الأديان البدائية

١ـ الدين عند الإنسان البدائي

يرى الباحثون في العلوم الإنسانية، أنّ الدين ظهر منذ عصر مبكّر في النزوع إلى عبادة الطبيعة، وقد شوهدت اليوم نماذج من هذا النزوع عند جماعات بدائية تقطن في بقاع بعيدة و نائية من العالم، و تجلّى في تعظيم القوى الطبيعية و استمداد عطائها و إحسانها. و تؤدّي الجماعات البدائية في عصرنا الحاضر طقوساً دينية خاصة، يرتدون خلالها ملابس عجيبة و غريبة، و يضعون أقنعة على الوجوه، و ينتظمون في رقصات معيّنة، ملتمسين في ذلك العون من القوى الطبيعية، فتراهم مثلاً يخاطبون السحابَ بإنزال المطر، و الأنهارَ و الجداول بإرواء الأراضي المجدبة بعيداً عن طغيان الفيضانات، و الأرض بالخصوبة، و المزارعَ بالبركة في المحاصيل، و أمثال ذلك.

٢ـ العناصر المشتركة للأديان البدائية

على الرغم من انتشار الأديان البدائية في العالم، و صعوبة العثور على صلة تجمعها، إلاّ أنّ الغريب حقاً هو أنّ تلك الأديان تتشابه في معتقداتها، و يمكن تلخيص عناصرها المشتركة على النحو التالي:

١ ـ ٢. اللّه‏ و الآلهة

ينبغي أن يُعلم أن أصحاب الديانات يؤمنون بإله عظيم ذي علم و قدرة غير متناهيتين، و هو فوق تصوّر البشر، و إذا ورد في النصوص الدينية خلاف ذلك فلابدّ من تأويله.
و قد أشار القرآن الكريم إلى أن المشركين كانوا يؤمنون باللّه‏ ، و هو من الجلالة و العظمة و التنزيه و التقديس بمكان، بحيث يصبح و كأنه بمنأى عن العالم المادي، و من هنا يجب ـ في اعتقادهم ـ التوسّل بالأرباب و الشركاء الذين أوكل إليهم مهمّة تدبير العالم، و الرجوع إليهم بدلاً عنه، و هذا يشبه إلى حدٍّ كبير الرجوع إلى الأسباب التي توفّر حاجاتهم المعيشية، و قد زيّف الأنبياء والرسل عليهم‏السلام هذا الاعتقاد، وأكدوا أنه لاحيلة و لاقدرة للشركاء حتى يُتوسل بهم.
و دلّ التاريخ على أنّ الشرك باللّه‏ ظهر منذ عصور سحيقة في القدم، و في العصر الحاضر فإن ما يقرب من نصف سكان المعمورة من هندوس و بوذية و شنتو و أديان بدائية ما زالوا يعبدون الأوثان.
و يرى علماء الاجتماع أن ظهور الشرك مقدّم على التوحيد، و لكن أصحاب الديانات التوحيدية ينكرون بشدّة هذه الفرضية، و يؤكدون أن الشرك هو الزيغ عن جادة التوحيد.
و تزعم بعض الأديان أنّ الالهة تجلّت للإنسان عبرالتاريخ ، و ما الأوثان إلاّ رموز لها، و هي بذلك لاتعتقد بأن الأنبياء رسل اللّه‏ إلى البشر.

٢ ـ ٢. عبادة السلف

أسفر الخوف من الموت عن ظهور خرافات سادت أوساط الجماعات البدائية التي كانت تعتقد بوجود ارتباط بين الأموات و الأحياء، و قد ساور الخوف من رجوع الأموات بعض الجماعات قديماً، ممّا اضطرّها إلى تقييد الأموات بالحبال، و إحكام القبور،
للحيلولة دون عودتهم مرّة أخرى إلى الحياة. هذه المعتقدات تبدّلت تدريجياً إلى عبادة السلف التي تجسّدت في الأوثان ، و سادت في عصور مختلفة معظم أرجاء العالم، و تتجلّي مظاهرها اليوم في بقاع كاليابان.

٣ ـ ٢. السحر

إن السحر في الأديان البدائية يختلف عما نتصوّره، ففي تلك الأديان يُعدّ السحر طقوساً تقام لأجل الاستمداد من قوى الطبيعة والاستعانة بها، و يدير دفتها السحرة الذين لايتميزون عن الآخرين في العلم بل بحلول قوى دفينة فيهم كما يعتقد بذلك الناس، و يستغل السحرة تلك القوى لمعالجة المرضى، و يُطلق على هذا الصنف من السحرة اسم (شامان) Shaman ؛ كما يمارس السحرة الرياضة في عزلة، و يَسِمون أجسادهم بعلامات.

