(78)
الطلاق ايقاع يتضمن انشاء الزوج للفرقة بعد تحقق الزوجية الدائمة.
و هو مشروع بضرورة الدين من الزوج فقط إلاّ فى موارد خاصة.
و المستند فى ذلك:
1ـ أمّا أن الطلاق ايقاع، فلأنه متقوّم بالضرورة بالايجاب بلا مدخلية للقبول فى تحققه.
و أمّا أن حقيقته ما ذكر فهو من بديهيات اللغة و الشرع.
و أمّا اختصاص مورده بفرض الزواج الدائم، فلما يأتى إن شاءاللّه تعالي.
2ـ و أمّا أنه مشروع فهو من ضروريات دين الاسلام. و يدلّ على ذلك أيضا
ترتيب الأحكام الخاصة عليه فى الكتاب الكريم. قال تعالي: «و المطلقات يتربصن
بأنفسهن ثلاثة قروء...»(1)،«الطلاق مرّتان فإمساك...»(2)،«و اذا طلّقتم النساء
1 ـ البقرة: 228.
2 ـ البقرة: 229.
(79)
فبلغن أجلهنّ...»(1)،الى غير ذلك من الأيات الكريمة.
و اذا كان الزواج أحبّ شيء الى اللّه سبحانه فالطلاق أبغض شيء اليه.و قد ورد فى الحديث الشريف عنه صلياللهعليهوآلهوسلم : «ما من شيء أحب الى اللّه عزّ و جل من بيت يعمر بالنكاح.و ما من شيء أبغض الى اللّه عزّ و جل من بيت يخرب فى الاسلام بالفرقة، يعنى الطلاق».(2)
و فى حديث آخر «تزوّجوا و لا تطلقوا، فإن الطلاق يهتزّ منه العرش».(3)
أجل، هذا يختص بحالة الوآم بين الزوجين أو وجود مشاكل لا ينحصر علاجها بالطلاق و إلاّ لم يكن مبغوضاً لعدم احتمال المبغوضية شرعا فى مثل ذلك. مضافا الى دلالة جملة من الروايات على ذلك. و قد ورد فى الحديث: «أن أباجعفر عليهالسلام كانت عنده امرأة تعجبه و كان لها محبا فأصبح يوما و قد طلّقها و اغتم لذلك، فقال له بعض مواليه:لِمَ طلقتها؟ فقال:انى ذكرت عليا عليهالسلام فتنقصته، فكرهت أن ألصق جمرة من جهنم بجلدي»(4). بل روى عن الرسول الاعظم صلياللهعليهوآلهوسلم : «خمسة لا يستجاب لهم:رجل جعل اللّه بيده طلاق امرأته فهى تؤذيه و عنده ما يعطيها و لم يخلّ سبيلها...»(5)
3ـ و أمّا اختصاص مشروعية الطلاق بالزوج، فهو من الضروريات التى لا تحتاج الى دليل.
1 ـ البقرة: 31.
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 266، باب 1 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1 .
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 268، باب 1 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 7 .
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 269، باب 3 من ابواب مقدمات الطلاق: حديث 1 .
5 ـ وسائل الشيعة: 15 / 71، باب 5 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1 .
(80)
بل إن القصور فى مقتضى التعميم كافٍ وحده لإثبات الاختصاص.
و يؤيد الاختصاص مرسلة أبى بكر عن بعض أصحابنا عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «امرأة نكحها رجل، فأصدقته المرأة و شرطت عليه أن بيدها الجماع و الطلاق، فقال: خالفَ السنّة و ولّى الحق من ليس أهله،و قضى أن على الرجل الصداق و أن بيده الجماع و الطلاق و تلك السنّة»(1)،و الحديث النبوي: «الطلاق بيد من أخذ بالساق»(2).
و أما موارد الاستثناء التى يصح فيها الطلاق من غير الزوج، فيأتى التحدث عنها فيما بعد إن شاءاللّه تعالي.
يلزم لوقوع الطلاق صحيحا توفّر:
1ـ البلوغ، فلا يصح طلاق الصبى و إن بلغ عشرا، بل و لا طلاق وليه عنه.
2ـ العقل، فلا يصح طلاق المجنون إلاّ اذا كان بالغا فإنه يجوز لوليه الطلاق مع اقتضاء المصلحة لذلك.
3ـ الاختيار،فلا يصح طلاق المكره.
4ـ القصد، فلا يصح طلاق السكران و الهازل و غيرهما ممّن لا قصد له.
5ـ التنجيز، فلا يقع الطلاق لو قال الزوج لزوجته: أنت طالق إن فعلت كذا.
6ـ تعيين المطلقة، فلا يصح لو قال الزوج: احدى زوجاتى طالق.
7ـ أن تكون الزوجة فى حالة طهرٍ ـ من الحيض و النفاس ـ لم يواقعها فيه.
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 340، باب 42 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1 .
2 ـ كنز العمال: 5 / 155، رقم 3151.
(81)
و يستثنى من ذلك:
أ ـ ما اذا كان المطلِّق غائباً، فإن الطلاق يقع صحيحاً منه حتى مع اتّضاح عدم طهرها حالته بشرطين: عدم إمكان تعرفه على حالها، و مضى فترة يعلم بحسب عادتها انتقالها من طهر الى آخر. و الاحتياط يقتضى أن تكون الفترة شهرا. و أحوط من ذلك أن تكون ثلاثة أشهر.
و فى حكم الغائب الحاضر الذى لا يمكنه التعرف على حال زوجته كالمسجون.
ب ـ ما اذا كانت حاملاً و قد استبان حملها فإنه يصح طلاقها و إن لم تكن على طهر أو كانت فى طهر المواقعة.
ج ـ ما اذا لم تكن مدخولاً بها.
د ـ ما اذا كانت صغيرة لم تبلغ سنَّ التكليف و قد دخل بها الزوج و إن كان ذلك محرَّما.
ذ ـ ما اذا كانت قد بلغت سنَّ اليأس.
ه ـ المسترابة ـ و هى من كانت فى سن من تحيض و لا تحيض لخلقة أو لعارض اتفاقي من رضاع أو مرض طاريء و ما شاكل ذلك ـ فإنه يجوز طلاقها و إن كان ذلك فى طهر المجامعة بشرط مضى ثلاثة أشهر على المواقعة الأخيرة.
8 ـ أن يكون الزواج دائما فلا يقع بالمتمتع بها، بل تتحقق الفرقة بانتهاء المدة أو هبة المقدار المبقى منها.
9ـ اشهاد رجلين عادلين.
10 ـ الصيغة الخاصة، و هي«أنت طالق»أو «زوجتى طالق» أو «فلانة طالق» و ما أشبه ذلك من الصيغ المشتملة على كلمة «طالق». و لا يصح بصيغة «فلانة مطلقة» أو «طلقت فلانة».
(82)
و تجزيء الترجمة عند تعذر النطق بالعربية.
و المستند فى ذلك:
1 ـ أمّا اعتبار البلوغ فى المطلِّق، فهو المشهور(1) بين المتأخرين لعدّة اُمور:
أ ـ التمسّك بحديث: «رفع القلم عن الصبى حتى يحتلم»(2)، فإن مقتضى إطلاقه الشمول لقلم الوضع أيضا.
و ضعف سنده منجبر بعمل الأصحاب ـ كما تقدم غير مرة ـ بناءً على تمامية كبرى الانجبار.
ب ـ اتفاق الأصحاب على اعتبار البلوغ فى باب البيع و سائر المعاملات المالية. و الطلاق ان لميكن أولى باعتبار ذلك فيه، فلا أقلّ من عدم احتمال الفرق بينهما.
ج ـ الروايات الخاصة، من قبيل موثقة الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على عليهمالسلام : «لا يجوز طلاق الغلام حتى يحتلم»(3) و غيرها.
إلاّ أن فى مقابل ذلك موثقة ابن بكير عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «يجوز طلاق الصبي اذا بلغ عشر سنين»(4) و غيرها.
و قد يجمع بحمل الاُولى على من كان عمره أقلّ من عشر سنين بقرينة الثانية.
هذا ما تقتضيه الصناعة. و لكن الاحتياط باعتبار البلوغ أمر لازم تحفظا من مخالفة المشهور.
1 ـ جواهر الكلام: 32 / 4 .
2 ـ وسائل الشيعة: 1، باب 4 من ابواب مقدمة العبادات .
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 325، باب 32 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 8 .
4 ـ تهذيب الاحكام: 8 / 75، رقم 173.
(83)
2ـ و أما عدم ثبوت الولاية على الطلاق لولى الصبى، فأمر لا خلاف فيه.(1) و يكفى لإثباته القصور فى المقتضي. و مع التنزّل يمكن التمسّك بالروايات الخاصة،كصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليهالسلام : «الصبى يتزوج الصبية يتوارثان؟فقال: اذا كان أبواهما اللذان(2) زوجاهما فنعم. فقلت:فهل يجوز طلاق الأب؟ قال:لا»(3) و غيرها.
3ـ و أما عدم صحة الطلاق من المجنون، فلعدم تحقق القصد منه و الروايات الخاصة، كصحيحة الحلبي: «سألت أبا عبداللّه عليهالسلام عن طلاق السكران و عتقه، فقال: لا يجوز. قال: و سألته عن طلاق المعتوه، قال: و ما هو؟ قال: قلت: الأحمق الذاهب العقل، قال: لا يجوز»(4) و غيرها.
4ـ و أما أنه يجوز الطلاق لولى المجنون فهو المشهور(5) لصحيحة أبى خالد القماط: «قلت لأبى عبد اللّه عليهالسلام : الرجل الأحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليه عليه؟ قال:و لِمَ لايطلق هو؟ قلت: لايؤمن إن طلق هو أن يقول غدا: لم اُطلق، أو لايحسن أن يطلق، قال: ما أرى وليّه إلاّ بمنزلة السلطان»(6) و غيرها.
هذا و قد نسب الخلاف فى المسألة الى ابن ادريس تمسّكا بأن الأصل بقاء
1 ـ جواهر الكلام: 32 / 5 .
2 ـ الظاهر ان الصواب:اللذين.
3 ـ وسائل الشيعة: 14 / 220، باب 12 من ابواب عقد النكاح، حديث 1 ؛ : 15 / 326، الباب 33 من ابواب
مقدمات الطلاق .
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 328، باب 34 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 5 .
5 ـ جواهر الكلام: 32 / 6 .
6 ـ وسائل الشيعة: 15 / 329، باب 35 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1.
(84)
العقد، و بالنبوي: «الطلاق بيد من أخذ بالساق»(1)
و فيه: أن الأصل لا مجال له مع الدليل الاجتهادي. والنبوى على تقدير تماميته سندا قابل للتقييد بصحيحة القماط و غيرها.
