الكليات

١ـ تعريف «الدين» ، «المذهب» ، «الملة» و «الشريعة»

مع تقدّم العلوم عُلِمَ أنه من المتعذّر إعطاء تعريف كامل لظاهرة من ظواهر العالم، لأن التعريف ينبغي أن يكون جامعاً مانعاً، يعني أن يضمّ في طيّاته كافّة مصاديقه و أن يمنع عن حوزته دخول الأغيار.
و كان الرأي السائد في الماضي يذهب إلى إمكانية طرح تعريف جامع مانع، إلاّ أنّ تعريفاً كهذا بدأ اليوم عزيز المنال، فأغلب التعاريف تسلط الأضواء على زوايا خاصة من الموضوعات.
ثمّ إنّ بعض الموضوعات يتيسّر تعريفه خلافاً لبعض آخر، حيث يصعب إبداء تعريف له.
و يُعدّ الدين من جملة الموضوعات التي يصعب وضع تعريف لها، ويعود ذلك الى التنوع الهائل للأديان في المجتمعات البشرية.
وقد بذل العلماء ما في وسعهم بغية الحصول على وجوه مشتركة لتعريف الأديان، و لكنّ النجاح لم يحالفهم، الأمر الذي أدّى إلى وضع تعاريف لاحصر لها للدين، تفتقد
جميعها إلى الجامعية و المانعية.
فقد قيل في تعريف الدين : انه الاعتقاد بأمر مقدّس و قيل : هو الإيمان بموجودات روحانية، و قيل : إن‏الدين عبارة عن الاعتقاد بقوة أو قوى فوق‏البشرية، ينبغي إطاعتها و عبادتها.
إنّ اصطلاح «الدين» أو «الأديان» في هذا الكتاب فيطلق على الأديان كافّة، سواء أكانت صحيحة أو منسوخة، محرّفة أو مجعولة، قال سبحانه و تعالى في حقّ الكافرين: «لَكُمْ دِيْنُكُمْ وَلِىَ دِين ِ».(١)
المذهب ؛ أطلق اصطلاح المذهب في الماضي على المدارس الفكرية السائدة في داخل الدين الواحد (من قبيل المذاهب الأربعة أو الخمسة في الفقه الإسلامي) إلاّ أنّ اصطلاح «Religion» أخذ في الغرب بالتوسّع حتى راح يطلق على المدارس داخل منظومة الدين الواحد، و على الدين نفسه. هذا الاصطلاح بالمعنى الجديد تناقله دعاة التجديد في بلادنا منذ نصف قرن، حتى أصبح يستخدم في كلا المعنيين.
الملّة ؛ و تعني لغةً: الطريقة أو الشريعة في الدين ، واصطلاحاً: مجموعة الديانات التوحيدية، ففي علم الكلام الإسلامي يُعرف أتباع الديانات التوحيدية بالملّيين ، كما يُطلق المرتدّ الملّي على من أسلم من أهل الكتاب ثمّ ارتدّ. و خصّ علماء الإسلام اصطلاح الملة بالإسلام أيضاً . و منذ قرن مضى أصبحت كلمة «الملة» في اللغة الفارسية تطلق على الشعب، و يبدو أن هذا الاستعمال سرى إليها من اللغة التركية.
و الشريعة ؛ وتعني الأحكام و القوانين السماوية، و تطلق أحياناً على الدين.

١ ـ الكافرون / ٦ .

 
٢ـ الدين عند علماء الاجتماع

إذا ما قيس الدين بالطب مثلاً، فسرعان ما نصل إلى النتيجة التالية: و هي أن الدين أمر اجتماعي والطب موضوع فردي.(١)
و يرى علماء الاجتماع أنّ الدين مؤسّسة اجتماعية. و لأجل هذا تناولوه بالبحث و الدراسة، خلافاً لعلم الطب الذي نأوْا بأنفسهم عنه.
و ما أثار اهتمامهم من مبحث الدين هو جانبه العلمي، فالعلوم في الماضي كانت ذات صلة وثيقة بماوراء الطبيعة، هذه الصلة أسفرت عن ظهور ما يسمّى بالعلوم الغريبة، و حالت دون ظهور علوم أخرى كعلم الاجتماع. و العلوم الغريبة (كالكيمياء مثلاً) تعذر وصفها و تبيينها، و تمحّضت لاقتراح أساليب كانت تدّعي أنّها توصل إلى نتايج معيّنة. و قد سادت الذهنية الفكرية قديماً روحُ الكتمان و الخفاء، لذا كان طبيعياً أن لايبرز علم الاجتماع ـ الذي استهدف توضيح الظواهر ـ . ومنذ أواخر القرون الوسطى بدأت نغمة فصل العلم عمّا وراء الطبيعة بالظهور في الغرب، و أخذ نطاقها يتّسع حتى شمل معظم أرجاء العالم.
من هنا، لايستغرب كثيراً عندما يتحدّث علماء الاجتماع عن الدين ، فإنهم لم يعيروا أهمية لجانبه السماوي، زعماً منهم أنه من مصنوعات الذهن البشري، ومرحلة متكاملة من السحر، التجأ إليه من أجل تأمين الحاجات المعيشية ، لأن النظرة العلمية تتلخّص في أنّ الحوادث التي لها صلة بالسماء يمكن تفسيرها و توضيحها بعيداً عن الغيب.
و يرى علماء الاجتماع أن الدين في مراحله الأولى يشبه السحر الإبتدائي إلى حدّ كبير، لان الساحر و المؤمن يسعيان بأساليبهما لتسخير الوجود، و توفير الراحة و الدعة.