٤ ـ ٢. نحر القرابين

اختلف نوع القرابين المهداة إلى الالهة بين الأقوام ، فمن إراقة الماء أو الشراب و إهداء الزهور و المحاصيل إلى ذبح الحيوانات و الأطفال و النساء، مروراً بإلقاء الأطفال في النار، و كان يُلجأ أحياناً ـ و للحيلولة دون انخفاض عدد النفوس ـ إلى الإغارة على بلاد أخرى لجلب الأسرى، و ذبحهم كقرابين أمام الالهة.
و ثمّة نوع آخر من القرابين راج بين مختلف الأقوام يُطلق عليه قرابين العفة، حيث تُمارس الدعارة احتراماً للأصنام (Hierodouleia).
إهراق الجرعة نوع آخر من القرابين التي كانت جزءاً من مراسم الاحتفال بتعاطي الشراب، و جاء ذكره في التوراة(١) و في الشعر العربي:
                    شربنا و أهرقنا على الأرض جُرعةً         فللأرض من كأس الكرام نصيبُ

١ ـ الخروج : ٤٩ / ٤١ و موارد أخرى .

و قد نُسخ اتخاذ الانسان كقربان في العصور اللاحقة، و بقي منحصراً في الحيوانات ، إلاّ أنه ظلّ يُمارس إلى عصر قريب من عصرنا. أما في العصر الحاضر فإن قوانين البلدان تمنع القيام بمثل هذا الفعل الشنيع، و لكن لم تزل بين الحين و الآخر ترد أخبار من مناطق نائية في الهند و بقاع أخرى مفادها أن وثنياً ذبح ابنه بعيداً عن أعين الشرطة قرباناً للالهة، أو أنه كاد يفعل ذلك لولامنع الناس إيّاه، و يُعدّ ارتكاب هذا الفعل اليوم جريمةً يعاقب عليها صاحبها، على الرغم من التبجيل و الثناء الذي كان يناله في الماضي السحيق، و لعلّ ما أمر اللّه‏ به سبحانه إبراهيم عليه‏السلام من ذبح ابنه إسماعيل ، كان اختباراً لمدى حبّه و إيمانه بمعبوده الحقيقي.

٣ ـ الطوطم

طوطم القبيلة في الأديان البدائية عبارة عن: علامة تحفظ القبيلة؛ و هذه العلامة تتجلّى في حيوان أو نبات أو جماد ، وقد حازت أنواع مختلفة من الحيوانات على احترام أقوام عديدة، حتى أنّ صورها تنعكس في بعض الأحيان على أعلام الدول، و تاريخ الشعوب حافل بذلك، و يمكن أن نستنتج من وحي عبادة الأسد في أفريقيا ، والنمر في الهند، و العُقاب و الدبّ و كلب البحر في أمريكا الشمالية، و الثور في اليونان و مصر، و البقرة في الهند و أفريقيا و الدول الاسكندنافية، و الجاموس في جنوب الهند، والكنغر في استراليا ؛ انّ الحيوانات المذكورة كانت طوطماً لهذه الأقوام، و مازالت بعض الحيوانات كالطير و الثعبان تُقدس ـ في الوقت الحاضر ـ عند بعض الشعوب، و طوطم اصطلاح اقتُبس من لغة الهنود الحمر في أمريكا.

٤ ـ التَّبو

التَّبو(Taboo) عبارة عن محرمات القبيلة، مثل مقررات الزواج و الغذاء، فقد يكون الزواج عند قبيلة مباحاً بين أفرادها، و عند قبيلة أخرى حراماً، الأمر الذي يُلزم أفرادها بالتردد إلى قبائل أخرى بحثاً عن ازواج، و جاء اصطلاح التَّبو من لغة القبائل البدائية التي تقطن جزر بولينيزيا في المحيط الهادي.

٥ ـ مانا

زعمت الأديان القديمة أن في بعض الأشياء كالحجر و الخشب و الشجر و الحيوان قوة خارقة للعادة، و لذا ينبغي طلب الحاجة منها و التبرك بها. هذه الأشياء يطلق عليها مانا (Mana) ، و ما زالت آثار هذا الدين لائحة في الأديان الأخرى. و قد جاء هذا الاصطلاح من لغة القبائل البدائية التي قطنت جزر بولينيزيا.

