مستندات حقّانيّة مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام

وقد يخطر للذهن التساؤل عن الوجه فى حقّانيّة مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام وبالأحري: ما هو الوجه فى حجية حكم الإمام الصادق عليه‏السلام و غيره من أئمة أهل البيت عليهم‏السلام حينما يحصل ذلك منهم فى مختلف القضايا الفقهيّه؟ المستندات كثيرة نشير الى بعضها باختصار.

1 ـ آية التطهير: إنّما يُريدُ اللّه‏ ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويُطهِّركُم تطهيراً (1)، فإنَّ المراد من أهل‏البيت أصحاب الكساء الخمسة: محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين ـ صلوات اللّه و سلامه عليهم ـ فقد ذكر الهيثمى فى صواعقه أنّ: «اكثر المفسّرين على أنَّها نزلت فى على و فاطمة و الحسن و الحسين لتذكير ضمير ـ عنكم ـ و ما بعده»(2).

وإذا رجعنا الى الروايات المفسّرة للآية الكريمة وجدنا انّها تُفَسِّر أهل‏البيت باصحاب الكساء الخمسة و أنّ عددها من غير الشيعة أكثر ممّا ورد من طرقهم.

و كمثال لذلك: روى احمد فى مسنده عن امّ سلمة: «أنَّ النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله كان فى بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعى زوجك و ابنيك، قالت: فجاء على و الحسن و الحسين، فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو على منامة له على دكان(3) تحته كساء له خيبري. قالت: و أنا اُصلّى فى الحجرة، فأنزل اللّه هذه الآية إنّما يُريدُ اللّه ليُذهبَ عنكم الرجس أهل البيت و يُطهِّركم تطهيراً


1ـ الاحزاب: 33.
2 ـ الصواعق المحرقة: 141.
3 ـ البُرمة: قدر من حجر. والحريرة: الدقيق مطبوخ بلبن. والدكان: مرتفع يجلس أوينام‏عليه والكساء: الثوب.

(26)


قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به، ثمّ أخرج يده فألوى بها الى السماء، ثمّ قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتى و خاصَّتى فأذهِب عنهم الرجس و طَهِّرهم تطهيراً. قالت: فأدخلت رأسى البيت فقلت: و أنا معكم يا رسول‏اللّه؟ قال: إنَّكِ إلى خير، إنَّكِ الى خير»(1).

2 ـ حديث الثقلين: الصادر من النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فى مواطن متعدّدة و بأسانيد متعدّدة من غير الشيعة.

و على سبيل المثال روى الحاكم النيسابورى باسناده عن زيد بن أرقم: «لمّا رجع رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله من حَجَّة الوداع و نزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، فقال: كأنى قد دُعيت فاجبت. إنّى قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه تعالى و عترتي، فانظروا كيف تخلفونى فيها، فانَّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض. ثمّ قال: إنَّ اللّه عزّوجل مولاى و أنا مولى كلّ مؤمن. ثم أخذ بيد على ـ رض ـ فقال صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : من كنت مولاه فهذا وليه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه»(2).

و الحديث يستفاد منه اعلميّة أهل البيت عليهم‏السلام بالكتاب الكريم من غيرهم لقرنهم به، وإنَّ التمسك بالكتاب والعترة يمنع من الوقوع فى الضلالة، و إنَّ الابتعاد عنهم والتقدّم عليهم حرام، لأنّه يوقع فى الهلاك، وهذا يعنى بعبارة ثانية حصر الإمامة فيهم. كما و يستفاد منه رابعا عدم انحراف العترة يوما ما عن الكتاب الكريم بل ذلك باقٍ الى يوم القيامة.

3 ـ حديث‏السفينة: المروى بطرق‏متعددة. وكمثال عليذلك: ذكرابن‏حجرالهيثمي:


1 ـ مسند احمد: 6 / 292.
2 ـ مستدرك الحاكم: 3 / 109.

(27)


«جاء من طرق عديدة يقوّى بعضها بعضا: إنّما مثل أهل بيتى فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا. وفى رواية مسلم: ومن تخلّف عنها غرق ...».(1) والدلالة واضحة.

4 ـ حديث الأمان: المروى بطرق متعدّدة أيضا. وكمثال على ذلك: روى الحاكم النيسابورى عن ابن عباس أنَّ رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قال: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتى أمان لأمّتى من الاختلاف، فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس».(2) والدلالة واضحة.

