(14)
الفقه لغة: الفهم و العلم. و لعلّ منه قوله تعالي: قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا ممّا تَقول(1).
واصطلاحا عبارة عن: مجموع الأحكام الشرعيّة الفرعيّة. و لعلّ منه قوله تعالي: فلولا نفر من كلِّ فرقةٍ منهم طائفة ليتفقَّهوا فى الدين وليُنذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون (2) و قوله صلياللهعليهوآله : «من يُرِد اللّه به خيرا يفقّهه فى الدين»(3)، فإنّ التفقّه فى الدين إذا لم يرد منه خصوص العلم بالأحكام الشرعيّة فلاأقلّ من شمول إطلاقه لها.
وأمّا الاجتهاد، فكان يطلق سابقا على إعمال الرأى والظنون. وهو اليوم بمعنى الاستنباط والقدرة على تحصيل الأحكام من مصادرها الأصلية الآتية.
ومنه يتَّضح أنَّ تعريف الفقه بـ «العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية»(4) تعريف للاجتهاد دونه.
1 ـ هود : 91.
2 ـ التوبة : 122.
3 ـ امالى المفيد: 1 / 158 ؛ صحيح البخاري: 1 / 16.
4 ـ معالم الدين / 66.
(15)
يلتحق الرسول الأعظم صلياللهعليهوآله بالرفيق الأعلى بعد إكمال رسالته الخالدة بشهادة القرآن الكريم: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيتُ لكم الإسلام ديناً (1) وتبرز إثر ذلك مدرستان: «مدرسة النصّ» و «مدرسة الرأى».
و نعنى بالمدرسة الاُولي، مدرسة أهل البيت عليهمالسلام المتمثّلة بشخص رئيسها امير المؤمنين عليهالسلام ومن بعده الذرّيَّة الطاهرة من ولده عليهمالسلام .
والطابع اللائح على هذه المدرسة اعتمادها فى مصادر التشريع على الكتاب والسنَّة لاغير. وحركة الاجتهاد لديها تتحرّك داخل حدود المصدرين المذكورين.
وتنطلق هذه المدرسة فى اقتصارها على المصدرين المذكورين على فكرة وفاء القرآن الكريم وسنَّة الرسول الأعظم صلياللهعليهوآله بكلِّ ما يحتاج اليه المسلمون من أحكام. فالرسول صلياللهعليهوآله قد أودع من السنَّة الشريفة لدى امير المؤمنين والذرّيَّة الطاهرة عليهمالسلام من ولده ما يغنى المسلمين عن الحاجة الى الإعتماد على غير النصّ.
ونعنى بالمدرسة الثانية مدرسة الخلفاء بشخص رئيسها الخليفة الثانى والتى امتدَّت من بعده وبلغت أوجها على يد إمام الأحناف أبى حنيفة الى حدِّ كان يخالف النصّ لأجل الرأى والاستحسان، فقد روى الخطيب البغدادى فى تاريخه إنَّ أباحنيفة كان يقول:
«لو ادركنى رسول الله صلياللهعليهوآله وأدركته، لأخذ بكثير من قولى وهل الدين إلاّ الرأى الحسن»(2).
1 ـ المائدة: 3.
2 ـ تاريخ بغداد: 13 / 390.
(16)
وتعتمد هذه المدرسة فى مصادر التشريع إضافة الى الكتاب والسنَّة على الرأي. وحركة الاجتهاد لديها لاتقتصر على داخل حدود النصّ بل تتعدّاه الى خارجه وتجتهد وفق الرأى والاستحسان أيضاً.
وتنطلق المدرسة المذكورة فى عقيدتها هذه من فكرتها الخاصّة حول الكتاب والسنَّة الشريفين وانَّهما غير وافيين بما يحتاج اليه المسلمون من أحكام.
وقد برزت جذور هذه المدرسة فى عهد النبى صلياللهعليهوآله والسِنى الاُولى من عصر الرسالة، فكان النبى صلياللهعليهوآله وهو الذى لاينطق عن الهوى يقول شيئا وجذور المدرسة المذكورة تحكّم رأيها واجتهادها فى مقابل النصّ.
