حيث قُدّمت تمهيدات و أبواب و
فصول و أرقام للحيلولة دون الاقتصار على طبعات خاصة و محدودة، و لكي يسهل تناولها من قبل الجميع.
فحين الإرجاع إلى الكتاب المقدس يذكر أولاً اسم الكتاب، ثمّ رقم الاصحاح، و أخيراً رقم الفقرات. مثلاً: لما يُقال (التكوين : ١ / ٢٧) فهو يعني سفر التكوين، الاصحاح ١، الفقرة ٢٧.
و للعهد القديم (٣٩) سفراً، و يمكن تقسيم مواضيعه إلى ثلاثة أقسام رئيسية، هي:

١ ـ القسم التاريخي للعهد القديم.
٢ ـ الحكمة، الأناشيد و الشعر.
٣ ـ تنبّؤات الأنبياء.

١ ـ ١٢. القسم التاريخي للعهد القديم

يبدأ القسم التاريخي للعهد القديم بالتوراة، و تبدأ التوراة بسِفْر التكوين الذي يتضمّن خلق العالم، قصة آدم و حواء و أكلهما من شجرة المعرفة و إخراجهما من جنة عدن، أخبار أولاد آدم، و طوفان نوح، و أخبار إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف عليهم‏السلام . أما الأسفار الأربعة اللاحقة، فإنها تتناول سيرة موسى عليه‏السلام ـ التي تتضمن ولادته، و كيفية بعثته و هجرته (خروجه من مصر عام ١٢٩٠ ق. م.) و تأسيسه للحكم، و وفاته ـ و تاريخ بني إسرائيل، إضافة إلى وجود عدد كبير من الأحكام والقوانين في الأسفار الأربعة ضمن العبارات المنسوبة إلى الوحي.
و حسب عقيدة اليهود و النصارى، فإن مؤلف الأسفار الخمسة هو موسى عليه‏السلام . و يعقب الأسفار الخمسة اثناعشر سفراً، تشتمل على تاريخ بني إسرائيل منذ عهد يوشع عليه‏السلام فما بعده.
و على أية حال، فإن هذا القسم يضم (١٧) سفراً:

١ ـ سفر التكوين (خلق العالم، و أخبار آدم، و نوح، و إبراهيم، و إسماعيل، و إسحاق،
و يعقوب و يوسف).
٢ ـ سفر الخروج (ولادة موسى و بعثته، خروج بني إسرائيل من مصر إلى سيناء، الأحكام الشرعية).
٣ ـ سفر اللاويين (أحكام الأحبار، أي علماء اليهود من نسل هارون و سبط لاوي).
٤ ـ سفر الأعداد (إحصاء نفوس بني إسرائيل في عهد موسى عليه‏السلام ، الشريعة، و تاريخ بني إسرائيل).
٥ ـ سفر التثنية (تكرار الأحكام في الأسفار السابقة و تاريخ بني إسرائيل إلى رحيل موسى عليه‏السلام ).
ويطلق على مجموع هذه الأسفار الخمسة اسم التوراة.
٦ ـ سفر يوشع (سيرة يوشع بن نون خليفة موسى عليه‏السلام ).
٧ ـ سفر القضاة (تاريخ قضاة بني إسرائيل قبل مجيء الملوك).
٨ ـ سفر راعوث (سيرة امرأة تدعى راعوث إحدى جدات داود عليه‏السلام ).
٩ ـ سفر صموئيل الأول (تاريخ النبي صموئيل، و نصب شاؤول ـ يعني طالوت ـ ملكاً).
١٠ ـ سفر صموئيل الثاني (حُكم داود عليه‏السلام ).
١١ ـ سِفْر الملوك الأول (استمرار حُكم داود و حُكم سليمان و خلفائه).
١٢ ـ سفرالملوك الثاني (أخبارملوك بنيإسرائيل حتى حملة نبوخذنصّر و جلاء بابِل).
١٣ ـ سفر أخبار الأيام الأول (وفيه الحديث عن نسب بني إسرائيل و تاريخهم حتى وفاة داود).
١٤ ـ سفرأخبار الأيام‏الثاني (و فيه أخبارسليمان و مابعده من‏الملوك حتىجلاءبابل).
١٥ ـ سفر عزرا (إعادة بناء أورشليم ـ بيت المقدس ـ و عودة بني إسرائيل إليها مع عُزَيْر).
١٦ ـ سفر نَحَميا (إعادة بناء أورشليم على لسان نحميا ساقي الملك أردشير، أول ملوك السلالة الهخامنشية).
١٧ ـ سفر استير (وفيه الحديث عن خطة وضعتها استير زوجة الملك خشايارشا اليهودية ـ المدفونة في مدينة همدان الإيرانية ـ لاحباط مؤامرة دُبرت لإبادة اليهود).

٢ ـ ١٢. الحكمة، الأَناشيد و الشعر

يشتمل هذا القسم على خمسة أسفار، و هي:

١ ـ سفر أيوب (تعرّض إلى ابتلاء أيوب عليه‏السلام ، و صبره و سخطه ـ على حدّ تعبير هذا السفرـ )
٢ ـ سفر المزامير و يعني زبور داود (و هو مجموعة تتألف من ١٥٠ مزمورا).
٣ ـ سفر أمثال النبي سليمان عليه‏السلام (وهو مجموعة نصائح).
٤ ـ سفر الجامعة (وهو من الشعر، فيه تشاؤم و تشكيك حول الدنيا).
٥ ـ سفر نشيد الأناشيد (وهو مجموعة أشعار غزلية).

٣ ـ ١٢. تنبّؤات الأَنبياء

و يشتمل هذا القسم على تحذيرات و تهديدات تحوم حول عاقبة بنيإسرائيل، ولابدّ للقارى‏ء من أن يحيط علماً بتاريخ تلك العصور لكي يقف على مغزى تنبّؤات الأنبياء.
و يضمّ هذا القسم (١٧) سفراً:

١ ـ سفر إشعيا (و هو أطول وأشهر سفر للتنبّؤات في العهد القديم).
٢ ـ سفر إرميا
٣ ـ سفر مراثي إرميا (مراثي إرميا على أنقاض أورشليم)
٤ ـ سفر حزقيال
٥ ـ سفر دانيال (تنبّؤات النبي دانيال المدفون في مدينة شوش الإيرانية)
٦ ـ سفر هوشع
٧ ـ سفر يوئيل
٨ ـ سفر عاموس
٩ ـ سفر عوبديا
١٠ ـ سفر يونس (قصة مكثه في بطن الحوت)
١١ ـ سفر ميخا
١٢ ـ سفر نحوم
١٣ ـ سفر حَبَقّوق (تنبّؤات النبي حبقّوق المدفون في مدينة تويسركان الإيرانية)
١٤ ـ سفر صفنيا
١٥ ـ سفر حجّاي
١٦ ـ سفر زكريا
١٧ ـ سفر ملاخي

٤ ـ ١٢. أبوكريفا العهد القديم

و جاء الآن دور الحديث عن أسفار أبو كريفا العهد القديم، و لكن قبل الشروع في ذلك؛ لابدّ من أن نشير إلى أنّ نُسَخ الكتاب المقدس التي تحتوي على أبوكريفا تختلف فيما بينها في عدد أسفار أبوكريفا و في ترتيبها. ومصدر أغلب هذه الأسفار هي الترجمة السبعينية. و تتوفّر منها نسخ باللغة العربية و الإنجليزية و لغات أخرى. و النسخة المدوّنة باللغة العربية تشتمل على (١٠) أسفار، هي:
طوبيا، و يهوديت، و استير، و الحكمة، و يشوع بن سيراخ، و باروخ، و صحيفة إرميا، و دانيال، و المكابيين الأول، و المكابيين الثاني.

١٣ ـ العقائد و الأَحكام الدينية

أضفى العالم الديني اليهودي الطبيب الفيلسوف موسى بن ميمون (١١٣٥ ـ ١٢٠٤ م). أضفى على اليهودية ثوباً جديداً، حين قام باعداد ثلاثة عشر أصلاً، هي كالتالي:

١ ـ وجود اللّه‏.
٢ ـ توحيده.
٣ ـ تجرّده عن المادة.
٤ ـ تجرّده عن الزمان.
٥ ـ حكمته.
٦ ـ عدالته.
٧ ـ التقرّب إليه بالعبادات.
و هذه جميعها تتعلق باللّه‏ سبحانه، أما سائر الأمور، فهي:
٨ ـ الاعتقاد بالنبوة.
٩ ـ أفضلية موسى عليه‏السلام على سائر الأنبياء.
١٠ ـ الإيمان بأن التوراة كتاب سماوي.
١١ ـ عدم جواز نسخ الأحكام.
١٢ ـ ظهور المسيح الموعود.
١٣ ـ القيامة و خلود النفس الإنسانية.

١ ـ ١٣. اللّه‏ في الديانة اليهودية

أُقيمت دعائم اليهودية (كالإسلام و المسيحية) في البداية على التوحيد، و نهض جميع أنبيائهم من موسى عليه‏السلام حتى آخرهم لمكافحة الشرك.
و كان أتباع الأديان التوحيدية يغفلون أحياناً عن دينهم، و يُقبلون على ألوان من الشرك. هذه المسألة لم تغيّر من وجهة نظر الباحثين حيال أصل الأديان التوحيدية، حيث أنهم ـ مع صرف النظر عن شطحات أتباع دينٍ ما ـ قسّموا أصل الأديان و على ضوء تحقيقاتهم إلى قسمين:

أ ـ الأديان التي تحذّر الناس من الشرك كالأديان الإبراهيمية.
ب ـ الأديان التي تحبّذ للناس الشرك كالأديان الشرقية.

