كتاب الشركة

حقيقة الشركة

من احكام الشركة بالمعنى الاول

من احكام الشركة بالمعنى الثانى

(88)


حقيقة الشركة

تطلق الشركة على معنيين:

أ) كون شيءٍ واحد لاثنين أو أزيد بنحو الإشاعة.

ب) الاتفاق بين طرفين أو أزيد على الاتجار بمالهم مع الاشتراك فى الربح و الخسارة.

و هى بالمعنى الثانى عقد. و لأجله صَحَّ ادراجها فى العقود، بخلافه بالمعنى الاول فإنها ليست عقداً.

والمستند فى ذلك:

أمّا تحقق الشركة بالمعنى الأول، فهو من الاُمور الواضحة. فالاخوة مثلاً، اذا ورثوا مالاً أو حقاً، كانت الشركة فيه فيما بينهم بالمعنى المذكور.

و هكذا تتحقق بالمعنى المذكور اذا افترض اشتراك شخصين فى حيازة المباحات، كاصطياد مجموعة من الأسماك بواسطة شبكة، أو افتراض امتزاج مالين لشخصين باختيار أو بغيره من دون تمييز لأحدهما عن الآخر بنحوٍ عدّا عرفاً موجوداً واحداً، كامتزاج حنطة بحنطة أو دقيق حنطة بدقيق حنطة أو شعير. و أمّا اذا كان المزج بنحوٍ لايعدّان موجوداً واحداً فلاتتحقق الشركة؛ و إن لم‏يمكن التمييز،

(89)


كما اذا اختلطت دنانير شخص بدنانير غيره، أو عباءة شخص بعباءة غيره، أو حنطة شخص بشعير غيره، فإنه حيث لايعدُّ الخليط موجوداً واحداً فلا تتحقق الشركة، بل يلزم الفرز إن امكن، و إن لم‏يمكن إلاّ بكلفة بالغة، فمع اتفاقهما على الصلح فلا مشكلة، و إلاّ أجبرهما الحاكم عليه.

و تتحقق الشركة بالمعنى الأول أيضاً فيما اذا امتلك شخصان أو أزيد شيئاً واحداً بشراء أو صلح أو هبة و نحوها.

كما تتحقق بعملية التشريك المنصوص عليها فى الروايات، كمن كان عنده شيء و طلب منه غيره تشريكه فيه، بأن قال له: «شرّكنى فى نصفه بكذا مقدار»، فانه اذا قبل تحققت فيه الشركة بالمعنى المذكور، فاذا حصل فيه ربح أو خسران اشتركا فيه.

و الوجه فيه صحيحة هشام بن سالم عن أبى عبد الله عليه‏السلام : «سألته عن الرجل يشارك فى السلعة، قال: إن ربح فله و إن وضع فعليه»(1) و غيرها.

و الشركة فى كلّ الأمثلة التى أشرنا اليها تتحقق بنحو الإشاعة.

و أمّا الشركة بالمعنى الثانى، فهى مما انعقدت عليها السيرة العقلائية المتصلة بزمن المعصوم عليه‏السلام الممضاة بعدم الردع عنها. و هى أيضاً مشمولة للعمومات، كقوله تعالي: أوفوا بالعقود (2). بل يمكن التمسّك لإثبات صحتها بموثقة السكونى عن أبى عبد الله عليه‏السلام : «أن امير المؤمنين عليه‏السلام كره مشاركة اليهودى و النصرانى و المجوسي إلاّ أن تكون تجارة حاضرة لايغيب عنها المسلم»(3) و غيرها. و السكونى و إن لم‏يرد فى حقه توثيق خاص إلاّ أن دعوى الشيخ الطوسى فى عدّته عمل الطائفة


1 ـ وسائل الشيعة: 13 / 174، باب 1 من ابواب احكام الشركة، حديث 1.
2 ـ المائدة: 1.
3 ـ وسائل الشيعة: 13 / 176، باب 2 من احكام الشركة، حديث 2.

(90)


برواياته(1) كافٍ فى التساهل من ناحيته.

من أحكام الشركة بالمعنى الاول

لايجوز لبعض الشركاء التصرف فى العين المشتركة بالمعنى الاول الاّ بإذن البقية.

و اذا طالب بعض الشركاء بالقسمة لزمت إجابته إن لم‏يلزم منها تضرر البعض أو الكل. و فى حالة عدم لزومه تلزم الإجابة سواء كانت قسمة إفراز ـ بمعنى عدم احتياج المال المشترك فى تقسيمه الى تعديل سهامه لتساوى أجزائه فى القيمة ـ أم قسمة تعديل.