١ ـ و نظراً للعلاقة الوثيقة بين الفرد و المجتمع فإنه يمكن أن يقال: أن كل موضوع فردي فهو إجتماعي، و كل موضوع اجتماعي فهو فردي.

فالساحر و المؤمن يبغيان الاستجابة لما يمليه القلب و ما يحقق أمانيهما، فيرفعان أيديهما بالدعاء و يستمدّان العون من القوى المنشودة، مع فارق أنّ الأول يبحث عن القوة التي يستمدّ منها العون في الطبيعة، و الثاني يؤمن أنّها في ماوراء الطبيعة.
و ثمّة فارق آخر، هو أن الأول يتصرّف في الطبيعة لحيازة القوى المحيطة به، و يسعى لإخضاعها لرغباته، في حين أنه لاسبيل أمام الثاني سوى التضرّع من أجل الحصول على رضا هذه القوى الغيبية.
فالساحر يؤثر في القوى الطبيعية، و يطلب منها الانصياع ، أما المؤمن فهو يستنجد بالقوى الغيبية لتدفع عنه عاتية القوى الطبيعية.
ان الساحر و المؤمن كلاهما يطلبان معاضدة القوى الطبيعية، لكن الأول ينطلق من مقام الأمر ، بينما ينطلق الثاني من موقع الاسترحام.

 
٣ـ مراحل الدين

يتفق العلماء مع أتباع الديانات على أن الدين كسائر الظواهر الأخرى يتكامل، غير أن أصحاب الديانات يعتقدون أن مراحل الدين تتكامل كتكامل المراحل الدراسية، في حين يرى العلماء أن الدين بدأ من السحر و عبادة الطبيعة و الشرك، و ختم بالتوحيد ، و قد لفتَ انتباههم إلى ذلك وجود أنواع من الأديان البدائية في نقاط بعيدة و نائية من العالم.

 
٤ـ فائدة تاريخ الأديان

إن الدافع الأساسي وراء دراسة أيّ موضوع و تحليله ، هو الاستجابة لغريزة التحري و البحث عن الحقيقة، فأنت ترى العلماء يتعمّقون في دراسة الظواهر، دون أن يكون هدفهم جنّي الأرباح الاقتصادية أو المنافع المادية ، نعم إن أسفرت عن نتائج مطلوبة، حينها تُستثمر منافعها الاقتصادية، و بهذا الدافع يُفسَّر تعاون الدول و تشجيعها لعلمائها الذين يخوضون غمار التحقيق باندفاع و شوق دون ان يعلموا ان ابحاثهم ستثمر عن نتائج ام لا.
إن الباحث في تاريخ الأديان يستفيد من بحثه في سائر العلوم الانسانية، نظراً للصلات الوثيقة التي تربط بينها، و تتأكد هذه الصلة في العلوم المتشابهة. والدين ـ كظاهرة عاشت مع الانسان منذ أن ظهر على وجه البسيطة ـ احتلّ أهمية خاصة عند أهل التحقيق بعد اتضاح تأثيره البالغ على حياة البشر، و دوره الهام و الواضح في نمو و نضوج العلم و الفن.
و الفائدة الأخرى المترتبة على البحث في تاريخ الأديان، هي تعزيز العلاقات بين المجتمعات المختلفة. من هنا تعمد الدول الكبرى و بغية إحكام سيطرتها على الدول الصغيرة إلى الاتصال بالمستشرقين للاستفادة من خبرتهم بعقائد الشعوب و نظمهم الروحية.
و إضافة إلى ما سبق، فإن البحث في تاريخ الأديان يوفّر منفعة معنوية لأصحاب الديانات أنفسهم، و يضفي عمقاً لاعتقاداتهم الدينية، حيث يتيح لهم الفحص و التنقيب عن الثغرات و الانحرافات التي تعتري الأديان الأخرى، بغية اثبات صحة ما اعتقدوه من دين.
كما أن الخوض في تاريخ الأديان يفسح المجال للوقوف على العقائد الدينية للشعوب، الأمر الذي يُيسّر سبل هدايتها إلى الصراط السوي، و اطلاعها على ما يلمّ بعقائدها من نقائص.

