(124)
الظهار ـ و هو تنزيل الزوج زوجته بمنزلة اُمه أو غيرها من محارمه فى حرمة نكاحها بمثل صيغة أنتِ عليَّ كظهر اُمى ـ حرام.
و به تحرم على الزوج زوجته حتى يكفّر.
و لا يجب التكفير بمجرد التلفظ من دون إرادة العود.
و اذا كفّر لارادة العود قبل الوطء فلا تجب عليه اُخرى بعده، بخلاف ما لو وطئها بدون تكفير فإنه تلزمه كفارتان إحداهما للوطء و الاُخرى لإرادة العود.
و اذا صبرت الزوجة بعد الظهار فلا اعتراض و إلاّ رفعت أمرها الى الحاكم الشرعى و خيِّر الزوج بين التكفير و بين الطلاق، فإن لم يختر أحدهما أنظره ثلاثة أشهر من حين المرافعة فإن انقضت و لم يختر أحد الأمرين حبسه و ضيّق عليه فى المطعم و المشرب حتى يختار أحدهما.
و الكفارة هى عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا. و إن عجز عن الجميع صام ثمانية عشر يوما.
و المستند فى ذلك:
1ـ أما أن الظهار ما ذكر، فهو من واضحات الفقه واللغة. و تدلّ عليه الروايات الآتية إن شاء اللّه تعالي.
(125)
و هو من مبتدعات الجاهلية. و كان يستعان به كوسيلة لطلاق الزوجة و قد حرّمه الاسلام.
2ـ و أما أنه يقع بصيغة «أنتِ عليَّ كظهر اُمي»، فأمر لا خلاف فيه،(1) و هو القدر المتيقن من الصيغة التى يقع بها الظهار. و يستفاد ذلك من صحيح حريز عن أبي عبدالله عليهالسلام : «الظهار ظهاران فأحدهما أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر اُمى ثم يسكت فذلك، الذى يكفّر، فاذا قال: «أنتِ عليَّ كظهر اُمى ان فعلت كذا و كذا»، ففعل و حنث، فعليه الكفارة حين يحنت»(2) و غيرها.
هذا و قد وقع الخلاف فى انعقاده فيما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر عمتى أو خالتى أو غيرهما من المحارم أو قال: أنتِ عليَّ كشعر أو بطن أو صدر اُمي. و التعرض لذلك ليس بمهم.
3ـ و أما أنه حرام، فهو من المسلمات. و يدلّ عليه قوله تعالي: ««الذين
يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمهاتهم إن اُمهاتهم إلاّ اللائى ولدنهم و إنهم
ليقولون منكرا من القول و زورا و ان اللّه لعفوٌّ غفور»(3)، و صحيح حمران عن أبى جعفر عليهالسلام :
«ان امير المؤمنين عليهالسلام قال: إن امرأة من المسلمين أتت رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم
فقالت: يا رسول اللّه إن فلاناً زوجى قد نثرتُ له بطني(4) و أعنته على دنياه و آخرته فلم يَر منّى مكروها و أنا أشكوه الى اللّه و إليك، قال: فما تشكينه؟ قالت: إنه قال لي
اليوم: أنتِ عليَّ حرام كظهر اُمى و قد أخرجنى من منزلى فانظر فى أمري، فقال رسول
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 530، باب 16 من كتاب الظهار، حديث 7 .
3 ـ المجادله: 2.
4 ـ اى اكثرتُ له الولد من بطني. هكذا جاء فى الوافي: 22 / 903 .
(126)
اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم : ما أنزل اللّه عليَّ كتابا أقضى به بينك و بين زوجك و أنا أكره أن أكون من المتكلفين فجعلت تبكى و تشتكى ما بها الى اللّه و الى رسوله و انصرفت، فسمع اللّه محاورتها لرسوله و ما شكت اليه، فأنزل اللّه عزّ و جلّ قرآنا: «بسم اللّه الرحمن الرحيم قد سمع اللّه قول التى تجادلك فى زوجها...» فبعث رسول اللّه صلياللهعليهوآله الى المرأة فأتته، فقال لها: جئنى بزوجك، فأتته به، فقال: أ قلت لامرأتك هذه: أنتِ عليَّ حرام كظهر اُمي؟ فقال: قد قلت ذلك، فقال رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم : قد أنزل اللّه فيك قرآنا، فقرأ عليه ما أنزل اللّه... فضم امرأتك اليك فإنّك قد قلت منكرا من القول و زوراً، قد عفا اللّه عنك و غفر لك فلا تعد...»(1) و غيره.