ثم إنه لا يبعد أن يكون قوله عليهالسلام : «و لِمَ لا يطلق» ناظرا إما الى فرضية عدم زوال العقل بشكل كامل أو الى حالة الجنون الأدوارى مع فرض الافاقة،كما نبّه عليه فى الحدائق(2).
5 ـ و أما تقييد جواز طلاق ولى المجنون بما اذا كان ـ المجنون ـ بالغا، فلأنه بدون فرض ذلك يكون مشمولاً لإطلاق صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالّة على أن الأب لا يجوز له الطلاق بالولاية.
و صحيحة القماط ان كان لها اطلاق للصبي، عارض اطلاق صحيحة محمد بن مسلم فى الصبى المجنون و تساقطا و لزم الرجوع الى الاصل، و هو يقتضى عدم ترتب الاثر على طلاق غيره.
6ـ و أما تقييد جواز ولى طلاق المجنون بالمصلحة بالرغم من إطلاق الروايات من هذه الناحية، فباعتبار الجزم بان الولاية المجعولة للولى ليست تكريما له، بل لحاجة المولّى عليه الى من يتصرف عنه تحقيقا لمصالحه.
7ـ و أما عدم صحة طلاق المكره، فأمر لا خلاف فيه. و يدلّ عليه حديث الرفع(3) و الروايات الخاصة، كصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليهالسلام :
«سألته عن طلاق المكره و
1 ـ الحدائق الناضرة: 25 / 155.
2 ـ الحدائق الناضرة: 25 / 154.
3 ـ وسائل الشيعة: 11 / 295، باب 56 من ابواب جهاد النفس، حديث 1 .
(85)
عتقه، فقال: ليس طلاقه بطلاق و لا عتقه بعتق...»(1) و غيرها.
8ـ و أما اعتبار القصد، فللتسالم على تبعية العقود و الايقاعات له. هذا مضافا الى الروايات الخاصة الواردة بلسان: «لا طلاق إلاّ لمن أراد الطلاق»(2).
9ـ و أما التنجيز، فمدركه منحصر بالإجماع المدّعى على اعتباره، و إلاّ فغيره قابل للتأمّل من قبيل:
أـ منافاة التعليق لقاعدة عدم تأخّر المعلول عن علته.
ب ـ أن ظاهر الروايات فعلية الطلاق بمجرد تحقق الصيغة،و اشتراط تأخره الي حصول المعلق عليه شَرْعٌ جديد.
و قد تمسّك بهذين الوجهين صاحب الجواهر(3).
و وجه التأمل:
أما فى الأول، فلأن العلة ليست هى الصيغة بمجردها، بل مع الشرط فلا تأخر.
و اما فى الثاني، فلأنه لا توجد رواية تدلّ بوضوح على ذلك.و مع التنزّل يمكن دعوى نظرها الى الحالة الغالبة، و هى التنجيز.
10ـ و أما اعتبار تعيين المطلَّقة، فلأنه بدونه يلزم تعلق الطلاق بالواحدة المرددة من الزوجات،و هو باطل لعدم معقولية الفرد المردد.
11ـ و أما اعتبار أن تكون المطلّقة طاهرة بطهر لم تواقع فيه، فأمر متسالم
عليه.(4) و تدلّ عليه النصوص المستفيضة، كصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليهالسلام : «أما
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 331، باب 37 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1 .
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 285، باب 11 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1 .
3 ـ جواهر الكلام: 32 / 78.
4 ـ جواهر الكلام: 32 / 29 ، 40 .
(86)
طلاق السنّة فاذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث و تطهر فإذا خرجت من طمثها طلّقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين...»(1). و صحيحة الفضلاء عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه عليهماالسلام : «اذا طلّق الرجل فى دم النفاس أو طلّقها بعد ما يمسّها، فليس طلاقه ايّاها بطلاق»(2) و غيرهما.
12ـ و أما استثناء حالة غيبة المطلِّق، فأمر متسالم عليه(3) للروايات المتعددة الواردة بلسان: «خمس يطلقهنّ أزواجهنّ متى شاءوا: الحامل المستبين حملها، و الجارية التى لم تحض،و المرأة التى قعدت من المحيض،و الغائب عنها زوجها، و التى لم يدخل بها»(4).
و سند الروايات المذكورة جلاًّ أو كلاًّ صحيح، فراجع.
13ـ و أما تعميم الحكم بالصحة لما اذا اتضح عدم الطهر واقعا حالة الطلاق، فللتمسّك بإطلاق الروايات المذكورة، بل و للتصريح بالتعميم فيها بلفظ «متي شاءوا».
على أنه قد يقال بأن الطهر واقعا لو كان معتبرا يلزم عدم ثبوت الخصوصية لعنوان غيبة المطلِّق.
14ـ و أما اعتبار عدم إمكان التعرف على حالها و مضى فترة يعلم فيها بالانتقال،
فلأن لايحتمل اعتبار عنوان الغيبة بنحو الموضوعية، بحيث يكون مجرد غيبة الزوج
فى الساعات الاُولى كافٍ لجواز الطلاق حتى مع إمكان تحصيل العلم بسهولة أو
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 280، باب 9 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 4 .
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 279، باب 9 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1.
3 ـ جواهر الكلام: 32 / 30 ، 32 .
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 306، باب 25 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1 .
(87)
فرض العلم ببقاء طهر المواقعة أو كونها فى حالة حيض أو نفاس.
15ـ و أما الاحتياط باعتبار مضى شهر، فلموثق ابن سماعة: «سألت محمد بن أبي حمزة متى يطلِّق الغائب؟فقال: حدثنى اسحاق بن عمار أو روى اسحاق بن عمار عن أبى عبد اللّه عليهالسلام أو أبى الحسن عليهالسلام قال: اذا مضى له شهر»(1).
و إنما كان الحكم بنحو الاحتياط دون الفتوى باعتبار أن لسان الروايات السابقة: «خمس يطلقهن أزواجهن متى شاءوا...» آبٍ عن التقييد، فإنه لو كان مضى الشهر معتبراً لم يكن للغائب الطلاق متى شاء.
و من القريب جدا أن يكون اعتبار مضى الشهر من باب أنه الفترة التى يحرز فيها عادة الانتقال من طهر الى آخر. و يترتب على ذلك أنه لو تَمَّ الاحراز قبل مضي الفترة المذكورة كان ذلك كافيا للحكم بصحة الطلاق.
و لكن مع ذلك كله يبقى الاحتياط باعتبار مضى الشهر حتى مع تحقق الاحراز قبله أمرا وجيها.
16ـ و أما أحوطية اعتبار مضى ثلاثة أشهر، فلموثقة اسحاق بن عمار الاُخري: «قلت لأبى ابراهيم عليهالسلام :الغائب الذى يطلِّق أهله كم غيبته؟قال:خمسة أشهر، ستة أشهر.قال: حُدّ دون ذا، قال: ثلاثة أشهر»(2)، فانّه ظاهراً و ان كان يقتضى الإلزام بمضى ثلاثة أشهر إلاّ أنه لابدّ من رفع اليد عن ذلك لعدم احتمال اعتبار مضى المدة المذكورة حتّى مع الجزم بالانتقال من طهر الى آخر، فإن حال الغائب ليست اسوأ من حال الحاضر.
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 308، باب 26 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 5 .
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 308، باب 26 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 8 .
(88)
و عليه، فمع الجزم بالانتقال لا يعتبر مضى ثلاثة أشهر و إن كان ذلك أحوط تحفظا على العمل بظاهر الموثقة.
17ـ و أما إن الحاضر بحكم الغائب اذا لم يمكنه التعرف على حال زوجته، فلما تقدم من عدم احتمال أن تكون لغيبة المطلِّق موضوعية، بل الخصوصية لعدم إمكان التعرف على حال الزوجة الملازم عادة مع الغيبة.و عليه فيسرى حكم الغيبة الي الحضور الذى هو بمثابتها.
و ممّا يدل على ذلك أيضا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن عليهالسلام عن رجل تزوّج امرأة سرّا من أهلها و هى فى منزل أهله و قد أراد أن يطلقّها و ليس يصل اليها، فيعلم طمثها اذا طمثت و لا يعلم بطهرها اذا طهرت، فقال: هذا مثل الغائب عن أهله يطلِّق بالأهلة و الشهور...»(1).
18ـ و أما استثناء الحامل المستبين حملها، فهو لما تقدم من الروايات الواردة بلسان: «خمس يطلقهن ازواجهن متى شاءوا: الحامل المستبين حملها...».
و أما أنه يصح طلاقها حتى اذا لم تكن على طهر أو كانت فى طهر المواقعة فللتقريبات الثلاثة المتقدمة فى رقم 13.
19ـ و أما استثناء غير المدخول بها و الصغيرة و اليائس، فللروايات المتقدمة نفسها.
20ـ و أما أن المسترابة يجوز طلاقها بعد مضى ثلاثة أشهر من المواقعة الأخيرة،
فلم ينسب فيه الخلاف لأحد.(2) و يدلّ عليه صحيح اسماعيل بن سعد الأشعري:
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 310، باب 28 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1 .
2 ـ جواهر الكلام: 32 / 44 .
(89)
«سألت الرضا عليهالسلام عن المسترابة من المحيض كيف تطلّق؟قال: تطلق بالشهور»(1).
و اذا كان فى المراد من كلمة «الشهور» اجمال لعدم تشخص عدد الأشهر، فيمكن من خلال مراجعة روايات عدّة المرأة المسترابة(2) تحصيل الاطمئنان بإرادة ثلاثة أشهر.
هذا و يمكن أن يقال: ان «كلمة الشهور» جمع يصدق على الثلاثة،و إرادة الأقلّ غير محتملة،و إرادة ما زاد تحتاج الى دليل، و مقتضى الإطلاق الاكتفاء بالثلاثة.
21ـ و أما أنه لا طلاق فى عقد التمتع فأمر متسالم عليه.(3) و استدلّ له فى الحدائق بما دلَّ على حصول الفرقة بانتهاء المدة بلا حاجة الى طلاق، كصحيح محمد بن اسماعيل عن أبى الحسن الرضا عليهالسلام : «قلت له: الرجل يتزوج المرأة متعة سنة أو أقل أو أكثر، قال:اذا كان شيئا معلوما، الى أجل معلوم قال: قلت: و تبين بغير طلاق؟ قال: نعم»(4).
و فيه: ان هذا المضمون تكرر فى الروايات إلاّ أنه لا ينفى إمكان وجود سبب ثانٍ لتحقق الفرقة ـ أثناء المدة ـ و هو الطلاق.
و من هنا قال فى الجواهر: «لم يحضرنى من النصوص ما يدلّ على عدم وقوع الطلاق بالمتمتع بها. نعم فيها ما يدل على حصوله بانقضاء المدة و بهبتها، و لكن ذلك لا يقتضى عدم صحته عليها لإمكان تعدد الأسباب»(5)
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 414، باب 4 من ابواب العدد، حديث 17 .
