الديانات القديمة

١ ـ مصر

تعتبر مصر من الدول الأثرية المعروفة في العالم، حيث ازدهرت فيها الحضارة في نحو الألف الثالث قبل الميلاد، و حكمتها حكومات مقتدرة. و ينحدر المصريون من أصل قبطي، و منه أخذ الغرب كلمة (Egypt) الذي يُطلق على مصر.
و قد طوى المصريون مراحل مختلفة من الأديان البدائية، و أقبلوا على عبادة أنواع من الآلهة التي تمثّلت بعدد من الحيوانات الأهلية و الوحشية، و عبادة الفراعنة.

١ ـ ١. ظهور الدين و تنوّعه في مصر القديمة

اعتقد المصريون القدماء بموجودات غيبية ، و آلهة ذوات أسماء و صفات مختلفة، و لمابلغ عدد الآلهة من الكثرة بمكان، عمدوا إلى الحدّ منها، و الاكتفاء في عهد قصير بآلهة الشمس. و راج في تلك العصور أيضاً الاعتقاد بألوهية حيوانات كاللبوة و التمساح، و طيور أهلية كالوزة.
كما حازت عبادة القطط على اهتمام واسع، حتى أن الإيرانيين في العصر الهخامنشي رسموا ـ في إحدى حروبهم مع المصريين ـ قططاً على مجانّهم، فلما رآها المصريون كفّوا عن رشقهم بالنبال، و أغمدوا سيوفهم، فكان النصر حليف الإيرانيين.
كما اعتقد المصريون بموجودات خيالية تمثّلت في جسم إنسان برأس حيوان، و
كانت لهم أصنام يعبدونها.
و كانوا حين يعزمون على ركوب نهرالنيل ، كانوا يتوجّهون إلى معبد التمساح فيرفعون الصلوات، و يقدّمون النذور و الصدقات، طمعاً في حفظهم من خطر التماسيح المفترسة.

٢ ـ ١. اسطورة الالهة الثلاثة: أوزوريس، إيزيس، و حوريس.

قال قدماء المصريين إن اوزوريس (إله الخصب) تزوّج أخته (إيزيس) و انجبت حوريس (إله الشمس) ، وقُتل أوزوريس على يد أخيه ست (إله الجدب)، و ألقى جثّته في النيل، و جدّت ايزيس في البحث عن جثّة زوجها المقتول حتى عثرت عليها ثم أخفتها، و تمكّن ست ـ بعد جهد ـ من العثور على الجثّة، فقطّعها إلى أربعة عشر قسماً، و وزّعها على جميع مقاطعات مصر. ولما شبّ حوريس خاض حرباً ضدّ عمّه ثأراً لأبيه. كان النصر فيها حليفه، و اقتاد ست إلى أمّه مكبلاً بالأغلال ، فأشفقت عليه إيزيس ، ففكّت قيوده ، و أطلقت سراحه.
ثمّ إنّ حوريس جمع أقسام جثّة أبيه . و أحياه بمعونة (إله الحكمة) إلا أن أوزوريس لم يبق طويلاً في الدنيا، بل تخلّى عنها لولده حوريس، وذهب إلى العالم السفلي ليصبح حاكماً لمملكة الموتى.

٣ ـ ١. عبادة الشمس

إن لعبادة الشمس في بقاع مختلفة تاريخاً حافلاً يتوغّل في القدم، وقد أشار اليها القرآن الكريم في عدّة سور(١). و حقاً أنه ليس في أوساط الآلهة التي عُبدت إلى جانب الخالق سبحانه من جارت الشمس في خيراتها و بركاتها اللامتناهية.
وثمّة آلهة ـ في مصر القديمة ـ لساعات النهار المختلفة، تنوب عن الشمس ، فكان «رع» إلهَ الظهيرة، و «خفرع» إلهَ الصباح ، و «آتوم» إله الغروب.

١ ـ النمل / ٢٤ .

كما أنهم آمنوا بالجُعَل كممثل عن الشمس في الأرض، و شاعت صوره على الطلسمات و تماثيل الفراعنة، التماساً للبركة والسعادة.

٤ ـ ١. عبادة فرعون

انتشرت عبادة الفراعنة في الماضي، و كان آخر أثر لها هو عبادة امبراطور اليابان الذي ألغاها بنفسه عام ١٩٤٦م، و ما زالت آثار هذه السنّة موجودة اليوم عند بعض الملوك و السلاطين كملك تايلند.
إنّ فراعنة مصر كأباطرة اليابان اعتبروا أنفسهم جديرين بالعبادة، لأنهم آلهة من نسل الشمس.