و بالجملة لا إشكال فى حرمة الظهار لوصفه بالمنكر و الزور فى الآية الكريمة و للنهى عن العود اليه فى الرواية الشريفة.
هذا و قد نسب الى قائل غير معروف بأنه محرّم لا عقاب عليه، لتعقيبه بالعفو في الآية السابقة(2).
و فيه: ان العفو ثابت للفاعل الأول باعتبار جهله بالتحريم و ليس لكلّ فاعل حتى مع علمه بذلك.
4ـ و اما انه يحرم بالظهار وطء الزوجة قبل التكفير، فيدلّ عليه صريح الآية
الكريمة: «و الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن
يتماسا...»(3) و صحيح الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد أن يتم على طلاقها، قال: ليس عليه كفارة. قلت: إن أراد أن يمسّها؟ قال: لا
2 ـ جواهر الكلام: 33 / 129.
3 ـ المجادلة: 3.
(127)
يمسّها حتى يكفّر. قلت: فإن فعل فعليه شيء؟ قال: اى و اللّه انه لآثم ظالم. قلت: عليه كفارة غير الاْولي؟ قال: نعم يعتق أيضا رقبة»(1) و غيره.
5 ـ و أما أنه لا يجب التكفير بمجرد التلفظ بالظهار من دون إرادة العود، فيدلّ عليه ظاهر الآية الكريمة و صحيح الحلبى السابق و غيره. بل يكفى لنفى ذلك القصور فى المقتضى بلا حاجة الى دليل يدلّ على النفي.
6ـ و أما تعدد الكفارة بالوطء قبل التكفير و عدم تعددها مع التكفير قبل الوطء، فيستفاد من صحيح الحلبى السابق و غيره.
7ـ و أما أن الزوجة اذا صبرت، فلا اعتراض فباعتبار أنها صاحبة الحق، فمع تنازلها فلا موجب للاعتراض.
و أما أنها اذا رفعت أمرها الى الحاكم خيّره على البيان المتقدم، فقد يستدلّ له بموثق أبى بصير: «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل ظاهر من امرأته، قال: ان أتاها فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا و إلاّ ترك ثلاثة أشهر، فإن فاء و إلاّ اُوقف حتى يُسأل لك حاجة فى امرأتك أو تطلقها، فان فاء فليس عليه شيء و هى امرأته و إن طلق واحدة فهو أملك برجعتها»(2).
و لكنّه ـ كما ترى ـ لا يدلّ على التضييق فى المأكل و المشرب فلابدّ من اتمام ذلك بالتسالم و عدم الخلاف أو أن يبنى على التعدى من روايات باب الإيلاء الدالّة على التضييق(3) الى باب الظهار بناءً على عدم فهم الخصوصية.
هذا و قد ورد فى بعض الكلمات أنه اذا لم يُجْدِه كل ذلك طلّقها الحاكم. و لكنه
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 527، باب 15 من كتاب الظهار، حديث 4 .
2 ـ وسائل الشيعة، 15 / 533، باب 18 من كتاب الظهار، حديث 1 .
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 545، باب 11 من ابواب الايلاء .
(128)
قابل للتأمل، اذ لا نص يدلّ على ذلك و ليس موردا للاتفاق فلاحظ.
8ـ و أما أن الكفارة ما تقدم، فتدلّ عليه الآية الكريمة: «و الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا ذلكم توعظون به و اللّه بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسّا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا»(1) و موثق أبى بصير المتقدم و نحوه.