5 ـ حديث الاثنى عشر: المروى بطرق متعدّدة أيضاً. و كمثال على ذلك: روى مسلم فى صحيحه عن جابر بن سمرة: «دخلت مع أبى على النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فسمعته يقول: إنّ هذا الأمر لاينقضى حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة. ثمّ تكلّم بكلام خَفِيَ عليَّ. قال فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش». و قد رواه بسبع طرق.(3)

و دلالة الحديث واضحة حيث لايلتئم مضمونه إلاّ على مبنى الإماميَّة.

الأدوار الثلاثة لفقه أهل البيت عليهم‏السلام

و النقطة المهمة فى هذا البحث ملاحظة ما مرّ به فقه أهل البيت عليهم‏السلام من أدوار و يمكن أن نعدّها ثلاثة، ملاحظين فى تقسيمنا لذلك الظواهر البارزة لما مرّ به الفقه فى كلّ دور.

* الدور الأوّل:

وهو دور الرواة من صحابة الائمة عليهم‏السلام ـ ويبتدأ من الايّام الاولى للتشريع


1 ـ الصواعق المحرقة: 150.
2 ـ مستدرك الحاكم: 3 / 149.
3 ـ صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب 1 «باب الناس تبع لقريش و الخلافة فى قريش»، حديث 5.

(28)


الاسلامى وحتى بداية الغيبة الصغرى سنه 260 ه .

والظاهرة البارزة والمشتركة فى هذا الدور أنَّ الفقه كان يعيش حالة تدوين الروايات وبشكل متناثر لا اكثر، فالاصحاب كانوا يسمعون الأحاديث من المعصومين عليهم‏السلام ويسجّلونها فى مدوّناتهم بشكل غير مبوّب، فكل ما يسمع يسجّل فى أوراق خاصة، فرب حديث يسمع فى باب الطهارة الى ثان فى باب النكاح الى ثالث فى باب الديات، والكل يسجّل فى مكان واحد من دون استيعاب للابواب الفقهية ولا تبويب لها بل هى اشبه بالمذكّرات الشخصية الخاصة.

ولعل اول مدوَّنة ـ بعد استثناء ما كتبه اميرالمؤمنين عليه‏السلام المعروف بكتاب على وما شاكله من الجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليهاالسلام مما تقدّمت الاشارة له سابقا ـ هى مدوَّنة ابى رافع صاحب رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله واميرالمؤمنين عليه‏السلام الذى دخل يوما على النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله وهو نائم او يوحى اليه، و رأى حية فى جانب البيت، فكره ان يقتلها خوفا ان يستيقظ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فنام بينه وبينها كى اذا كان منها سوء توجّه اليه دون النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ، ان هذا الرجل على ما ذكر النجاشى له كتاب باسم كتاب السنن والاحكام والقضايا(1).

ولابنه المسمّى بعلى بن ابى رافع الكاتب لاميرالمؤمنين عليه‏السلام كتاب فى فنون من الفقه كالوضوء والصلاة وسائر الابواب.

و توالت المدوَّنات الفقهية وبلغت الذروة فى عهد الإمامين الباقر والصادق عليهماالسلام حيث سنحت لهما الفُرصة ـ بسبب ضعف السلطة الاموية اواخر ايامها و انتقالها الى السلطة العباسية ـ ببثِّ الكثير من علومهما و تدوين خيار الصحابة من الشيعة لها فى مذكّراتهم الشخصية.


1 ـ رجال النجاشي: ترجمة أبى رافع.

(29)


وبلغت تلك المدوّنات حسب عمليّة الاحصاء التى قام بها الحر العاملى (6600) كتاب(1) الا أنّ الذى اشتهر من بين هذه الكتب (400) كتاب وهى المعروفة بالأصول الأربعمائة التى نتجت منها بعد ذلك الكتب الأربعة للمحمَّدين الثلاثة(2).

يقول ابن حجر عن الإمام الصادق عليه‏السلام : «ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته فى جميع البلدان. وروى عنه الائمة الاكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح و ما لك والسفيانين وابى حنيفة وشعبة وأيّوب السجستاني»(3).

و كان المركز العلمى لمدرسة أهل البيت عليهم‏السلام تلك الفترة هى المدينة المنورة فهى العاصمة لعلومهم و روّادها.

