كتاب

اليمين و النذر و العهد

من أحكام اليمين

من أحكام النذر

من أحكام العهد

(150)


1ـ من أحكام اليمين

الوفاء باليمين واجب.

و لا تنعقد إلاّ اذا كانت باللّه سبحانه من دون فرق بين أن يكون بلفظ الجلالة أو بسائر أسمائه، بل و بترجمة ذلك أيضا.

و لاتحرم اذا كانت بغيره سبحانه و لكنها لا تنعقد.

و صيغتها: واللّه أو باللّه أو تاللّه أن أفعل كذا، إما مع التعليق على حصول شيء أو بدونه. و مع التعليق لا يجب الوفاء بها إلاّ مع حصول المعلق عليه.

و لا تنعقد بالنيّة من دون تلفظ بذلك.

و يلزم فى متعلق اليمين أن يكون راجحا و لو بحسب المصلحة الشخصية للحالف، فلو كان مرجوحا من البداية لم تنعقد، و لو صار كذلك بعد ذلك انحلت.

و لا تنعقد يمين الولد مع نهى والده و ينحل مع نهيه عنه بعد ذلك. و هكذا الحال بالنسبة الى يمين الزوجة مع نهى الزوج.

و اذا حلف المكلف على صوم شهر، ففى جواز الفصل و لزوم الوصل يتبع قصده.

و الحنث الموجب للكفارة هو ما صدر عن عمد دون ما لو صدر عن نسيان أو إكراه أو اضطرار أو جهل.

(151)


و من خالف عمدا يحنث و تجب عليه الكفارة و لا يلزمه الوفاء بعد ذلك.

و كفارة حنث اليمين: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن عجز صام ثلاثة أيام متوالية.

و المستند فى ذلك:

1ـ أما أن الوفاء باليمين واجب، فهو من واضحات الفقه. قال اللّه‏ تعالي: «ولاتنقضوا الإيمان بعد توكيدها»(1)، «لايؤاخذكم اللّه باللغو فى أيمانكم و لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم»(2)، «لايؤاخذكم اللّه باللغو فى أيمانكم و لكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان... و احفظوا أيمانكم»(3).

2ـ و أما أن اليمين لا تنعقد اذا كانت متعلقة بغير اللّه سبحانه، فقد يستدّل له بصحيحة محمد بن مسلم: «قلت لأبى جعفر عليه‏السلام : قول اللّه عز و جل: «واللّيل اذا يغشى و النجم اذا هوي» و ما أشبه ذلك فقال: إنّ للّه ان يقسم من خلقه بما شاء و ليس لخلقه ان يقسموا إلاّ به»(4) و ما كان بمضمونها حيث تدلّ على حرمة القسم بغير اللّه سبحانه و من ثمّ على عدم صحته.

و أما أنّه لا فرق فى الحلف باللّه سبحانه بين لفظ الجلالة و سائر أسمائه فلإطلاق قوله عليه‏السلام : «و ليس لخلقه ان يقسموا إلاّ به».

لا يقال: إن موثقة السكونى عن جعفر عن أبيه عن على عليهم‏السلام : «اذا قال الرجل:


1 ـ النحل: 91.
2 ـ البقرة: 225.
3 ـ المائدة: 89.
4 ـ وسائل الشيعة: 16 / 191، باب 30 من ابواب الايمان، حديث 3 .

(152)


أقسمت أو حلفت، فليس بشيء حتى يقول: أقسمت باللّه أو حلفت باللّه»(1) دلّت على عدم انعقاد اليمين، إلاّ اذا كانت متعلقة بلفظ الجلالة.

فإنه يقال: إن الموثقة فى صدد بيان أن كلمة أقسمت أو حلفت لا تجزى وحدها ما لم تنضمّ اليها ضميمة، أما أن تلك الضميمة هل هى خصوص لفظ الجلالة أو الأعم، فليست فى مقام البيان من ناحيته.

3ـ و أما إجزاء الترجمة، فوجهه واضح و هو التمسّك بالإطلاق أيضا.

4ـ و أما أنّه لا تحرم اليمين المتعلقة بغيره سبحانه ـ كالأنبياء و الأولياء و غير ذلك ـ فلصحيحة ابن مهزيار: «قرأت فى كتاب لأبى جعفر عليه‏السلام الى داود بن القاسم: انّى قد جئت و حياتك».(2) حيث حلف عليه‏السلام بحياة داود انّه قد جاءَ ، و لازم ذلك حمل صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة على الكراهة. و بقطع النظر عن ذلك تكفينا البراءة بعد قصور مقتضى التحريم.