و أما انّه اذا عجز عن الجميع صام ثمانية عشر يوما، فيدلّ عليه موثق أبى بصير الآخر: «سألت أبا عبد اللّه عليهالسلام عن رجل ظاهر من امرأته، فلم يجد ما يعتق و لا ما يتصدق و لا يقوى على الصيام، قال: يصوم ثمانية عشر يوما، لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام»(2).
1 ـ المجادلة: 3 ، 4.
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 558، باب 8 من ابواب الكفارات، حديث 1 .
(130)
(132)
الإيلاء هو الحلف على ترك مواقعة الزوجة ـ الدائمة المدخول بها ـ أبدا أو مدّة تزيد علي أربعة أشهر بقصد ايذائها و الإضرار بها دون ما اذا لم يكن كذلك، كما اذا حلف على ذلك حفاظا على صحته أو صحتها.
و مع فقدان بعض القيود المذكورة لا ينعقد الحلف إيلاءً و إن انعقد يمينا و ترتبت عليه آثاره اذا اجتمعت شروطه.
و اذا تمّ بشرائطه فمع صبر الزوجة فلا اعتراض، و إلاّ رافعته الى الحاكم الشرعي، فان تراجع خلال أربعة أشهر و واقعها خلال ذلك فهو، وإلاّ ألزمه بأحد أمرين: الرجوع أو الطلاق. و إذا لميستجب سجنه و ضيق عليه فيالمأكل و المشرب حتى يختار أحدهما.
و على الزوج اذا واقع زوجته بعد الأيلاء التكفير بكفارة حنث اليمين.
و المستند فى ذلك:
1ـ أما أنّ الايلاء ما ذكر، فهو معناه شرعا، و إلاّ فهو لغة بمعنى مطلق الحلف، يقال: آليت إيلاءً، أى حلفت حلفا.(1)
1 ـ مجمع البحرين: 1 / 29 .
(133)
و قد كان الإيلاء فى الجاهلية نحوا من الطلاق كالظهار، فاذا غضب الزوج علي زوجته حلف على عدم مواقعتها قاصدا بذلك تضييق الخناق عليها، فلا يطلق سراحها ـ كما فى الطلاق ـ لتتزوّج من غيره و لايعود اليها ليعيش معها.
و قد جاء قوله تعالي: «للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن اللّه غفور رحيم و إن عزموا الطلاق فإنّ اللّه سميع عليم»(1) متعرضا الى حكم الايلاء و محددا للفترة التى يتمكن الزوج فيها من اتخاذ القرار النهائي، و هى أربعة أشهر، فإمّا أن يعود و يعيش معها أو يخلى سبيلها بالطلاق. و من الطبيعى أن يشجّع الكتاب الكريم على الأول، و لذا قال: «فإن فاءوا فانّ اللّه غفور رحيم».
2ـ و أما اعتبار دوام العقد، فهو المشهور. و يدلّ عليه:
أ ـ قوله تعالي: «و إن عزموا الطلاق...»، فإنه ظاهر فى اعتبار قبول الزوجة المولّى منها للطلاق و هو لا يتم إلاّ فى الدائمة.
بـ أنمنلوازم صحةالايلاءجوازمطالبةالزوجةبالوطء،وهو لايتمإلاّ فى الدائمة.
ج ـ التمسّك بصحيحة عبد اللّه بن أبى يعفور عن أبى عبد اللّه عليهالسلام : «لاايلاء علي الرجل من المرأة التى يتمتع بها»(2).
د ـ اذا شك فى ترتب الأثر بايلاء المتمتع بها يستصحب عدم ترتبه لو فرض القصور فى المقتضي.
3ـ و أما اشتراط الدخول، فلم يعرف فيه خلاف للروايات الخاصة، كصحيحة
محمد بن مسلم عن أبى جعفر و أبى عبداللّه عليهماالسلام : «فى المرأة التى لم يدخل بها
1 ـ البقرة: 226، 227.
2 ـ تهذيب الاحكام: 8 / 8، رقم 22.
(134)
زوجها، قال: لا يقع عليها ايلاء و لا ظهار»(1) و غيرها(2).