إنّ الاسم الخاص للّه‏ سبحانه في الديانة اليهودية هو (يهوه) و يعني الموجود. و قد حظي هذا الاسم بقدسية بالغة لدى اليهود، و أنّ تلفّظه حتى من خلال قراءة التوراة يُعدّ حراماً، و على إثر هذا التحريم فإنّ أحداً لايعلم على وجه الدقّة التلفظ الحقيقي لهذه الكلمة، ولهذا فإنها تُكتب في بعض الكتب العلمية للغرب بدون حركات (YHWH) عملاً بالاحتياط العلمي.
و يعتقد بعض الباحثين أن التلفّظ الحقيقي لهذه الكلمة هو (يَهْوَهْ). و لمّا أُقيم هيكل سليمان، أُعطي الحق لأعظم الكهنة في أن يتلفظ في كل سنة مرّة باسم (يَهْوَه). وذلك في يوم عاشوراء بالتقويم اليهودي (العاشر من شهر تِشْري، في أوائل الخريف) و في مكان يُعرف بقدس الأقداس من الهيكل. و عند تلاوة التوراة تبدل (يَهْوَهْ) إلى إدوناي و تعني سيدي، و تضبط حركاتها على الكلمة المذكورة، فتلفظ أحياناً (يِهُوَهْ)(١).

١ ـ أبوالبختري وهب بن وهب، أحد الوضّاعين للحديث في بداية العصر العباسي، أورد في أحد أحاديثه لفظة (ياهو) باعتبارها الاسم الأعظم. وقد راق هذا الأمر للصوفية التي راحت تروّج له، في حين أن هذا التركيب (ياهو) مخالف لمباني القواعد العربية، و هو مقتبس من (يهوه). جدير بالذكر ان (يهو) و (يا هو) كانت أسماءً لبعض أوثان الشرق الأوسط القديم.

و من الأسماء الأخرى للّه‏ هي (إهْيهِ أشِرْ إهْيِه). وقد ورد هذا الاسم فيسفر الخروج:

٣/ ١٤ وفي بعض الأدعية الإسلامية (مثل دعاء عرفة) إلاّ أنّه صُحّف إلى آهِيّاً شَراهِيّاً بسبب قلة اطّلاع بعض النّسّاخ.

١٤ ـ ظهور الأنبياء

يؤمن اليهود بالنبوة، و لهم فيها أبحاث كلامية واسعة، إلاّ أنهم فسّروها بتفسير خاص، هو التنبّؤ، و زعموا أنّ أنبياء كباراً كإشعيا، إرميا، حزقيال، و هوشع كانوا أنبياء، أي متنبّئين بالمستقبل.
وقد ذكر العهد القديم العديد من الأنبياء(١) مثل إشعيا و إرميا و عاموس، و أورد خطاباتهم التي حذروا فيها بني إسرائيل من مغبّة أعمالهم القبيحة، و تنبّأوا لهم فيها بالذلّة و الهوان و الأسر، و لكن هذه الخطابات لم تجد أذناً صاغية عند بني اسرائيل الذين راحوا يُؤذون أنبياءهم و يقتلون بعضهم (وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه الأمور كثيراً). وقد اشتمل (١٧) سفراً من الأسفار المذكورة في نهاية العهد القديم ـ والتي تُعرف بالأسفار النبوية ـ على هذه التنبّؤات.
ذكر القرآن الكريم أسماء (٢٦) نبياً، منهم عشرون نبياً جاءت أسماؤهم في الكتاب المقدس، و هم: آدم، و نوح، و إبراهيم، و لوط، و إسماعيل، و إسحاق، و يعقوب، و يوسف، و موسى، و هارون، و داود، و سليمان، و إلياس، و اليسع، و عُزيْز (عزرا)، و أيوب، و يونس، و زكريا، و يحيى، و عيسى.
أما الستة الباقون فهم: إدريس، و شعيب، و ذو الكفل، و هود، و صالح، و محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

١ ـ وردت أسماء بعض هؤلاء الأنبياء في دعاء (١٥) رجب، المعروف بدعاء أمّ داود.

١٥ ـ حكم بني إسرائيل

خَلَف يوشع بن نون عليه‏السلام موسى عليه‏السلام في قيادة قومه بأمراللّه‏ سبحانه، و قام بفتح بلاد كنعان بعد عبور نهر الأردن الممتد من شمال فلسطين إلى جنوبها، حيث تعرّض السكّان الأصليون لتلك البلاد ـ وفقاً لادّعاء العهد القديم ـ إلى قتل عام، و اختصّت أراضيهم ببني إسرائيل. وقد نقل السفر السادس للعهد القديم (المعروف بسفر يوشع) تفاصيل هذه الحروب. ثم ظهر بعد يوشع عليه‏السلام رجال كبار عرفوا بالقضاة، حكموا بني إسرائيل دون أن يكون لهم عنوان النبوة أو الملك، و جاءت أخبارهم في سفر القضاة، و كان آخرهم صموئيل الذي أعقب ولديْن، لم تتوفر فيهما مؤهّلات الحكم. لهذا طلب بنوإسرائيل من صموئيل أن يختار لهم ملكاً، وبعد إصرار شديد منهم، عيّن لهم في حدود عام ١٠٣٠ ق.م ملكاً شابّاً بأمر اللّه‏ تعالى. و اسم هذا الملك في العهد القديم شاؤول(١)، وفي القرآن الكريم طالوت(٢).
و عقب هذا الانتخاب، اندلعت معارك طاحنة بين بني إسرائيل و الفلسطينيين، أسفرت عن انتصار بني إسرائيل، و مقتل جُلْيات أحد أبطال خصومهم (المسمّى جالوت في القرآن الكريم) على يد داود عليه‏السلام ، و هزيمة جيشه.
ثمّ خَلَف داودُ طالوتَ (في حدود سنة ١٠١٥ ق. م.)، و أعقبه سليمان الذي اعتلى منصّة أبيه داود، وبلغت مملكته أوج مجدها، وقد شيّد معبداً كبيراً في مدينة أورشليم، اشتهر باسم هيكل سليمان (وتعني الهيكل في اللغة العبرية البناء العالي). هذا المعبد هدمه نبوخذ نصّرعام (٥٨٧ ق.م.)، وأُعيّد بناؤه، ثم خرّ به تيطس‏الروماني (Titus)، عام (٧٠ م).
و قد اعتقد أهل الكتاب، و طبقاً للنصوص المجعولة للعهد القديم (سفر الملوك الأول، الصحاح ١١) أنّ سليمان عليه‏السلام أقبل في أواخر عمره على عبادة الأوثان، واقتراف المعاصي إثر وسوسة زوجاته المشركات، إلاّ أنّ القرآن الكريم نزّه ساحته المقدسة، و تحدّث عنه بكلّ إجلال.

١ ـ سفر صموئيل الأول، الاصحاح ٩.
٢ ـ البقرة / ٢٤٧.

و لمّا توفّي سليمان عليه‏السلام ، تسلّم مقاليد الحكم بعده ابنه رِحُبعام، الذي أفشى الظلم، ممّا حدا بطوائف من بني إسرائيل إلى التمرد على أوامره، و بقي تحت نفوذه سبطان، هما يهوذا و بنيامين في مملكة يهوذا (اسم أحد أبناء يعقوب) التي تشكل مساحة صغيرة نسبياً. هذه المساحة اكتسبت أهميّة كبيرة لاسيما وأنها تضمّ مدينة أورشليم (القدس)، و منها اشتق اسم اليهودي. أمّا سائر الأسباط العشرة، فقد أسّسوا في شمال فلسطين مملكة إسرائيل المستقلة بقيادة يَرُبعام بن ناباط (وكان من ولاة سليمان عليه‏السلام ).
وقد أدّت تجزئة البلاد إلى ضعف و انحطاط بني إسرائيل، و عكف ملوك يهوذا و إسرائيل على ارتكاب المعاصي و الذنوب، و ترويج عبادة الأوثان.