٦ ـ الارواحية

الأرواحية (Animism) دين قديم للعديد من الأقوام الغابرة، و مفاده أن لجميع مظاهر الطبيعة روحاً يجب عبادتها و السجود لها، و قد سادت بين الأقوام القديمة عبادة الأرض، السماء و الأجرام السماوية، النار، الرعد، البرق، السحاب، البحار، الأنهار، العواصف، الغابات، النباتات، الحيوانات لاسيما البقر، و ثعبان الكوبرا، و كذلك عبادة طوطم القبيلة و روح الأجداد و السلف، مع تفقد الأرواح الخبيثة كالشيطان و الجن، وقد ذمّ القرآن الكريم النزوع إلى عبادة الجن و اللجوء إليه.(١)

١ ـ الأنعام / ١٠٠ ، سبأ / ٤١ ، الجن / ٦.

و تعتقد الارواحية أن للطبيعة كما للإنسان شعوراً، و ما الأصنام إلاّ رموز لقوى الطبيعة، فينبغي عبادتها و تقديم القرابين لها، اعتقاداً منها بأن الطبيعة سترضخ لها. و مازالت آثار هذا الدين لائحة في بعض الأديان الموجودة اليوم كالهندوسية.

٧ ـ الفتشية

الفتيش (Fetish) اصطلاح برتغالي بمعنى السحر، و الإيمان بالفتيش ـ الذي هو احترام شيء مادّي تكمن فيه قوة خارقة للعادة ـ ساد في أوساط الأقوام البدائية، و هذا الشيء قد يكون حجراً أو مواد معدنية، و حسب معتقدات تلك الأقوام، فإن حيازة الفتيش تعني الوصول إلى السعادة المنشودة.

٨ ـ الأساطير

كان البشر يتشبّث بالأساطير لتوضيح الظواهر حين يعجز عن كشف أسرار العالم، و كان يستلهم ذلك من قوة الخيال. و للأساطير أبعاد مختلفة: بنّاءة تارة كإشاعة الفضائل و الكمالات و تحلّي الروح الإنسانية بهما، و مخرّبة أخرى كتعطيل الفكر البشري عن تفسير الظواهر. و كما أن الفكر يعمّ المجموعات البشرية قاطبة، فكذلك بديله أي الأسطورة، فتجد النصف الأول من «شاهنامة» الفردوسي يعجّ بالأساطير التي فيها سرد لوقائع أبطال نظراء رستم، ذلك القائد الأسطوري الذي خاض غمار الحروب من أجل سيادة العدالة و القيم.
أن الفلسفة و الدين من وجهة نظر البعض مرحلة أسطورية متكاملة، و لكن هذا الإدعاء لايصدق في حق الدين حسب الرؤية الدينية التي ترى أن الاعتقاد بذلك ينافي الإلتزام بالدين.

الخلاصة

اـ ظهر الدين ـ عند الباحثين في العلوم الانسانية ـ منذ عصر مبكّر في النزوع الى عبادة الطبيعة.
ب‏ـ ثمّة عناصر مشتركة بين الأديان البدائية.
ج ـ الطوطم عبارة عن علامة تحفظ القبيلة، وقد تتجلّى في حيوان أو نبات أو جماد.
د ـ التبو عبارة عن محرّمات القبيلة مثل مقررات الزواج و الغذاء.
ه ـ مانا ، تطلق على الأشياء التي تكمن فيها قوة خارقة للعادة ينبغي طلب الحاجة منها و التبرّك بها.
و ـ الأرواحية، مفادها انّ لجميع مظاهر الطبيعة روحاً يجب عبادتها و السجود لها.
ز ـ الفتشية و هي شيء مادي تكمن فيها قوة خارقة للعادة.
ح ـ الأساطير تشبث البشر بها لتوضيح الظواهر حين يعجز عن كشف اسرار العالم، و لها أبعاد بنّاءة و اخرى مخربة.

تمارين

١ـ ما هي العناصر المشتركة بين الأديان البدائية؟
٢ـ اذكر نماذج من الأديان البدائية مع تعريف لها.
٣ـ ما هي الأرواحية و الفتشية؟
٤ـ لماذا تشبّث الإنسان البدائي بالأساطير؟

مصادر البحث

١ ـ جيمس، ي ، «دين ما قبل التاريخ»، لندن،١٩٦١.
٢ ـ در خيم، ي ، «الصور البدائية للحياة الدينية» ، لندن، ط الثانية، ١٩٦٧.
٣ ـ شلبي، أحمد، «مقارنة الأديان» القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٩٦.
٤ ـ نوس، جون ، «تاريخ جامع أديان» (بالفارسية)، طهران، منشورات الثورة الإسلامية، ١٣٧٠.
٥- Eliade, Mircea (ed), The Encyclopedia of Religion, New york: Macmillan Publishing Company, ١٩٨٧.
٦- Hastings, James(ed), Encyclopedia of Religion and Ethics, New york: Charles Scribner's sons, n.d.
٧- Parrinder, Geoffrey, Worship in the World's Religions, London: Sheldon press, ١٩٧٦.