وعلى سبيل المثال كان النبى صلياللهعليهوآله يأمر بكتابة سنَّته والمدرسة تمنع، ففى حديث عبداللّه بن عمرو بن العاص:
«كنت اكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله صلياللهعليهوآله فنهتنى قريش وقالوا تكتب كلَّ شيء سمعته من رسول الله صلياللهعليهوآله و رسول اللّه بشرٌ يتكلّم فى الغضب و الرضا؟ فامسكتُ عن الكتابة فذكرتُ ذلك لرسول اللّه فأَومأ بإصبعه الى فيه وقال: اُكتُب فو الّذى نفسى بيده ما خرج منه إلاّ حق»(1).
وأمَرَ صلياللهعليهوآله فى اُخريات حياته بإحضار كتاب يكتب لهم فيه ما لا يضلّون بعده أبدا فامتنعت المدرسة وقال بعض رجالها فى حق النبى صلياللهعليهوآله قد غلبه الوجع. وقد حدّثنا البخارى فى صحيحه عن ابن عباس:
«لما
حُضر النبى صلياللهعليهوآله وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هَلمَّ
1 ـ سنن ابى داود: 2
/ 126 ؛ مسند احمد: 2 / 162 ، 207 ، 216 ؛ سنن الدارمي: 1 / 125.
(17)
اكتب لكم كتابا لن تَضلّوا بعده، قال عمر: إنَّ النبى صلياللهعليهوآله غلبه الوجع وعندكم كتاب اللّه فحسبنا كتاب اللّه، واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أَكثروا اللغط والاختلاف، قال: قوموا عنّى ولا ينبغى عندى التنازُع»(1).
و ينقل البخارى فى موضع آخر من صحيحه انّه صلياللهعليهوآله قال: «آتونى بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا، فقالوا: يَهجُر رسول اللّه صلياللهعليهوآله »(2).
و يأمر النبى صلياللهعليهوآله بتنفيذ جيش أسامة ويجتهد آخرون فى مخالفته. يقول الشهرستاني:
«والخلاف الثانى فى مرضه انّه قال: «جهّزوا جيش أسامة، لعن اللّه من تخلَّف عنه» فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة. وقال قوم: قد اشتدَّ مرض النبى صلياللهعليهوآله فلا تسع قلوبنا مفارقته والحال هذه فنصبر حتى نبصر ايّ شيءٍ يكون من أمره».(3)
يقول احمد امين:
«نقل عن كثير من كبار الصحابة قضايا، أفتوا فيها برأيهم كأبى بكر وعمر و زيد بن ثابت ... وكان حامل لواء هذه المدرسة أو هذا المذهب فيما نرى عمر بن الخطاب»(4).
1 ـ صحيح البخاري،
كتاب العلم، باب العلم: 1 / 22 .
2 ـ صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب جوائز الوفد: 2 / 120.
3 ـ الملل و النحل: 23 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد: 1 /
53.
4 ـ فجر الاسلام: 240.
(18)
إنَّ بروز فكرة الاعتماد على الرأى كمصدر ثالث للتشريع فى عهد الرسول الأعظم صلياللهعليهوآله والسِنى الاولى من رحيله الى الرفيق الأعلى له أسبابه السياسية الخاصة المعروفة، ولكن لِمَ أخذت الفكرة المذكورة بالاختمار أكثر حتى بلغت أوجها على يد إمام الحنفية النعمان بن الثابت؟ ذلك يعود الى المنع من تدوين سنَّة الرسول الاعظم صلياللهعليهوآله على يد الخلفاء واستمرارا على يد معاوية وحتى خلافة عمر بن عبدالعزيز الّذى حاول رفع الحصار حيث أمر ابنشهاب الزهرى بتدوين الحديث(1).
ويحدث الذهبى أنَّ الخليفة الأوَّل جمع الناس بعد وفاة النبى صلياللهعليهوآله قائلاً: «إنّكم تُحدِّثون عن رسول اللّه صلياللهعليهوآله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلاتحدثوا عن رسول اللّه صلياللهعليهوآله شيئاً، فمن سألكم، فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه فاستحِلّوا حلاله وحرِّموا حرامه»(2).
ويروى الذهبى أيضاً أنَّ الخليفة الثانى حبس ابن مسعود و أبا الدرداء و أبا مسعود الأنصاري، قائلاً لهم: «أكثرتم الحديث عن رسول اللّه صلياللهعليهوآله »(3). و كان يقول أيضاً للصحابة: «اقلّوا الرواية عن رسول اللّه صلياللهعليهوآله إلاّ فيما يعمل به»(4).