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 410، باب 4 من ابواب العدد، حديث 17 .
3 ـ جواهر الكلام: 32 / 28 .
4 ـ وسائل الشيعة: 14 / 478، باب 25 من ابواب المتعة، حديث 1.
5 ـ جواهر الكلام: 3 / 28.
(90)
هذا و بالإمكان تحصيل بعض الروايات على ذلك من قبيل رواية محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليهالسلام : «المتعة ليست من الأربع، لأنها لاتطلَّق و لاترث و انما هي مستأجرة»(1)، و رواية الحسن الصيقل عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «قلت: رجل طلَّق امرأته طلاقا لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره، فتزوجها رجل متعة أ تحلّ للأول؟ قال: لا، لأن اللّه يقول: «فإن طلقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فان طلقها» و المتعة ليس فيها طلاق»(2).
و هاتان الروايتان إن تَمّ سندهما ـ و لم يناقش فى الاولى بالقاسم بن عروة و في الثانية بالصيقل ـ كانتا هما المستند و إلاّ انحصر المدرك بالتسالم.
22ـ و أما تحقق الفرقة بهبة ما تبقى من المدة، فأمر متسالم عليه. و تدلّ عليه صحيحة على بن رئاب: «كتبت اليه أسأله عن رجل تمتع بامرأة ثم وهب لها أيامها قبل أن يفضى اليها أو وهب لها أيامها بعد ما أفضى اليها، هل له أن يرجع فيما وهب لها من ذلك؟ فوقَّع عليهالسلام : لا يرجع»(3) و غيرها.
23ـ و أما اعتبار الاشهاد فى الطلاق، فهو من شعار الامامية. و قد تقدم فى بداية البحث عن النكاح حوار الامام الكاظم عليهالسلام مع أبى يوسف القاضي، فراجع.
و يدلّ على ذلك قوله تعالي: «يا أيّها النبيّ اذا طلقتم النساء فطلّقوهنّ لعدّتهنّ و أحصوا العدة... فاذا بلغن أجلهنّ فامسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف و أشهدوا ذوى عدلٍ منكم»(4).
1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 495، باب 43 من ابواب المتعة، حديث 1 .
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 369، باب 9 من ابواب اقسام الطلاق، حديث 4 .
3 ـ وسائل الشيعة: 14 / 483، باب 29 من ابواب المتعة، حديث 1 .
4 ـ الطلاق :1 و 2.
(91)
و احتمال رجوع الأمر بالاشهاد الى الامساك الذى هو بمعنى الرجوع بعيد، لتخلل الفاصل المانع من ذلك.
و الروايات فى المسألة كثيرة كادت أن تبلغ حدّ التواتر، و قد تقدمت الاشارة الى بعضها.
24ـ و أما أن صيغة الطلاق ما تقدم، فلصحيحة محمد بن مسلم حيث «سأل أبا جعفر عليهالسلام عن رجل قال لامرأته: أنتِ عليّ حرام أو بائنة أو بتة أو برية أو خلية. قال:هذا كلّه ليس بشيء إنما الطلاق أن يقول لها فى قبل العدة بعد ما تطهر من محيضها قبل أن يجامعها: «أنتِ طالق» أو «اعتدّي» يريد بذلك الطلاق و يشهد علي ذلك رجلين عدلين»(1) أو غيرها.
و المذكور فيها جملة: «أنتِ طالق»و لكنه يتعدّى الى غيرها ممّا اشتمل علي كلمة «طالق» من جهة أنه فى الطلاق لا يلزم أن يواجه الزوج به زوجته و يخاطبها به، بل يجوز عند غيبتها التى لا يتأتى معها الخطاب بضمير «أنت».
و هل يتحقق الطلاق بجملة «اعتدّي»؟ المناسب ذلك ـ لو لم يثبت تسالم علي الخلاف ـ تمسكا بالصحيحة المذكورة و غيرها. و نسب القول بذلك الى ابن الجنيد.(2)
إلاّ أنه اذا ثبت تسالم الأصحاب على عدم القول بذلك فالمتعيَّن الاقتصار علي الصيغة المتقدمة، و لا أقلّ من كون ذلك هو مقتضى الاحتياط اللازم.
25ـ و أما إجزاء الترجمة عند تعذر النطق بالعربية، فلأن الطلاق لم يشرّع
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 295، باب 16 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 3 .
2 ـ الحدائق الناضرة: 25 / 199.
(92)
و هل يلزم توكيل العربى إن أمكن؟ المناسب ذلك الدليل على ترتب الأثر معه. بل ان ذلك يمكن استفادته مما دلَّ على ان الصيغة «انتِ طالق».
ينقسم الطلاق الى القسمين التاليين:
الأول: بدعي؛ و هو ما كان فاقدا للشرائط المتقدمة. و حكمه البطلان.
و يلحق بالقسم المذكور الطلاق ثلاثا من دون تخلل رجعة فى البين ـ بأن يقول المطلِّق: «أنتِ طالق ثلاثا» أو يقول: «أنتِ طالق، أنتِ طالق، انتِ طالق» قاصدا بذلك تعدد الطلاق ـ إلاّ انه لا يبطل رأسا، بل تقع لدى المشهور طلقة واحدة دون ما زاد.
الثاني: سنّي؛ و هو الطلاق الجامع للشرائط المتقدمة. و هو على نحوين:
1ـ بائن؛ و هو ما لا يحق للزوج الرجوع فيه الى المطلقة سواء كان لها عدة أم لا. و مصاديقه ستة:
أـ طلاق الصغيرة التى لم تبلغ سن المحيض حتى مع فرض الدخول بها عمدا أو اشتباها.
ب ـ طلاق اليائسة.
ج ـ الطلاق قبل الدخول.
و هذه الثلاثة ليس لها عدّة.
د ـ المطلقة بالطلاق الثالث المسبوق بطلاقين قد تعقبتهما عودة برجوع أو عقد جديد، فإنها تحرم على زوجها حتى ينكحها رجل آخر و يفارقها بموت أو طلاق، فيجوز آنذاك للأول العقد عليها بعد انتهاء العدة.
(93)
ذ ـ طلاق الخلع و المباراة مع عدم رجوع الزوجة فيما بذلت.
هـ ـ طلاق الحاكم الشرعى لزوجة الممتنع من الانفاق و الطلاق.
2ـ رجعي؛ و هو ما يحق للزوج الرجوع فيه فى العدة سواء رجع بالفعل أم لا. و مصداقه ما عدا الأفراد الستة المتقدمة.
ثم إن الرجعي¨ ينقسم بدوره الى عدّى و غيره.
و يراد من العدّى أن يطلِّق الزوج زوجته على الشرائط ثم يراجع قبل الخروج من العدة و يواقع ثم يطلقها فى غير طهر المواقعة ثم يراجعها و يواقعها ثم يطلقها فى طهر آخر. و بذلك تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره، فاذا طلقها أو مات، جاز للأول الزواج بها بعد انتهاء العدة.
هذا هو الطلاق العدّي. و اذا تكرر حرمت فى السادس أيضا حتى تنكح آخر بالشكل المتقدم، و فى التاسع تحرم مؤبداً.
و الطلاق العدّى بالمعنى المذكور متقوّم بأمرين:
أحدهما:تخلل رجعتين. و لا يكفى وقوع عقدين جديدين أو عقد و رجعة.
ثانيهما:تحقق المواقعة بعد كلّ رجعة.
فطلاق العدة على هذا مركب من ثلاث طلقات: ثنتان منها رجعية و واحدة ـ و هى الثالثة ـ بائنة.
و لا خلاف فى تحقق الحرمة المؤبدة بالطلاق التاسع فى الطلاق العدّى بالتفسير المذكور. كما لا خلاف ـ من غير ابن بكير ـ فى تحقق الحرمة فى كلّ طلاق ثالث بأى شكل اتفق. و إنما الخلاف فى تحقق الحرمة المؤبدة فى الطلاق التاسع فيما اذا لم يكن عدّيا بالمعنى المتقدم، والمشهور صار الى العدم.
(94)
ثم إن الطلاق السنّى له ثلاثة اطلاقات:
أ ـ سنّى بالمعنى الأعم. و هو كلّ طلاق جامع للشرائط مقابل الطلاق البدعى الفاقد لبعضها. و هذا الإطلاق هو ما تقدمت الاشارة اليه.
ب ـ سنّى مقابل العدّي. و هو ما تتحقق فيه الرجعة فى العدة من دون مواقعة.
ج ـ سنّى بالمعنى الأخص. و هو ما لاتتحقق فيه الرجعة فى العدة، بل تنقضى ثم يتزوجها الزوج بعقد جديد.
و المستند فى ذلك:
1ـ أما التقسيم الى البدعى و السنّى، فهو ـ كما تقدم ـ باعتبار الواجدية للشرائط المتقدمة و عدمها، فما كان فاقدا لها هو بدعي، نسبة الى البدعة بمعنى المحرّم، و غير المشروع، و ما كان واجدا لها هو سنّي، نسبة الى السنّة بمعنى المشروع.
و المعروف فى كلمات بعض الأصحاب ـ كالمحقق و غيره ـ اصطلاح البدعي على اقسام ثلاثة من الطلاق غير المشروع ـ و ليس على جميع مصاديقه و إن كانت كلّها باطلة ـ هي: طلاق الحائض و النفساء فى غير موارد الاستثناء، و الطلاق في طهر المقاربة، و الطلاق ثلاثاً من غير تخلل رجعة(1).
والأمر سهل بعد عدم المشاحة فى الاصطلاح.
2ـ و أما أن البدعى باطل، فلأن المشروط عدم عند عدم شرطه . هذا فى مذهبنا.
و أما الجمهور فقد اتفقت كلمتهم على الصحة مع الاثم(2).
1 ـ شرائع الاسلام: 3 / 588، انتشارات استقلال.
2 ـ قال الجزيري: «اذا طلّق الزوج امراته طلاقا بدعيا، فانه تسُنُ له رجعتها ... و يحسب عليه الطلاق البدعي
سواء كان واحدا أو اكثر باتفاق الائمة الاربعة. و خالفهم بعض الشواذ الذين لا يعوّل على آرائهم». راجع: الفقه
على المذاهب الاربعة: 4 / 274، مبحث ما يترتب على الطلاق البدعى من الاحكام.
(95)
هذا كله فى غير الطلاق ثلاثا بلا تخلل رجعة، و أما هو فيقع واحدا عندنا كما سيتضح وجهه.