و أما أنها لا تنعقد، فللأصل بعد القصور فى المقتضي.

5 ـ و أما أنّ صيغة اليمين ما تقدم، فلأن الحلف باللّه سبحانه صادق فى كلّ ذلك.

و أما صحتها مع التعليق و بدونه، فلإطلاق أدلّة وجوب الوفاء باليمين لكلتا الحالتين.

و أما أن اليمين المعلقة لا يجب الوفاء بها قبل حصول المعلق عليه، فباعتبار أن الالتزام من الحالف يختص بذلك،و لا التزام قبل حصول المعلق عليه ليجب الوفاء به.


1 ـ وسائل الشيعة: 16 / 171، باب 15 من ابواب الايمان، حديث 3 .
2 ـ وسائل الشيعة: 16 / 195، باب 30 من ابواب الايمان ، حديث 14 .

(153)


6ـ و أما عدم انعقاد اليمين بمجرد النيّة من دون تلفظ بالصيغة، فلأنّه بدون ذلك لا يصدق عنوان اليمين ليجب الوفاء بها.

7ـ و أما أنه يعتبر الرجحان فى متعلق اليمين و لو بلحاظ المصلحة الشخصية، فلصحيحة سعيد الاعرج: «سألت أبا عبد اللّه عليه‏السلام عن الرجل يحلف على اليمين، فيري أن تركها أفضل و إن لم يتركها خشى أن يأثم، أ يتركها؟ قال: أما سمعت قولَ رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : اذا رأيت خيرا من يمينك فدعها»(1)، فإنها تدلّ على اعتبار ملاحظة الخير فى المتعلق. و مقتضى إطلاقه كفاية كون المتعلق خيرا و لو بلحاظ المصالح الشخصية.

8 ـ و أما أنه اذا صار متعلق اليمين مرجوحا بعد اليمين انحلت، فلأن ذلك مورد صحيحة الأعرج و قد دلّت على الإنحلال.

9ـ و أما عدم انعقاد يمين الولد و الزوجة مع نهى الوالد أو الزوج، فلصحيحة منصور بن حازم عن أبى عبد اللّه عليه‏السلام : «قال رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : لا يمين للولد مع والده، و لا للمملوك مع مولاه، و لا للمرأة مع زوجها...»(2) و غيرها.

و هل تنعقد اليمين مع عدم صدور الإذن من الوالد أو الزوج لأجل عدم اطلاعه على اليمين؟ لا يبعد الانعقاد، لأن التعبير المذكور فى الصحيحة مجمل، فيحتمل أن يكون المقصود: منه لا يمين مع الردع و يحتمل أن يكون: لا يمين مع عدم الإذن و لو من دون ردع، و مع إجمال المخصص ينبغى الاقتصار على القدر المتيقن و فيما زاد يرجع الى عمومات وجوب الوفاء باليمين.


1 ـ وسائل الشيعة: 16 / 175، باب 18 من ابواب الأيمان، حديث 1 .
2 ـ وسائل الشيعة: 16 / 155، باب 10 من ابواب الأيمان، حديث 2 .

(154)


10 ـ و أما التعميم لحالة الردع فى مرحلة البقاء، فلإطلاق الصحيحة المتقدمة.

11ـ و أما إن من حلف صوم شهر يتبع فى لزوم الوصل و جواز الفصل قصده، فباعتبار أن الحنث يتحقق بمخالفة الالتزام التابع لكيفية القصد.

و قد يستفاد ذلك أيضا من صحيحة سعد بن اسماعيل الأشعرى عن أبى الحسن الرضا عليه‏السلام : «سألته عن رجل حلف و ضميره على غير ما حلف، قال: اليمين علي الضمير»(1) و غيرها.

12ـ و أما أن الحنث الموجب للكفارة هو المخالفة عن عمد، فباعتبار أن متعلق اليمين للحالف عادة هو التزام الفعل و عدم المخالفة عن عمد و اختيار فاذا تحققت المخالفة لا عن عمد، فلا يتحقق الحنث لتجب الكفارة.

هذا مضافا الى إمكان التمسّك بحديث رفع النسيان والإكراه و الاضطرار(2) و بصحيحة عبد الصمد بن بشير الواردة فى الجاهل: «أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه»(3).

هذا و المنسوب الى جماعة من العامة تحقق الحنث و ثبوت الكفارة في الجميع(4). و لكنه مردود بما سبق.

