الرضاع

اذا أرضعت امرأة ولد غيرها ـ ضمن الشروط الآتية ـ ترتبت على ذلك حرمة النكاح في الجملة و بالشكل التالي:

1ـ صيرورة المرضعة اُماً للرضيع، و صاحب اللبن أباً له، و أخوتهما أخوالاً و أعماماً له، و أخواتهما عمات و خالات له، و أولادهما أخوة له. وهكذا تصير المرضعة جدة لأبناء الرضيع و صاحب اللبن جداً لأبناء الرضيع.

والضابط الكلّي: أن كلّ عنوان نسبى من العناوين السبعة المتقدمة اذا حصل مثله في الرضاع يكون موجباً للتحريم كالحاصل بالولادة، و أما اذا لم يحصل بسببه أحد تلك العناوين فلا يكون موجباً لانتشار التحريم ـ إلاّ فى الاستثناء الآتيـ و إن حصل بسببه عنوان خاص لو كان حاصلاً بالولادة لكان ملازماً مع أحد تلك العناوين، كما لو أرضعت امرأة أحد أخوين، فانها تحرم عليه لصيرورتها اُماً له و لا تحرم على الأخ الآخر؛ لأنها تصير بالرضاع اُم أخيه، و هى ليست من المحرمات بعنوانها فى باب النسب و إنما تحرم فيه لكونها إما اُماً نسبية أو زوجة الأب.

2ـ تحرم على أبى الرضيع بنات المرضعة النسبيات دون الرضاعيات.

و تحرم عليه أيضاً بنات صاحب اللبن النسبيات و الرضاعيات. وهذان هما الاستثناء من الضابط الكلّى المتقدّم.

3ـ يحرم الرضيع على أولاد صاحب اللبن ولادة و رضاعاً و على أولاد المرضعة ولادة لا

(43)


رضاعاً.

4ـ فى جواز زواج أولاد أبى المرتضع الذين لم يرتضعوا من اللبن بأولاد المرضعة نسباً و أولاد الفحل مطلقاً خلاف.

5ـ لا فرق فى انتشار الحرمة بالرضاع بين كونه سابقاً على العقد أو لاحقاً له، فمن كانت له زوجة صغيرة و أرضعتها بنته أو زوجته الأخرى حرمت عليه لصيرورتها بنتاً له، و هكذا في بقية الأمثلة.

والمستند فى ذلك:

1ـ أمّا أن الرضاع سبب لتحقق حرمة النكاح فى الجملة، فهو من ضروريات الدين. و يدلّ عليه قوله تعالي: «حرّمت عليكم .... اُمهاتكم اللاتى أرضعنكم و أخواتكم من الرضاعة»(1)، و قول الرسول الأكرم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(2)، و قول صادق أهل البيت عليه‏السلام : «يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة».(3)

هذا ما ورد بنحو الضابط الكلى و إلاّ فالوارد فى الموارد المتفرقة فوق حدّ الإحصاء.

2ـ و أمّا صيرورة المرضعة اُماً للرضيع و صاحب اللبن أباً له و ...، فباعتبار أن الآية الكريمة و إن كانت خاصة بالاُمهات و الأخوات إلاّ أن ذلك لايقتضى قصر الحرمة عليهما ـ وإن نسب اختيار ذلك الى بعض العامة(4)ـ بعد استفادة عموم


1 ـ النساء: 23 .
2 ـ وسائل الشيعة: 14 / 280، باب 1 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 1، 3، 4، ... .
3 ـ وسائل الشيعة: 14 / 281، باب 1 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 2.
4 ـ جواهر الكلام: 29 / 309.

(44)


التنزيل من الروايات.

3ـ و أما قصر الحرمة على ما اذا حصل بالرضاع أحد العناوين السبعة دون ما يلازمها، فلأن ذلك هو المستفاد من قوله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فإن ظاهره النظر الى العناوين الثابت تحريمها فى الشريعة، و ليست هي إلاّ السبعة دون ما يلازمها.