3ـ و أما الطلاق ثلاثا بدون تخلل رجعة، فقد اتفقت كلمة أصحابنا على بطلانه، بمعنى عدم وقوعه ثلاثا(1) خلافا للجمهور(2). و اتفقت أيضا على وقوعه واحدا فى حالة الولاء، أى تكرار جملة «أنتِ طالق» ثلاث مرات، و اختلفت فى حالة الارسال و عدم التكرار، بأن قيل: «أنتِ طالق ثلاثا».
ولو رجعنا الى الروايات وجدناها على طائفتين:
الاُولي: ما دلَّ على وقوع طلاق واحد من دون تفصيل بين حالة الولاء و حالة
الارسال. و هى متعددة كصحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام : «سألته عن رجل طلّق
1 ـ جواهر الكلام: 32 / 116 ـ 117 .
2 ـ قال الجزيري: «يملك الرجل الحر ثلاث طلقات و لو كان زوجا لأمةٍ و يملك العبد طلقتين و لو كان زوجا
لحرة، فاذا طلّق الرجل زوجته ثلاثا دفعة واحدة، بان قال لها: انت طالق ثلاثا لزمه ما نطق به من العدد في
المذاهب الاربعة. و هو رأى الجمهور. و خالفهم فى ذلك بعض المجتهدين، كطاوس و عكرمة و ابن اسحاق، و
على رأسهم ابن عباس رضياللّه عنهم، فقالوا: انه يقع به واحدة لا ثلاث. و دليل ذلك ما رواه مسلم عن ابن
عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم و ابى بكر و سنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة،
فقال عمر: الناس قد استعجلوا فى امر كان لهم فيه اناة فلو امضيناه عليهم فامضاه عليهم». الفقه على المذاهب
الاربعة: 4 / 303، مبحث تعداد الطلاق.
هذا وقد جاءت روايات اهل البيت عليهم السلام ترد بشدة على الطلاق ثلاثا و انه لايقع الا واحدة أو ليس
بشيء و انه مخالف لكتاب اللّه عزّوجلّ.
نعم هو مخالف لكتاب اللّه الناطق بان «الطلاق مرّتان» ؛ البقرة: 229.
ان تعريف الطلاق بالالف و اللام يدل على ان الطلاق المشروع هو المرّتان لا غير، و واضح ان عنوان المرتين لا
يصدق إلاّ مع التفرقة بين الطلاقين.
(96)
امرأته ثلاثا فى مجلس واحد و هى طاهر قال: هى واحدة»(1)، و صحيحة الاسدى و الحلبى و ابن حنظلة جميعا عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «الطلاق ثلاثا فى غير عدة(2) إن كانت على طهر فواحدة و إن لم تكن على طهر فليس بشيء».(3)
الثانية: ما دلَّ على البطلان رأسا، كصحيحة أبيبصيرعن أبى عبداللّه عليهالسلام : «من طلّق ثلاثا فى مجلس فليس بشيء. من خالف كتاب اللّه عزّوجل رُدَّ الى كتاب اللّه عزّوجل»(4) و غيرها.
و قد جمع فى الحدائق بحمل الاُولى على حالة الولاء و الثانية على حالة الارسال مستندا فى ذلك الى ان روايات الطائفة الاُولى قد اشتملت على تعبير «الطلاق ثلاثا»، و هو لا يصدق إلاّ مع تكرار جملة «أنتِ طالق» ثلاثا نظير ما لوقيل: «سبِّح اللّه» عشرا فانه لا يصدق على قول: «سبحان اللّه عشرا».(5)
و فيه: أن التعبير «طلّق ثلاثا فى مجلس واحد» وارد فى كلتا الطائفتين لا خصوص الاُولي.
و لعلّ الأنسب حمل الطائفة الثانية على نفى وقوعه ثلاثا، لأن النفى فى جملة «فليس بشيء» مطلق، فيقيد بالثلاث بقرينة الطائفة الاُولي. و معه تعود الطائفة الاُولى بلا معارض فيتمسّك بإطلاقها لإثبات وقوع طلقة واحدة فى كلتا الحالتين: الارسال و الولاء.
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 311، باب 29 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 2 .
2 ـ يراد من الطلاق فى غير عدة، الطلاق الذى لا يتعقبه رجوع فى العدة.
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 311، باب 29 من ابواب مقدمات الطلاق، حديث 1 .
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 313، باب 29 منابواب مقدمات الطلاق، حديث 8 .
5 ـ الحدائق الناضرة: 25 / 239.
(97)
اللّهم إلاّ أن يقال بعدم صدق عنوان الطلاق ثلاثا فى حالة الإرسال، فينحصر نظر الطائفة الاُولى الى حالة الولاء، و يلزم فى حالة الإرسال الرجوع الى القاعدة و هي تقتضى وقوع طلاق واحد أيضا لوفاء جملة «أنتِ طالق» بذلك، و يكون قيد «ثلاثا» زائدا و لغوا. و عليه فالنتيجة واحدة على كلا التقديرين.
4ـ و أما أن طلاق الصغيرة و اليائس و غير المدخول بها بائن، فباعتبار أنه لا عدّة لها، كما سياتى إن شاءاللّه تعالي.
5ـ و أما أن المطلقة بالطلاق الثالث محرمة على زوجها حتى ينكحها آخر، فهو من ضروريات الفقه بل الدين. و يدلّ عليه قوله تعالي: «الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان... فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدوداللّه»(1) و هى بإطلاقها تشمل حالة العودة بعد كلّ طلقة بالرجوع أو بعقد جديد.
و الروايات فى المسألة كثيرة، كصحيحة أبى بصير عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «المطلقة التطليقة الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره و يذوق عسيلتها»(2) و غيرها.
و هى مطلقة كالآية الكريمة.
6ـ و أما تعميم مفارقة المحلل لما اذا كانت بالموت ـ بالرغم من التقييد فى الآية
الكريمة بالطلاق ـ باعتبار أن المفهوم من الروايات أن المهم فى حصول التحليل
ذوق المحلل لعسيلة المطلَّقة دون تطليقه لها بعنوانه. هذا مضافا الى التصريح
1 ـ البقرة: 229،230.
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 353، باب 3 من ابواب اقسام الطلاق، حديث 10 .
و العَسيلة: لذة الجماع. و هى فى الاصل تصغير العَسَلَة، اى القطعة من العسل. و قد شبهت لذة الجماع بذوق
العسل فاطلق عليها العسيلة. وانما صُغَّرت اشارة الى ان التحليل يحصل بادنى الجماع، و هو غيبوبة الحشفة.
(راجع: مجمع البحرين فى مادة عسل).
(98)
بالتعميم فى موثقة زرارة عن أبيجعفر عليهالسلام : «...فاذا طلقها ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فاذا تزوجها غيره و لميدخل بها و طلقها أو مات عنها لم تحل لزوجها الأول حتى يذوق عسيلتها»(1)، و غيرها.
7ـ و أما أن الطلاق فى الخلع و المباراة بائن ما دام لم ترجع الزوجة فى البذل، فممّا لا خلاف فيه.(2) و تدلّ عليه صحيحة محمدبن مسلم عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «الخلع و المباراة تطليقة بائن و هو خاطب من الخطاب»(3).
و أما التقييد بعدم رجوع الزوجة فى البذل فلأنه مع رجوعها يحق للزوج الرجوع أيضا، و هو ممّا لا خلاف فيه.(4) وتدلّ عليه صحيحة البقباق عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «المختلعة إن رجعت فى شيء من الصلح يقول: لأرجعنَّ فى بضعك»(5).
8ـ و أما أن طلاق الممتنع من الانفاق و الطلاق بائن، فلأن النصوص و إن لم تدلّ على ذلك، بل دلّت على ثبوت الولاية للحاكم فى الطلاق، كما فى صحيحة أبي بصير: «سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يوارى عورتها و يطعم ما يقيم صلبها كان حقا على الامام أن يفرّق بينهما»(6) و غيرها، إلاّ أنه لابدَّ من كونه بائنا و إلاّ يلزم نقض الغرض و عدم الفائدة فى طلاق الحاكم.
9ـ و أما أن الطلاق الرجعى هو ما جاز للزوج الرجوع فيه سواء رجع بالفعل أم لا،
فهو من واضحات الفقه. و يدلّ عليه قوله تعالي: «و المطلقات يتربصن بأنفسهن
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 366، باب 7 من ابواب اقسام الطلاق، حديث 1 .
2 ـ جواهر الكلام: 33 / 62 .
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 417، باب 8 من ابواب العدد، حديث 1 .
4 ـ جواهر الكلام: 33 / 63 .
5 ـ وسائل الشيعة: 15 / 499، باب 7 من الخلع و المباراة، حديث 3 .
6 ـ وسائل الشيعة: 15 / 223، باب 1 من ابواب النفقات، حديث 2 .
(99)
ثلاثة قروء و لا يحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق اللّه فى أرحامهن إن كنَّ يؤمنَّ باللّه و اليوم الآخر و بعولتهن أحقّ بردهنّ فى ذلك»(1).
10ـ و أما تفسير الطلاق العدى بما ذكر، فهو متسالم عليه.(2) و تدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليهالسلام : «... و أما طلاق العدة الذى قال اللّه عزّوجل: «فطلقوهن لعدتهن و أحصوا العدة» فاذا أراد الرجل منكم أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض و تخرج من حيضها، ثم يطلقها تطليقة من غير جماع بشهادة شاهدين عدلين و يراجعها من يومه ذلك إن أحبَّ أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض و يشهد علي رجعتها و يواقعها حتى تحيض، فاذا حاضت و خرجت من حيضها طلّقها تطليقة اُخري من غير جماع يشهد على ذلك، ثم يراجعها أيضا متى شاء قبل أن تحيض و يشهد علي رجعتها و يواقعها و تكون معه الى أن تحيض الحيضة الثالثة، فاذا خرجت من حيضتها الثالثة طلّقها التطليقة الثالثة بغير جماع و يشهد على ذلك، فاذا فعل ذلك فقد بانت منه و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره»(3) و غيرها.
و يستفاد من الصحيحة اضافة بعض القيود الاُخرى للطلاق العدّى أكثر ممّا نقلناه فى تفسير الفقهاء من قبيل أن يكون الرجوع قبل أن تحيض الحيض الاول و لا يكفى تحققه أثناء العدة متى ما فُرض.
11ـ و أما تحقق الحرمة المؤبدة بالطلاق التاسع العدى، فمتسالم عليه.(4) و تدلّ على ذلك رواية زرارة و داود بن سرحان عن أبى عبداللّه عليهالسلام :
«... و الذى يطلق
1 ـ البقرة: 228.
2 ـ جواهر الكلام: 32 / 121، 128 .
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 348، باب 2 من ابواب اقسام الطلاق، حديث 1 .
4 ـ جواهر الكلام: 32 / 122 .
(100)
الطلاق الذى لاتحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات و تزوج ثلاث مرات لا تحل له أبدا»(1) و غيرها.