13ـ و أما ان من خالف عن عمدلا يجب عليه الوفاء بعد ذلك، فلأن متعلق اليمين التزام واحد بترك جميع الحصص، فاذا تحققت المخالفة مرة انخرم ذلك الالتزام الواحد و لايمكن الوفاء بعد ذلك ليجب. أجل، اذا كان الالتزام متعددا ـ كمن حلف


1 ـ وسائل الشيعة: 16 / 179، باب 21 من ابواب الايمان، حديث 1 .
2 ـ وسائل الشيعة: 11 / 295، باب 56 من ابواب جهاد النفس، حديث 1 .
3 ـ وسائل الشيعة: 9 / 125، باب 45 من ابواب تروك الاحرام، حديث 3 .
4 ـ جواهر الكلام: 35 / 339.

(155)


على ترك التدخين فترة شهر بنحو كان يقصد تعدد الالتزام بالترك بعدد الأيام ـ تعدد الوفاء و الحنث أيضا.

14ـ و أما أن كفارة حنث اليمين ما تقدم، فلقوله تعالي: «لا يؤاخذكم اللّه باللغو فى أيمانكم و لكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم اذا حلفتم»(1).

و أما اعتبار التوالى فى الأيام الثلاثة بالرغم من اقتضاء الإطلاق جواز التفريق فلصحيحة الحلبى عن أبى عبد اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم : «صيام ثلاثة أيام فى كفارة اليمين متتابعات»(2) و غيرها.

من أحكام النذر

النذر هو التزام الشخص فى ذمته بفعل شيء أو تركه للّه سبحانه. و الوفاء به واجب، و يترتب على مخالفته الكفارة.

و صيغته: للّه عليَ كذا إن حصل كذا.

و لا ينعقد بمجرد النيّة من دون تلفظ بذلك.

و فى انعقاده من دون تعليق على شرطٍ كلام.

و يشترط فى انعقاده رجحان متعلقه بنحو يعدّ طاعة للّه سبحانه، فلا ينعقد لو تعلق بالمباح الذى لا يعدُّ فعله طاعة له سبحانه. و اذا زال الرجحان بعد الانعقاد انحل.


1 ـ المائدة: 89.
2 ـ وسائل الشيعة: 7 / 280، باب 10 من ابواب بقية الصوم الواجب، حديث 4 .

(156)


و لا يشترط فى صحة نذر الولد إذن الوالد مسبقا. أجل، مع نهيه المسبق لا ينعقد. و اذا نهى عنه بعد ذلك انحل.

و يشترط فى صحة نذر الزوجة إذن الزوج اذا كان متعلقه منافيا لحقه فى الاستمتاع، بل ذهب المشهور الى اعتبار إذن الزوج حتى اذا لم يكن منافيا لحقه مادام يستلزم التصرف فى مالها.

و فى تحديد كفارة حنث النذر خلاف.

و المستند فى ذلك:

1ـ أما أن النذر هو الالتزام المتقدم، فهو من واضحات الفقه التى يعرفها كلّ متشرع.

و أما أن الوفاء به واجب، فهو من واضحات الفقه أيضا. و يدلّ عليه قوله تعالي: «وليوفوا نذورهم»(1)، «وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن اللّه يعلمه و ما للظالمين من أنصار»(2)، «يوفون بالنذر و يخافون يوما كان شره مستطيرا»(3).

و يستفاد ذلك أيضا من روايات ثبوت الكفارة بالحنث و غيرها.

و أما أنه تترتب على مخالفته الكفارة، فهو ممّا لا إشكال فيه. و يدلّ عليه صحيح الحلبى عن أبى عبد اللّه عليه‏السلام : «سألته عن الرجل يجعل عليه نذرا و لايسميه، قال: إن سميته فهو ما سميت، و إن لم تسمّ شيئا فليس بشيء. فان قلت: «للّه عليَّ»،


1 ـ الحج: 29.
2 ـ البقرة: 270.
3 ـ الدهر: 7.

(157)


فكفارة يمين»(1) و غيره.

2ـ و أما أن صيغته ما تقدم، فهو ممّا لا إشكال فيه. و يدلّ عليه صحيح منصور بن حازم عن أبى عبد اللّه عليه‏السلام : «اذا قال: «الرجل عليَّ المشى الى بيت اللّه و هو محرم بحجة» أو «عليَّ هدى كذا و كذا» فليس بشيء حتى يقول: «للّه عليَّ المشى الى بيته» أو يقول: «للّه عليَ أن أحرم بحجة» أو يقول: «للّه عليَّ هدى كذا و كذا ان لم أفعل كذا و كذا»(2) و غيره.