ثم إنه مع التنزل و فرض اجمال دليل التنزيل من هذه الناحية و احتمال إرادة

عموم المنزلة منه يلزم الرجوع الى الأصل المستفاد من قوله تعالي: «وأحلّ لكم ما وراء ذلكم»(1)، كما تقتضيه القاعدة فى مورد تردد المخصص المنفصل بين الاقل والاكثر، و النتيجة واحدة على كلا التقديرين.

وبهذا يتضح النظر فيما صار اليه المحقق المير محمد باقر الداماد من استفادة عموم المنزلة من دليل التنزيل و ألّف رسالة فى ذلك و نسب ما صار اليه الى المشهور(2).

ثم إن الثمرة فى هذا الخلاف كبيرة، فعلى رأى المشهور تنحصر دائرة انتشار الحرمة بالمرتضع و فروعه من جهة و المرضعة و صاحب اللبن و اُصولهما و فروعهما و من كان فى طبقتهما من جهة اُخري، و لا يتعدى لما سوى ذلك، لأن العناوين السبعة لاتتحقق إلاّ فيما ذكر، بخلافه بناءً على عموم المنزلة، فإن الحرمة تتعدى الى اُصول المرتضع و من كان فى طبقته من جهة و المرضعة و صاحب اللبن و اُصولهما و فروعهما و من كان فى طبقتهما من جهة اُخري.


1 ـ النساء : 24.
2 ـ الحدائق الناضرة: 23 / 386 ـ 387 .

(45)


أجل هناك استثناء ـ على رأى المشهورـ تأتى الاشارة اليه إن شاء الله تعالى في رقم 4 و 5.

4ـ و أمّا أنه تحرم على أبى المرتضع بنات المرضعة بالرغم من عدم اقتضاء القاعدة لذلك ـ حيث لايصرن بالاضافة اليه إلاّ أخوات لولده، و اُخت الولد ليست من المحرمات بعنوانها فى باب النسب و إنما تحرم إمّا لكونها بنتاً أو ربيبة‏ـ فلصحيحة أيوب بن نوح: «كتب على بن شعيب الى أبى الحسن عليه‏السلام : امرأة أرضعت بعض ولدى هل يجوز لى أن أتزوّج بعض ولدها؟ فكتب عليه‏السلام : لايجوز ذلك لك، لأن ولدها صارت بمنزلة ولدك»(1) و غيرها.

وأمّا قصر الحكم على بنات المرضعة من النسب دون الرضاع، فلظهور كلمة «الولد» فى الصحيحة فى ذلك، و فى غيره يتمسّك بأصالة الحل المستفادة من قوله تعالي: «وأحلّ لكم ما وراء ذلكم».(2)

5ـ و أمّا أنه يحرم على أبى المرتضع بنات صاحب اللبن ـ وهو ما يعبَّر عنه في لسان الفقهاء بجملة: لا ينكح أبو المرتضع فى أولاد صاحب اللبن نسباً و لا رضاعاًـ بالرغم من عدم اقتضاء القاعدة لذلك ـ بالبيان المتقدم ـ فلصحيحة على بن مهزيار: «سأل عيسى بن جعفر بن عيسى ابا جعفر الثانى عليه‏السلام أن امرأة أرضعت لى صبياً فهل يحل لى أن اتزوج ابنة زوجها؟ فقال لي: ما اجود ما سألت، من ههنا يؤتى أن يقول الناس حرمت عليه امرأته، من قِبَل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره.(3)


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 306، باب 16 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 1.
2 ـ النساء: 24 .
3 ـ اى من ههنا يأتى الجهل على الناس حيث يقولون: ان لبن الفحل يحرّم زوجة الفحل عليه، و لكنه اشتباه، فان لبن الفحل لا يوجب ذلك بل يوجب ما ذكرت و هو حرمة بنت صاحب اللبن على ابى المرتضع.
هكذا فسرّ فى الوافي: 21 / 247، العبارة المذكورة. و فسّرها الحرّ فى هامش وسائله بشكل آخر فراجع. و الامر سهل بعد عدم توقف الاستدلال بالصحيحة على فهم المراد من الجملة المذكورة.

(46)


فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة التى أرضعت لي، هى ابنة غيرها، فقال: لو كنّ عشراً متفرقات ما حلّ لك شيء منهنّ، و كنّ فى موضع بناتك»(1).