4ـ و أما اعتبار أن تكون الفترة المحلوف على ترك الوطء فيها تزيد على أربعة أشهر، فتدلّ عليه رواية زرارة عن أبى جعفر عليهالسلام : «قلت له: رجل آلى أن لا يقرب امرأته ثلاثة أشهر فقال: لا يكون إيلاء حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر»(3). لكنها قابلة للتأمل سندا من ناحية القاسم بن عروة، فإنه لم تثبت وثاقته.
و قد يعوض عنها بصحيحة حفص بن البخترى عن أبى عبد اللّه عليهالسلام : «اذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين أربعة اشهر استعدت عليه فإما ان يفييء و إما أن يطلق، فإن تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤل»(4)، فانه يستفاد منها انه يكون مؤليا لو ترك وطئها أربعة أشهر عن يمين. و على أى حال لم يعرف خلاف فى الحكم المذكور.(5)
5ـ و أما اعتبار أن يكون الحلف على ترك الوطء بقصد الإضرار، فلا خلاف فيه.(6) و تدلّ عليه موثقة السكونى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «أتى رجل أمير المؤمنين، فقال: يا أميرالمؤمنين! إن امرأتى أرضعت غلاما و إنى قلت: و اللّه لا أقربُكِ حتي تفطميه، فقال: ليس فى الإصلاح إيلاء»(7).
و اذا شُكِّكَ فى السند من ناحية النوفلى الراوى عن السكوني، فبالإمكان
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 516، باب 8 من كتاب الظهار، حديث 2 .
2 ـ يمكن مراجعة بقية الروايات فى الباب 6 من ابواب الايلاء.
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 538، باب 6 من كتاب الايلاء، حديث 7 .
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 535، باب 1 من كتاب الايلاء، حديث 2 .
5 ـ جواهر الكلام: 33 / 309 .
6 ـ جواهر الكلام: 33 / 303 .
7 ـ وسائل الشيعة: 15 / 537، باب 4 من كتاب الايلاء، حديث 1 .
(135)
التعويض بصحيحة حفص بن البخترى المتقدمة، فإنه يستفاد ذلك منها فلاحظ.
6ـ و أما أنه عند فقدان بعض الشرائط المتقدمة لا ينعقد إيلاءً، فواضح، فإن ذلك مقتضى الشرطية و من لوازمها.
و أما أنه ينعقد يمينا، فلأن الايلاء يمين و لا وجه للتوقف فى انعقاده يمينا بعد فرض توفر شرائط ذلك فيه.
7ـ و أما أنه إذا تَمَّ الايلاء و صبرت الزوجة، فلا اعتراض فواضح باعتبار إنها صاحبة الحق، و لصاحب الحق التنازل عن حقه.
و أما أنها إذا لم تصبر فلها الحق فى رفع أمرها الى الحاكم الشرعي، فلدلالة الروايات المتعددة عليه. و قد سبق بعضها و يأتى بعضها الآخر.
و أما أن للحاكم الحق فى الالزام بأحد الأمرين عند انتهاء المدّة، فذلك لازم جواز رفع القضية الى الحاكم و إلاّ كان رفعها اليه لغوا. على أن ذلك يستفاد من بعض الروايات الآتية.
8ـ و أما أن الحاكم يضيّق عليه فى المأكل و المشرب إذا امتنع من الأمرين في نهاية المدة، فقد دلّت عليه رواية حماد بن عثمان عن أبى عبداللّه عليهالسلام : المؤلى اذا أبى أن يطلّق قال: كان أمير المؤمنين عليهالسلام يجعل له حظيرة من قصب و يجعله فيها و يمنعه من الطعام و الشراب حتى يطلّق»(1) و غيرها.
و لكن الجميع ضعيف السند فلاحظ. و لابدّ من اتمام المطلب بالتسالم ان تمّ.
ثمّ إنه اذا امتنع المؤلى من اختيار أحد الأمرين إما مع التضييق عليه فى المأكل و
المشرب أو بدونه، فهل للحاكم التصدى للطلاق؟ نعم له ذلك لموثق سماعة: «...و
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 545، باب 11 من كتاب الايلاء، حديث 1 .