و فى هذه الأثناء انتقل الامام الصادق عليه‏السلام الى الكوفة ـ المركز العلمى الثانى لمدرسة أهل البيت عليهم‏السلام ـ أيّام ابى العباس السفاح واستمر فيها فترة سنتين واشتغل عليه‏السلام فى نشر علومه وافكار مدرسته لضعف السلطة آنذاك بسبب انتقالها من الاُمويين الى العباسيين. وكان منزله عليه‏السلام فى الكوفة فى بنى عبد القيس(4).

ويحدث الحسن بن على الوشاء: «إنّى أدركت فى هذا المسجد ـ مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كلٌ يقول حدَّثنى جعفر بن محمد عليه‏السلام »(5).

ويحدِّث محمد بن معروف: مضيت الى الحيرة الى جعفر بن محمد عليه‏السلام فما كان


1 ـ وسائل الشيعة: آخر الفائدة الرابعة من الفوائد المذكورة فى الخاتمة.
2 ـ و هم: محمد بن يعقوب الكلينى صاحب كتاب الكافي، ومحمد بن على بن الحسين الصدوق صاحب كتاب من لايحضره الفقيه، ومحمد بن الحسن الطوسى صاحب كتاب التهذيب والاستبصار رحمهم‏الله .
3 ـ الصواعق المحرقة: 199.
4ـ تاريخ الكوفة للبراقي: 408 .
5 ـ رجال النجاشي: ترجمه الوشاء.

(30)


لى فيه حيلة من كثرة الناس، فلما كان اليوم الرابع رآنى فادنانى وتفرّق الناس عنه ومضى يريد قبر امير المؤمنين عليه‏السلام فتبعته وكنت اسمع كلامه وانا معه امشي.

وإلى هذه الفترة يشير الحديث الوارد عن الامام الصادق عليه‏السلام «دخلت على ابى العباس بالحيرة، فقال: يا أبا عبداللّه‏، ما تقول فى الصيام اليوم؟ فقال: ذاك إلى الإمام، إن صُمتَ صُمنا وإن افطرتَ افطرنا...»(1).

و كان كبار اصحاب الإمام عليه‏السلام من الكوفة كأبان بن تغلب الذى روى عنه (000/30) حديثا ومحمد بن مسلم الذى روى (000/40) حديثا.

وقد حاول الحافظ ابو العباس بن عقدة الهمدانى الكوفى جمع أسماء من روى عن الإمام الصادق عليه‏السلام فى كتاب فكان عددهم (4000) رجل. وقد نقل من ذلك الكتاب الشيخ الطوسى والنجاشى فى فهرستهما الشيء الكثير.

وبعد هذا فليس من الغريب اذا ما سمعنا الذهبى يقول:

«فهذا ـ التشيّع ـ كثر فى التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء ـ أى الشيعة ـ لذهب جملة الآثار النبويّة»(2).

ونحن حينما ذكرنا أنّ الظاهرة البارزة والمشتركة لهذا الدور، تولد فقه أهل البيت عليهم‏السلام على مستوى تدوين الأحاديث و بشكل متناثر وبدون استيعاب؛ فهذا لايعنى عدم اشتماله على فقهاء كبار يشكّل كلّ واحد منهم فى نفسه بحرا متلاطما كمحمّد بن مسلم و زرارة بن اعين و ابى بصير الذين قال عنهم الإمام الصادق عليه‏السلام :


1 ـ وسائل الشيعة: باب 57 من ابواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 5.
و لايخفى انّ الكبرى المذكورة فى الرواية و إن كانت جدية الاّ انّ التطبيق صادر تقيةً.
2ـ ميزان الاعتدال: 1 / 5.

(31)


«بشّر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلى و أبابصير ليث البُخترى المرادى و محمد بن مسلم و زرارة أربعة نجباء أمناء اللّه على حلاله و حرامه لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة و اندرست»(1).

بل كانوا بمستويً يرى فيهم الإمام عليه‏السلام الاجتهاد والقدرة على الاستنباط ولذا تارةً امرهم بممارسة ذلك فعلاً حيث قال عليه‏السلام : «إنّما علينا أن نلقى اليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا»(2).

واُخرى يحصل منهم مراجع فى الأحكام كيونس بن عبد الرحمان حيث قيل للامام عليه‏السلام إنّي: «لا اكاد اصل اليك اسألك عن كل ما احتاج اليه من معالم دينى أ فيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما احتاج اليه من معالم دينى فقال: نعم»(3).

وثالثة يأمرهم بالإفتاء كأبان بن تغلب حيث قال له الامام عليه‏السلام : «اجلس فى مسجد المدينة و أفت الناس فإنّى اُحبّ ان يُرى فى شيعتى مثلك»(4).