وأمّا التعميم لبنات صاحب اللبن من الرضاع أيضاً، فلفرض وحدة الفحل هنا، فيقوم الرضاع مقام النسب تمسّكاً بإطلاق: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، فاذا حرمت البنات من النسب لصحيحة ابن مهزيار، حرمت البنات من الرضاع أيضا تمسّكا بالإطلاق المذكور.

6ـ و أمّا حرمة الرضيع على بنات صاحب اللبن ولادة أو رضاعاً، فلأنهنّ أخوات من الأب و الاُم أو من الأب فقط، و الأخوات هنّ من أحد العناوين المحرّمة بالنسب، فتحرمن فى الرضاع أيضاً.

وأمّا حرمة من ينتسب الى المرضعة بالنبوة ولادة، فلكونهم اخوة من الاُم فيحرمون.

وأمّا عدم حرمة من ينتسب الى المرضعة بالنبوة رضاعاً، فلعدم اتحاد الفحل الذى هو شرط فى انتشار الحرمة، كما يأتى إن شاء اللّه تعالي.

7ـ و أمّا زواج أولاد أبى المرتضع ببنات المرضعة ولادة و بنات صاحب اللبن ولادة أو رضاعاً، فقد اختار الشيخ فى الخلاف و النهاية عدم جوازه، بتقريب أن التعليل فى صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة يدلّ على تنزيل بنات صاحب اللبن منزلة بنات أبى المرتضع، و هكذا التعليل فى صحيحة أيوب بن نوح يدلّ على تنزيل


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 296، باب 6 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 10.

(47)


بنات المرضعة منزلة بنات أبى المرتضع، و لازم ذلك صيرورة أولاد أبى المرتضع إخوة لبنات صاحب اللبن و لبنات المرضعة، و معه لايجوز لهم الزواج بهنّ(1).

وفيه: ان التنزيل فى الصحيحتين قد ثبت بلحاظ أبى المرتضع فقط، و ذلك لايستلزم اُخوّة بنات صاحب اللبن و بنات المرضعة لأولاد أبى المرتضع، اذ التعبد يتحدد بدائرته و لايسرى الى غيرها، بعد ما لم تكن الملازمة شرعية.

وعليه، فالمناسب هو الحكم بالجواز، تمسّكاً بعموم قوله تعالي: «وأحلّ لكم ما وراء ذلكم».(2)

8ـ و أمّا عدم الفرق فى انتشار الحرمة بالرضاع بين كونه سابقاً على العقد أو لاحقاً، فلصحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه‏السلام : «لو أنّ رجلاً تزوج جارية رضيعة فأرضعتها امرأته فسد النكاح»(3) و غيرها.

بل يكفينا إطلاق ما دلّ على تنزيل الرضاع منزلة النسب بلا حاجة الي نص خاص.


1 ـ الحدائق الناضرة: 23 / 399 .
2 ـ النساء: 24 .
3 ـ وسائل الشيعة: 14 / 302، باب 10 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 1 .

(48)


شروط الرضاع المحرّم

لايوجب الرضاع انتشار الحرمة إلاّ اذا تحقّقت الشروط التالية:

1ـ حصول اللبن من ولادة شرعية.

2ـ الارتضاع من الثدى فلا يكفى غيره، كشرب اللبن المحلوب.

3ـ عدم تجاوز الرضيع للحولين.

4ـ خلوص اللبن فلايكفى اذا كان ممزوجاً بغيره مما يسلبه اسم اللبن.

5ـ كون اللبن بتمامه من رجل واحد، فلو ولدت المرأة من زوجها الأول و تزوجت بآخر و حملت منه و قبل أن تلد ارضعت بلبن ولادتها الاُولى صبياً عشر رضعات ثم بعد ولادتها الثانية أكملتها بخمس ـ إمّا من دون تخلل المأكول و المشروب أو مع فرض تخللهما بناءً على عدم اخلال فصلهما فى نشر الحرمة، كما سيأتى إن شاء الله تعالي‏ـ لم يكف ذلك لانتشار الحرمة.