٢ ـ بابل

كانت بابل لسنوات طوال مركزاً للحضارة والعلم و الثقافة، وورد اسمها في الكتاب المقدّس لليهود و النصارى و القرآن الكريم(١)، و يعدّ الجبر و المثلّثات و الكثير من المسائل الرياضية و العلمية الأخرى من الآثار التي خلفتها هذه الحضارة.

١ ـ ٢. التحوّل و التغيّر الذي طرأ على الديانة البدائية في بابل

كشفت عمليات الحفر و التنقيب التي أجريت في مناطق مختلفة من العراق عن وجود تماثيل لعدد كبير من الآلهة كانت مدفونة تحت التراب، و قد نُقلت هذه التماثيل الى مختلف متاحف العالم. هذا العدد الضخم من الآلهة هو في الواقع صورة متكاملة للأرواحية البدائية.

١ ـ الآية ١٠٢ من سورة البقرة .

كما شهدت بابل أيضاً تحولاً و تكاملاً في الدين من الفتشية إلى الاعتقاد بعدد كبير من الآلهة ، و استغرق هذا السير التكاملي ما يقرب من (٤٠٠٠) سنة، ثمّ استقرّ الأمر أخيراً على عبادة عدد من الآلهة التي تنوب عن أرواح الشمس و القمر و بقيّة السيّارات في مدن مختلفة ، و يعتبر (مردوك) الإله الأعظم لامبراطورية بابل.

٢ ـ ٢. الآلهة الثلاثة

صنف العدد الضخم من الآلهة عند البابلين إلى مجموعتين ثلاثيتين ، هما مجموعة آنو (إله السماء) ، و أنليل (إله الهواء) ، و إيا (إله الماء) ، و مجموعة شِمِش (إله الشمس) ، و سين (إله القمر) ، و عشتار (إلهة الخصب).
وكانت للآلهة المذكورة أزواج، و قد استحوذت عشتار (إلهة الخصب) على اهتمام خاص، و يطلق على زوجها اسم تمّوز.
ولما بلغت الحضارة البابلية أوج رقيّها و ازدهارها، أقبل البابليون على عبادة مردوك، ونقشت صوره في كل مكان، واعتبر سيد الآلهة أجمعين.

٣ ـ ٢. إله آشور

لما سقطت بابل بأيدي أقوام آشور الشماليين حلّت عبادة آشور (إله الأشوريين) محل مردوك، و انتشرت صوره في كل مكان، و ما أن انتصر البابليون على الآشوريين حتى استعاد مردوك سابق مجده التليد، إلا أنه سرعان ما فقده عند سقوط بابل بيد كورش، و حلّ آهورامزدا محله.

٣ ـ اليونان

اليونان شبه جزيرة صغيرة تقع في الجنوب الشرقي من أوروبا. كانت في الماضي السحيق مركزاً نشطاً للثقافة و الفن و الفكر ، و يطلق الغرب على هذا البلد اسم (Greece)، ومنه اشتُقّت كلمة إغريق في اللغة العربية. و كلمة اليونان اشتقت من ايوني (Ionia) اسم إحدى مقاطعاتها، و سمّى اليونانيون بلادهم هيلس (Hellas) و هو اسم
أجدادهم القدماء، و قد حازت معتقدات اليونانيين على أهمية خاصة في مباحث معرفة الدين لارتباطها الوثيق بالفكر و الأسطورة.

١ ـ ٣. دين قدماء اليونان

كان لقدماء اليونان آلهة ذكور و إناث أعظمها شأناً زيوس الذي كان يُطلق عليه أحياناً اسم زيوس بتروس، أي زيوس الأب ، و يطلق قدماء الهندوس على هذا الإله اسم ديوس بيتار، و قدماء الروم اسم جوبيتر. و آلهة اليونان تشترك في أغلب الأحيان مع آلهة قدماء الآريين. و من آلهتهم:

أبولون (إله الشمس)
بوسيدون (إله البحر)
هستيا (إلهة الأم)
دميتر (إلهة الخصب و المحصولات)
هرمس (إله الحكمة)
و آرس (إله الحرب)