3ـ و أما عدم انعقاده بمجرد النيّة، فلأنّه بدون التلفظ بالصيغة لا يصدق عنوان النذر. و مع التنزّل و فرض الشك فى صدق عنوان النذر، يكفينا استصحاب عدم ترتب الأثر. مضافا الى إمكان استفادة اعتبار التلفظ من صحيح منصور المتقدم فلاحظ.

4ـ و اما انعقاد النذر اذا لم يكن معلقا على شرط، ـ المعبّر عنه بنذر التبرع ـ فهو المشهور.(3) وقيل بعدم ذلك.

و المنشأ المهم للخلاف دعوى عدم صدق عنوان النذر مع التبرع و أنه لغة الوعد بشرط، و الأصل عدم النقل، و معه لا يمكن التمسّك بعمومات وجوب الوفاء بالنذر. بل ان لم يجزم بالدعوى المذكورة، فلا أقلّ من احتمالها، و معه لا يمكن التمسك بالعمومات أيضا لكونه من التمسّك بالعام فى الشبهة المصداقية.

و قد يؤيد اعتبار التعليق على الشرط ـ كما صنع فى الجواهر ـ بصحيحة منصور


1 ـ وسائل الشيعة: 16 / 222، باب 2 من ابواب النذر و العهد، حديث 5 .
والمقصود من صدر الصحيح ان مجرد قول الشخص للّه‏ عليَّ نذر لايكفي، بل لابدّ ان يشخّص المنذور و يسمّيه.
2 ـ وسائل الشيعة: 16 / 219، باب 1 من ابواب النذر و العهد حديث 1 .
3 ـ جواهر الكلام: 35 / 365 .

(158)


بن حازم المتقدمة، فإنه ورد فى ذيلها: «...أو يقول: للّه عليَّ هدى كذا و كذا ان لم أفعل كذا و كذا»، و هو بالمفهوم يدلّ على أنه اذا لم تذكر الصيغة مع التعليق، فلا ينعقد النذر(1).

5 ـ و اما اعتبار رجحان متعلق النذر بنحو يعدّ فعله طاعة للّه سبحانه، فباعتبار أن المكلف من خلال النذر يجعل الفعل للّه سبحانه و يقول للّه عليَّ كذا، و لا معنى لأن يلتزم بفعل للّه سبحانه إلاّ اذا كان مطلوباً و طاعة له، و حيث إن المباح المتساوي طرفاه ليس مطلوبا و طاعة له سبحانه، فلا معنى لجعله للّه بمثل صيغة للّه عليَ حتى إذا فرض وجود رجحان دنيوى فيه من بعض الجهات.

6ـ و أما أنّه ينحلّ اذا زال الرجحان، فباعتبار أنه معه لا يصدق بقاءً كون الفعل للّه سبحانه، فيزول عنوان النذر بقاءً و ينحل بهذا المعني.

7ـ و أما عدم اعتبار إذن الوالد مسبقا فى صحة نذر الولد، فلعدم وجود نص يدلّ على اعتبار ذلك فيتمسّك بعمومات النذر لنفى ذلك. أجل، مع النهى يزول الرجحان فلا ينعقد حدوثا و ينحل بقاءً.

8 ـ و أما عدم انعقاد نذر الزوجة اذا كان منافيا لحق الزوج فى الاستمتاع، فواضح، لكون المتعلق مرجوحا آنذاك.

و أما اذا لم يكن منافيا لحقه، فالمشهور اختار عدم انعقاده أيضا(2) لصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه عليه‏السلام : «ليس للمرأة مع زوجها أمر فى عتق و لا صدقة و لا تدبير و لا هبة و لا نذر فى مالها إلاّ بإذن زوجها إلاّ فى حج أو زكاة أو برّ والديها أو


1 ـ جواهر الكلام: 35 / 368.
2 ـ جواهر الكلام: 35 / 358 .

(159)


صلة رحمها»(1). نعم مع عدم كون نذرها مستلزما للتصرف فى مالها و لا منافيا لحقه ينعقد و يجب الوفاء به تمسّكا بالعمومات.

هذا و يمكن أن يقال: إن صحيح ابن سنان ناظر الى بيان حكم أخلاقى بقرينة اشتماله على ما لا يمكن الالتزام به، كعدم جواز صدقة الزوجة و هبتها لشيء من مالها من دون إذن الزوج. و عليه فالمناسب العمل على وفق الاحتياط.

9 ـ و أما كفارة حنث النذر، فقيل: إنها ككفارة مخالفة اليمين، و قيل: ككفارة من أفطر يوماً من شهر رمضان.