6ـ وحدة المرضعة، فلو كانت لرجل واحد زوجتان اشتركتا فى ارضاع طفل واحد خمس عشرة رضعة لم يكف ذلك.

7ـ أن يكون الارتضاع موجباً لإنبات اللحم و شدّ العظم.

و الطريق الشرعى لإحراز ذلك: ارتضاع يوم و ليلة أو تحقق عشر رضعات متوالية. و قيل خمس عشرة رضعة.

8ـ عدم الفصل برضاع آخر فى التحديد الكمّى و الزماني، بخلافه فى التحديد الكيفي فإنه لا يعتبر فيه ذلك.

وأمّا الفصل بالأكل و الشرب، فلا يعتبر عدمه فى التحديد الكيفى و فى الخمس عشرة رضعة بخلافه فى التحديد الزمانى فإنه يعتبر فيه عدمه.

(49)


والمستند فى ذلك:

1ـ أمّا اعتبار كون اللبن من ولادة شرعية، فلا خلاف فيه. و يمكن استفادته من صحيحة عبد الله بن سنان: «سألت أبا عبد الله عليه‏السلام عن لبن الفحل، قال: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك و لبن ولدك ولد امرأة اُخرى فهو حرام»(1)، بتقريب أن اسناد اللبن الى الفحل و الولد يدلّ على اعتبار الوط‏ء و الحمل و الولادة. و التعبير بـ«امرأتك» يدلّ على اعتبار العقد الشرعى و عدم كفاية الولادة عن زنا.

و يدلّ عليه أيضاً فى الجملة صحيح يونس بن يعقوب عن أبى عبد الله عليه‏السلام : «سألته عن امرأة درَّ لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية و غلاماً من ذلك اللبن هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع؟ قال: لا».(2)

2ـ و أمّا اعتبار صدق عنوان الارتضاع من الثدى، فلأن الحكم فى الادلّة منصبٌّ على عنوان الارضاع و الرضاعة و نحو ذلك، و هو لايصدق عرفاً من دون الامتصاص من الثدي، و لذا لا يقال لمن شرب الحليب المحلوب من البقرة أنه ارتضع منها، بخلاف ما لو امتصه من ثديها.

و مع التنزل و تسليم صدقه بدون ذلك، فيمكن أن يقال بانصرافه الى النحو المتعارف منه، و فيما عداه يرجع الى عموم قوله تعالي: «وأحلّ لكم ما وراء ذلكم».(3)

3ـ و أمّا اعتبار أن يكون الرضاع فى الحولين للمرتضع، فهو المعروف بين


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 294، باب 6 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 4 .
2 ـ وسائل الشيعة: 14 / 302، باب 9 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 1 .
3 ـ النساء: 24 .

(50)


الأصحاب(1) لصحيحة الحلبى عن أبى عبد الله: «لا رضاع بعد فطام».(2) و ظاهرها وإن كان يدلّ على كون المدار على الفطام الفعلى دون الوصول الى سنّ الفطام، و هو الحولان إلاّ انه لابدّ من رفع اليد عن ذلك، لرواية حماد بن عثمان: «سمعت أبا عبدالله عليه‏السلام يقول: «لا رضاع بعد فطام، قلت: و ما الفطام؟ قال: الحولين الذى قال الله عزّوجل»(3)، حيث فسّرت الفطام بالحولين دون الفطام الفعلي. و سندها و إن اشتمل على «سهل» إلاّ أن الأمر فيه سهل، إن شاء الله تعالي.

4ـ و أمّا اعتبار الخلوص، فلأن نشر الحرمة يتوقف على صدق عنوان ارتضاع اللبن، و مع المزج الموجب لسلب الاسم لايصدق ذلك.

5ـ و أمّا اعتبار كون اللبن لفحل واحد، فهو المشهور(4). و يمكن استفادته من صحيحة ابن سنان المتقدمة حيث ورد فيها: «هو ما أرضعت امرأتك من لبنك»، فإن عنوان لبنك لا يصدق مع تعدد الفحل.

و منه يتضح الوجه فى اعتبار وحدة المرضعة، فإن ظاهر كلمة «امرأتك» هو شخص امرأتك دون جنسها.