١٦ ـ الأسر البابلي

و مهما يكن من أمر فإن تنبّؤات أنبياء بني إسرائيل قد تحققت، حيث تعرّضت مملكة إسرائيل لهجوم الآشوريين الذين حكموا شمال العراق و سوريا و كانت عاصمة ملكهم مدينة نينوى، و أسفر الهجوم عن وقوع أعداد كبيرة منهم في الأسر. و بعد مضي عقد من الزمن، قاد نبوخذ نصّر ملك بابِل الذي جاء ذكره في العهد القديم، قاد هذا الملك هجوماً كاسحاً على أورشليم، أسفر عن مقتل سكان مملكة يهوذا، و أسر جموع غفيرة منهم، وسوقهم إلى بابل، التي مكثوا فيها زمناً طويلاً.
إنّ وقوع سكان إسرائيل و يهوذا في الأسر، أدّى إلى تشتّتهم في الشرق الأوسط و في بلدان أخرى. و كان لهذا الأسر أهمية خاصة، ذلك أن بعض سكّان إسرائيل الذين نجوا من
أسرالآشوريين، وقعوا في أسر البابليين، وتمّ إجلاؤهم مع سكّان يهوذا إلى بابل و عُرفت هذه الحادثة في التاريخ بالأسر البابلي.
وقد تطبع اليهود خلال مدّة الأسر بآداب و أخلاق المشركين، وقلّ مَن عانى منهم من هموم البُعد عن الوطن و ذلّة الأسر و صعوبة أداء الشعائر الدينية.
إنّ العنصرية وسيادة روح الاستعلاء، هما خصلتان لم تنفكا عن اليهود، الأمر الذي دفع ببقية الشعوب إلى معاداتهم و تحقيرهم، ولعله للسبب ذاته دمّرت مدينة القدس يُذكر أن وقوع بني إسرائيل في الأسر البابلي كان في حدود القرن السادس قبل الميلاد. ولما حاصر جنود نبوخذ نصر مدينة أورشليم، أخذ النبي إرميا يدعو الناس إلى الإستسلام لأنه أفضل من خراب المدينة، إلاّ أنّ اليهود لم يصغوا إليه، إذ رأوا في موقفه تثبيطاً لعزائم المقاتلين، فألقوا عليه القبض وأودعوه السجن ثم أطلقوا سراحه بعد سقوط أورشليم وخرابها.(١)

١٧ ـ إعادة بناء المعبد

حينما احتل قورش مؤسس السلالة الهخامنشية مدينة بابل أمر بتحرير اليهود وأذن لهم بالعودة إلى وطنهم، إلا أن عدداً كبيراً منهم فضّل البقاء في بابل، و قد حظى الأمر الذي أصدره قورش في حدود عام (٥٣٨ ق.م) بتقدير اليهود، وأكسبه محبوبية في أوساطهم.
وعلى أية حال، فقد عادت مجموعة منهم إلى فلسطين، وبدأت بإعادة بناء مدينة القدس، الأمر الذي أثار مخاوف جيرانهم الذين حالوا دون تشكيل دولة مركزية لليهود على أرض فلسطين، ممّا أدّى إلى تشكيل دويلات ضعيفة فيها. وبعد مضيّ قرون من الإضطراب وعدم الإستقرار تعرضت مدينة القدس للتدمير مرة أخرى على أيدي الرومانيين، الأمر الذي أسفر عن تشتت اليهود وتشرّدهم في العالم. ومنذ ذلك الحين أمضى اليهود حياة مليئة بالمصاعب والذلّة والهوان في البلدان التي استوطنوها.

١ ـ سفر إرميا : ٣٩٥ / ١٤.

الرومانيين، الأمر الذي أسفر عن تشتت اليهود وتشرّدهم في العالم. ومنذ ذلك الحين أمضى اليهود حياة مليئة بالمصاعب والذلّة والهوان في البلدان التي استوطنوها.

١٨ ـ ظهور الكنيسة

سَرَت في المجتمع الديني روح جديدة بعد عودة اليهود من بابل، وانتشرت المعابد التي سُمّيت فيما بعد بالكنائس. هذه المعابد شُيّدت ـ كسائر المعابد وفق هندسة معمارية خاصة، حيث احتوت على أماكن للقرابين، وأماكن خاصة أخرى. يذكر أن قبلة اليهود هي هيكل سليمان (المسجد الأقصى)، وانفرد السامريون منهم فاتخذوا من جبل جِرزيم (القريب من نابلس) قبلةً لهم. وهم يقيمون الصلاة ثلاث مرات في اليوم: صلاة الصبح، صلاة العصر، وصلاة المغرب. وتقام الصلاة عند حضور ما لايقل عن (١٠) أشخاص في الكنيسة، ويُقدَّم أكبرهم سنّاً وأعرفهم بالعبرية، فيقرأ مقاطع من التوراة أو أدعيةً بالعبرية، وقد يركعون في بعض الموارد.
ومن أشهر العبارات التي تقرأ، هي شِمَع (وتعني إسمع) المقتبسة من التوراة:
(٤) اسمع يا إسرائيل: إنّ الربَّ إلهنا هو ربّ واحد (٥) فأحببْ الربَّ إلهكَ بكل قلبك وكل نفسك وكل قوّتك.(١)

١٩ ـ تأثير العقائد الزرادشتية

وقع اليهود مثل سائر الأقوام تحت تأثير المحيط، واستعاروا العديد من المفاهيم والمقومات الخاصة بالحضارات القديمة التي احتكوا بها، بعد أن أضفوا عليها لوناً من الأخلاقيات التوحيدية التي انفردوا بها، ومثال ذلك قصة نوح التي تتحدث وفقاً لما جاء في سفر التكوين عن إله واحد، عطوف، صالح، وهي بذلك ـ سواء إقتبست من البابليين أم لا ـ لم تعد تشبه حكاية بيرنابيش (Per-Napishtim) التي نُقشت على ألواح مسمارية، فهي ـ إضافة إلى شركها الصريح ـ راحت تسوق الحديث عن آلهة استولى عليها الغرور والحسد والشر.

١ ـ سفر التثنية ٦ / ٤ ـ ٥ .

ويمكن أن نستشف وجوه التمايز في سائر القصص والحكايات والمعتقدات التي قيل أن اليهود اقتبسوها من أقوام أخرى.
ويلاحظ أن الدار الآخرة لم تُذكر تقريباً في التوراة، اللهم إلاّ بعض الإشارات المبهمة في سفر التثنية : ٨ / ١٦.
و من وجهة نظر التوراة(١) فإن الكفر والإيمان لهما تأثير مباشر في جلب النعم الدنيوية أو سلبها. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن التلمود مشحون بذكر القيامة.
إن إحدى معتقدات اليهود الرئيسية التي يرى الباحثون أنها مقتبسة من الزرادشتية، هي فكرة البعث أو الرجعة، حيث ذهب الإيرانيون القدماء إلى أنّ أهورا مازدا سوف ينتصر في النهاية على انغرومئنيو ويقضي عليه، ومن ثم ينبعث الموتى. واكتست هذه الفكرة طابعاً معنوياً، واصبحت نتاجاً أصيلاً لإلهامات اليهود، وبذلك إبتعدت عن أصلها الشكلي الجامد الذي كانت عليه في ديانة إيران القديمة.
وذكر الباحثون أن الاعتقاد بخلود الروح كان رائجاً عند بني إسرائيل منذ القدم، وأشير إليه في عدّة مواضع من الكتاب المقدّس، ولكن هذا الاعتقاد ارتبط ـ بعد العودة من بابل ـ ارتباطاً وثيقاً بفكرة خلود المسيح الموعود وظهوره التي ترشحت عنها فكرة البعث و هذه الفكرة تعارض صريح القرآن الكريم الذي تحدث عن بعثة موسى عليه‏السلام في أوائل سورة طه. والتي نفهم منها بوضوح أن البعث جاء على لسان موسى عليه‏السلام في أول خطاب له.

١ ـ اللاويين / الاصحاح ٢٦، والتثنية / الاصحاح ٢٨.

٢٠ ـ أعياد اليهود

لليهود أعياد، هي كالتالي:
    ١ ـ عيد السبت: تجتمع فيه الأسر في المنازل، وتتناول وجبة خاصة، ويتقدم كبيرهم بكأس فيه خمر، فيباركها بعد قراءة دعاء، ثم يتعاقب على شربه أفراد الأسرة. وتعدّ عطلة السبت(١) واحدة من الوصايا العشر (٢).
    ٢ ـ عيد ابتداء الشهر: ويطلق عليه بالعبرية روش حودِش، ويعني ابتداء الشهر.
    ٣ ـ السنة السابعة أو سنة الإنفكاك: وفقاً لما جاء في التوراة، يجب الاعفاء عن الضرائب والديون في كل سبع سنين مرة واحدة، والإقدام على أعمال الخير كتحرير رقيق يهود و أمثال ذلك (التثنية / ١٥) والإسم العبري لهذه السنة هو شميطا ويعني التحرير.
    ٤ ـ سنة اليوبيل: يقام هذا العيد مرة واحدة في كل خمسين عاماً، حيث ينجز فيه الكثير من الأعمال الخيرية والأخلاقية.(٣)
    ٥ ـ عيد الفِصح: وتعني في اللغة العفو، لأن اللّه‏ تعالى عفى عن قتل المواليد الأبكار لبني إسرائيل حين عمّ فرعون و رهطه البلاء. و يبدأ هذا العيد في الرابع عشر من نيسان (في فصل الربيع) ويستغرق سبعة أيام. وقد وردت تفاصيل مراسمه في التوراة(٤) و هو أهمّ أعياد اليهود. ويمجّده النصارى أيضاً لتقارنه مع دفن عيسى عليه‏السلام على حدّ زعمهم.
واتهم اليهود منذ ثلاثة قرون وحتى الآن بالإقدام على قتل طفل أو رجل مسيحي، واستخدام دمه في مراسم عيد الفصح، وألّفت في هذا الصدد عدّة كتب.

١ ـ يطلق على السبت باللغة العبرية شبات، ومعناها العطلة والاستراحة.
٢ ـ انظر سفر الخروج : ٢٠ / ٨ ـ ١١ .
٣ ـ اللاويين / الاصحاح ٢٥ .
٤ ـ الخروج / الاصحاح ١٢ .