و ليس فى السند من يتأمل فيه سوى المثنى ـ فانه مشترك بين جماعة لم تثبت وثاقة بعضهم ـ والأمر فيه سهل بعد رواية البزنطى عنه بناءً على تمامية كبرى وثاقة كلّ من روى عنه أحد الثلاثة.(2)
هذا من حيث السند.
و أما الدلالة، فالقدر المتيقن منها هو الطلاق العدّي.
12 ـ و أما الحرمة فى كلّ طلاق ثالث ـ بأى شكل اتفق ـ حتى تنكح زوجا آخر، فلم ينسب الخلاف فيها إلاّ الى عبد اللّه بن بكير الذى هو من الفطحية،(3) و يدلّ على ذلك الكتاب الكريم و الروايات المتقدمة فى الرقم 5.
و المنسوب الى ابن بكير(4) أن المطلقة بالطلاق الثالث لا تحرم على زوجها، بل اذا انتهت عدة الطلاق الثالث جاز لزوجها العقد عليها بلا توقف على نكاح شخص آخر فيما اذا لم يكن الطلاق عدّياً، و أما العدّى فلا خلاف فيه حتى منه.
13ـ و أما الحرمة المؤبدة فى الطلاق التاسع، فالمشهور اشتراطها بما اذا كان الطلاق عدّياً.(5)
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 358، باب 4 من اقسام الطلاق، حديث 4 .
2 ـ لاستيضاح الكبرى المذكورة راجع: كتاب دروس تمهيدية فى القواعد الرجالية: 184 .
3 ـ جواهر الكلام: 30 / 128 .
4 ـ و لربّما يظهر ذلك من الشيخ الصدوق أيضا فى كتاب من لا يحضره الفقيه: 3 / 320.
و قد نقل الرأى المذكور لابن بكير الحرُّ العاملى فى وسائله الباب 3 من ابواب اقسام الطلاق حديث 11 ، 12 ؛
والشهيد فى الروضة: 2 / 131 ؛ وصاحب الجواهر فى جواهره: 32 / 129.
5 ـ جواهر الكلام: 32 / 129 .
(101)
و المناسب عدم الفرق بين العدّى و غيره، ففى كليهما تثبت الحرمة المؤبدة في الطلاق التاسع لإطلاق رواية زرارة و داود بن سرحان المتقدمة فى رقم 11. و لا وجه لتخصيصها بالطلاق العدّى إلاّ اذا تَمَّ اجماع تعبدى على ذلك.
قال فى الجواهر ـ بعد ذكر رواية زرارة و داود و غيرها من الروايات الاُخرى ـ ما نصه: «إلاّ أن الجميع كما ترى لا صراحة فيه فى اشتراط التحريم بالتسع في الطلاق العدّى على الوجه المزبور، بل ظاهره الإطلاق. فالعمدة حينئذٍ الإجماع»(1).
و المناسب تحفظا من مخالفة المشهور و الإجماع المدّعى التنزّل من الفتوي بالتعميم الى الاحتياط.
14ـ و أما الإطلاقات الثلاثة للطلاق السنّى، فالوجه فيها:
أما بالنسبة الى الإطلاق الأول فواضح، لأن كلّ طلاق جمع الشرائط فهو سنّي، بمعنى أنه مشروع.
و أما بالنسبة الى الإطلاق الثاني، فلأن ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة فى رقم 10 اختصاص الطلاق العدّى بما تحقق فيه الرجوع بعد الطلاق والمواقعة، و معه فالطلاق الذييتحقق الرجوع بعده بلا مواقعة هو سنّى بالمعنى المقابل للعدّي.
و أما بالنسبة الى الإطلاق الثالث، فلصحيحة محمدبن مسلم عن أبى جعفر عليهالسلام : «طلاق السنّة يطلقها تطليقة يعنى على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين ثم يدعها حتى تمضى اقراؤها، فاذا مضت اقراؤها فقد بانت منه و هو خاطب من الخطّاب إن شاءت نكحته و إن شاءت فلا...»(2).
1 ـ جواهر الكلام: 32 / 122.
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 344، باب 1 من ابواب اقسام الطلاق، حديث 2 .
(102)
تجب العدّة ـ بمعنى وجوب التربّص على المرأة فترة معينة بترك الزواج فيها أما مع ثبوت الحق لزوجها فى الرجوع اليها أو بدونه ـ علي:
1ـ المطلقة فيما اذا كانت مدخولاً بها و لم تكن صغيرة و لا يائسة و إلاّ فلا عدّة عليها. و مقدارها ثلاثة قروء، أى ثلاثة أطهار.
و يكفى فى الطهر الأول مسمّاه فاذا طلّقت وقد بقيت من طهرها فترة قليلة ثم مرَّ بها طهران تامّان آخران، فبمجرد رؤية دم الحيضة الثالثة تخرج منالعدّة.
هذا فى غير المسترابة. و أما هى ـ بأن كانت لا تحيض و هى فى سنّ من تحيض ـ فعدّتها ثلاثة أشهر.
كما أن هذا كلّه فى غير الحامل. و أما الحامل فتنتهى عدّتها بوضع الحمل.
2ـ والمتوفّى عنها زوجها. و مقدارها أربعة أشهر و عشرة أيام. من دون فرق بين حالات الزوج من كونه كبيرا أو صغيرا. و من دون فرق بين حالات الزوجة من كونها صغيرة أو كبيرة، يائسة أو لا، مدخولاً بها أو لا، دائمة أو متمتعا بها.
هذا فى غير الحامل.
واما الحامل فعدّتها أبعد الأجلين منالمدّة المذكورة و وضع الحمل.
و يلزم على الزوجة اذا كانت كبيرة عاقلة الحِداد خلال عدّة الوفاة و ذلك بترك كل ما يعدُّ زينة بحسب العرف الاجتماعى الذى تعيشه، فيلزم ترك التزيّن بالكحل و الطيب و الخضاب و الحمرة و الملابس التى تعدُّ زينة عرفا و ما شاكل ذلك.
و يجوز مثل تنظيف البدن و تمشيط الشعر و ما شاكل ذلك ممّا لايعدُّ زينة.
3 ـ والموطوءة شبهة. و عدّتها عدة المطلقة.
(103)
4 ـ والمفسوخ عقدها بعدالدخول بفسخ لعيب و نحوه أو بانفساخ لارتداد أو رضاع و نحوهما. و عدّتها كعدة المطلقة.
أجل، اذا ارتدَّ الزوج عن فطرة، انفسخ العقد و كانت العدة عدّة الوفاة.
5 ـ و المتمتع بها. و عدّتها حيضتان كاملتان بعد انتهاء الأجل أو هبة المقدار المتبقي.
هذا اذا لم تكن حاملاً.
و أما الحامل، فعدّتها إن لم تكن منالوفاة تنتهى بوضع الحمل، و إن كانت منها فأبعد الأجلين من ذلك و من أربعة اشهر و عشرة أيام.
و المستند فيذلك:
1ـ أما وجوب العدّة فى الجملة، فهو من واضحات الفقه، بل من ضروريات الدين. و يدلّ عليه الكتاب الكريم فى جملة من المواضع، كقوله تعالي: «والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء و لا يحل لهنَّ أن يكتمن ما خلق اللّه فى أرحامهنّ ان كنَّ يؤمنَّ باللّه واليوم الآخر و بعولتهن أحقّ بردهنّ فى ذلك»(1)، «واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدّتهن ثلاثة أشهر و اللائى لم يحضن و اُولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ»(2)، «والذين يتوفّون منكم و يذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا»(3)، «... ثم طلّقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها»(4).
1 ـ البقرة: 228.
2 ـ البقرة: 234 .
3 ـ الطلاق: 4.
4 ـ الاحزاب: 49.
(104)
و أما الروايات، فهى فوق حدَّ الاحصاء. و سيوافيك بعضها فيما يلى من أبحاث إن شاءاللّه تعالي.
2ـ و أما تفسير العدة بما تقدم، فهو من واضحات الفقه. و تدلّ عليه الآيات الكريمة السابقة.
3ـ و أما وجوب العدّة على المطلقة فى غير ما استثنى، فلما تقدم.
و أما عدم وجوب العدّة على غير المدخول بها، فهو ممّا لا كلام فيه. و يدلّ عليه قوله تعالي: «ثم طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها»(1)، و الروايات الشريفة، كصحيحة أبى بصير عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «اذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها تطليقة واحدة، فقد بانت منه و تُزوّج من ساعتها إن شاءت »(2) و غيرها.
4ـ و أما الصغيرة واليائسة، فالمشهور بين الأصحاب عدم ثبوت العدة عليهما(3) للكتاب الكريم و الروايات الشريفة.
أما الكتاب الكريم، فيدلّ على ذلك قوله تعالي: «واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدّتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن ...»(4)، فإن المقصود أن اللائى أشرفن على سنِّ اليأس إن ارتبتم فى تحقق اليأس لهنّ واقعا و عدمه فعدّتهن... و لازم ذلك انه مع عدم الارتياب ـ بان كان يجزم باليأس، فلا عدّة عليهن لا بالأقراء و لا بالأشهر.
1 ـ الاحزاب: 49.
2 ـ وسائل الشيعه: 15 / 404، باب 1 من ابواب العدد: حديث 3 .
3 ـ جواهر الكلام: 32 / 233 .
4 ـ الطلاق: 4.
(105)
والتعبير عنهنّ بـ «اللائى يئسن من المحيض» وجيه بعد افتراض أنهنّ أشرفن على سنّ اليأس واحتمل ذلك فى حقهنّ.
و أما قوله: «و اللائى لم يحضن» فليس منالبعيد أن يكون المراد منه: واللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر. والارتياب لا يتصور فى حق التى لم تحض إلاّ اذا فرض أنها فى سنّ من تحيض و لم تحض، و لازم ذلك أن التى لم تحض و لا ارتياب فى حقها، فلا عدة عليها لا بالأقراء و لا بالأشهر.
و أما الروايات فهى على طائفتين.
أ ـ ما دلَّ على عدم ثبوت العدّة على اليائس و الصغيرة، كصحيحة حماد بن عثمان عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «سألته عن التى قد يئست منالمحيض و التى لا يحيض مثلها قال: ليس عليها عدّة»(1) و غيرها.
ب ـ ما دلَّ على ثبوت العدّة عليهما و أنها ثلاثه أشهر، كصحيحة الحلبى عن أبي عبد اللّه عليهالسلام : «عدّة المرأة التى لا تحيض و المستحاضة التى لا تطهر والجارية التي قد يئست و لم تدرك الحيض ثلاثة أشهر...»(2).