ويدخل على الامام الصادق عليه‏السلام مرّة فلمّا يبصر به يصافحه ويعانقه ويرحّب به ويأمر له بوسادة. وكان إذا قدم المدينة تتقوض له الخلق وتُخلى له سارية النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله (5).

اَوَ ليس من المناسب بعد هذا حينما يصل نعيه الى الامام عليه‏السلام يقول: «واللّه‏ لقد أوجع قلبى موت أبان»(6).



1 ـ رجال الكشّي: ترجمة أبيبصير ليث المرادي.
2 ـ وسائل الشيعة: باب 6 من ابواب صفات القاضي، حديث 51.
3 ـ وسائل الشيعة: باب 11 من ابواب صفات القاضي، حديث 33.
4 ـ رجال النجاشي: ترجمة أبان.
5 ـ نفس المصدر .
6 ـ نفس المصدر .

(32)


* الدور الثاني:

ويبدأ هذا الدور من بداية الغيبة الصغرى سنه 260 ه و حتى فترة زعامة الشيخ الطوسى المولود سنة 385 هـ والمتوفّى سنة 460 ه .

والظاهرة البارزة والمشتركة فى هذا الدور انتقال فقه أهل البيت عليهم‏السلام من كونه مجرد روايات مسجّلة ومن دون تبويب الى عرضه كمتون فقهية لا تتجاوز حدود ما هو الموجود فى الروايات كمّا و لايتعدّى الفاظها، كما نرى هذا واضحا فى شرايع على بن بابويه التى هى رسالته إلى ولده محمد والتى قيل عنها أنّ الاصحاب كانوا متى ما اعوزتهم النصوص اخذوا بشرايع على بن بابويه.

ومن أمثلة ذلك ايضا كتابا «المقنع» و «الهداية» للشيخ الصدوق محمد بن على بن بابويه، وكتاب «النهاية» للشيخ الطوسي.

ولا نعدم فى هذه الفترة اعلاما اقتصروا فى عرض الفقه على تدوين الروايات فقط إلا أنَّ عرضهم كان مبوبا وشاملاً لجميع ابواب الفقه، كما نرى ذلك واضحا فى الكافى للشيخ الكلينى ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق.

هذا هو الطابع العام فى الدور المذكور ولكن هذا لا يعنى عدم وجود أعلام تجاوزوا نطاق النصوص وتعدّوا عنها محاولين بذلك التمسّك بالإستدلالات العقلية ايضا كما هو الحال بالنسبة الى العمّانى والاسكافي.

واذا اردنا التوضيح اكثر، امكن أن نقول: ان هذا الدور ضَمَّ ثلاث مدارس بارزة:

أ ـ مدرسة «قم» و «الري»؛ وكانت هذه المدرسة تحاول التمسك بالنصوص وعدم التعدى عنها إلى الإستدلالات العقلية. ومن جملة أعلام هذه المدرسة الصدوقان (الاب والابن) وابن قولويه. وكانت هذه المدرسة قوّية ومورد اعتماد

(33)


الاصحاب حتى أنَّ سفير الناحية المقدسة الشيخ النوبختى الحسين بن روح يرسل كتاب التأديب الى قم ويكتب إلى جماعة الفقهاء بها: «انظروا ما فى هذا الكتاب وانظروا فيه شيء يخالفكم».(1)

ب ـ مدرسة العمانى والاسكافي؛ وكانت هذه تحاول التمسك بالاستدلالات الاصولية العقلية حتى أنّه قد ينسب اليها العمل بالقياس والرأي.

والعمانى هو الحسن بن على بن ابى عقيل الذى انتهت اليه الزعامة الدينية الشيعية بعد انتهاء فترة الغيبة الصغري.

وقيل: إنَّه أوّل من أدخل الإجتهاد بشكله المعروف الى الأبحاث العلمية واخذ بتحرير الفروع الفقهية وذكر الادلة لها والَّف كتابه المعروف بـ «المستمسك بحبل آل الرسول» الذى قال عنه النجاشي:

«كتاب مشهور فى الطائفة. وقيل ما ورد الحاج من خراسان الا طلب واشترى منه نسخا، وسمعت شيخنا أباعبدالله رحمه‏الله يكثر الثناء على هذا الرجل رحمه‏الله ».(2)

ومع الأسف لم يبق لهذا الكتاب يومنا هذا عين ولا اثر.