(136)
ان لم يفِ بعد أربعة أشهر حتى يصالح أهله أو يطلّق جبر على ذلك، و لا يقع طلاق فيما بينهما حتى يوقف و إن كان بعد الأربعة أشهر فإن أبى فرّق بينهما الامام»(1).
9ـ و أما لزوم الكفارة، فهو ممّا لا إشكال فيه من جهة تحقق حنث اليمين.
و منه يتضح الوجه فى كونها ككفارة حنث اليمين التى يأتى بيانها إن شاء اللّه في الموضع المناسب.
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 542، باب 9 من كتاب الايلاء، حديث 4 .
(138)
(140)
اللعان مباهلة بين الزوجين على وجه خاص يترتب عليها دفع حدٍّ أو نفى ولد. و يثبت في موردين:
1ـ القذف بالزنا، فإنه لا يجوز قذف المسلم بالزنا حتى مع تراكم القرائن على صحة النسبة إلاّ مع الإطّلاع على ذلك بنحو اليقين. و يلزم حدُّ القاذف حدَّ القذف حتى مع يقينه بصحة النسبة. و لكن بإمكانه دفع الحدِّ عن نفسه إذا فرض أحد أمرين:
أ ـ اقامة شهود أربعة يشهدون بذلك.
ب ـ ان يكون القاذف هو الزوج و المقذوف هو الزوجة، فإن بإمكان الزوج دفع الحدّ عن نفسه من خلال اللعان بالكيفية الآتية فيما اذا لم تكن له بيّنة.
2ـ نفى الولد، فإنه لا يجوز للشخص اذا اولدت زوجته طفلاً نفيه عنه حتى اذا فجرت و ظن بعدم كونه منه لتراكم بعض القرائن ما دام يمكن تولده منه. أجل مع القطع بعدم كونه منه ـ كما اذا ولدت لأقل من ستة أشهر من حين الزواج ـ يجوز له نفيه عنه و لكن لا ينتفي شرعاً فى مرحلة الظاهر إلاّ اذا لاعَنَ أو قامت البينة على عدم إمكان تولده منه.
(141)
و المستند فى ذلك:
1ـ أما أن اللعان ما ذكر، فهو من واضحات الفقه. و يستفاد ذلك من قوله تعالي: «والذين يرمون أزواجهم و لم يكن لهم شهداء إلاّ أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات باللّه إنّه لمن الصادقين و الخامسة أنَّ لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين و يَدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات باللّه إنه لمن الكاذبين و الخامسة أنَّ غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين»(1).
و قد ورد فى صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «أن عباد البصرى سأل
أباعبداللّه عليهالسلام و أنا عنده، كيف يلاعن الرجل المرأة؟ فقال: إن رجلاً من المسلمين أتي
رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول اللّه أ رأيت لو أن رجلاً دخل منزله فرأى مع امرأته
رجلاً يجامعها ما كان يصنع؟ فأعرض عنه رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم فانصرف الرجل و كان ذلك
الرجل هو الذى ابتلى بذلك من امرأته، قال: فنزل الوحى من عند اللّه عزّ و جلّ
بالحكم فيها، قال: فأرسل رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم الى ذلك الرجل فدعاه، فقال: أنت الذي
رأيت مع امرأتك رجلاً؟ فقال: نعم، فقال له: انطلق فائتنى بامرأتك فإن اللّه عزّ و جلّ
قد أنزل الحكم فيك و فيها، قال: فأحضرها زوجها، فوقفها رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم و قال
للزوج: أشهد أربع شهادات باللّه إنك لمن الصادقين فيما رميتها به، قال: فشهد، قال:
ثمَّ قال رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم : امسك و وعظه. ثمَّ قال: اتق اللّه، فان لعنة اللّه شديدة، ثم
قال: إشهد الخامسة أن لعنة اللّه عليك إن كنت من الكاذبين، قال: فشهد فامر به
فنحي. ثم قال عليهالسلام للمرأة: اشهدى أربع شهادات باللّه أن زوجك لمن الكاذبين فى ما
رماك به، قال: فشهدت، ثم قال لها: أمسكى فوعظها، ثم قال لها: اتقى اللّه فإن غضب
1 ـ النور: 6 ـ 9.