و القسمة عقد لازم، لايجوز فسخها من دون تراضٍ. و لو اُدّعى وقوع غلط فيها لم‏يقبل إلاّ بالبيّنة.

و المستند فى ذلك:

أمّا عدم جواز التصرف فى العين المشتركة إلاّ بموافقة بقية الشركاء، فلعدم جواز التصرف فى مال الغير إلاّ بطيب نفسه.

و أمّا لزوم الإجابة الى القسمة مع عدم التضرر، فللسيرة العقلائية المنعقدة على أن لكلّ مالكٍ الحقَ فى المطالبة بفرز ماله عن مال شريكه، و حيث لايحتمل حدوث السيرة المذكورة فى الأزمنة المتأخرة بل يجزم باتصالها بزمن المعصوم عليه‏السلام فتكون كاشفة عن رضاه بمضمونها، بعد عدم ردعه عنها.

و أمّا استثناء حالة لزوم الضرر، فلقاعدة نفى الضرر، بناءً على كون المراد منها نفى الحكم الذى ينشأ منه الضرر، كما هو مختار الشيخ الاعظم قدس‏سره .

و أمّا أن لزوم الإجابة الى القسمة لايفرّق فيه بين شكلى القسمة، فلعموم


1 ـ العدة فى الاصول، مبحث حجية الخبر: 1 / 149.

(91)


السيرة المتقدمة.

و أمّا أن القسمة عقد، فلأنّها فى واقعها اتفاق بين الطرفين أو الأطراف علي فرز حقّ كلّ واحد عن غيره.

و أمّا أنها عقد لازم لايجوز فسخه بدون تراضٍ من الأطراف، فلأصالة اللزوم في كلّ عقد، و قد تقدمت الإشارة الى مستندها فى أبحاث سابقة.

و أمّا عدم قبول دعوى الغلط فيها، فلأصالة الصحة فى كلّ عقد لم‏يثبت فساده الثابتة بالسيرة العقلائية غير المردوع عنها.

و أمّا استثناء حالة إقامة البيّنة عليها، فلقوله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «البيّنة على من ادّعي واليمين على من ادّعى عليه».(1)

من أحكام الشركة بالمعنى الثانى

لاتصح الشركة العقدية لدى المشهور إلاّ بمزج مالى الشريكين قبل العقد أو بعده بنحوٍ لايتميزان.

و هى ذات أشكال متعددة لاتصح إلاّ فى واحد منها، و هو ما تقدم من التعاقد علي الاشتراك فى ربح و خسارة المالين بعد الاتجار بهما. و يصطلح عليها بشركة العنان.

و أمّا بقية أشكالها فباطلة،(2) و هي:

أ) شركة الأبدان: و هى التعاقد على عمل كلّ واحد من الطرفين بصورة مستقلة و في


1 ـ وسائل الشيعة: 18 / 170، باب 2 من ابواب كيفية الحكم، حديث 1.
2 ـ و قد اتفقت كلمة اصحابنا على ذلك على ما فى جامع المقاصد (: 8 / 13) و لم‏ينسب الخلاف إلاّ الي ابن‏الجنيد الاسكافي، فان العلامة فى المختلف (ص، 479) قد نقل عنه جواز شركة الوجوه و الاعمال.
هذا ما عليه اصحابنا.
وأمّا العامة فقد ذهب بعضهم الى جواز بعض الاشكال المذكورة، فلاحظ: المغنى لابن قدامة: 5 / 111.

(92)


مجاله الخاص مع اقتسام الربح الحاصل لكلّ واحد، كما لو قرّر حلاقان اقتسام أجرة الحلاقة التى يحصلان عليها فى كلّ يوم.

ب) شركة الوجوه: و هى التعاقد بين شخصين لايملكان مالاً بل وجاهة بين الناس فقط على شراء كلّ واحد منهما بثمن ثابت فى ذمته فقط شيئاً لكلا الطرفين، ثم بيعه بعد ذلك و اداء الثمن بعده و اقتسام الربح الحاصل.

ج) شركة المفاوضة: و هى التعاقد على اقتسام كلّ مايستفيده أحد الطرفين من إرث أو وصية أو ربح تجارة و نحو ذلك، و هكذا تحمّل الطرفين كلّ ما يرد على أحدهما من خسارة.

و يلزم فى الشركة العقدية الصحيحة الإيجاب و القبول و البلوغ و العقل والاختيار و عدم الحجر لسفهٍ أو فلس.

و يتساوى الشريكان فى الربح و الخسارة مع تساوى المالين، و مع الزيادة فبالنسبة ربحاً و خسارة. و لو شرطت زيادة لأحدهما فمع كونها فى مقابل العمل أو زيادته فلا إشكال، و إلاّ لم‏يجز ذلك على قول.