والإسكافى هو محمد بن احمد بن الجنيد الذى انتهت اليه شيخوخة المذهب بعد ابن ابى عقيل والفّ كتابين فقهيّين: احدهما باسم «تهذيب الشيعة لاحكام الشريعة» والاخر باسم «الأحمدى فى الفقه المحمدي». ولا اثر لهذين الكتابين يومنا هذا ايضاً.


1 ـ الغيبة للشيخ الطوسي: 240.
2 ـ رجال النجاشي: ترجمة الحسن بن على بن ابى عقيل.

(34)


ج ـ مدرسة بغداد أو بالأحرى مدرسة الشيخ المفيد و تلاميذه التى حاولت أن تجمع بن الاتّجاهين: التمسك بالنصوص و الإستدلالات العقلية. ولعل السبب فى ذلك يعود الى تتلمذ الشيخ المفيد على روّاد كلتا المدرستين السابقتين، فهو من تلامذة ابن الجنيد صاحب المدرسة السابقة وجعفر بن محمد بن قولويه الذى هو من قم ومن روّاد مدرستها.

وللشيخ المفيد عدّة مؤلفات: منها «المقنعة» التى شرحها الشيخ الطوسى فى كتاب باسم «تهذيب الأحكام».

* الدور الثالث:

ويبتدأ هذا الدور من فترة زعامة الشيخ الطوسى وإلى الفترة الحاضرة. والظاهرة البارزة فى هذا الدور تحول الفقه من تدوينه كمتون فقهية موافقة للنصوص فى الفاظها إلى التدوين بلا تقيّد بالفاظها ومع التعدى بذكر تفريعات جديدة لا وجود لها فيها، كل ذلك مع الإستدلال المتكامل بالنصوص والقواعد الأصولية العقلية.

و اول ما وصل بايدينا من نتاج هذا الدور كتاب المبسوط للشيخ الطوسى قدس‏سره .

و هو فى مقدمة الكتاب قد اشار الى ذلك و أنَّ المخالفين لازالوا يستخفون بنا و ينسبون لنا قلّة التفريعات و المسائل مدَّعين أنَّ من لايعمل بالقياس و الاجتهاد ليس باستطاعته تكثير المسائل و التفريع على الأصول. ثم أضاف قائلاً: «و كنت من قديم الزمان متشوقا الى ذلك و لكن يعوقنى قلّة رغبة هذه الطائفة فيه و ترك عنايتهم به، لأنهم الّفوا الاخبار و ما رووه من صريح الألفاظ حتى ان مسألة لو غيّر لفظها و عُبِّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها و قصر فهمهم عنها». ثم قال: «و إنّى كنت قد الَّفت النهاية بالالفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك»

(35)


انتهى ما افاده قدس‏سره .

وهو يدلّ بوضوح على النقلة العظيمة التى قام بها الشيخ من الدور الثانى الى الثالث.

وينبغى ان يكون واضحا انا حينما نعدُّ الفترة المذكورة دورا واحدا فهذا لا يعنى انعدام الظواهر المختلفة فيها، كيف والشيخ بعد أن قام بإعباء هذا التحول وشيَّد اركان مدرسته المباركة فى النجف الأشرف الّتى ارتحل اليها بعد هروبه من بغداد اصاب نهضته العلمية هذا شيء من الركود بعد التحاقه بالرفيق الأعلى بحيث كل من جاء بعده انبهر بعظمته ولم يستطع الوقوف امامه ومناقشة آراءه العلمية، الفترة التى يصفها ابن ادريس ب «فترة المقلدة» ولم يستطع القضاء عليها الا هو، حيث وقف مناقشا لآراء الشيخ العلمية وكسر نطاق الخوف إلا أنَّ هذا لا يعنى حصول تغيّر فى جوهر الدور الذى قام به الشيخ بل إنَّ الطريقة التى قام بها فى مبسوطه باقية إلى يومنا هذا وإن حصلت بعض التغيرات الجانبية.

ولا تفوتنا الإشارة الى ظاهرة الإجماع، فإنَّ الإجماع كدليل إلى جانب بقيَّة الأدّلة برز لدى غير الشيعة بعد وفاة النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله دعما لبعض المواقف التى حصلت فى تلك الفترة وبقى مختصا بهم إلى فترة الشيخ الطوسى واستاذه المرتضى حيث برز لدى الشيعة كدليل يتمسك به واخذوا يستدلّون على حجيته بطريقة اللطف او غيرها حتى انتهت النوبة إلى المحقق التستري، فألّف كتابا خاصا بذلك باسم كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع.