    ٦ ـ عيد الأسابيع: يقام هذا العيد بمناسبة مرور سبعة أسابيع على عيد الفصح، والإستعداد للحصاد. والإسم العبري له هو شاووعوت، وتعني الأسابيع.
    ٧ ـ عيد رأس السنة اليهودية: ويسمّى عندهم روش هشَّانا، ويقع في أواخر أيلول (الإعتدال الخريفي). وينفخ في هذا اليوم بالأبواق إيذاناً باستعدادهم للتوبة خلال عشرة أيام. ويعتبر اليوم العاشر ذا أهمّية خاصة عندهم، فأطلقوا عليه إسم يوم كيبور.
    ٨ ـ يوم كيبور: ويعني يوم الغفران ؛ يقع هذا العيد المهم في اليوم العاشر من شهر تِشري، ويطلقون عليه اسم «عاسور» أي عاشوراء، حيث يصوم فيه اليهود من غروب اليوم السابق حتى ليل هذا اليوم تكفيراً للذنوب، فيمتنعون عن تناول الطعام والشراب، وعن الإستحمام والعمل، ويحضرون في الكنائس للصلاة والإستغفار، ويرتدي فيه اليهود الأصوليون لباساً خاصاً، ويجتنبون لبس الأحذية المصنوعة من الجلد.
    ٩ ـ عيد الظلل: يبدأ في الثاني والعشرين من شهر تِشْري، ويبني فيه اليهود أكواخاً صغيرة لتذكرهم بالأكواخ التي كان يعيش فيها اليهود في فترة التيه. ويطلق عليه بالعبرية سِكّوت و يعني الظلل.
    ١٠ ـ عيد النور أو ما يعبّر عنه بالعبرية حنوكة: وهو ذكرى انتصارهم على اليونانيين عام ١٦٨ ق.م، وتطهيرهم هيكل سليمان من الرذائل والأعداء. ويقع هذا العيد بعد أسبوع واحد من عيد الظلل.
    ١١ ـ عيد القرعة أو ما يعبّر عنه بالعبرية بوريم: يقع في شهر مارس، وهو احتفاء بذكرى انقاذ اليهود من مؤامرة هامان وزير الملك خشايارشا لإبادتهم. وقد جاء تفصيل هذه الحادثة في سفر أستير من العهد القديم. ووجه تسميته بالقرعة يعود إلى أن هامان تشبث بالقرعة لتعيين يوم إبلاغ خطته للملك.

٢١ ـ الفرق اليهودية

تتفرع من جميع الأديان عقب مرور فترة على بزوغها فرق متعددة، وتلعب المسائل الإجتماعية والمشارب المتنوعة دوراً كبيراً في تكريسها. بعض هذه الفرق يمتلك نفوذاً كبيراً، وبعضها الآخر يفتقر إلى ذلك، وبعضها كثير الأتباع، وبعضها الآخر قليل الأتباع.
وقد ظهرت الفرق اليهودية المعروفة بعد الرجوع من بابل، وأما الفرق اليهودية الأكثر قدماً، فلا تتوفر معلومات كافية عنها.

١ ـ ٢١. الفريسيون

ظهرت فرقة الفريسيين أي المنعزلين والمنشقين نحو قرنين قبل ميلاد المسيح عليه‏السلام ، ويدل هذا اللقب على إنفرادهم وتميّزهم. وهم يشكّلون الآن غالبية اليهود. ويرجع أصل هذه الفرقة إلى فرقة حسيديم (أي الزاهدين).
ظهرت فرقة حسيديم في القرن الثالث أو الرابع قبل الميلاد لمحو آثار الشرك والإنحراف عن المجتمع اليهودي، وشاركوا المكابيين حروبهم، وقاتلوا دفاعاً عن الدين، وكانت مصدر إلهام لأمواج جديدة، ظهرت في أوساط يهود أوروبّا الشرقية خلال القرن الثامن عشر، وعُرفت باسم حسيديم أيضاً.
وقد برز الفريسيون من أوساط حسيديم، وكانت اتجاهاتهم الفكرية تختلف كل الإختلاف عن فرقة الصدوقيين، حيث نزهت الله سبحانه عن الجسم والصفات الجسمانية، واختارت حلاًّ وسطاً في الإرادة الإنسانية، واعتقدت بالبعث والعدل الإلهي وأولت أهمية للصلاة وسائر العبادات، وكان لها نفوذ واسع في المجتمع اليهودي.
وللفريسيين إضافة إلى العهد القديم (الذي يسمّونه التوراة المكتوبة)، توراة شفوية، تضمّ أقوال ووصايا حاخامات اليهود الذين تناقلوها ـ حسب اعتقادهم ـ جيلاً عن جيل
منذ عهد موسى عليه‏السلام . وقد دوّنت هذه الأقوال في الفترة الزمنية الممتدّة بين القرن الثاني والخامس الميلادي في كتاب ضخم باسم التلمود، الذي شكل اساس عقائد بني إسرائيل وأفكارهم، وسيأتي الحديث عنه بالتفصيل.
هذا، وقد شيّد الفريسيون دور العلم، وصرفوا فيها أوقاتهم بغية التعمق في التوراة، وتوصلوا إلى حقائق جديدة، وطبقاً لعقيدتهم فإن التوراة لاتضمّ حرفاً زائداً أو ناقصاً، ولا كلمة مبهمة أو فاقدة للمعنى، بل يختزن كل حرف أو كلمة منها أسراراً كامنة و رموزاً خافية.
يذكر أن حاخامات الفريسيين وأحياناً الصدوقيين أمسكوا بأزمّة الأمور بعد عودة اليهود من بابل وحتى التخريب الثاني لمدينة القدس، كما أنهم أضمروا العداء لعيسى عليه‏السلام ، وحاولوا الوشاية به بغية قتله. وقد تكرّر اسم الفريسيين في الأناجيل الأربعة.

٢ ـ ٢١. الصدوقيون

و هم أتباع صادوق بن اخيطوب الذي عُيّن كاهناً من قبل داود عليه‏السلام (١)، و استمرّ في منصبه على عهد سليمان عليه‏السلام (٢)، و قد أثنى سفر حزقيال على كهنة بني صادوق ومجدهم و مدح أمانتهم (٣).
يذكر أن الصدوقيين أهتموا بالقربان بدل الصلاة، وإن العديد من كهنة هيكل سليمان وحاخامات سَنْهِدْرين برزوا من هذه الفرقة، وكانوا على صلة طيبة بحكّام الروم. كما أنهم حافظوا على السنن القديمة، وخالفوا الفريسيين في إعادة النظر فيها وتفسيرها بالرأي و في عاداتهم وطقوسهم أيضاً.

١ ـ سفر صموئيل الثاني : ٨ / ١٧ و ١٥ / ٢٤ .
٢ ـ سفر الملوك الأول : ٢ / ٣٤ .
٣ ـ حزقيال : ٤٤ / ١٥ .

البعث والحياة الآخرة والحساب والجنة والنار، و رأوا أنّ الإنسان يجازى على أعماله في الدنيا، فالعمل الصالح يُنتج الخير والبركة لصاحبه، والعمل السيء يسبب لصاحبه المتاعب و الأزمات، و آمنوا في مجال الإرادة الإنسانية بحرية الإختيار المطلقة.
وهذه الفرقة لم‏تقل عن فرقة الفريسيين في مبلغ عداوتها للمسيح عليه‏السلام ، والكيد له، وقد تكرّر أسمها في الأناجيل الأربعة، ولم يبق لها أثر بعد تدمير أورشليم عام (٧٠ م).

٣ ـ ٢١. السّامريّون:

اشتُقّ اسم السامريين من مدينة السامرة التي أضحت عاصمة لمملكة إسرائيل بعد تقسيم أرض فلسطين. وقد ظهرت هذه الفرقة بعد العودة من الأسر البابلي. ويعتقد بعض الباحثين أنها لا تنحدر من اصل إسرائيلي محض، بل ربما تكون مزيجاً من أصل إسرائيلي و آشوري.
و هذه الفرقة صغيرة للغاية، آمنت فقط بالأسفار الخمسة من التوراة و أنكرت (٣٤) سفراً من العهد القديم، وتختلف توراتها عن التوراة المعروفة اختلافاً يسيراً، كما تختلف لغتها السامرية عن العبرية بمقدار لا يخرجها عن نطاق العبرية.
ويحظى جبل جِرزِيم (الواقع بالقرب من مدينة نابلس) بقدسية لدى السامريين الذين اتخذوه قبلة لهم، زاعمين أنه كان قبلة موسى عليه‏السلام ، إلاّ أنّ داود عليه‏السلام جعل ـ من لدن نفسه مكان «هيكل سليمان» قبلة.
ولهذه الفرقة اهتمام واسع بالأحكام الدينية، ولهم طقوس خاصة يمارسونها.