و منشأ الخلاف اختلاف الروايات، فبعضها دلَّ على الأول، كما فى صحيحة الحلبى المتقدمة فى رقم 1، و بعضها دلّ على الثاني، كما فى رواية عبد الملك بن عمرو عن أبى عبد اللّه عليه‏السلام : «سألته عمن جعل للّه عليه أن لا يركب محرّما سمّاه فركبه، قال: لا. و لا أعلمه إلاّ قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكينا»(2).

و التعارض بينهما مستقر. و قد تُرَجَّح الثانية لموافقة الأول لروايات العامة الدالّة على أن كفارة حنث النذر كفارة يمين(3). إلاّ أن المناسب ترجيح الاُولى لضعف سند الثانية بعبد الملك، إذ لم يرد فى حقه توثيق، سوى أن الكشّى نقل رواية ينتهي سندها الى عبد الملك نفسه و أن الإمام الصادق عليه‏السلام قال له: «إنى لأدعو اللّه لك حتي اُسمّى دابتك أو قال : أدعو لدابتك»(4)، و هى لو تمّت دلالة على التوثيق، فليست


1 ـ وسائل الشيعة: 16 / 237، باب 15 من ابواب النذر و العهد، حديث 1 .
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 575، باب 23 من ابواب الكفارات، حديث 7 .
3 ـ الفقه على المذاهب الاربعة: 2 / 129 ؛ سنن البيهقي: 10 / 69 ـ 72 .
4 ـ رجال الكشّي، رقم 246.

(160)


تامة سنداً من جهة أن الراوى عبدالملك نفسه.

من أحكام العهد

العهد التزام مع اللّه سبحانه بفعل شيء أو تركه بصيغة: «عاهدت اللّه» أو «عليَ عهد اللّه أن أفعل كذا»، مع التعليق على شرط أو بدونه. و الوفاء به واجب. و تترتب على مخالفته الكفارة.

و لايعتبر فى متعلقه الرجحان الشرعى بنحو يعدّ طاعة له سبحانه.

و كفارة مخالفة العهد: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا.

و المستند فى ذلك:

1ـ أما أن العهد ما ذكر، فينبغى أن يكون من واضحات الفقه.

و أما أن صيغته «عاهدت اللّه أو على عهد اللّه إن أفعل كذا» فلتحقق العهد بذلك عرفا، فتشمله عمومات وجوب الوفاء بالعهد.

و أما صحته مع التعليق على شرط و بدونه، فلإطلاق الأدلّة الآتية الدالّة علي مشروعية العهد و وجوب الوفاء به.

و أما أن الوفاء به واجب فممّا لا إشكال فيه لقوله تعالي: «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا»(1)، «وبعهد اللّه أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكّرون»(2)، «وأوفوا بعهد اللّه اذا عاهدتم»(3)، فان المراد بالعهد فى الآيات الكريمة المذكورة


1 ـ الاسراء: 34.
2 ـ الأنعام: 152.
3 ـ النحل: 91.

(161)


اما خصوص العهد الإصطلاحى أو ما يعمّ النذر و اليمين، و على التقديرين يثبت المطلوب.

و فى حديث عبد اللّه بن سنان: «سألت أبا عبد اللّه عليه‏السلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: «ياأيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود» قال: «العهود»(1).

2ـ و أما ترتب الكفارة على مخالفة العهد، فهو من الاُمور المسلّمة بين الأصحاب. و تأتى دلالة بعض الروايات عليه.

3ـ و أما عدم اعتبار كون متعلقه طاعة كما هو معتبر، فى النذر فلعدم جريان التقريب السابق هناك فيه. و مقتضى إطلاق دليل وجوب الوفاء به الشمول لما يكون متساوى الطرفين شرعا.

4 ـ و أما ان كفارة مخالفة العهد ما تقدم، فهو المشهور بين الأصحاب. و يدّل عليه ما رواه احمد بن محمد بن عيسى فى نوادره عن ابى جعفر الثانى عليه‏السلام : «رجل عاهد اللّه عند الحجر ان لا يقرب محرما ابدا، فلما رجع عاد الى المحرم، فقال: ابوجعفر عليه‏السلام : يعتق أو يصوم أو يتصدّق على ستّين مسكينا. و ما ترك من الأمر أعظم و يستغفر اللّه و يتوب اليه»(2) و غيره.


1 ـ وسائل الشيعة: 16 / 248، باب 25 من ابواب النذر و العهد، حديث 3 .
2 ـ وسائل الشيعة: 16 / 248، باب 25 من ابواب النذر و العهد، حديث 4 .

(162)