وفى عهد الخليفة الثالث أعلن على المنبر: «لا
يحلّ لأحد يروى حديثا لم يسمع
1 ـ طبقات ابن سعد: 5
/ 140 ؛ فتح الباري، باب كتابة العلم: 1 / 218.
2 ـ تذكرة الحفاظ: 1 / 2 ـ 3 .
3 ـ تذكرة الحفاظ: 1 / 7.
4 ـ تاريخ ابن كثير: 8 / 107.
(19)
به فى عهد أبى بكر و لا فى عهد عمر»(1).
وفى عهد معاوية برزت ظاهرة جديدة وهى الحثّ على اختلاق أحاديث فى فضائل الخلفاء. يقول الطبري:
«إنَّ معاوية لمّا استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين وامّره عليها دعاه وقال له: «قد أردت ايصاءك بأشياء كثيرةٍ، أنا تاركها إعتمادا على بصرك ولست تاركا ايصاءك بخصلة: لا تترك شتم عليّ وذمّه واكثر الترحم على عثمان والاستغفار له والعيب لأصحاب عليّ والإقصاء لهم والإطراء لشيعة عثمان والادناء لهم. فقال له المغيرة: قد جَرَّبتَ وجُرِّبتُ وعملتُ قبلك لغيرك، فلم يذممنى وستبلو فتَحمِد أو تذمّّ فقال: بل نَحمِد إن شاء اللّه»(2).
هذا فى مدرسة الرأى والعكس تماما نجده فى مدرسة أهل البيت عليهمالسلام فالإمام الصادق عليهالسلام يقول: «اكتبوا فانّكم لاتحفظون حتى تكتبوا»(3) و «احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون اليها»(4) و «اعرفوا منازل الناس على قدر رواياتهم عنّا»(5).
وللإمام الصادق عليهالسلام
مناقشات متعددة ودقيقة لمدرسة الرأي. ففى يوم قال
1 ـ منتخب الكنز
بهامش مسند احمد: 4 / 64.
2 ـ تاريخ الطبري: 2 / 112 ؛ تاريخ ابن الأثير: 3 / 102.
3 ـ وسائل الشيعة: باب 8 من ابواب صفات القاضي، حديث 16.
4 ـ وسائل الشيعة: باب 8 من أبواب صفات القاضي، حديث 17.
5 ـ وسائل الشيعة: باب 8 من أبواب صفات القاضي، حديث 7.
(20)
لأبيحنيفة: «أيّما أعظم عند اللّه القتل أو الزنا؟ قال: بل القتل، فقال عليهالسلام : فكيف رضى فى القتل بشاهدين و لميرض فى الزنا إلاّ بأربعة؟ ثمّ قال له: الصلاة أفضل أم الصيام؟ قال: بل الصلاة أفضل، قال عليهالسلام : فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة فى حال حيضها دون الصيام و قد أوجب اللّه عليها قضاء الصوم دون الصلاة. ثمّ قال له: البول أقذر أم المني؟ فقال: البول أقذر، فقال: يجب على قياسك أن يجب الغُسل من البول دون المنى و قد أوجب اللّه تعالى الغُسل من المنى دون البول ... الى أن قال عليهالسلام : تزعم انّك تفتى بكتاب اللّه ولست ممن ورثه وتزعم انّك صاحب قياس و اوّل من قاس إبليس و لم يُبْنَ دين اللّه على القياس»(1).
اَوَ ليس من الحق بعد هذا أن يقول الإمام الصادق عليهالسلام فى حق الحكم بن عتيبة: «فليشرِّق الحَكَمُ وليغرِّب، أما واللّه لايصيب العلم إلاّ من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل»(2).
هناك سؤال يخطر الى الذهن: كيف اكتفت مدرسة أهل البيت بسنّة الرسول صلياللهعليهوآله والحال انّ أغلب الأئمة الطاهرين من ذريّته لم يعاصروه؟
فى هذا المجال يمكن أن يجاب بأنَّ أهل البيت عليهمالسلام قد توارثوا ما عند جدِّهم الرسول الاعظم صلياللهعليهوآله من علوم وكانوا يتناقلون ذلك فيما بينهم صدرا عن صدر فكان لديهم:
أ ـ
كتاب عليّ الّذى هو من إملاء رسول
اللّه صلياللهعليهوآله و خط أمير المؤمنين عليهالسلام ، فعن
1 ـ وسائل الشيعة:
باب 6 من أبواب صفات القاضي، حديث 28.