٢ ـ ٣. الأساطير

سعى الإنسان منذ القدم إلى إعطاء إجابات مقنعة للاستفسارات التي تُطرح من خلال خلق الأساطير ، مستعيناً بقوة خياله ، و ذلك بهدف التخلص من دوّامة الشك و الحيرة التي تعتريه ، و ما الفلسفة و الأدب و بعض الأديان إلاّ نتاج الأساطير التي كان لها دور هامّ في حياة الإنسان الفكرية، و مثال ذلك أساطير الشاهنامة التي راجت في بلادنا و ترسّخت في أذهان الناس، و التي تمدّ القارئ بالمتعة كلما أخذ في قراءتها.
و كان قدماء اليونان يعبدون آلهتهم الأسطورية، و يقدّمون لها القرابين ، وقد تقدّمت أسماء بعضها، و من الصعب بمكان إحصاء أسماء جميع آلهة اليونان أو آلهة الشعوب القديمة.
كان اليونانيون أناساً ذوي ذهنية وقّادة و بحّاثة، اضطرّوا ـ لقصر باعهم في العلم ـ إلى خلق الأساطير ، لكي تركن ذهنيتهم الباحثة الى ساحل الأمان و الاستقرار، فتجد أنهم عبدوا أوثاناً متنوعة بدلاً من عبادة خالق السموات و الأرض، كما اهتموا بالفلسفة أيضاً، و رفعوا لواءها في أعصارهم، في حين عجزت أقوام أخرى عن اللحاق بهم في هذا المضمار.

٣ ـ ٣. ظهور الفلسفة

شهدت اليونان منذ القرن الخامس قبل الميلاد ظهور فلاسفة كبار، طرحوا أفكاراً جديدة، و من أشهر هؤلاء الفلاسفة: سقراط ، و تلميذه أفلاطون ، و أرسطو تلميذ أفلاطون. و قد راجت أفكار أرسطو في المعاهد العلمية في أوروبّا و العالم الإسلامي ما يناهز الألفي سنة، و قلّ من وجد في نفسه الجرأة على نقدها. و على الرغم من أن فلسفة اليونان و أفكار أرسطو فقدت اليوم مقامها الشامخ الذي كانت عليه، إلاّ أنّ العلماء لايجدون بدّاً من التعريج عليها كلما استعرضوا الجذور التأريخية للنظريات الفكرية الجديدة.
وقد استفاد فلاسفة اليونان في صياغة أفكارهم من الأساطير استفادة كبرى، وثمّة آثار كاملة لأفلاطون متوافِرة اليوم، و تعجّ بأسماء عدد كبير من الآلهة. و كانوا يعترضون على نسبة صفات قبيحة إلى الآلهة في الأناشيد الحماسية القديمة. إنّ أفكار أفلاطون في حقل الإلهيّات جعلت منه إنساناً إلهياً، حتى أطلق عليه «أفلاطون الإلهي».
كما أنّ أرسطو حينما طرح مبحث المحرك الأول ، أصبح حسب اعتقاد الفلاسفة الموحدين قريب الاعتقاد بإله الأديان التوحيدية.

٤ ـ ٣. عقائد عامة الناس

طرأ في هذا العصر تحول في أفكار عامة الناس، تبلور في اعتقادهم بأن الإله زيوس
يقف على قمة جبل (المب)، و يحيط به سائر الآلهة. و كانوا لايؤمنون بحياةٍ بعد الموت، بل عكفوا على عبادة الأوثان بغية نيل السعادة الدنيوية. هذه الأوثان هي مظاهر للآلهة و الأبطال الأسطوريين، و كان لها كَهَنة.

٤ ـ الرومان

كانت الامبراطورية الرومانية من أعظم الدول القديمة سطوة وقوة، و قد توسعت لتشمل معظم أوروبّا و مصر و سوريا و آسيا الصغرى. و اضطلع الرومانيون منذ الماضي السحيق بفنّ العمران و النحت والرسم و الأدب و إدارة البلاد، و قد اعتنقوا المسيحية بعد ثلاثة قرون من ميلاد المسيح عليه‏السلام ، وسعوا إلى نشرها من خلال الاستعانة بحضارتهم العريقة.