و عقد الشركة جائز، بمعنى ثبوت الحق لكلّ واحد من الشريكين فى التراجع عن إذنه فى التصرف.

و المستند فى ذلك:

أمّا اعتبار المزج لدى المشهور، فلا مستند له سوى الإجماع المدّعى في المسألة،(1) فإن تمَّ كان هو المدرك و إلاّ فمقتضى العمومات ـ كقوله تعالى أوفوا


1 ـ قال فى التذكرة: 2 / 212 «لاتصح الشركة الابمزج المالين و عدم الامتياز بينهما عند علمائنا».

(93)


بالعقود (1) عدم الاعتبار، كما اكد السيد اليزدى على ذلك(2).

و أمّا الوجه فى عدم صحة شركة الأبدان، فواضح على رأى المشهور المعتبر للامتزاج فى صحة عقد الشركة، فإنه مفقود فيها.

و أمّا بناءً على عدم اعتباره، فقد قيل فى وجه عدم الصحة: إن ربح العمل المستقبلى معدوم حين العقد، و تمليك المعدوم أمر غير عقلائى و تحتاج صحته الي قيام دليل خاص عليه، و هو مفقود.(3)

و بنفس هذا البيان يمكن توجيه بطلان شركة الوجوه و المفاوضة، فإن المزج ـ بناءً على اعتباره ـ مفقود، و بناءً على عدمه يكون المورد من موارد تمليك المعدوم، فإن ربح مايشترى فى الذمّة أو الفوائد المستقبلية التى تحصل من خلال الإرث أو الوصية و نحوهما مفقود حين اجراء عقد الشركة، و تمليك ذلك تمليك للمعدوم.

و أمّا اعتبار الايجاب و القبول فى الشركة العقدية الصحيحة، فلأن ذلك لازم افتراض كونها عقداً.

و يكفى كلّ ما يدلّ عليهما، كقول أحدهما: تشاركنا مع قبول الآخر. بل لايبعد الاكتفاء بالمعاطاة، كما لو مزج المالان بقصد الاشتراك فى التجارة و ما يترتب عليها من ربح أو خسارة، فإنه بعد صدق العقد بذلك يشمله عموم قوله تعالي: أوفوا بالعقود.(4)

و أمّا اعتبار البلوغ و بقية الشروط، فلأن ذلك من الشرائط العامة فى كلّ عقد.


1 ـ سورة المائدة: 1.
2 ـ العروة الوثقي، كتاب الشركة، مسألة 4.
3 ـ مبانى العروة الوثقي، كتاب الشركة: 245 .
4 ـ سورة المائدة: 1.

(94)


4 ـ و أمّا التساوى فى الربح و الخسارة مع تساوى المالين، و إلاّ فبالنسبة، فذلك لقاعدة تبعية الربح و النماء للأصل.

5 ـ و أمّا جواز اشتراط الزيادة فى مقابل العمل أو زيادته، فلأنه شرط سائغ و مشمول لعموم قوله عليه‏السلام : «المسلمون عند شروطهم».(1)

6 ـ و أمّا القول بعدم جواز اشتراط الزيادة مع تساوى المالين و العمل، فقد علل بكونه أكلاً للمال بالباطل المنهى عنه فى قوله تعالي: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (2).

و أمّا وجه القول بجواز ذلك، فهو التمسّك بعموم: «المسلمون عند شروطهم».

و دعوي: أنه مخالف لمقتضى العقد: مدفوعة: بأنه مخالف لمقتضى إطلاقه لا لأصله.

و أمّا أنَّ عقد الشركة جائز، فلأن مرجعه فى روحه الى الإذن فى التصرف، و من حقّ كلّ آذن التراجع عن إذنه.


1 ـ وسائل الشيعة: 12 / 353، باب 6 من ابواب الخيار، حديث 2.
2 ـ سورة النساء، آيه 29 .

(96)


كتاب الضمان

حقيقة الضمان

شرائط الضمان

من احكام الضمان

(98)


حقيقة الضمان

الضمان ـ بمعناه المصطلح عليه لدى فقهائنا ـ هو التعهد بالدين للغير بنحو ينتقل من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن.

و أمّا عند غيرنا فهو ضم ذمة الى ذمة بحيث تعود ذمة الضامن و المضمون عنه مشغولتين للمضمون له و يحق له الرجوع على أيّهما شاء.

و له إطلاق بمعنى ثان، و هو التعهد بالمال للغير و تحمل مسؤوليته من دون اشتغال ذمة الضامن بالفعل و براءة ذمة المضمون عنه كما هو على المعنى الاصطلاحي.