هذا مضافاً الى تصريح موثقة زياد بن سوقة الاتية باعتبار كلا الأمرين.

6ـ و أمّا تحديد مقدار الرضاع الناشر للحرمة، فقد وقع محلاً للخلاف. و منشؤه اختلاف الروايات.

وهى بالرغم من اختلافها اتفقت على التحديد الكيفى و أن الارضاع متى ما


1 ـ جواهر الكلام: 29 / 296 .
2 ـ وسائل الشيعة: 14 / 291، باب 5 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 2 .
3 ـ وسائل الشيعة: 14 / 291، باب 5 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 5 .
4 ـ جواهر الكلام: 29 / 301 .

(51)


أوجب نبات اللحم وشد العظم تحقق به نشر الحرمة.

بل يظهر منها أن المدار فى نشر الحرمة هو التحديد الكيفي، و أن التحديد الزمانى و الكمى ذكر كطريق لاحراز ذلك، كما نجد ذلك واضحاً فى صحيحة علي ابن رئاب عن أبى عبدالله عليه‏السلام «قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: ما أنبت اللحم و شدّ العظم. قلت: فتحرّم عشر رضعات؟ قال: لا، لأنه لا تنبت اللحم و لا تشدّ العظم عشر رضعات»(1) و غيرها.

والاختلاف فى الروايات ينحصر فى ضبط التحديد الكمي، ففى بعضها اكتفي بعشر رضعات متوالية، و فى بعضها الآخر اعتبر خمس عشرة رضعة.

مثال الأول: صحيحة عمر بن يزيد: «سألت أبا عبدالله عليه‏السلام عن الغلام يرضع الرضعة و الثنتين، فقال: لا يحرّم، فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات، فقال: اذا كانت متفرقة فلا».(2)

و مثال الثانى: موثقة زياد بن سوقة: «قلت لأبى جعفر عليه‏السلام : هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: لا يحرّم الرضاع أقلّ من يوم و ليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، فلو أن امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد و أرضعتها امرأة اُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».(3)

و حيث ان التعارض فى المقام مستقر و لا مرجح فى البين، فيلزم التساقط و الرجوع الى الأصل بلحاظ كل اثر بخصوصه، فبالنسبة الى صحة العقد على من


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 283، باب 2 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 2 .
2 ـ وسائل الشيعة: 14 / 283، باب 2 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 5 .
3 ـ وسائل الشيعة: 14 / 283، باب 2 من ابواب ما يحرم بالرضاع، حديث 1 .

(52)


رضعت عشراً يستصحب عدم ترتب الأثر، و بالنسبة الى جواز النظر تجرى البراءة على فرض عدم وجود عموم يصلح التمسك به.

7ـ و أمّا اعتبار عدم الفصل برضاع آخر فى التحديد الكمى، فلدلالة موثقة زياد وصحيحة عمر بن يزيد على ذلك بوضوح.

وأمّا اعتبار ذلك فى التحديد الزماني، فلانصراف عنوان اليوم و الليلة الى ذلك.

وأمّا عدم اعتبار ذلك فى التحديد الكيفي، فلأنّ اللازم بناءً عليه نبات اللحم واشتداد العظم، و لايهم بعد تحققه ثبوت الفصل بأى شيء كان لإطلاق النصوص من هذه الناحية.

8ـ و أمّا أن الفصل بالأكل و الشرب لا يعتبر عدمه فى التحديد بخمس عشرة رضعة، فلأن موثقة زياد قد قيدت الفاصل الذى يعتبر عدمه بالرضاع من امرأة اُخري، و هذا بخلافه لو أخذنا برواية العشر، فإنه يعتبر عدم الفصل بذلك لاعتبار عدم التفرق فيها الذى لايصدق مع الفصل بالأكل و الشرب.

و أمّا أنه لا يعتبر عدم الفصل بذلك فى التحديد الكيفي، فلأن المعتبر فيه اشتداد العظم و نبات اللحم كيفما اتفق، لفرض إطلاق الروايات من هذه الناحية.

و أمّا انه يعتبر عدم الفصل بذلك فى التقدير الزماني، فلعدم صدق عنوان اليوم و الليلة مع الفصل المذكور.