٤ ـ ٢١. الإسِينيون

يحتمل أن يكون معنى كلمة إسني الشافي، لأنهم كانوا بصدد شفاء نفوسهم، وقيلت في وجه تسميتهم بهذا الاسم احتمالات أخرى مثل المعمّدين و... .
ظهرت هذه الفرقة قبل حدود قرنين من الميلاد، وانقرضت بعد تدمير أورشليم (شأنها
في ذلك شأن الصدوقيين وبعض الفرق الأخرى)، ولم يبق منها سوى الإسم. وقد اكتشفت عام (١٩٤٧م) في إحدى مغارات فلسطين على ساحل البحر الميت بعض آثارها المكتوبة مرفقة بنسخ من العهد القديم، الأمر الذي أزاح النقاب عن بعض اعتقاداتهم المبهمة.
و من أهمّ ما تتميّز به هذه الفرقة هي أنها تحرّم الملكية الفردية والزواج، وتوجب التبتل والبعد عن النساء، والإغتسال عدّة مرات في اليوم، ولهذا السبب أنشأوا أحواضاً كبيرة، اكتشفت أخيراً خلال عمليات التنقيب. وكان أفراد هذه الفرقة ينهضون من النوم عند طلوع الفجر، ويشتغلون بالعبادة، ثم ينصرفون إلى العمل حتى الظهر، فيتناولون طعام الغذاء جماعة، وكذلك طعام العشاء، ويعطلون جميع أعمالهم يوم السبت، ويعكفون فيه على العبادة والتفكر ومطالعة التوراة. ويقال كانت قبلتهم الشمس، لاهيكل سليمان، وقد أخذوا ذلك فيما يظهر عن ديانة ميترا.
يُذكر أنّ عدد أتباع هذه الفرقة كان يبلغ في حدود القرن الأول الميلادي ما يقرب من (٤٠٠٠) شخص، وهو رقم كبير نسبياً بالقياس إلى الشروط الصعبة الموضوعة للإنتماء إليها.
ويعتقد بعض المؤرخين أنّ أفكار هذه الفرقة شكّلت البناء الرئيسي للمسيحية الحاضرة، ويحتمل أنّ أتباعها قد اعتنقوا المسيحية برمّتهم. ويقال إنّ يوحنّا المَعمَدان (يحيى بن زكريا عليه‏السلام ) كان من هذه الفرقة. ويمكن أن يُتّخذ تجواله في الصحاري والبراري كما في الأناجيل ـ والأحاديث الإسلامية أيضاً ـ كدليل يعتدّ به في هذا الموضوع.

٥ ـ ٢١. القناؤون

تعني كلمة (قناء) في اللغة العبرية الغيور والمتعصب. وهي تطلق على المجموعة التي كانت ترفض بشدّة إستيلاء الرومان على فلسطين. وكانوا عادةً يُخفون خناجر تحت
ثيابهم، ويتحيّنون الفرص لإغتيال المتعاونين مع الحكم الروماني، مما دفع بالرومان إلى فرزهم عن بقية الفرق، و إلى أخذ خطرهم على محمل الجدّ. ويبدو أن هذه المجموعة لاتختلف في عقائدها عن فرقة الفرّيسيين.

٦ ـ ٢١. القرّاؤون

اشتق اسم القرّائين من كلمة (قرأ) في العربية والعبرية، وهي إشارة إلى قراءة الكتب السماوية.
ظهرت هذه الفرقة بعد بزوغ الإسلام، وأنكرت التلمود (التوراة الشفوية)، والتزمت بحرفية التوراة وظاهرها، ممّا أدّى إلى تفاقم الخلاف بينها وبين فرقة الفريسيين التي جنحت إلى وضع التفاسير بغية فهم نصوص التوراة.
وقد أسس هذه الفرقة عالم يهودي اسمه عَنان بن داود، عاش في عصر المنصور الدوانيقي ببغداد، وصاحبَ أبا حنيفة، وتعلّم منه اصطلاحات الفقه الإسلامي. ثمّ قام بنشر أفكارها في إيران شخص يُدعى بنيامين النهاوندي، وأجرى فيها سلسلة من التغييرات، وبدّل إسمها من العنانيين إلى القرائين (وفي العبرية قَرائيم، ومعناها القرّاؤون).
وكان اكثر القرّائين في القرون الماضية يقيمون في ربوع العالم الإسلامي، أما اليوم فيقطن أغلبهم في إسرائيل و روسيا و أوكرانيا، و دول أخرى.
يذكر أن اسم شبه جزيرة كريمه (Crimea)في أوكرانيا مشتق من إسم هذه الفرقة.
وقد برز من بين القرّائين علماء كبار، ظهرت لهم أبحاث هامّة في حقل الإلهيات اليهودية، جلبت أنظار العديد من المحققين. و هم في مباحثهم يعتمدون على اصطلاحات أصول الفقه الحنفي.

٧ ـ ٢١. الدونمة

أُطلق إسم الدونمة الذي يعني باللغة التركية «المنشقين» على إحدى الفرق اليهودية، وقد يُطلق عليها احياناً اسم شبِتين، نسبة إلى مؤسسها سبْتاي زيفي الذي ولد في مدينة إزمير (غرب تركية)، وادّعى بعد مطالعة عميقة للإلهيات والعرفان اليهودي أنه هو المسيح المنتظر المنقذ لليهود، والتفّ حوله العديد من الأتباع لاسيما يهود أوروبّا وتركية والشرق الأوسط، ولقب نفسه ابن الله الأوحد، وأعلن أنه سينهض عام (١٦٦٦م)، و زار أورشليم والقاهرة قبل حلول الموعد المقرر، فاحتفى به اليهود هناك، وغمرهم سرور عارم، و راحوا يطلقون شعارات: يعيش المسيح الملك، ويحيا السلطان زيفي.
وفي سنة (١٦٦٦م) قصد سبتاي زيفي مدينة استانبول بدل أورشليم، فأُلقيَ عليه القبض بأمر السلطان العثماني، وأُشخص في شهر أيلول من السنة المذكورة إلى مجلس السلطان، وعرضوا عليه الإسلام، فأسلم وسمّى نفسه محمد أفندي، واقترن بأمرأة مسلمة، وأخذ يحث أتباعه على اعتناق الإسلام.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإن الكثير من اليهود يعتبره المسيح المخلّص، ويذهبون في تبرير هذا الموقف إلى أنّ شبح سبتاي قد أسلم، ولكن حقيقته عرجت إلى السماء بحثاً عن الأسباط العشرة لبني إسرائيل وسيظهر قريباً. قال أحد ناشطي هذه الفرقة: كما أن موسى عليه‏السلام ترعرع في قصر فرعون، فإن الواجب حتّمَ على المسيح المخلِّص أن يمكث في قصر السلطان العثماني لتخليص النفوس الحائرة من المسلمين أيضاً.
لقد احتفظ سبتاي بصبغة المسيح الموعود، وأجيز له الاتصال بالأوساط اليهودية تحت عنوان الدعوة للإسلام، وتمكّن من إنشاء فرقة، إلتزم أتباعها بالمظاهر والآداب الإسلامية من لبس العمائم وغير ذلك، إلاّ أنّ الأمل ظل يراودهم بالعودة السريعة لسبتاي كمخلِّص حقيقي لبنيإسرائيل.
توفّي سبتاي سنة (١٦٧٦م)، فالتف أتباعه حول شقيقه، وأخذوا يتقيّدون بالسنن الإسلامية في الظاهر، ويمارسون السنن اليهودية في الباطن. ويعيش منهم الآن في تركية عدّة آلاف.

٢٢ ـ انتظار ظهور المسيح

إنّ فكرة انتظار «المسيح» فكرة يهودية محضة، فإن الأقوام الغابرة لما أصيبوا بخيبة أمل مريرة، ويئسوا من المستقبل، راحوا يتشدقون بالماضي الذي وجدوا فيه كمال السعادة الإجتماعية والوطنية. وقد رسم شعراء الملاحم من اليونان والرومان أمثال هسيودس (Hesiod) و افيديوس (Ovid) صورة دقيقة لهذا الجنوح إلى الماضي، حينما قسّما البشرية إلى خمس مراحل متعاقبة، وقالا: إن البشر في المرحلة الأولى ـ التي أُطلق عليها العصر الذهبي ـ لم تستولِ عليهم المعاناة والمحن، طالما كانوا يتناولون ما تُنبته الأرض دون عناء، ومادام موتهم كان سباتاً هادئاً يعرجون خلاله إلى محفل الملائكة الموكّلون بهذا العالم، وأما المرحلة الأخيرة فهي العصر الحديدي الذي ساده الإضطراب والفوضى.
أما اليهود، فقد آمنوا أيضاً بأن العالم قد خُلق على أكمل وجه، و إن الإنسان الأول خُلق مباشرة على يد الله سبحانه، الأمر الذي يستدعي أن يكون كاملاً وسعيداً. وعلى الرغم من ذلك، فإنهم لايُمنّون أنفسهم بالسعادة والفضيلة اللتين سادتا العصر الذهبي، بل هم يتطلّعون إلى مستقبل جديد، وقد اشتهرت بين اليهود عبارة الكتاب المقدس: «فتكون حالتك الأولى وضيعة، وتكون حالتك الأخيرة مزدهرة».(١)

١ ـ أيوب : ٨ / ٧ .