و هو مشروع بكلا معنييه.

و المستند فى ذلك

1 ـ أمّا الضمان بالمعنى الاصطلاحى الذى تترتب عليه براءة ذمة المضمون عنه بمجرد الضمان و اشتغال ذمة الضامن، فمشروعيته من بديهيات الفقه.

و يمكن التمسّك لذلك بصحيحة عبداللّه‏ بن سنان ـ التى رواها المشايخ الثلاثة بطرقهم الصحيحة ـ عن أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام : «رجل يموت و عليه دين، فيضمنه ضامن

(99)


للغرماء، فقال: إذا رضى به الغرماء فقد برئت ذمّة الميت».(1)

هذا فى الضمان بمعناه المصطلح عندنا.

و أمّا بمعناه المصطلح عند غيرنا، فالمعروف بين أصحابنا عدم صحته حتى مع التصريح بإرادته إلاّ أن السيد اليزدى اختار إمكان تصحيحه من خلال التمسّك بالعمومات من قبيل قوله تعالي: أوفوا بالعقود (2)

2 ـ و أمّا الضمان بمعناه الثانى، فهو متداول لدى العقلاء، كضمان شخص الدين للدائن إن لم‏يؤده المديون، أو ضمان الدار لمشتريها إذا ظهرت مستحقة للغير، أو ضمان الثمن للبائع إن ظهر كذلك.

3 ـ و أمّا شرعية الضمان بمعناه الاصطلاحى، فقد تقدّم وجهها.

و أمّا شرعيته بالمعنى الثانى، فللسيرة العقلائية المنعقدة عليه، المتصلة بزمن المعصوم عليه‏السلام و الممضاة بعدم الردع.

مضافاً إلى امكان التمسّك بعموم قوله تعالي: أوفوا بالعقود (3)

شرائط الضمان

يلزم لتحقق الضمان توفر:

1 ـ الايجاب من الضامن و القبول من المضمون له بكلّ ما يدلّ عليهما. ولايلزم رضا المضمون عنه.

2 ـ كون الضامن و المضمون له بالغين عاقلين مختارين و ليس محجّراً عليهما لسفه،


1 ـ وسائل الشيعة: 13 / 150، باب 2 من أحكام الضمان، حديث 1.
2 ـ العروة الوثقى ، كتاب الضمان ، مسألة 2.
3 ـ المائدة: 1.

(100)


بخلاف المضمون عنه فانه لايلزم فيه ذلك.

و يلزم أيضاً عدم فلس المضمون له دون الضامن.

3 ـ التنجّز على المشهور، فلا يصح لو قال: أنا ضامن إن أذن لى فلان، أو إن لم‏يفِ المديون دينه. أجل، لايعتبر ذلك فى الضمان بالمعنى الثاني.

4 ـ ثبوت الدين فى ذمّة المضمون عنه، فلا يصح: اقرض فلاناً و أنا ضامن. نعم يصح ذلك فى الضمان بمعناه الثاني.

5 ـ تعيّن الدين و المضمون له و المضمون عنه، بمعنى عدم تردده، فلا يصح ضمان أحد الدينين و لو لشخص معيّن على شخص معيّن، و لاضمان دين أحد الشخصين و لو لواحد معيّن، و لاضمان دين أحد الشخصين و لو على واحد معيّن.

والمستند فى ذلك

1 ـ أمّا اعتبار الايجاب و القبول فى تحقق الضمان، فلأنّه نحو من المعاقدة التى لا تتم إلاّ بذلك.

و أمّا الاكتفاء بكلّ مايدلّ عليهما، فلأنّه بذلك يتحقق العقد، فيشمله عموم قوله تعالي: أوفوا بالعقود (1) كما يتحقق بذلك عنوان الضمان، فتشمله صحيحة ابن سنان المتقدمة.

2 ـ و أمّا عدم اعتبار رضا المضمون عنه، فلصحة الضمان التبرعي، و هو بمثابة وفاء دين الغير تبرعاً بدون ضمان حيث لايعتبر رضاه.

أجل، إذا استلزم الضمان التبرعى إهانة المضمون عنه ـ كتبرع وضيع بضمان دين


1 ـ المائدة: 1.

(101)


انسان شريف ـ حرم تكليفاً، و لكنه لايلازم عدم الصحة وضعاً.

3 ـ و أمّا عدم اعتبار ذلك فى المضمون عنه، فلأنّه أجنبى عن العقد، على أنه إذا جاز كونه ميتاً ـ كما هو مورد صحيحة ابن سنان المتقدمة ـ جاز كونه صبياً أو مجنوناً أو مكرهاً أو سفيهاً لعدم الفرق، بل لعل ذلك أولي.