أجل، لا يضر مثل شرب الماء و الدواء بمقدار قليل، لانه أمر متعارف فى اليوم والليلة و لا يضر بالصدق عرفاً.

(53)


الاعتداد

لا يجوز الزواج بالمرأة فى عدّتها من الغير.

وتحرم مؤبداً مع علمهما أو علم أحدهما بالصغرى و الكبرى و لو مع عدم الدخول. و مع الدخول تحرم كذلك و لو مع جهلهما بذلك.

ولا فرق فى الدخول بين كونه فى القبل أو الدبر.

والمستند فى ذلك:

1ـ أمّا حرمة الزواج بالمعتدة من الغير، فهو من ضروريات الفقه. و قد دلّ علي ذلك الكتاب الكريم فى الجملة. قال تعالى «واذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن اذا تراضوا بينهم بالمعروف»(1)، فإنها بالمفهوم تدلّ على المطلوب.

و قال: «والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء»(2)، فإن المقصود من وجوب التربّص ـ و لا أقلّ بقرينة الآية الاُولى ـ هو الامتناع من الزواج.

وقال تعالي: «يا أيّها النبى اذا طلقتم النساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ و أحصوا العدة»(3)، فإنه لا معنى لإحصاء العدة إلاّ اذا فرض حرمة الزواج فيها.

وقال: «والذين يتوفون منكم و يذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً فاذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهنّ بالمعروف»(4)، فإنه لا


1 ـ البقرة: 232 .
2 ـ البقرة: 228 .
3 ـ الطلاق : 1 .
4 ـ البقرة: 234 .

(54)


معنى لوجوب التربص ـ و لو بقرينة ذيلها ـ إلاّ حرمة زواجها بالغير.

هذا من حيث الكتاب الكريم.

وأمّا الروايات فيمكن استفادة ذلك من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الآتية و غيرها.

2ـ و أمّا التقييد بما اذا كانت العدة من الغير، فباعتبار أن المفهوم من نصوص تشريع العدة كون المنع من الزواج هو لاحترام ذى العدة.

واذا شكك فى ذلك أمكن التمسّك بنصوص الزواج المؤقت الدالّة على جواز تجديد الزوج العقد فى العدّة ـ بعد ضمّ عدم القول بالفصل ـ كما فى صحيح محمد ابن مسلم حيث سأل أبا عبدالله عليه‏السلام عن المتعة، فقال: «إن أراد أن يستقبل أمراً جديداً فعل، و ليس عليها العدّة منه، و عليها من غيره خمس و أربعون ليلة»(1) و غيره.

3ـ و أمّا الحرمة المؤبدة، فلابدّ لإثباتها من الاستعانة بالروايات. و هى علي طوائف أربع:

أ ـ ما دلّ على الحرمة المؤبدة مطلقاً.

ب ـ ما دلّ على نفيها مطلقاً.

ج ـ ما دلّ على التفصيل بين حالة العلم، فتحرم مؤبداً و حالة الجهل، فلا تحرم.

د ـ ما دلّ على التفصيل بين فرض الدخول فتحرم مؤبداً و بين عدمه فلا تحرم.

مثال الاُولي: رواية محمد بن مسلم: «سألت أبا عبدالله عليه‏السلام عن الرجل يتزوج


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 475، باب 23 من ابواب المتعة، حديث 1 .

(55)


المرأة فى عدّتها، قال: يفرّق بينهما و لا تحل له أبداً».(1)

وسندها لا يخلو من إشكال لاشتماله على عبد الله بن بحر الذى لم تثبت وثاقته إلاّ بناء على تمامية كبري: وثاقة جميع رجال تفسير القمي.(2)

ومثال الثانية: صحيحة على بن جعفر عن أخيه عليه‏السلام : سألته عن امرأة تزوجت قبل أن تنقضى عدتها، قال: يفرّق بينها و بينه و يكون خاطباً من الخُطّاب»(3).