وكان اليهود بعد التدمير الأول لمدينة القدس ينتظرون قائداً إلهياً فاتحاً، يعيد لهم عظمة وشوكة شعب الله في عهد داود وسليمان، وأطلقوا على المخلص المنتظر اسم «المسيح» و يعني «الممسوح»، وهو لقب ملوك بني إسرائيل، لأنّ الأنبياء ـ طبقاً لأسطورة قديمة ـ كانوا يمسحون رؤوس الملوك بزيت البركة أمام الملأ، الأمر الذي يُكسبهم نوعاً من القداسة. ثم صار هذا اللقب (المسيح) في العصور اللاحقة للمنقذ المنتظر.
لقد أفعمت قلوب بني إسرائيل بحب المسيح الموعود، في حين كان الحكام الظلمة يتربّصون به الدوائر. ونطالع في الاصحاح الثاني من إنجيل مَتَّى أن هيرودس الكبير ملك فلسطين، همّ بقتل عيسى عليه‏السلام عقب ولادته، إلاّ أنّ هذا الخطر رُفع عنه، بعد أن حُمل إلى مصر بأمر اللّه‏ سبحانه.
إنّ مصطلح المسيح مشتق من الكلمة العبرية «ماشيح»، نظراً إلى أنّ تلفظها باللغة اللاتينية هو (Messiah).
يُذكر أنّ أهمّ بشارة للمسيح عليه‏السلام وردت في سفر إشعيا:
(١) ويخرج غصن من جذع يَسّى [والد داود] وينمى فرع من أصوله (٢) ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة (٣) ويوحي له تقوى الرب، فلايقضي بحسب رؤية عينيه ولا يسمع بحسب سماع أُذنيه (٤) بل يقضي للضعفاء بالبر ويحكم لبائسي الأرض بالاستقامة، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت الشرير بنفس شفتيه (٥) ويكون البر حزام حقويه، والأمانة حزام خصره (٦) فيسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي، ويعلف العجل والشبل معاً، وصبي صغير يسوقهما(٧) ترعى البقرة والدب معاً، ويربض أولادهما معاً، والأسد يأكل التبن كالثور (٨) ويلعب الرضيع على حُجر الأفعى، ويضع الفطيم يده في جُحرِ الأرقم (٩) لايسيئون ولايفسدون في كل جبل
قدسي، لأن الأرض تمتلى‏ء من معرفة الرب، كما تغمر المياه البحر.(١)

إن انتظار المخلّص الموعود جعل تاريخ اليهود والنصارى مفعماً بالحيوية والنشاط، وقد تحمّل اليهود في تاريخهم العصيب الذلّ والهوان والعذاب يراودهم الأمل في ظهوره الذي يتيح لهم التخلّص من أوضاعهم المزرية، واستعادة مكانتهم الأولى، وجعلهم ملوكاً في الأرض.
وقد حفل تاريخ اليهود بظهور أشخاص حملوا دعوة المخلّص الموعود، وانضوى إليهم السُّذّج منهم، إلاّ أنّهم لم يجلبوا لهم سوى المتاعب. وفي خِضَمّ ذلك ظهر المسيح بن مريم عليه‏السلام الذي تمكّن بشخصيّته الفذّة و روحه العظيمة من أن يقيم هذا الدين الكبير، و يهدي به خلائق لايُحصوْن إلى ملكوت السماء، إلاّ أنّ معظم اليهود ناصبوه العداء.
وفي عصرنا الحاضر نهض اليهود الصهاينة واحتلّوا فلسطين بغية التخلّص من عقدة الحقارة التي لازمتهم، إلاّ أنّ ذلك لم يخمد من جذوة انتظار المخلّص الموعود. وقد بادرت أقلّية من اليهود ـ ظلّت محتفظة بآمالها القديمة ـ إلى اتخاذ موقف مناوى‏ء لتأسيس دولة صهيونية، باعتبارها تشكّل عزوفاً عن آمال المسيح الموعود، بيد أن السواد الأعظم منهم أيّدوا ذلك، زاعمين أنّها تمثّل خطوة ممهدة لظهوره، ويردد الصهاينة الغاصبين لفلسطين في احتفالات العيد الوطني لذكرى تأسيس كيانهم الغاصب، يرددون في الخامس من أيار العبري ـ بالإضافة إلى الأدعية اليومية حول المسيح ـ الدعاء التالي بعد النفخ في الأبواق:
تعلقت إرادة الربّ (يَهْوَه) أن نشهد طلوع فجر الحرية، وأن نمتّعَ أسماعنا بأنغام صور المسيح.

١ ـ سفر أشعيا : ١١ / ١ ـ ٩ .

٢٣ ـ انتصار الرّومان وانقراض اليهود

أدّى استقرار اليهود في أورشليم وإعادة بنائها إلى استفحال المشاكل، واندلاع المعارك بين المكابيين وملوك سورية المشركين والتي أسفرت عن غلبة اليهود. وقد جاءت تفاصيل هذه الوقائع في أسفار أبو كريفا.
وفي هذا العصر كان بنو إسرائيل يرزحون غالباً تحت أمر المشركين، وفيه أيضاً كان ظهور المسيح عليه‏السلام الذي سيأتي الحديث عنه بالتفصيل، وتمّ فيه كذلك تشكيل مجلس من علماء اليهود بأسم سَنهِدرين، حيث يجتمعون فيه للبحث والتداول في الشؤون الدينية، وإصدار الأحكام والقوانين(١).

٢٤ ـ تدمير أورشليم وتشريد اليهود

قام تيطس نجل امبراطور الرومان بحصار أورشليم، ودمّرها عام (٧٠م)، وقتل جمعاً غفيراً من اليهود، وقضى على مجلس سنهدرين.
وقد تشتّت اليهود عقب هذه الحادثة في البلاد المجاورة في أوروبّا وأفريقية الشمالية، واختارت مجموعة منهم المدينة المنورة (التي كان يطلق عليها آنذاك اسم يثرب)، فارتحلوا إليها واستوطنوها، وتعزو بعض المصادر الإسلامية سبب هذا الإختيار إلى أنّهم كانوا بصدد انتظار نبيٍّ يُبعث هناك.

١ ـ اشتقت كلمة سنهدرين من الإصطلاح اليوناني (سندريون) الذي يعني المجمع.

ثمّ استلم المسلمون في عهد الخليفة الثاني مفاتيح مدينة القدس من أيدي المسيحيين بعد مفاوضات جرت بينهما.
قال الطبري في حوادث سنة (١٥ هـ): إن المسلمين لما فتحوا مدينة القدس، صالحوا

النصارى على أن لا يسكنوا اليهود في هذه المدينة.(١)

٢٥ ـ التَّلْمود:

اشتقّت كلمة التلمود التي تعني التعليم من الفعل الثلاثي العبري «لمَد» (و يعني علّم)، وهي ذات علاقة بلفظ تلميذ ومشتقاته الذي هو رباعي في اللغة العربية. والتلمود كتاب ضخم جمعت فيه أحاديث اليهود وأحكامهم.
وقد ظهرت أبان السبي البابلي جماعة أُطلق عليها سوفِريم (وتعني الكُتّاب)، وهم الذين أولوا أهتماماً بكتابة التوراة والأحكام الدينية. ومن أبرزهم الكاتب عزرا (عُزَيرْ) الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد و لعله أبرز شخصية ظهرت في أوساط اليهود بعد موسى عليه‏السلام ، حيث عقد العزم على إثراء شريعة موسى عليه‏السلام من خلال استخراج نصوص من كتاب العهد القديم، تفي بمتطلبات المجتمع اليهودي، وكانت خطوته تلك بداية للسنّة الشفوية.
ثمّ راج بعد عزرا أسلوبٌ في تفسير وتأويل النصوص الدينية يُسمّى مدراش (ومعناه البحث والتتبّع)، لأن العلماء تتبّعوا على ضوئه المعاني الكامنة في التوراة، بغية وضع الحلول لكافة المسائل والمستجدات.
وانتخب لأسفار التلمود اسم المشنا (Mishnah) بمعنى المثنّى أو المكرّر، أي أنها تكرار وتسجيل للشريعة في مقابل المِقرا، وتعني القراءة أو المقروء. ويُطلق على التلمود المشنا لأنه تكرار للتوراة، وعلى التوراة المِقرا.
وقد دُوّنت أسفار المشنا باللغة العبرية العاميّة، وهي لغة التخاطب لدى بني إسرائيل، وهي تختلف إختلافاً غير يسير عن اللغة العبرية التي أُلّفت بها أسفار العهد القديم.

١ ـ انظر : تاريخ الطبري: ٤ / ٤٣٦، ط دار الفكر.

وعلى أية حال، فالتلمود ينقسم إلى ستة أقسام، تتضمن (٦٣) رسالة في (٥٢٣) فصلاً، وهذه الأقسام هي كالتالي:

١ ـ كتاب زراعيم (أي البذور، ويتضمّن القوانين الخاصة بالأرض والزراعة)١١رسالة.
٢ ـ كتاب مُوعَد (أي العيد أو الموسم، ويتضمّن الأحكام الدينية والفرائض الخاصة بالسبت والأعياد والأيام المقدسة)١٢ رسالة.
٣ ـ كتاب ناشيم (أي النساء، ويتضمّن الأحكام والنظم الخاصة بالزواج والطلاق)٧رسائل.
٤ ـ كتاب نزيقين (أي الابرار، ويتضمّن جزءً كبيراً من الشرائع المدنية والجنائية)١٠رسائل.
٥ ـ كتاب قداشيم (أي المقدّسات، ويحتوي على الشرائع الخاصة بالقرابين وخدمة الهيكل)١١ رسالة.
٦ ـ كتاب طهاروت (أي الطهارة، ويتضمّن الأحكام الخاصة بما هو طاهر ونجس، وما هو حلال وحرام من المأكولات والمشروبات وغيرها)١٢ رسالة.