و قد يجمع بحمل الثانية على الاستحباب بقرينة الاُولي. فإن تَمّ ذلك و كان جمعا عرفيا فبها، وإلاّ يلزم ترجيح الاُولى لموافقة الثانية للتقية.(3)
و مع التنزّل يلزم التعارض والتساقط، و من ثَمَّ لا يبقى دليل على لزوم العدّة
على اليائسة و الصغيرة و يكون المرجع هو البراءة. و على جميع التقادير الثلاثة
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 404، باب 1 من ابواب العدد، حديث 3.
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 408، باب 2 من ابواب العدد، حديث 8 .
3 ـ نقل الجزيرى فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة: 4 / 482 : ان الحنفية قالوا بثبوت العدّة على الصغيرة.
و هكذا المالكية و الشافعية، قالوا بثبوت العدّة عليها لو كانت تطيق الوطء.
(106)
5 ـ و أما أن العدّة ثلاثة قروء، فلصريح الآية الكريمة: «والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء...».(1)
و أما أن القرء هو بمعنى الطهر دون الحيض، فالروايات فيه متعارضة، فهناك مجموعة دلّت على أنه بمعنى الطهر و مجموعة اُخرى على أنه بمعنى الحيض.
مثال الاُولي: صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليهالسلام : «الأقراء هى الأطهار»(2) و فى صحيحته الاُخري: «قلت لأبى عبداللّه: سمعت ربيعة الرأى يقول: من رأيى أن الأقراء التى سمّى اللّه عزّوجلّ فى القرآن إنما هو الطهر فيما بين الحيضتين، فقال: كذب، لم يقل برأيه و لكنه إنما بلغه عن على عليهالسلام ، فقلت: كان على عليهالسلام يقول ذلك؟ فقال: نعم، انما القرء الطهر الذى يقرؤ فيه الدم، فيجمعه فاذا جاء المحيض دفعه»(3) و غيرهما.
و مثال الثانية: صحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «عدّة التى تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة قروء، و هى ثلاث حيض»(4).
والتعارض بين الطائفتين مستقر.
و يمكن ترجيح الاُولى إما لأنها مخالفة للتقية ـ حسب دعوى الشيخ الطوسي(5) ـ أو لموافقتها للكتاب الكريم إما ببيان أن القرء عبارة عن الجمع، و جمع الدم و
1 ـ البقرة: 228.
2 ـ وسائل الشعية: 15 / 424، باب 4 من ابواب العدد، حديث 3 .
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 224، باب 14 من ابواب العدد، حديث 4 .
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 425، باب 14 من ابواب العدد، حديث 7 .
5 ـ نقل ذلك الحر العاملى فى وسائله فى ذيل حديث 7 من الباب 14 من ابواب العدد، 15 / 225.
(107)
حبسه يتحقق فى حالة الطهر ـ كما تشير الى ذلك صحيحة زرارة المتقدمة ـ فيكون القرء متحققا حالة الطهر، أو ببيان أن ظاهر الآية الكريمة أن مدّة التربّص التى هي ثلاثة قروء تبتدأ من حين الطلاق، و ذلك لا يتم إلاّ بتفسير القرء بالطهر.
6ـ و أما انه يكفى فى الطهر الأول مسمّاه، و من ثَمّ يكفى فى انتهاء العدّة مجرّد رؤية الحيضة الثالثة، فتدلّ عليه الروايات الكثيرة، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام : «قلت له: أصلحك اللّه، رجل طلّق امرأته على طهر من غير جماع بشهادة عدلين؟ فقال: اذا دخلت فى الحيضة الثالثة، فقد انقضت عدّتها و حلّت للأزواج. قلت له: أصلحك اللّه، إن أهل العراق يروون عن على عليهالسلام أنه قال: هو أحقّ برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة؟ فقال: فقد كذبوا»(1) و غيرها، فإن مقتضى إطلاق قوله عليهالسلام : «اذا دخلت فى الحيضة الثالثة، فقد انقضت عدّتها» انه برؤية الدم الثالث تنتهى العدّة سواء كان الطلاق قد وقع فى بداية الطهر الاُول أو قبيل نهايته.
و بناءً على هذا، فأقل زمان يمكن تحقق العدّة فيه ستة و عشرون يوما و لحظتان، بأن يفترض أن طهرها الأول لحظة، ثم تحيض ثلاثة أيام، ثم ترى أقل الطهر عشرة أيام، ثم تحيض ثلاثه أيام، ثم ترى أقل الطهر عشرة أيام، ثم تحيض. و بمجرد رؤية هذا الدم الأخير لحظة من أوله تنقضى العدّة. و طبيعى أن هذه اللحظة الأخيرة خارجة عن العدّة و دورها دور الكاشف عن تمامية الطهر الثالث.
7 ـ و أما أن عدة المسترابة ثلاثة أشهر، فيدلّ عليه قوله تعالي: «واللائى يئسن
من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدّتهن ثلاثة أشهر و اللائى لم يحضن ...»(2)،فإن
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 426، باب 15 من ابواب العدد، حديث 1 .
2 ـ الطلاق: 4.
(108)
فقرة «واللائى لم يحضن» تدلّ على المطلوب، أى واللائى لم يحضن إن ارتبتم فعدّتهن ثلاثة أشهر. والارتياب فى التى لا تحيض لا يتصور إلاّ فى المسترابة كما تقدم.
والأخبار فى المسألة كثيرة، كصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «عدّة المرأة التى لا تحيض و المستحاضة التى لا تطهر ثلاثة أشهر...»(1) و غيرها.
8ـ و أما أن عدة الحامل تنتهى بوضع الحمل، فهو المشهور.(2) و يدلّ عليه قوله تعالي: «و اُولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ»(3) و الروايات الشريفة، كصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليهالسلام : «طلاق الحامل واحدة فإذا وضعت ما فى بطنها فقد بانت منه»(4) و غيرها.
و فى مقابل ذلك قول الشيخ الصدوق و آخرين بأن عدّتها أقرب الأجلين من الوضع والأقراء أو ثلاثة أشهر، تمسّكا بصحيحة أبى الصباح عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «طلاق الحامل واحدة و عدّتها أقرب الأجلين»(5)، و صحيحة الحلبى عن أبيعبداللّه عليهالسلام : «طلاق الحبلى واحدة و أجلها أن تضع حملها و هو أقرب الأجلين»(6) و غيرهما(7).
و لا يخفى أن الواو فى فقرة: «و هو أقرب الأجلين» حالية لا استئنافية، إذ قد
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 412، باب 4 من ابواب العدد، حديث 7 .
2 ـ جواهر الكلام: 32 / 252 .
3 ـ الطلاق: 4.
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 418، باب 9 من ابواب العدد، حديث 1 .
5 ـ وسائل الشيعة: 15 / 418، باب 9 من ابواب العدد، حديث 3 .
6 ـ وسائل الشيعة: 15 / 419، باب 9 من ابواب العدد، حديث 6 .
7 ـ جواهر الكلام: 32 / 252.
(109)
يكون الوضع أقرب الأجلين و قد لا يكون.
هذا قول الشيخ الصدوق.
و لا تبعد وجاهته، لأن الآية الكريمة و الطائفة الاُولى من الروايات مطلقة من حيث كون الوضع أقرب الأجلين أو لا، فتقيد بالطائفة الثانية الدالّة على أن الوضع تنتهى به العدّة فيما اذا كان أقرب الأجلين.
و لأجل هذا، مال صاحب الجواهر الى القول المذكور(1).
9 ـ و أما أن عدة المتوفى زوجها أربعة أشهر و عشرة أيام، فهو من ضروريات الفقه بل الدين . و يدلّ على ذلك قوله تعالي: «والذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشراً»(2)
و أما ما تضمنه قوله تعالي: «و الذين يتوفّون منكم و يذرون أزواجا وصيّةً لأزواجهم متاعا الى الحول» فهو تشريع قبل نزول آية العدّة و منسوخ بها.
و الروايات فى المسألة كثيرة،كصحيحة أبى بصير عن أبى عبد اللّه عليهالسلام : «إن رسول اللّه صلياللهعليهوآلهوسلم قال للنساء:اُفٍ لكنّ قد كنتنّ قبل أن اُبعث فيكنّ و أن المرأة منكنّ اذا توفّى عنها زوجها أخذت بعرة، فرمت بها خلف ظهرها، ثم قالت: «لا امتشط و لا اكتحل و لا اختضب حولاً كاملاً و انما امرتكنّ باربعة اشهر و عشرا ثم لا تصبرنّ»(3) و غيرها.
10ـ و أما التعميم بلحاظ جميع الحالات المتقدمة، فلإطلاق ما تقدّم من الآية الكريمة و الروايات الشريفة.
1 ـ جواهر الكلام: 32 / 253.
2 ـ البقرة: 234.
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 415، باب 30 من ابواب العدد، حديث 1 .
(110)
أجل، دلّت رواية محمد بن عمر الساباطي: «سألت الرضا عليهالسلام عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، قال: لا عدّة عليها. و سألته عن المتوفّى عنها زوجها من قبل أن يدخل بها، قال: لاعدّة عليها، هما سواء»(1) على اشتراط الدخول فى ثبوت عدّة الوفاة، لكنها مضافا الى ضعف سندهما بالساباطى نفسه ساقطة عن الحجية لهجران الأصحاب لمضمونها.
11ـ و أما أن عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها أبعد الأجلين، فهو ممّا لا خلاف فيه.(2) و قد يستدلّ له بأنه مقتضى الجمع بين قوله تعالي: «و الذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا يتربّصن بانفسهنّ أربعة أشهر و عشرا»(3)، و قوله تعالي: «و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهنّ»(4) بتقريب أن الحامل مشمولة لكلتا الآيتين الكريمتين، و امتثال الآمر فيهما لا يحصل إلاّ بالاعتداد بأبعد الأجلين.
و فيه: أن آية الأحمال ناظرة الى خصوص المطلقة، فلاحظ.
و الأنسب الاستدلال لذلك بالروايات الخاصة، كصحيحة الحلبى عن أبي عبداللّه عليهالسلام : «الحامل المتوفّى عنها زوجها تنقضى عدّتها آخر الأجلين»(5) و غيرها.
12ـ و أما الحِداد(6) فلا خلاف بين المسلمين فى وجوبه.(7) و قد دلت عليه صحيحة ابن أبى يعفور عن ابى عبد اللّه عليهالسلام :
«سألته عن المتوفّى عنها زوجها، قال:
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 462، باب 35 من ابواب العدد، حديث 4 .
2 ـ جواهر الكلام: 32 / 275 .
3 ـ البقرة: 234.
4 ـ الطلاق: 64.
5 ـ وسائل الشيعة: 15 / 455، باب 31 من ابواب العدد، حديث 1 .
6 ـ الحداد من الحدّ بمعنى المنع، فان الزوجة حيث تمنع نفسها من التزيّن فهى حادة.
7 ـ جواهر الكلام: 32 / 276 .