وسندها فى رواية قرب الاسناد و إن اشتمل على عبدالله بن الحسن الذى هو مجهول الحال إلاّ ان صاحب الوسائل قد رواها من كتاب على بن جعفر نفسه، وطريقه اليه صحيح كما تقدم أكثر من مرة.(4)

ومثال الثالثة: موثقة اسحاق بن عمار: «قلت لأبى ابراهيم عليه‏السلام : بلغنا عن أبيك أن الرجل اذا تزوّج المرأة فى عدتها لم تحل له أبداً، فقال: هذا اذا كان عالماً، فاذا كان جاهلاً فارقها و تعتد ثم يتزوجها نكاحاً جديداً».(5)

و مثال الرابعة: صحيحة الحلبى عن أبى عبد الله عليه‏السلام : «سألته عن المرأة الحبلي يموت زوجها فتضع و تزوج قبل أن تمضى لها أربعة أشهر و عشراً، فقال: إن كان دخل بها فُرّق بينهما و لم تحل له أبداً و اعتدت ما بقى عليها من الأول و استقبلت عدة اُخرى من الآخر ثلاثة قروء و إن لم يكن دخل بها فرّق بينهما و اعتدت بما بقى عليها من الأول و هو خاطب من الخُطّاب».(6)


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 350، باب 17 من ابواب ما يحرمن بالمصاهرة، حديث 22 .
2 ـ لاستيضاح الكبرى المذكورة لاحظ كتاب دروس تمهيدية فى القواعد الرجالية: ص 171 .
3 ـ وسائل الشيعة: 14 / 349، باب 17 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 19 .
4 ـ لاحظ: ص 232 من الجزء الثانى من هذا الكتاب.
5 ـ وسائل الشيعة: 14 / 347، باب 17 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 10 .

(56)


و المناسب الجمع بينها بما دلّت عليه صحيحة الحلبى الاُخرى عن أبي عبدالله عليه‏السلام : «اذا تزوج الرجل المرأة فى عدتها و دخل بها لم تحل له أبداً عالماً كان أو جاهلاً، و إن لم يدخل حلت للجاهل و لم تحل للآخر»(1) بأن يقيد إطلاق كلّ واحدة من الطوائف بما تقتضيه الصحيحة المذكورة.

4ـ و أمّا إن علم أحدهما يكفى فى تحقق الحرمة المؤبدة، فهو واضح لو كان العالم هو الزوج، لكون ذلك مورد موثقة اسحاق المتقدمة.

و أمّا لو كان العالم هو الزوجة، فيمكن التمسّك بذيل صحيحة ابن الحجاج الآتية، فإنه بإطلاقه يشمل الزوجة، و عدم ثبوت الحلية لها بالرجوع كافٍ فى اثبات المطلوب.

5ـ و أمّا أن المقصود من العلم الموجب للحرمة المؤبدة هو العلم بالصغري والكبرى، فباعتبار أن ظاهر الروايات المتقدمة و إن كان هو إرادة العلم بالعدة، إلاّ أن العلم بها لمّا كان يلازم العلم بالحرمة عادة، فيثبت أن المراد من العلم الذى هو سبب للحرمة المؤبدة هو العلم بالموضوع و الحكم معاً، و لا يكفى العلم بأحدهما فى تحقق الحرمة المؤبدة.

ولو قطعنا النظر عن هذا، فيمكن استفادة ذلك بوضوح من صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج عن أبى ابراهيم عليه‏السلام : «سألته عن الرجل يتزوج المرأة فى عدّتها بجهالة أ هى ممن لا تحل له أبداً؟ فقال: لا، أمّا اذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضى عدتها و قد يعذر الناس فى الجهالة بما هو أعظم من ذلك، فقلت: بأى الجهالتين يعذر بجهالته ان ذلك محرّم عليه أم بجهالته أنها فى عدة؟ فقال: احدى الجهالتين أهون من


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 346، باب 17 من اواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 6 .
2 ـ وسائل الشيعة: 14 / 345، باب 17 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 3 .

(57)


الاخري، الجهالة بأن الله حرّم ذلك عليه، و ذلك بأنه لايقدر على الاحتياط معها؛ فقلت: و هو فى الاُخرى معذور؟ قال: نعم اذا انقضت عدتها فهو معذور فى أن يتزوجها؛ فقلت: فإن كان أحدهما متعمدا و الآخر بجهل، فقال: الذى تعمد لا يحل له أن يرجع الى صاحبه أبدا».(1)

6ـ و أمّا كفاية الدخول فى الدبر فى تحقق الحرمة المؤبدة، فلإطلاق ما تقدم.