وأطلق على شروح المِشنا اسم «الغِمارا» (Gemara) أي الشرح والتعليق، و زُعم أنها استدراك لأحاديث الربابنة الماضين، و بها يكتمل كتاب المشنا.
وتتناول «الغِمارا» كل مقطع من نصوص المِشنا على حدة، وتشبعه شرحاً وتفسيراً وتحليلاً، مع استعراض الشواهد.
وثمّة نوعان للغمارا: أحدهما، الغِمارا الفلسطينية التي دوّنها علماء اليهود في فلسطين، والثاني الغِمارا البابلية التي دوّنها علماء اليهود في بابل، وهي أكثر تفصيلاً من الغِمارا الفلسطينية.
وقد قسّم التلمود تبعاً للغمارا إلى قسمين أيضاً: التلمود الفلسطيني، والتلمود البابلي.
ويتألف التلمود من عنصرين أساسيين: أحدهما هالاخاه (Halakhah) وتعني الطريق والأسلوب وهي عبارة عن تعاليم دينية للحياة الصالحة، والآخر الهغادا (Haggadah) أي الحديث، وهو عبارة عن أحاديث الربابنة التاريخية والخُلقية والدينية التي تستهدف بناء شخصية المؤمن عبر الأمثال والعبر والقصص المستقاة من تاريخ اليهود وسير حكمائهم وعظمائهم، ومن خلال وصف أنواع الثواب والعقاب في هذا العالم والعالم الآخر.
يُذكر أنّ كميّة كبيرة من مطالب التلمود قد وجدت طريقها إلى الكتب الإسلامية، واعتقد بعض المسلمين بصحة العديد منها، دون التثبّت من مصدرها، ويسمّى هذا النوع من الأحاديث بالإسرائيليات. نعم لاتخلو بعض موارد التلمود من الصحة لاسيما تلك التي تتفق والآيات والأحاديث الإسلامية.
وقد تكفّل التلمود باعتباره دائرة معارف غزيرة المحتوى بالحفاظ على الديانة اليهودية، واضحى مصدراً هامّاً من مصادر التشريع اليهودي. ولكونه يتضمّن الطعن على عيسى عليه‏السلام فقد رفضه المسيحيون، وأعلن زعماء الكنائس في القرن السادس الميلادي عن مخالفتهم له، بيد أن ذلك لم‏يخلّف مشكلة كبيرة طيلة قرون متمادية، إضافة إلى أن الأوساط العلمية اليهودية حرصت على عدم إثارة حفيظة النصارى، إلى أن قام يهودي اعتنق المسيحية بتحريض البابا عام (١٢٣٩م) على حرق كتاب التلمود، ومنذ ذلك الوقت أصبح حرقه أمراً رائجاً، حيث تُسيّر العربات المحملة بنُسَخ هائلة من التلمود إلى ميادين المدينة، ويتمّ احراقها أمام الملأ، أو الإنتفاع من جلودها في صناعة الأحذية.
وتتوفر حالياً عدّة نسخ خطية من التلمود البابلي في مكتبات العالم، وتوجد نسخة كاملة منه في مكتبة مدينة ميونخ الألمانية.
و صدرت أول و أشهر طبعة للتلمود بالنص العبري على يد شخص يُدعى دانيال
بومبرغ في مدينة البندقية بإيطاليا (وطبع التلمود البابلي في الأعوام ١٥٢٠ ـ ١٥٢٣، والتلمود الفلسطيني في الأعوام ١٥٢٣ ـ ١٥٢٤).
ويقع التلمود البابلي وفقاً لتلك الطبعة في ٥٨٩٤ صفحة، و روعي ذلك في الطبعات اللاحقة حفاظاً على الإرجاع إلى ذلك الكتاب الضخم. وقد ترجم التلمود ونشر بلغات أوروبيّة عديدة. وتقع الترجمة الإنجليزية له في (١٨) مجلداً، طبعت في لندن.

٢٦ ـ قبالا

ظهر العرفان أو التصوف في الأديان كردّ فعل للشريعة والتعقّل (الفقه والفلسفة)، ولا يتيسّر إثباته أو نفيه، لأنه نابع من الذوق، وله ارتباط وثيق بالفن، وهو كالنار الهادئة يجذب كل شيء نحوه ويتقدم إلى أمام. وقد اصطبغت أديان الهند والشرق الأقصى بالطابع العرفاني، الأمر الذي أدّى إلى شغف العديد من سكان أمريكا وأوروبّا بها.
وترك العرفان اليهودي (الذي يسمّى قبالا أي المقبول) بصمات واضحة على الحياة المعنوية لبني إسرائيل. ومن أشهر الكتب التي أُلفت في هذا المضمار، هو كتاب زوهَر (أي زاهر)، وقد دار جدل ونقاش طويل حول مؤلف الكتاب المذكور.
ويُبحث في علم قبالا عن العرش الإلهي، و الإسم الأعظم، و حوادث آخر الزمان، وظهور المسيح الموعود، و الرجعة، والقيامة، ويلعب علم الحروف دوراً كبيراً في هذا الفن.

٢٧ ـ اليهودية في أوروبّا

كان اليهود في البلاد الإسلامية ينعمون بحياة رغيدة، حتى أن عدداً منهم تقلّد مناصب رفيعة، في حين أُرغم اليهود المقيمون في أوروبّا على العيش بذلة في أحياء منعزلة تسمّى الغيتو (ghetto). واتفق كثيراً أن أجبر هؤلاء على اعتناق المسيحية بالقوة، فكانوا نصارى
في الظاهر ويهود في الباطن، وقد عُرفوا باسم اليهود المتنصّرين (Marranos). كما نعم يهود الأندلس بالرخاء والإستقرار في ظلّ الحكم الإسلامي، ولمّا سقطت الأندلس بيد الإفرنج عام (١٤٩٢ م)، طُرِد اليهود منها أيضاً، فهاجروا إلى البلاد الإسلامية الواقعة في شمال إفريقيا، إلاّ أنّ القليل منهم استطاع النجاة من مخالب قراصنة البحر وأطماع ربابنة السفن، والوصول إلى ساحل الأمان والإطمئنان.
إنّ السلوك الإنساني والسيرة الحسنة للمسلمين حيال الأجانب أطلق ألسنة المؤرخين اليهود والنصارى بتمجيدهم.

٢٨ ـ اليهودية في العصر الحديث

أثر الضغوط المتواصلة التي تعرّض لها يهود أوروبّا من قبل المسيحيين وأقوام أخرى والنفي المستمر لهم، جعلهم يفكّرون مليّاً في إنشاء وطنٍ قوميّ لهم. ولم تكن هذه الفكرة وليدة الصدفة بل لها سابقة في التاريخ، وعلى الرغم من الظروف الآنفة الذكر، فقد أحرز اليهود نجاحاً مهنياً واقتصادياً باهراً بين الشعوب غير اليهودية، ممّا حدا بهم إلى عدم الهجرة إلى فلسطين بعد تأسيس الكيان الصهيوني.
ولأجل تشجيع يهود أوروبّا وآسيا وإفريقيا على الهجرة إلى إسرائيل، فقد أنشأت في أوساطهم منظّمات صهيونية تروّج لإسرائيل وتصورها كأنها الجنة الموعودة لليهود.
يُذكر أن جماعة من اليهود التي هاجرت إلى إسرائيل عادت إلى أوطانها.

٢٩ ـ ظهور الصهيونية وتأسيس دولة إسرائيل

إن الدين اليهودي في غنى عن الترويج والتبليغ، لأنه ـ كما يعتقد اليهود ـ نعمة إلهية حبا اللّه‏ بها بني إسرائيل فحسب. ومع ذلك فإنهم يقبلون في صفوفهم كل من يعتنق اليهودية. وقد أوصى التلمود بضرورة اطلاع المعتنق لها على ما لاقوه من ذلّة ومسكنة،
حتى لايضع قدمه إذا لم يكن من رجال هذا الميدان.(١) ومن النادر أن يُجبر أحد على أعتناق اليهودية، في حين يدعو اليهود عادةً الناس إلى الصهيونية.
و في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، أخرجت جماعة كبيرة من يهود روسيا، فاستوطنت بعضها غرب أوروبّا، وبعضها الآخر فلسطين في مكان بالقرب من ساحل البحر الأبيض المتوسط، أطلقوا عليه اسم صهيون. وكانت فلسطين آنذاك تابعة للخلافة العثمانية، وكان إسم صهيون يطلق قديماً على هضبة بالقرب من القدس، كانت في زمن اقتدار دولة بني إسرائيل (عصر داود وسليمان) مركزاً عسكرياً. هذا الاسم يعيد إلى أذهانهم شوكة بني إسرائيل، وقد جاء ذكره كثيراً في أسفار الأنبياء المتأخرين.
وفي تلك الحقبة نهض يهود أوروبّا و روسيا ـ متجاهلين سنة الإنتظار ـ من أجل نيل العزة والإستقلال، وأسسوا الصهيونية التي تبعتها هجرت اليهود إلى فلسطين. وقد حذر المفكرون المسلمون من مغبة هذه الهجرة، واعتبروها مؤامرة خطيرة تستهدف الإسلام وحذروا المسلمين من التعاون مع المهاجرين(٢). وحينما وقف المسلمون على عمق الفاجعة كانت السبل قد أوصدت أمامهم.
لقد تناسى الصهاينة ضيافة المسلمين الفلسطينيين لهم، فاغتصبوا أراضيهم بأساليب بشعة، ولم يمضِ سوى عقد من الزمن حتى أحتلوا أراضي البلدان المجاورة وقاموا بضمّها إلى كيانهم الغاصب(٣).