١ ـ ٤. ديانة قدماء الرومان

كان لقدماء الرومان دين بدائي، حيث عبدوا إلهة «ديانا» و اتخذوا لها هيكلاً في تلال قريبة من روما، يفدون إليه أثناء الاحتفالات السنوية، و كان من طقوسهم تناول الطعام المقدس الذي يطبخ على نار مقدسة، و كان لإعداد الطعام المذكور مراسم خاصة، نحجم عن ذكرها خوفاً من الإطالة، إلاّ أن تناوله مازال رائجاً عند بعض الديانات كالعشاء الرّباني في المسيحية.

٢ ـ ٤. نوما

إنّ دين نوما (Numen) يعني الروح، و هو الاعتقاد بأن كل شيء من مظاهر الطبيعة، سواء أكان انساناً أو حيواناً أوجماداً له روح، و بعض هذه الأرواح خيّرة طيّبة، و بعضها خبيثة شريرة، و هي قبل أن تصبح آلهة كانت لها طبيعة مبهمة و غير متميّزة، إلاّ أنّ الرومانيين في المراحل اللاحقة قد حدّدوا معالمها و حاكوا حولها الأساطير والملاحم.

٣ ـ ٤. آلهة الرومان

اما آلهة الرومان فقد عكست حياتهم الزراعية و العائلية و الحربية، و اذا أرادوا النجاح في شيء رفعوا الصلاة إلى الإله المختص الذي عرفوه منذ القدم، و فوق الآلهة جميعاً، عبدوا و هو ـ نظير زيوس إله اليونانيين ـ إله النور و الرعد و البرق والصاعقة، و تختص عبادته حينما يصبح القمر بدراً.

٤ ـ ٤. الطقوس الدينية

تتلخّص الطقوس الدينية عند الرومان بعبادة الامبراطور و تقديم القرابين للآلِهة، و إقامة الاحتفالات لها.

الخلاصة

    اـ تعتبر مصر من الدول الأثرية المعروفة في العالم حيث ازدهرت فيها الحضارة في نحو الالف الثالث قبل الميلاد و حكمتها حكومات مقتدرة.
    ب ـ تنوع الدين في مصر القديمة فمن عبادة الآلهة الثلاثة أوزوريس، إيزيس، و حوريس الى عبادة الشمس و فرعون.
    ج ـ كانت بابل لسنوات طوال مركزاً للحضارة و العلم و الثقافة، و شهدت تحولا و تكاملا في الدين من الفتشية الى الاعتقاد بعدد كبير من الآلهة.
    دـ حلت آلهة آشور محل مردوك لما سقطت بابل بأيدي أقوام آشور.
    ه ـ كانت اليونان في الماضي السحيق مركزاً نشطاً للثقافة و الفن و الفكر و كان لقدماء اليونان آلهة ذكور و اناث. و قد اضطروا لقصر باعهم في العلم الى خلق أساطير .
    و ـ شهدت اليونان ظهور فلاسفة كبار أمثال: سقراط، أفلاطون، أرسطو.
    زـ إنّ الامبراطورية الرومانية كانت من أعظم الدول القديمة سطوة وقوة، وقد عبد قدماء الرومان إلهة «ديانا» التي أقاموا لها هيكلا على تلال روما، اضافة الى عدد ضخم من الآلهة و فوقها جميعاً جوبيتر.

تمارين

١ـ اذكر بنحو موجز أسطورة الآلهة الثلاثة عند المصريين القدماء؟
٢ـ ما هي ديانة قدماء المصريين؟
٣ـ اذكر تعريفاً لنوما؟
٤ـ من هو جوبيتر؟

مصادر البحث

١ ـ شلبي، احمد، «مقارنة الأديان» القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٩٦.
٢ ـ غرانت، ف، «الديانة الرومانية القديمة»، نيويورك، ١٩٥٧.
٣ ـ غراي، ج، «أسطورة الشرق الأدنى»، لندن، ١٩٦٩.
٤ ـ فرغسون، ج، «ديانات الامبراطورية الرومانية»، لندن، ١٩٧٠.
٥ ـ كيرك، غ، «طبيعة الأساطير اليونانية»، نيويورك، ١٩٧٥.
٦ ـ نوس، جون، «تاريخ جامع أديان» (بالفارسية)، ترجمة علي أصغر حكمت، طهران، منشورات الثورة الاسلامية، ١٣٧٠.
٧ ـ نيلسون، م ، «تاريخ الديانة اليونانية»، اكسفورد، ١٩٢٥.
٨ ـ وايزمن، د ، «الآشوريون و البابليون»، كمبردج، ١٩٦٥.