2 ـ وسائل الشيعة: باب 7 من أبواب صفات القاضي، حديث 23.
(21)
عذافر الصيرفي: «كنت مع الحَكَم بن عتيبة عند أبى جعفر الباقر عليهالسلام فجعل يسأله الحَكَم وكان أبوجعفر له مُكرِما، فاختلفا فى شيء، فقال أبوجعفر: يا بُنيّ! قم فأخرِج كتاب على عليهالسلام فأخرَج كتابا مدرجا عظيما، ففتحه وجعل ينظر فيه حتى أخرج المسألة، فقال أبوجعفر عليهالسلام : هذا خطّ عليّ و إملاء رسولاللّه صلياللهعليهوآله . وأقبل على الحكم وقال: يا أبامحمد! اذهب أنت وسلمة و أبوالمقدام حيث شئتم يمينا وشمالاً، فواللّه لاتجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل»(1).
ب ـ والجامعة، ففى صحيحة أبى بصير: «دخلت على أبى عبداللّه عليهالسلام فقلت له: جعلت فداك إنّى أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبداللّه عليهالسلام سترا بينه و بين بيت آخر، فاطلع فيه، ثمّ قال: يا أبا محمد! سلْ عمّا بدا لك. قال قلت: جعلت فداك إنَّ شيعتك يتحدّثون أنَّ رسولاللّه صلياللهعليهوآله علّم عليّا عليهالسلام باباً يفتح له منه ألف باب، قال: فقال: يا أبامحمد! علّم رسول اللّه صلياللهعليهوآله عليّا عليهالسلام ألف باب يفتح من كلّ باب ألف باب. قال: قلت: هذا واللّه العلم، قال: فنكت ساعة فى الأرض، ثمّ قال: إنّه لعلم وما هو بذاك.
ثمّ قال: يا أبامحمد! و إنّ عندنا الجامعة و ما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك و ما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسولاللّه صلياللهعليهوآله و إملائه من فلق فيه و خطّ عليّ بيمينه، فيها كلّ حلال و حرام و كلّ شيء يحتاج الناس اليه حتى الأرش فى الخدش و ضرب بيده إليّ فقال: تأذن لى يا أبامحمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنّما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزنى بيده و قال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب ...»(2).
1 ـ رجال النجاشي:
ترجمة محمدبن عذافر.
2 ـ اصول الكافي: 1 / 239.
(22)
ج ـ و الجفر، و قد أشار اليه الإمام الصادق عليهالسلام فى الصحيحة المتقدمّة بقوله: «و إنَّ عندنا الجفر و ما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: و ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيّين و الوصيّين و علم العلماء الّذين مضوا من بنى اسرائيل ...»(1).
د ـ ومصحف فاطمة عليهاالسلام ، و قد أشارت له صحيحة أبيعبيدة حينما سأل بعض الأصحاب الإمام الصادق عليهالسلام عنه، فقال عليهالسلام : «إنَّكم لتبحثون عمّا تريدون و عمّا لاتريدون. إنَّ فاطمة مكثت بعد رسولاللّه صلياللهعليهوآله خمسة وسبعين يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل عليهالسلام يأتيها، فيحسن عزائها على أبيها و يطيّب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانه و يخبرها بما يكون بعدها فى ذرّيَّتها وكان على عليهالسلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليهاالسلام »(2).
هذا كلّه، بالإضافة إلى الوسائل الغيبية الّتى كان يزوّد اللّه تبارك و تعالى بها أئمّة أهلالبيت عليهمالسلام بما يشاء من العلم، ففى غير واحد من الأخبار: لولا أنّهم عليهمالسلام يزدادون لنفد ما عندهم(3). كما أنّ فى غير واحد من الأخبار أيضاً: إذا أراد الإمام أنيعلم شيئاً أعلمه اللّه ذلك(4) .
و بهذا يتَّضح الجواب عن تساؤل آخر و هو:
كيف يحصل العلم للأئمّة من أهلالبيت عليهمالسلام وكيف يتداولونه؟ إنَّ الوسيلة
المهمّة لذلك بالإضافة إلى الوسائل الغيبية هى تداول الكتب السابقة. وفى حديث سليم
بن قيس: «شهدت وصيّة
أميرالمؤمنين عليهالسلام حين أوصى الى ابنه الحسن عليهالسلام و اشهد على وصيَّته
الحسين عليهالسلام
1 ـ اصول الكافي: 1 /
239.