(142)
اللّه شديد، ثم قال لها: اشهدى الخامسة أن غضب اللّه عليك إن كان زوجك من الصادقين بما رماك به قال: فشهدت قال: ففرّق بينهما و قال لهما: لا تجتمعان بنكاح أبداً بعد ما تلاعنتما»(1).
2ـ و أما ثبوت اللعان فى مورد القذف، فهو المشهور.(2) و تدل عليه الآية الكريمة و صحيحة ابن الحجاج المتقدمة و غيرها.
3ـ و أما أنه لا يجوز القذف من دون يقين، فهو ممّا لا تأمل فيه، فإنه من الرمي الموجب للَّعنة فى الدنيا و الآخرة، و هو من الإفك الذى نهى عنه المؤمنون. قال تعالي: «إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا فى الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم، يوم تشهد عليهم ألسِنَتُهم و أيديهِم و أرجُلُهم بما كانوا يعملون»(3). و قال تعالى فى قصة الإفك: «لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيراً و قالوا هذا إفكٌ مبين. لولا جاءوا عليه باربعة شهداء فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند اللّه هم الكاذبون. و لولا فضل اللّه عليكم و رحمته فى الدنيا و الآخرة لمسّكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقّونه بالسنتكم و تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم و تحسبونه هيّنا و هو عند اللّه عظيم. و لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم»(4).
و فى الحديث: «جاءت امرأة الى رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم فقالت: يا رسول اللّه إنى قلت
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 586، باب 1 من كتاب الايلاء، حديث 1 .
2 ـ جواهر الكلام: 34 / 5 .
3 ـ النور: 24 ـ 23.
4 ـ النور: 16 ـ 12.
(143)
لأمتي: يا زانية، فقال: هل رأيت عليها زنا؟ فقالت: لا، فقال: أما أنها ستقاد منك(1) يوم القيامة فرجعت الى أمتها فأعطتها سوطا، ثم قالت: اجلديني، فأبت فاعتقتها، ثم أتت الى النبى صلياللهعليهوآلهوسلم فأخبرته، فقال: عسى أن يكون به»(2).
4ـ و أما أن القاذف يُحَدُّ حَدَّ القذف ـ ثمانون جلدة ـ فلقوله تعالي: «و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا و اُولئك هم الفاسقون»(3).
5 ـ و أما اندفاع الحدّ عن القاذف بلعانه، فللآية الكريمة المتقدمة فى رقم 1.
و أما تقييد اللعان بعدم وجود البينة، فللتقييد بذلك فى الآية الكريمة نفسها.
6ـ و اما ثبوت اللعان فى مورد نفى الولد، فيستفاد من صحيحة الكنانى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «سألته عن رجل لاعَنَ امرأته و انتفى من ولدها، ثم أكذب نفسه بعد الملاعنة و زعم أن الولد ولده هل يردّ عليه ولده؟ قال: لا و لا كرامة لا يرد عليه و لا تَحِلُّ له الى يوم القيامة»(4). و غيرها.
7ـ و أما عدم جواز نفى الولد فى حالة إمكان الانتساب، فلقاعدة الولد للفراش المستندة الى قوله صلياللهعليهوآلهوسلم : «الولد للفراش و للعاهر الحجر» الذى رواه الفريقان.
فمن طرقنا روى سعيد الأعرج فى صحيحه عن أبى عبد اللّه عليهالسلام : «سألته عن رجلين وقعا على جارية فى طهر واحد، لمن يكون الولد؟ قال: للذى عنده، لقول رسولاللّه صلياللهعليهوآلهوسلم : الولد للفراش و للعاهر الحجر»(5).
1 ـ فى التهذيب (:10 /80): سيقاد لها منك.
2 ـ وسائل الشيعة: 18 / 431، باب 1 من ابواب القذف، حديث 4 .
3 ـ النور: 4.