استيفاء العدد

لا تجوز الزيادة فى العقد الدائم على أربع زوجات.

ومن كانت عنده أربع و طلّق واحدة رجعياً، فلا يجوز له الزواج بالخامسة إلاّ بعد انتهاء العدة.

ومن طلّق زوجته ثلاثاً و قد تخلل بينها رجعتان أو ما بحكمهما و لم يتخلل بينها نكاح رجل آخر حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره. و اذا تكرر الطلاق بعد ذلك حرمت فى السادس كما سبق، و فى التاسع تحرم مؤبداً على بيان يأتى فى باب الطلاق إن شاء الله تعالي.

والمستند فى ذلك:

1ـ أمّا عدم جواز الزيادة على أربع، فممّا لاخلاف فيه بين المسلمين(2). و يمكن استفادته من قوله تعالي: «و إن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة»(3)، فإن العدد و إن لم


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 345، باب 17 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 4 .
2 ـ جواهر الكلام: 30 / 2 .
3 ـ النساء : 3 .

(58)


يكن له مفهوم إلاّ أن ذلك اذا لم يسق فى مقام التحديد و إلاّ ثبت له، و ظاهر الآيه الكريمة سوقها لذلك.

والروايات الدالّة على ذلك كثيرة، كصحيح زرارة و محمد بن مسلم عن أبى عبدالله عليه‏السلام : «اذا جمع الرجل أربعاً و طلّق احداهن فلا يتزوج الخامسة حتي تنقضى عدّة المرأة التى طلّق. و قال: لا يجمع ماءه فى خمس»(1) و غيرها.

واحتمال كون المقصود تحريم وط‏ء الخامسة دون أصل الزواج بها لقوله عليه‏السلام : «لا يجمع ماءه على خمس» ضعيف، لأن ظاهره الكناية عن الزواج؛ و مع التنزل تكفينا الروايات الاُخري.

2ـ و أمّا التخصيص بالعقد الدائم، فلا خلاف فيه. و تدلّ عليه الروايات الكثيرة، كصحيحة زرارة: «قلت: ما يحل من المتعة؟ قال: كم شئت»(2) و غيرها.

ولا يضرها اضمارها بعد ما كان المضمر مثل زرارة الذى لا تليق به الرواية عن غير الامام عليه‏السلام . على أن بالامكان التعويض عنهابالروايات الاُخري.

واذا قيل: إن موثقة عمار عن أبى عبدالله عليه‏السلام قالت عن المتعة: «هيأحد الأربعة»(3)، و هذا يدلّ على الخلاف.

قلنا: لابدّ من توجيهها بشكل آخر لعدم التزام أحد بمضمونها. و يمكن حملها على إرادة الاحتياط تحفظاً من إنكار المخالفين، كما دلّت عليه بوضوح صحيحة البزنطى عن أبى الحسن الرضا عليه‏السلام : «قال أبو جعفر عليه‏السلام : اجعلوهن من الأربع، فقال له


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 399، باب 2 من ابواب ما يحرم باستيفاء العدد، حديث 1 .
2 ـ وسائل الشيعة: 14 / 446، باب 4 من ابواب المتعة، حديث 3 .
3 ـ وسائل الشيعة: 14 / 448، باب 4 من ابواب المتعة، حديث 10 .

(59)


صفوان بن يحيي: على الاحتياط؟ قال: نعم».(1)

3ـ و أمّا عدم جواز الزواج بالخامسة لمن طلّق واحدة رجعياً قبل انتهاء عدتها، فلاخلاف فيه(2). و تدلّ عليه صحيحة زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة و غيرها.

وأمّا تقييد الطلاق بما اذا كان رجعياً، فهو المشهور باعتبار انقطاع العصمة في البائن.(3)

والمناسب التعميم، لإطلاق الصحيحة المتقدمة و غيرها إلاّ ان يثبت إجماع تعبدى على خلافه فيكون مقيداً.