(111)
لا تكتحل للزينة و لا تطيب و لا تلبس ثوباً مصبوغا...»(1) و غيرها.
و قد فهم منها الأصحاب حرمة كل ما يعدّ زينة. قال فى الحدائق: «و المفهوم من هذه الأخبار أن الحداد هو ترك كل ما يعدّ زينة فى البدن أو اللباس و إن اختلف ذلك باختلاف العادات فى البلدان، فيحكم على كلّ بلد بما هو المعتاد فيها»(2).
أجل، قيّد بعض الأصحاب ـ و منهم السيّد اليزدى ـ التزيّن المنهى عنه بما يعدّ زينة للزوج(3).
و لعلّه استند فى ذلك الى موثقة عمار الساباطى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «سألته عن المرأة يموت عنها زوجها هل يحلّ لها أنتخرج من منزلها فى عدّتها؟ قال: نعم وتختضب و تكتحل و تمتشط و تصبغ و تلبس المصبغ و تصنع ما شاءت بغير زينة لزوج»(4).
إلاّ أن الموثقة قد ترمى بهجران الأصحاب لها لاشتمالها على جواز صنع ما شاءت بشرط أن لا يكون معدودا من مصاديق الزينة للزوج،و هو ممّا لا يقول به الأصحاب.
13ـ و أما جواز ما لايعدّ زينة، فلأصل البراءة بعد قصور المقتضى للتحريم. هذا لو لم يستفد من أخبار الحداد نفسها جواز ذلك و إلاّ كانت هى الدليل لعدم وصول النوبة الى الأصل العملى بعد فرض وجود الدليل الاجتهادي.
14ـ و أما تقييد وجوب الحداد بما اذا كانت الزوجة كبيرة عاقلة، فلأن غيرها
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 450، باب 29 من ابواب العدد، حديث 2 .
2 ـ الحدائق الناضرة: 25 / 470.
3 ـ ملحقات العروة الوثقي: 2 / 63 .
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 451، باب 29 من ابواب العدد، حديث 7 .
(112)
لاتكليف عليها،و وجوب الحداد تكليفي.
15ـ و أما ثبوت العدة فى وطيء الشبهة، فقد نفى السيد اليزدى الإشكال و الخلاف عنه(1). و تدلّ على ذلك صحيحة حفص بن البخترى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «اذا التقى الختانان وجب المهر و العدة و الغسل»(2) و غيرها، فإنها بإطلاقها تشمل وطء الشبهة. و الزنا خرج بالمخصص.
و لكن كيف نثبت أن العدّة هى بمقدار عدّة المطلقة؟ ذلك بالبيانات التالية:
أ ـ ان السكوت عن مقدار العدّة مع كونه عليهالسلام فى مقام البيان يدلّ على أن عدتها كعدة المطلقة ـ اذ هى العدة المعروفة للمرأة التى لم يمت زوجها ـ و لو كانت غيرها لبيّن عليهالسلام ذلك.
ب ـ التمسّك بصحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «عدّة المرأة التى لا تحيض و المستحاضة التى لا تطهر ثلاثة أشهر. و عدة التى تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة قروء...»(3)، فإنها تدلّ على أن عدّة المرأة بشكل عام فيما اذا كانت مستقيمة الحيض هى ثلاثة قروء فتشمل محل كلامنا، و الخروج عن ذلك هو الذى يحتاج الى دليل.
ج ـ التمسّك بصحيحة الحلبى الاُخرى عن أبى عبداللّه عليهالسلام :
«سألته عن المرأة
الحبلى يموت زوجها فتضع و تزوج قبل أن تمضى لها اربعة أشهر و عشرا، فقال: إن
كان دخل بها فرّق بينهما و لم تحل له أبدا و اعتدّت ما بقى عليها من الأول و استقبلت
1 ـ ملحقات العروة الوثقي: 2 / 58.
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 65، باب 54 من ابواب المهور، حديث 4 .
3 ـ وسائل الشيعة: 15 / 412، باب 4 من ابواب العدد، حديث 7 .
(113)
عدّة اُخرى من الآخر ثلاثة قروء...»(1)، فإنّ وطيء الشبهة هو القدر المتيقّن منهاو قد دلّت على أن العدّة له ثلاثة قروء.
16ـ و أما وجوب العدة على المفسوخ عقدها بعد الدخول بفسخ أو انفساخ، فلا اشكال فيه. و تدلّ عليه صحيحة ابن البخترى المتقدّمة.
و أما أن مقدارها كعدّة المطلقة، فللصحيحة الاُولى المتقدمة للحلبى و غيرها.
و أما أن عدة المرتد زوجها عن فطرة هى عدّة الوفاة، فلموثقة الساباطي: «سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول: كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الاسلام و جحد محمدا صلياللهعليهوآلهوسلم نبوته و كذَّبه فإن دمه مباح لمن سمع ذلك منه،و امرأته بائنة منه يوم ارتدّ، و يقسّم ماله على ورثته، و تعتدّ امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها،و على الامام أن يقتله و لا يستتيبه».(2)
17ـ و أما أن عدّة المتمتع بها حيضتان كاملتان بعد انتهاء الأجل أو هبة المقدار المتبقى من الاجل، فقد تقدم بيانه فى مبحث النكاح المؤقت من كتاب النكاح.
18 ـ و أما أن عدّتها من الوفاة اذا كانت حاملاً أبعد الأجلين فهو، ممّا لا خلاف فيه على ما فى الجواهر(3). و تدلّ على ذلك الروايات الخاصة المتقدمة فى رقم 11، فإنها بإطلاقها تشمل المتمتع بها.
و أما أن عدتها فى غير الوفاة اذا كانت حاملاً وضع الحمل، فلقوله تعالي: «و
اُولات الأحمال أجهلنّ أن يضعن حملهنّ»(4)، فإنه و إن كان ناظرا الى المطلقات دون
1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 346، باب 17 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 6 .
2 ـ وسائل الشيعة: 18 / 545، باب 1 من ابواب حد المرتد، حديث 3 .
3 ـ جواهر الكلام: 30 / 200 .
4 ـ الطلاق: 4.
(114)
عقد التمتع الذى ليس فيه طلاق، إلاّ أنه حيث لا يحتمل أن يكون حال المتمتع بها أشد من حال المطلقة فى العقد الدائم، فيعمها ذلك.
الخلع ـ بضمّ الخاء ـ و هو طلاق بفدية من الزوجة الكارهة لزوجها مشروع.
و تشترط فيه ـ مضافا الى الشروط المتقدمة فى الطلاق ـ كراهة الزوجة لزوجها،و عدم كراهة الزوج لزوجته، و بذل الزوجة للفدية عن طيب نفس.
و الصيغة الخاصة للخلع: «خلعتك على كذا» أو «أنتِ أو هى مختلعة على كذا»، أو «أنتِ أو هى أو فلانة طالق على كذا».
و الجمع باتباع الخلع بالطلاق ـ بأن يقول الزوج أو وكيله: «خلعتك على كذا فأنتِ طالق» أولي.
و يعتبر ـ لدى المشهور ـ عدم الفصل بين انشاء البذل و الطلاق بما يخل بالموالاة العرفية.
و يجوز فى الفدية أن تكون بمقدار المهر أو أقل أو أكثر.
و الطلاق فى الخلع بائن ما دام لم ترجع الزوجة عن البذل فى العدّة.
و المباراة(1) تساوى الخلع فى الأحكام المتقدمة و تفارقه في:
أ ـ اعتبار الكراهة من كلا الطرفين فيها بخلافه فى الخلع، فإن الكراهة معتبرة من الزوجة فقط.
ب ـ أن لا يكون الفداء أكثر من مقدار المهر فيها.
1 ـ المبارأة ـ بالهمز و قد تخفف الفا ـ هى المصالحة. يقال: بارأه، بمعنى صالحه. و المرأة بارأها، بمعني صالحها على الفراق؛ القاموس: 1 / 8.
(115)
ج ـ أنها تقع بلفظ الطلاق ـ بأن يقول الزوج: «أنتِ طالق على كذا» أو يقول: «بارأتك علي كذا فأنتِ طالق» ـ و لا يكفى الانشاء بلفظ المباراة وحده.
و المستند فى ذلك:
1ـ أما أن الخلع يتميز عن الطلاق بأمرين ـ: الفدية من الزوجة و كراهتها ـ فهو من واضحات الفقه. و تدلّ عليه مضافا الى ذلك نصوص المشروعية الآتية.
2ـ و أما أنه مشروع، فهو ممّا لا إشكال فيه. و يدلّ عليه قوله تعالي: «و لا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً إلاّ أن يخافا أن لا يقيما حدود اللّه فإن خفتم أن لا يقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به»(1)، و صحيحة الحلبى عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «لايحلّ خلعها حتى تقول لزوجها: «واللّه لا أبرُّ لك قسما و لا أطيع لك أمرا و لا أغتسل لك من جنابة و لاُوطئن فراشك و لآذنن عليك بغير إذنك» و قد كان الناس يرخصون فيما دون هذا، فاذا قالت المرأة ذلك لزوجها حلَّ له ما أخذ منها، فكانت عنده على تطليقتين باقيتين و كان الخلع تطليقة...»(2) و غيرها.
و عليه فالمشروعية لا تأمل فيها، بل عن جماعة ـ منهم شيخ الطائفة ـ اختيار وجوبه عند تمرد الزوجة عن القيام بحقوق الزوجية بحجة أن النهى عن المنكر واجب و هو لا يتم إلاّ بالخلع(3).
و التأمّل فى ذلك واضح باعتبار عدم تمامية المقدمة الثانية. و من هنا حمل في الحدائق الوجوبَ فى كلام الشيخ على الثبوت(4).
1 ـ البقرة: 229.
2 ـ الكافي: 6 / 139، باب الخلع، حديث 1.
3 ـ جواهر الكلام: 33 / 3.
4 ـ الحدائق الناضرة: 25 / 555.
(116)
3ـ و أما أن الخلع طلاق و ليس فسخا، فهو المشهور خلافا لشيخ الطائفة حيث اختار كونه فسخا، لانه لا ينشأ بلفظ الطلاق بل و لاينوى به ذلك.(1)
و الثمرة تظهر فى عدّه من جملة الطلقات الثلاث و عدمه.
و المناسب كونه طلاقا لتصريح الروايات بذلك،كصحيحة الحلبى السابقة و غيرها.
و زاد فى الجواهر ما نصّه: «بل لو قلنا: إنه فسخ أمكن دعوى اجراء حكم الطلاق عليه للنصوص المزبورة»(2).
4ـ و أما اعتبار اجتماع شرائط صحة الطلاق فى الخلع ـ من حضور شاهدين و كون الزوجة طاهرة بطهر لم تواقع فيه و...، فباعتبار أنه لمّا كان فردا من الطلاق فتثبت له أحكامه.