 
٥ ـ تصنيف الأديان

يمكن تصنيف الأديان من زوايا مختلفة إلى الأصناف التالية:

اـ الأديان البدائية (كما هو السائد بين الأقوام البدائية)، الأديان القديمة (كالأديان البائدة في الشرق الأوسط) ، و الأديان الجديدة (كالأديان الكبيرة المعاصرة).
ب ـ الأديان البسيطة (كالأرواحية، و الطوطمية، و الفتشية)، و الأديان الفلسفية (كالهندوسية، و البوذية، و الكونفوشيوسية)، و الأديان الوحيانية ( مثل الزرادشتية، و اليهودية، و المسيحية، والإسلام).
ج ـ الأديان السامية (كاليهودية ، و المسيحية، و الإسلام)، و الأديان الآرية (مثل أديان إيران القديمة ، والهند، و الروم، و اليونان القديم). و أديان الشرق الأقصى (كالكونفوشيوسية، و الطاوية، و الشنتو).
د ـ الأديان الشرقية (كالهندوسية، و البوذية، و الشنتو) ، و الأديان الغربية (كاليهودية، و المسيحية، و الإسلام).
و ثمّة تصانيف أخرى ذكرت في المصادر المختصة بتاريخ الأديان.

الخلاصة

ا ـ يتعذّر إعطاء تعريف دقيق و جامع للدين.
ب ـ الدين عند علماء الاجتماع عبارة عن مرحلة متكاملة من السحر، التجأ إليه الانسان من أجل تأمين الحاجات المعيشية، لأن النظرة العلمية تتلخص في أن كل ما ينزل من السماء يمكن تفسيره و توضيحه.
ج ـ يعتقد أصحاب الديانات أن مراحل الدين تتكامل كتكامل المراحل الدراسية، في حين يرى الباحثون أن الدين بدأ من السحر، و ختم بالتوحيد.
د ـ لتاريخ الأديان فوائد جمّة، منها: الاستجابة لحبّ البحث عن الحقيقة، و الانتفاع به في سائر العلوم، و تعزيز العلاقات بين المجتمعات، و إضفاء عمق للاعتقادات.
ه ـ يمكن تصنيف الأديان من زوايا مختلفة إلى أصناف عديدة.

تمارين

١ـ ما هو تعريف الدين، المذهب، الملة و الشريعة؟
٢ـ اذكر مراحل الدين عند علماء الاجتماع؟
٣ـ ما هي فوائد البحث في تاريخ الأديان؟

مصادر البحث

١ ـ الياد . م ، «من البدائيين الى زن»، لندن، ١٩٦٧.
٢ ـ الياد . م ، «انماط من الديانة المقارنة»، لندن، ١٩٧٩.
٣ ـ براندون . س ، «قاموس الديانات المقارنة»، لندن، ١٩٧٠.
٤ ـ بروس . ف ، «الكتاب المقدس و التقاليد المقدسة»، مائشستر، ١٩٦٨.
٥ ـ زينهر . ب ، «دائرة المعارف الموجزة للعقائد الحية» ، لندن، ١٩٧٧.
٦ ـ سمث ، همستوث ، «ديانات الانسان» ، نيويورك، ١٩٦٥.
٧ ـ شلبي ، احمد ، «مقارنة الأديان»، ط الحادية عشرة، القاهرة، ١٩٩٦.
٨ ـ فود . و ، «مسألة الانسان الدينية»، لندن، ١٩٧٨ .
٩ ـ لينغ . ت ، «تاريخ الأديان، شرق و غرب» ، نيويورك، ١٩٧٠.
١٠ ـ مور . أ ، «أيقنة الأديان» ، لندن، ١٩٧٧.
١١ ـ نوس . ج ، «ديانات الانسان»، ط السادسة، نيويورك، ١٩٨٢.
١٢ ـ هاستنجز . ف ، «دائرة معارف الأديان و الاخلاق»، نيويورك، ١٩٦١.
١٣ ـ هينلز . ج ، «قاموس الديانات المقارنة»، لندن، ١٩٧٠.
١٤ - Sharma , Arvind (ed) , our Religions , New york: Harpercollins Publishers , ١٩٩٣.