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 601، باب 6 من ابواب اللعان، حديث 5 .
(144)
والمقصود من قوله صلياللهعليهوآلهوسلم : «للذى عنده» المولى المالك للجارية كما نبّه عليهالكاشاني(1).
و من طرق غيرنا ما رواه مسلم بسنده الى عائشة: «اختصم سعد بن أبى وقاص و عبد بن زمعة فى غلام. فقال سعد: هذا، يا رسول اللّه! ابن أخى عتبة بن أبى وقاص عهد إليَ أنه ابنه، انظر الى شَبَهِهِ. و قال عبد بن زمعة: هذا أخى يا رسول اللّه! وُلِدَ على فراش أبى من وليدته. فنظر رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم الى شبهه، فرأى شَبَها بيّنا بِعُتْبَة، فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش و للعاهر الحجر...»(2)
8 ـ و أما جواز نفيه عند عدم إمكان الانتساب، فلأن الفراش لا يتحقق بمجرد العقد خلافا لأبى حنيفة حيث نُسب اليه تحققه بذلك. فقد نقل العيني: «شذَّ أبو حنيفة فيما اذا عقد شخص على امرأة و طلّقها عقيب النكاح من غير امكان الوطء فأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد حيث ألحقه بالزوج. و هذا خلاف ما جرت به عادة اللّه من ان الولد انما يكون من ماء الرجل و المرأة»(3)؛ بل يتحقق بالعقد مع إمكان الالتحاق بالزوج، فإن القاعدة شُرّعت فى حالات الشك فى الانتساب، إذ مع الجزم بالانتساب الى الزوج فلا معنى لأن يُعَبِّدُنا الشارع بالإلحاق به، لانه تَعَبُّدٌ بما هو معلوم بالوجدان، كما لا معنى للتعبد مع الجزم بعدم إمكان الالتحاق، إذ لايمكن التعبد بما يجزم بعدمه.
9ـ و أما أنه لا ينتفى شرعا فى مرحلة الظاهر من دون لعان أو بيّنة، فلقاعدة الفراش الحاكمة بالإلتحاق ظاهرا بصاحب الفراش.
1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 568، باب 58 من ابواب النكاح العبيد والاماء، حديث 4 .
2 ـ الوافي: 23 / 1407.
3 ـ صحيح مسلم ، كتاب الرضاع، باب 10 الولد للفراش و توقى الشبهات، حديث 1457.
4 ـ عمدة القاريء الذى هو شرح العينى لصحيح البخاري: 11 / 110.
(145)
و كيفية اللعان أن يبدأ الرجل و يقول أربع مرات ـ بعد القذف أو نفى الولد ـ : «أشهد باللّه إنى لمن الصادقين فيما قلت من قذفها أو نفى ولدها»، ثم يقول مرة واحدة: «لعنة اللّه عليَ إن كنتُ من الكاذبين».
و اذا تمَّ اللعان بالنحو المذكور من الرجل حُدَّت المرأة حدَّ الزنا إن كان قد قذفها بالزنا أو نفى ولدها بنحو يوجب قذفها بالزنا. و بإمكانها بدورها أن تدفع الحَدَّ عن نفسها بلعانها هي بأن تقول أربع مرّات: «أشهد باللّه إنه لمن الكاذبين فى مقالته»، ثم تقول مرّة واحدة: «إنّ غَضَبَ اللّه عليَّ إن كان من الصادقين».
و المستند فى ذلك:
1ـ أما كيفية اللعان بالشكل المتقدم، فتستفاد من الآية الكريمة و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمتين سابقا فى رقم 1.
2ـ و أما أنه بلعان الزوج يثبت الحد على الزوجة و بإمكانها دفعه عنها بلعانها، فتمكن استفادته من الآية الكريمة نفسها حيث قالت: «ويَدرؤا عنها العذاب» كما هو واضح.
3ـ و أما تقييد نفى الولد بما اذا استلزم القذف، فلأنه بدون ذلك لا يثبت فى حق المرأة ما يستوجب اقامة الحدِّ عليها.