هذا مضافا الى أن بعض الشرائط الخاصة للطلاق قد دلّت الروايات الخاصة على ثبوتها للخلع، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا عبداللّه عليهالسلام هل يكون خلع أو مباراة إلاّ بطهر؟ فقال: لا يكون إلاّ بطهر»(3)و غيرها.
5 ـ و أما اعتبار كراهة الزوجة لزوجها فى تحقق الخلع، فهو من المسلّمات، بل يمكن اعتبار كون الكراهة قد وصلت حدّا يؤدى الى ترك الحقوق الثابتة للزوج على زوجته لقوله تعالي: «إلاّ أن يخافا أن لا يقيما حدود اللّه فإن خفتم ان لا يقيما حدود اللّه ـ ...»(4) و صحيحة الحلبى السابقة و غيرها.
1 ـ جواهر الكلام: 33 / 9 .
2 ـ جواهر الكلام: 33 / 10.
3 ـ وسائل الشيعة:15 / 496، باب 6 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 1 .
4 ـ البقرة: 229.
(117)
هذا و قد وقع الكلام بين الأعلام فى أن التلفظ بالكلمات المذكورة فى صحيحة الحلبى هل هو شرط فى صحة الخلع أو يكفى تحقق الكراهة الى المستوى المذكور و لو من دون تلفظ بذلك؟
المناسب لو خلينا و ظاهر الصحيحة المتقدمة و ما شاكلها اعتبار التلفظ بالكلمات السابقة إلاّ أن قوله تعالي: «إلاّ أن يخافا ان لا يقيما حدود اللّه» يدلّ علي أن المدار على وصول الكراهة الى حدّ يخاف من ترك الحدود الإلهية من دون مدخلية للتلفظ بما ذكر.
و يؤكد ما ذكرناه السيرة الجارية على اجراء الخلع بدون فحص عن صدور الكلمات المذكورة.
6ـ و أما اعتبار عدم كراهة الزوج لزوجته فلأنّه مع كراهته أيضا يكون المورد من مصاديق المباراة دون الخلع.
7ـ و أما اعتبار بذل الزوجة للفداء، فلتقوّم حقيقة الخلع بذلك و من دونه لا يكون خلعا بل طلاقا بشكله المتعارف.
8ـ و أما اعتبار أن يكون بذل الفداء عن طيب نفس الزوجة، فلقوله تعالي: «و لا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ...»(1). بل بقطع النظر عن ذلك لا مسوغ لإكراهها على بذل ذلك فانه مصداق للظلم المحرّم. إضافة الى دلالة حديث رفع عن اُمتى ما استكرهوا عليه(2) على عدم ترتب الأثر على ذلك.
9ـ و أما أن الصيغة الخاصة: «خلعتك» أو «أنتِ أو هى مختلعة على كذا»، فلأنه
1 ـ النساء: 19.
2 ـ وسائل الشيعة: 11 / 295، باب 56 من ابواب جهاد النفس، حديث 1 .
(118)
بعد ما لم ترد صيغة خاصة فى النصوص لانشاء الخلع فيلزم الحكم بالاكتفاء بكلّ صيغة دالّة عى انشاء الخلع ـ و من ذلك ما تقدم ـ تمسكا بالإطلاق اللفظى ان امكن تحصيله و إلاّ فبالإطلاق المقامي.
10ـ و أما الاكتفاء بصيغة «هى أو أنتِ أو فلانة طالق على عوض كذا»، فباعتبار أن الخلع لما كان مصداقا من مصاديق الطلاق فيلزم الاكتفاء فيه بصيغة الطلاق، غايته يلزم إضافة العوض، لأن ذلك هو المائز بين الخلع و الطلاق المتعارف.
11ـ و أما الجمع باتباع الخلع بالطلاق، فقد اختار اعتباره الشيخ قدسسره و جماعة(1). و قد يستدلّ له برواية موسى بن بكر عن العبد الصالح: «قال على عليهالسلام : المختلعة يتبعها الطلاق مادامت فى العدّة»(2).
و فيه: أنها لو تمّت سندا و لم يناقش من ناحية موسى بن بكر هى ضعيفة دلالة لإجمال المقصود منها.
ولا إشكال فى أن الاتباع أحوط خروجاً من خلاف الشيخ و امتثالاً للمضمون المحتمل للرواية.
12ـ و أما اعتبار عدم الفصل بين انشاء الفدية و الطلاق، فهو المشهور.(3) و استدلّ له فى الجواهر:
تارة بأن الخلع معاوضة بين بذل الفداء و انشاء الطلاق فهو على هذا كسائر
المعاوضات لقول أمير المؤمنين عليهالسلام :
«لكلّ مطلقة متعة إلاّ المختلعة فإنها اشترت
1 ـ جواهر الكلام: 33 / 6.
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 490، باب 3 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 1 .
3 ـ جواهر الكلام: 33 / 13 ـ 14 .
(119)
نفسها»(1)، و موثقة البقباق عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «المختلعة إن رجعت فى شيء من الصلح يقول: لأرجعنّ فى بضعك»(2).
و اُخرى بأن القدر المتيقن من نصوص الباب حالة التحفظ على الموالاة،و الأصل عدم الصحة فيما سوى ذلك(3).
13ـ و أما أنه يجوز فى الفدية أن تكون بقدر المهر أو اكثر أو أقلّ، فلعدم الدليل على اشتراط حدٍّ معيّن، بل و للدليل على العدم، كصحيحة زرارة عن أبى جعفر عليهالسلام : «المباراة يؤخذ منها دون الصداق،و المختلعة يؤخذ منها ما شئت أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر...»(4) و غيرها.
14ـ و أما أن الخلع طلاق بائن فممّا لا خلاف فيه(5) لصحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «الخلع و المباراة تطليقة بائن و هو خاطب من الخطّاب»(6).
و أما أنه يجوز للزوج الرجوع عند رجوعها عن البذل، فلصحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد اللّه عليهالسلام : «و لا رجعة للزوج على المختلعة و لا على المباراة إلاّ أن يبدو للمرأة فيردّ عليها ما أخذ منها»(7) و موثقة البقباق المتقدمة فى الرقم 12.
15ـ و أما أن المباراة كالخلع فى جميع الأحكام إلاّ فى الأحكام الثلاثة، فهو
1 ـ وسائل الشيعة: 15 / 503، باب 11 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 3 .
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 499، باب 7 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 3 .
3 ـ جواهر الكلام: 33 / 14.
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 493، باب 4 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 1 .
5 ـ جواهر الكلام: 33 / 10 .
6 ـ وسائل الشيعة: 15 / 495، باب 5 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 2 .
7 ـ وسائل الشيعة: 15 / 499، باب 7 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 4 .
(120)
المعروف بين الأصحاب.(1) و قد يستفاد من رواية زرارة: «سألت أبا جعفر عليهالسلام : عن عدة المختلعة كم هي؟ قال: عدة المطلقة. و لتعتد فى بيتها. و المبارئة بمنزلة المختلعة»(2).
16ـ و أما أنه يعتبر فى المباراة الكراهة من كلا الطرفين، فهو على ما فى الحدائق أمر مقطوع به فى كلام الأصحاب(3). و يمكن استفادته من موثقة سماعة: «سألته عن المباراة كيف هي؟ فقال: يكون للمرأة شيء على زوجها من مهر أو من غيره و يكون قد أعطاها بعضه فيكره كلّ واحد منهما صاحبه، فتقول المرأة لزوجها: «ما اخذت منك فهو لي، و ما بقى عليك فهو لك و بارئك»، فيقول الرجل لها: «فإن أنتِ رجعتِ فى شيء ممّا تركتِ، فأنا أحق ببضعك»(4).
و لا يضر اضمارها بطريق الكلينى بعد ما كانت مسندة فى طريق الشيخ.
17ـ و أما أنه يعتبر فى المباراة أن لا تكون الفدية أكثر من المهر، فهو ممّا لا خلاف فيه،و إنما الخلاف فى اعتبار أن لا تكون مساوية له أيضا بل أقل.
ظاهر صحيحة أبى بصير عن أبى عبداللّه عليهالسلام : «المباراة تقول المرأة لزوجها: «لك ما عليك و اتركني» أو تجعل لها من قبلها شيئاً فيتركها إلاّ أنه يقول: «فإن ارتجعت فى شيء فأنا أملك ببضعك». و لا يحل لزوجها أن يأخذ منها إلاّ المهر فما دونه»(5) بل صريحها جواز كونها مساوية.
1 ـ جواهر الكلام: 33 / 94 .
2 ـ وسائل الشيعة: 15 / 503، باب 10 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 4 .
3 ـ الحدائق الناضرة: 5 / 623.
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 500، باب 8 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 3 .
5 ـ وسائل الشيعة: 15 / 623، باب 8 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 4 .
(121)
إلاّ أنه قد يقال بكونها معارضة بصحيحة زرارة المتقدمة فى رقم 13 الدالة علي اعتبار كونها أقل من مقدار المهر.
و يمكن الجمع بينهما بحمل الوارد فى صحيحة زرارة «دون الصداق» علي اعتبار أن لا تكون أزيد من مقدار المهر،فان صحيحة أبى بصير صريحة فى جواز كونها بمقداره بينما صحيحة زرارة ظاهرة فى اعتبار كونها أقل منه فيؤوّل الظاهر بقرينة الصريح طبقا للقاعدة العرفية: كلّما اجتمع دليلان متنافيان أحدهما صريح و الآخر ظاهر اُوِّل الظاهر بقرينة الصريح.
و اذا تمَّ هذا فلا مشكلة و إلاّ كان التعارض مستقرا و يلزم ترجيح صحيحة أبي بصير لموافقة مضمونها لقوله تعالي: «فلا جناح عليهما فيما افتدت به»(1).
و عليه فالنتيجة واحدة على كلا التقديرين.
18ـ و أما أنه لا تصح المبارة بلفظ «بارأتك على كذا» من دون اتباع بالطلاق فقد ادّعى المحقق اتفاق الاصحاب عليه(2). و لولا ذلك كان المناسب الحكم بعدم الحاجة الى الاتباع بذلك لصحيحة حمران: «سمعت أبا جعفر عليهالسلام يتحدّث، قال: المباراة(3) تبيّن من ساعتها من غير طلاق و لا ميراث بينهما...»(4) و غيرها.
و المناسب تحفظا من مخالفة الاتفاق المحتمل التنزّل عن الفتوى بعدم اعتبار الاتباع بالطلاق الى الاحتياط باعتباره.
1 ـ البقرة: 229.
2 ـ شرائع الاسلام: 3 / 623 .
3 ـ فى تهذيب الاحكام: 8/ 102: المبارءة... .
4 ـ وسائل الشيعة: 15 / 501، باب 9 من كتاب الخلع و المباراة، حديث 3 .
(122)