١ ـ انظر : گنجينه أى أز تلمود (بالفارسيه) : ٨٤.
٢ ـ وردت نماذج من هذه التحذيرات في تفسير المنار، ذيل الآية ٤٥ من سورة النساء.
٣ ـ حذرت التوراة اليهود من الطمع بأموال القريب (الخروج : ٢٠ / ١٧، والتثنية : ٥ / ٢١)، وورد فيها أيضاً: «ملعون من ينقل حدود قريبه» [ التثنية : ٢٧ / ١٧].

وقد حشّد الإستكبار العالمي بقيادة امريكا وانجلترا قواه لدعم الصهاينة على كافة الأصعدة، الأمر الذي أدّى إلى استغلال الصهاينة لهذا الدعم ـ إلى جانب ضعف قادة الدول الإسلامية ـ في تعزيز وجودهم، وفرض أوضاع مزرية على المسلمين، ما نزال نشهد مضاعفاتها الخطيرة.
وقد اقترف الكيان الصهيوني الغاصب للقدس الذي مضى على تشكيله اكثر من نصف قرن أبشع الجرائم في حق الفلسطينيين، دون أن يعيّر أهمية لقرارات الشرعية الدولية.
إنّ الّذين راودهم الأمل بالصلح مع الصهاينة، سرعان ما تبيّن لهم زيف ادعاءات الصهاينة وسوء سريرتهم ونفاقهم.

الخلاصة

    ا ـ ينحدر اليهود من العرق السامي الذي ينتسب إليه الآشوريون والعرب، و قد عاشوا في بداية أمرهم حياة البداوة ثمّ بدأوا في الاستقرار بالمدن في عهد النبي يوسف عليه‏السلام ، وقد أثّرت حياتهم البدوية تأثيراً بالغاً على اعتقاداتهم و طقوسهم الدينية.
ولمّا نجّى موسى بني اسرائيل من جور فرعون تاهوا في صحراء سيناء أربعين سنة و كانوا يأكلون فيها المنّ و السلوى النازلين من السماء، و عهد إلى موسى أن يتكلّم مع‏اللّه‏ سبحانه في وادي طور سيناء، و هناك تلقّى لوحيْن نقشت فيهما وصايا اللّه‏ سبحانه، و تبرز من بينها عشر وصايا مهمة للغاية و اشتهرت باسم الوصايا العشر.
    ب ـ التوراة كتاب اليهود المقدس، و أطلق النصارى عليه اسم العهد القديم في مقابل عهدهم الجديد.
وقد كتب العهد القديم باللغة العبرية وقليل منه باللغة الكلدانية، و للعهد القديم ٣٩ سِفراً، ويمكن تقسيم مواضيعه إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي:

١ ـ التوراة والقسم التاريخي للعهد القديم.
٢ ـ الحكمة، الأناشيد والشعر.
٣ ـ تنبّؤات الأنبياء.

وأما أسفار ابوكريفا العهد القديم فهي عشرة.
    ج ـ أقيمت دعائم اليهودية في البداية على التوحيد ونهض جميع انبيائهم من موسى عليه‏السلام إلى آخرهم لمكافحة الشرك، والاسم الخاص للّه‏ سبحانه في الديانة اليهودية هو «يهوه» و يعني الموجود.
    د ـ وقد وقع بنو اسرائيل في الأسر حينما قاد نبوخذ نصّر ملك بابل هجوما كاسحاً
على اورشليم أسفر عن مقتل سكان يهوذا و إسرائيل و أسر جموع غفيرة منهم، و عرفت هذه الحادثة في التاريخ بالأسر البابلي.
وقد تطبع اليهود خلال مدة الأسر بآداب و أخلاق المشركين.
    ه ـ وقع اليهود مثل سائر الأقوام تحت تأثير المحيط و استعاروا العديد من المفاهيم و المقوّمات الخاصة بالحضارات القديمة التي احتكوا بها بعد أن أضفوا عليها لوناً من الاخلاقيات التوحيدية التي انفردوا بها.
إنّ إحدى معتقدات اليهود الرئيسية التي يرى الباحثون أنّها مقتبسة من الديانة الزرادشتية هي فكرة البعث أو الرجعة، حيث ذهب الإيرانيون القدماء إلى أنّ آهورا مازدا سوف ينتصر في النهاية على انغرو مئنيو و يقضي عليه، و من ثم ينبعث الموتى، و اكتست هذه الفكرة طابعا معنويا و أصبحت نتاجا أصيلا لإلهامات اليهود.
    و ـ إنّ أهمّ الفرق اليهودية هي: الفرّيسيون، و الصدوقيون، و السامريون، و الاسينيون، و القناؤون، و القراؤون و الدونمة.
    ز ـ إنّ فكرة انتظار المسيح فكرة يهودية محضة، و كان اليهود بعد التدمير الاول لمدينة القدس ينتظرون قائداً الهيأ فاتحاً يعيد لهم عظمة و شوكة شعب اللّه‏ في عهد داود و سليمان و اطلقوا على المنقذ المنتظر اسم المسيح و يعني الممسوح .
    ح ـ التلمود كتاب ضخم جمعت فيه احاديث اليهود و احكامهم، و أطلق على اسفار التلمود اسم المشنا بمعنى المثنّى او المكرّر، لأنه تكرار للتوراة، أطلق على شروح المشنا اسم الغمارا، اي الشرح و التعليق.
وثمّة نوعان للغمارا : احدهما الغمارا الفلسطينية، و الثاني الغمارا البابلية، و قد قسم التلمود تبعا للغمارا إلى قسمين ايضا: التلمود الفلسطيني، والتلمود البابلي.
و يتألّف التلمود من عنصرين أساسيين:
احدهما الهالاخاه و هي عبارة عن تعاليم دينية للحياة الصالحة.
والآخر الهغادا و هو عبارة عن احاديث الربابنة التاريخية و الخلقية.
    ط ـ ترك العرفان اليهودي الذي يسمّى «قبالا» بصمات واضحة على الحياة المعنوية لبني اسرائيل، و من أشهر الكتب التي ألفت في هذا المضمار هو كتاب «زوهر»، و يبحث في علم قبالا عن العرش الإلهي، و الإسم الأعظم، و حوادث آخر الزمان، و ظهور المسيح الموعود، و الرجعة و القيامة.

تمارين

١ ـ ما هو العهد القديم، و ما هي مواضيعه الرئيسية؟
٢ ـ ما هي أسفار ابوكريفا؟
٣ ـ اشرح الأسر البابلي و اثره على اليهود.
٤ ـ ما هو التلمود، و ماهي اقسامه؟
٥ ـ اذكر تعريفا للكلمات التالية: المشنا، الغمارا، الهالاخاه، الهغادا، قبالا.

مصادر البحث

١ ـ ابستين، ي، «التلمود البابلي»، ١٨ مجلداً، لندن، ١٩٦١.
٢ ـ ابستين، ي، «اليهودية»، ط. عام ١٩٥٩.
٣ ـ انترمان، أ، «اليهود... معتقداتهم الدينية وممارساتهم»، لندن، ١٩٨١.
٤ ـ ايدسون، أ، «الطقوس اليهودية وتطورها»، نيويورك، ١٩٦٧.
٥ ـ جاكوبز، ل، «اللاهوت اليهودي»، لندن، ١٩٧٣.
٦ ـ جاكوبز، ل، «مبادى‏ء العقيدة اليهودية»، نيويورك،١٩٦٤.
٧ ـ غرينستون، جوليوس، «انتظار مسيحا در آئين يهود» (بالفارسية)، ترجمة حسين توفيقي، قم، مركز بحوث الأديان والمذاهب، ١٣٧٧.
٨ ـ فنكلستين، ي، «اليهود... ديانتهم وثقافتهم»، نيويورك، ١٩٧١.
٩ ـ الكتاب المقدّس، لندن، ١٩٠٤.
١٠ ـ كوهين، أ، «گنجينه اي أز تلمود»، (بالفارسية)، طهران، ١٣٥٠.
١١ ـ نوس، جون، «تاريخ جامع أديان» (بالفارسية)، ترجمة علي أصغر حكمت،طهران منشورات الثورة الإسلامية ، ١٣٧٠.
١٢ ـ هاكس، «قاموس كتاب مقدس»، طهران، منشورات أساطير، ١٣٧٧.
١٣ ـ هيوم، روبرت، «أديان زنده جهان» (بالفارسية)، رجمة عبد الرحيم گواهي، طهران، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، ١٣٧٣هـ .
١٤ _ Arberry, A.J.(ed.), Religion in the Middle East, Cambridge: Cambridge University Press,١٩٦٩.