و أمّا اشتراط عدم فلس المضمون له، فلأن المفلّس ممنوع من التصرف فى أمواله و لو بنقلها، و واضح أن لازم قبوله الضمان نقل دينه من ذمّة إلى ذمّة.

و أمّا عدم اشتراط فلس الضامن، فلأن المفلّس ممنوع من التصرف فى أعيان أمواله دون ذمته، و هل يحتمل عدم جواز اقتراضه؟!

4 ـ و أمّا اعتبار التنجيز فى نظر المشهور، فقد علّله السيد اليزدى بقوله: «لا دليل عليه بعد صدق الضمان و شمول العمومات العامة إلاّ دعوى الاجماع فى كلّ العقود».(1)

و أمّا عدم اعتباره فى الضمان بالمعنى الثانى، فلكون القدر المتيقن من معقد الإجماع هو الضمان بالمعنى الأوّل، و معه لايعود مانع من التمسّك بالسيرة العقلائية و العمومات.

5 ـ و أمّا اعتبار ثبوت الدين فى ذمة المضمون عنه، فلأنه بدونه لايمكن نقل ما فى ذمّته إلى ذمة اُخري.

و أمّا عدم اشتراطه فى الضمان بالمعنى الثانى، فلأنّه تعهد و تحمل للمسؤولية من دون اشتماله على نقل ما فى ذمّة إلى ذمة اُخرى ليعتبر ذلك فيه.

6 ـ و أمّا اعتبار التعيّن و عدم التردد فى الدين و المضمون له و المضمون عنه،


1 ـ العروة الوثقى ، كتاب الضمان ، الشرط السابع من شروط الضمان.

(102)


فلأنّه بدونه لايمكن تحقق القصد إلى الضمان، فان تحققه بلحاظ هذا الدين دون ذاك بلا مرجح، و بلحاظهما خلاف مقصودهما، و المردد بما هو مردد لاخارجية له ليمكن تحقق الضمان بلحاظه.

و نفس هذا يجرى فى فرض تردد المضمون له أو المضمون عنه.

من أحكام الضمان

إذا ضمن الضامن بإذن المضمون عنه و تحقق الأداء منه، جاز له الرجوع عليه.

و إذا لم‏يكن بإذنه أو لم‏يؤدِّ لابراء، لم‏يجز له الرجوع عليه. بل لو تَمَّ التصالح على نصف المبلغ مثلاً و الابراء عن الباقي، لم‏يجز الرجوع بالجميع، بل بما أدّي.

و إذا أبرأ المضمون له ذمّة الضامن، برئت ذمّة المضمون عنه أيضاً.

و إذا أبرأ ذمّة المضمون عنه، كان ذلك لغواً.

و المستند فى ذلك:

1 ـ أمّا جواز رجوع الضامن على المضمون عنه مع تحقق الأداء و فرض الإذن، فممّا لاإشكال فيه.(1) و يمكن استفادته من موثق عمر بن يزيد: «سألت أبا عبداللّه‏ عليه‏السلام عن رجل ضمن عن رجل ضماناً، ثم صالَحَ عليه، قال: ليس له إلاّ الذي صالح عليه»(2)، فانه يدلّ على أن السبب فى اشتغال ذمّة المضمون عنه هو الأداء وقبله لااشتغال.

2 ـ و أمّا عدم جواز الرجوع مع عدم الاذن فى الضمان، فلأنّه تبرع من الضامن لا


1 ـ جواهر الكلام: 26 / 133 .
2 ـ وسائل الشيعة: 13 / 153، باب 6 من أحكام الضمان، حديث 1.

(103)


يسوّغ رجوعه، و هو أشبه بأداء دين الغير تبرعاً من دون ضمان.

3 ـ و أمّا أنه لايرجع مع الابراء أو يرجع بما أدّى فى فرض الابراء من الباقى، فلإستفادة ذلك من الصحيحة المتقدّمة.

4 ـ و أمّا براءة ذمّة المضمون عنه لو أبرأ المضمون له الضامنَ، فواضحة؛ إذ البراءة للمضمون له قد تحققت بمجرد الضمان، و أمّا البراءة للضامن، فلما تقدّم من تفرّع جواز الرجوع على المضمون عنه على الأداء.

5 ـ و أمّا أن ابراء المضمون عنه لغو، فلأن ذمّته برئت بمجرد الضمان فلا معني لابرائها.

أجل، إذا فُهم أن المقصود اسقاط الدين رأساً، برئت بذلك ذمّة الضامن.

(104)