اذا تمّ اللعان من الزوج أو الزوجة ترتبت الأحكام التالية:
1ـ انفساخ عقد النكاح.
(146)
2ـ الحرمة المؤبدة، فلا تحل للزوج حتى بعقد جديد.
وهذانالحكمانثابتانفيمطلقاللعانمن دون فرق بين كونه للقذف أو لنفى الولد.
3ـ سقوط الحد عن الزوج ـ اذا تحقق منه القذف بالزنا أو نفى الولد بنحو موجب للقذف ـ بلعانه و يسقط عنها بلعانها. أما اذا لاعن هو و نكلت هى حُدَّتْ هى دونه. و اذا لم يلاعن هو أيضا حُدَّ هو دونها.
4ـ اذا كان التلاعن لنفى الولد، ترتب عليه انتفاء الولد عن الرجل و بقى ملحقا بالمرأة فقط و من ثَمّ ينتفى التوارث بينهما، بل بيّنه و بيّن كلّ من ينتسب بواسطته كالجد و الجدة و الأخ و الأخت للأب و العم و العمة.
و اذا لاعن هو دونها انتفى عن الرجل أيضا و لا يثبت فى حق المرأة شيء إلاّ اذا كان نفي الولد بنحو موجب للقذف، فيثبت عليها الحد إلاّ أن تلاعن.
و المستند فى ذلك:
1ـ اما ترتب انفساخ العقد و الحرمة المؤبدة على مطلق اللعان، فهو ممّا لا إشكال فيه. و يستفاد ذلك فى لعان القذف من صحيحة عبد الرحمن المتقدمة و غيرها، و فى لعان نفى الولد من صحيحة الكنانى المتقدمة و غيرها.
بل يمكن أن يقال: ان المستفاد من صحيحة عبد الرحمن أن الحرمة المؤبدة هي من شؤون اللعان بلا خصوصية لكونه لأجل القذف.
2ـ و أما سقوط الحدِّ عن الرجل و المرأة بلعانهما، فيستفاد من قوله تعالي:
«والذين يرمون أزواجهم و لم يكن لهم شهداء إلاّ أنفسهم فشهادة أحدهم أربع
(147)
و من صحيحة ابن الحجاج المتقدمة فلاحظ.
و أما أنه اذا لاعَنَ هو دونها حُدّت دونه، فيستفاد من الآية الكريمة، لأنها ظاهرة فى أن لعان كلّ واحد من الزوجين موجب لِدَرءِ الحد عن نفسه، بل قد يستفاد من صحيحة ابن الحجاج أيضا.
و أما أنه اذا لم يلاعن الرجل أيضا حُدّ دونها، فباعتبار تحقق القذف منه فيحد، و أما هى فحيث لم يثبت فى حقها المقذوف به فلا موجب لحدها.
3ـ و أما أنه اذا تلاعنا لنفى الولد ترتب عليه انتفاؤه عنه دونها، فواضح.
أما عدم انتفائه عنها فلعدم الموجب، إذ هى لم تنفه عنها.
و أما انتفاؤه عنه، فلأنه لولا ذلك لم تكن للعانه فائدة.
و تدلّ على كلا الحكمين صحيحة أبى بصير عن أبى عبد اللّه عليهالسلام : «المرأة يلاعنها زوجها و يفرّق بينهما الى من ينسب ولدها؟ قال: الى اُمه»(2).
4ـ و أما عدم التوارث بين الولد و الرجل و من ينتسب بواسطته، فلأن ذلك لازم انتفائه عنه باللعان.
5 ـ وأما أنه اذا لاعَنَ الرجل فقط انتفى الولد عنه أيضا، فلأنه لازم اللعان و فائدته.
و أما عدم ثبوت الحدِّ على المرأة، فلعدم الموجب لذلك بعد عدم قذفها بالزنا.
و أما أنها تُحدُّ لو لم تلاعن فيما اذا كان نفى الولد بنحو موجب لقذفها بالزنا فباعتبار دخول المورد آنذاك تحت عنوان القذف بالزنا.
1 ـ النور: 6 ـ 9.
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 608، باب 14 من ابواب اللعان، حديث 2 .
(148)