وبقى الإجماع دليلاً يتمسّك به فيما بعد فى كلمات المحقق والعلاّمة والشهيدين ولم يكتف وحده بالبروز فى ميدان الإستدلال حتى انضمّت اليه الشهرة الفتوائية، فكثيرا ما يستدلّ بالإجماع المنقول والشهرة المحققة. الا انه فى الآونة الأخيرة لم

(36)


تبق قيمة معتدٌّ بها لهذين الدليلين وعوّض عنهما بالإرتكاز وسيرة المتشرعة وسيرة العقلاء او ان المسألة ابتلائيَّة، فلو كان فيها حكم اخر لاشتهر وذاع وما شاكل ذلك.

ولا يفوتنا ان نسجّل لمثل المحقق الحلى ما قام به من خدمة جليلة فى تأليف كتابه المشهور ب «شرايع الاسلام» حيث قسم ابواب الفقه الى تقسيم رباعى معروف استمرّت روحه الى وقتنا الحاضر. كما وان المنهجة التى قام بها فى كتابه عند بحثه لكلّ باب والإشارة الى الاقسام بالأرقام وتشقيق كل قسم الى شقوق أخرى بارقام اخرى مضبوطة كل ذلك فضل لا يُنسي.

وهكذا ما قام به العلاّمة من ادخال الرياضيات فى علم الفقه او اجراء ابحاث فقهية مقارنة بين المذاهب جهود مشكورة وثمينة وليس من الانصاف تناسيها.

أجل الذى أراه ـ إن لم أكن مخطئا ـ إنَّ كثيرا من وجوه الإستدلال التى كان يتمسّك بها مثل الشيخ وصاحب السرائر والعلامة و... اصبحت يومنا هذا أشبه بالاستحسانات منها بالأدلة العلمية ونظرة سريعة على فقه القدماء توضّح بشكل جلى ما نقول.

ولا ننسى أن نشير ايضاً إلى أنَّ الابحاث السندية والتدقيق من الزاوية المذكورة ظلَّ مهملاً فى كلمات القدماء بل و إلى يومنا المعاصر تقريبا، فهذا مكاسب الشيخ الأعظم مثلاً لا نجد مثل ذلك فيه.

والنتيجة التى يمكن ان ننتهى اليها ان روح الدور الثالث بقيت على ما هى عليها الى يومنا المعاصر. ولئن حصل هناك تطوّر، فهو فى مسائل جانبية من قبيل:

أ ـ منهجة الأبحاث بشكل اكثر فنية.

ب ـ التعرّض الى فروع اكثر واوسع تبعا للمرحلة الزمنيّة.

ح ـ التعويض بأشكال من الإستدلال اكثر متانة وقوة.

(37)


د ـ محاولة ربط المسائل الفقهية بالمسائل الاصولية بدرجة اكبر.

ه ـ محاولة الاهتمام بالأبحاث السندية بدرجة اقوي.

و ـ اهمال بعض التفريعات القديمة لفقدان الحاجة اليها و التعويض عنها بتفريعات جديدة، تبعا للحاجة الزمنية.

منهجة الأبواب الفقهية

قسَّم المحقق الحلى فى شرائعه الأبواب الفقهية إلى أربعة أقسام: عبادات وعقود وإيقاعات وأحكام.

ووجه ذلك على ما ذكره الشهيد الأول: ان الغاية من الحكم إذا كانت مرتبطة بالآخرة فذاك مورد العبادات.

وان كانت مرتبطة بالدنيا فتارة يحتاج تحققها إلى إيجاب وقبول، وأخرى إلى إيجاب فقط، وثالثة لا يحتاج إلى شيء من ذلك.

والأول مورد العقود، والثانى مورد الإيقاعات، والثالث مورد الأحكام(1).

وهو ان كان بحاجة إلى إصلاح ليبرز دور التشريع الاسلامى فى مجالاته بشكل أكثر فنية إلا انّا نترك ذلك إلى مستوى أعلى من البحث ونسير فى عرضنا للأبواب الفقهية على ضوء التقسيم المتوارث.

نسأل الله سبحانه ان يوفقنا لخدمة دينه الحنيف وان يهدينا الى تطوير الفقه الاسلامى بالشكل المناسب إنَّه خير سميع ومجيب.


1 ـ القواعد والفوائد: 1 / 30.

(38)