2ـ اصول الكافي: 1 / 241.
3 ـ اصول الكافي: 1 / 254.
4 ـ اصول الكافي: 1 / 258.
(23)
ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثمّ دفع إليه الكتاب و السلاح و قال لإبنه الحسن عليهالسلام : يا بُنيّ! أمرنى رسولاللّه صلياللهعليهوآله أن اُوصى إليك و أن ادفع اليك كتبى وسلاحى كما أوصى إليّ رسولاللّه صلياللهعليهوآله و دفع إليّ كتبه و سلاحه و أمرنى أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين عليهالسلام . ثم أقبل على ابنه الحسين عليهالسلام فقال: وأمرك رسولاللّه صلياللهعليهوآله أن تدفعها الى ابنك هذا ثمّ أخذ بيد على بن الحسين عليهالسلام ، ثمّ قال لعلى بن الحسين: و أمرك رسولاللّه صلياللهعليهوآله أن تدفعها الى ابنك محمد بن على و أقرأه من رسولاللّه صلياللهعليهوآله و منّى السلام»(1).
وقد تجلّى ممّا سبق أنَّ مصادر التشريع التى يمكن الاستناد اليها فى فقه أهل البيت عليهمالسلام إثنان: «الكتاب الكريم» و «السنَّة الشريفة».
وأمّا الإجماع، فعدُّه مصدرا مستقلاً مبنيّ على المسامحة، لأنّه بما هو إجماع و من دون كاشفيّته عن موافقة المعصوم عليهالسلام ليست له قيمة فى نظرنا، و لانسلم بالمقالة القائلة: «لا تجتمع اُمتى على ضلال». فالقيمة على هذا الأساس للسنّة، أى لرأى المعصوم عليهالسلام المنكشف بالإجماع، و دور الإجماع ليس إلاّ دور الكاشف عن السنّة.
وأمّا العقل، فليس له حقّ التشريع ولا معنى لأن يحصل له القطع بحرمة شيء أو وجوبه، إذ ليس له طريق لإدراك ملاكات الأحكام. أجل يمكن أن يحصل له القطع فى موردين:
أ ـ باب الملازمة، كأن يقطع بالملازمة بين وجوب الشيء و وجوب
مقدمته أو
1 ـ اصول الكافي: 1 / 297.
(24)
حرمة ضدّه. ومتعلّق القطع فى هذا هو الملازمة دون الحكم. وبضمّ القطع المذكور الى حكم الشارع بوجوب شيء معيّن يستكشف أنّ الشارع قد حكم بوجوب المقدّمة أو حرمة الضدّ.
ب ـ الأحكام البديهيّة الواضحة كوجوب العدل وحرمة الظلم مثلاً، ولكن فى هذين الحكمين وما شابههما توجد أدلة شرعيّة تدلّ على ذلك و لايكون عدُّ العقل مصدرا من مصادر التشريع بعد هذا قضيّةً فنّية.
ونؤكّد: إنّ دور العقل فى الموردين المذكورين ـ الملازمة و الأحكام البديهيّة ـ دور المدرك و المستكشف دون المؤسّس والحاكم، إذ ليس من حقّه ذلك.
و إذا سألت عن السيرة هلاّ يصلح عدُّها مصدرا من مصادر التشريع؟ كلاّ لايمكن ذلك، لأنّ حجيّتها تنبع من كاشفيّتها عن رأى المعصوم عليهالسلام الّذى هو السنّة وإلاّ فهى لا قيمة لها.
أمّا كيف تكشف السيرة عن موافقة المعصوم عليهالسلام ؟ ذلك لأنّها إذا كانت عقلائية ومعاصرة لزمن المعصوم عليهالسلام فعدم الردع عنها يدلّ على امضائها، وإذا كانت متشرعية ومتصلة بزمن المعصوم عليهالسلام فهى تكشف مباشرة عن موافقته وإلاّ لم تكن سيرة متشرعة(1).
وأمّا الاستصحاب وبقية الاُصول العملية، فهى قواعد عامّة مستفادة من السنّة وليست شيئا مستقلاً فى مقابلها.
1 ـ تجد تفصيل البحث حول السيرة في: دروس فى علم الاصول ، الحلقة الثانية، ص 137 ـ 140 و 153 ـ 159 ، ط مجمع الفكر الاسلامي.
(25)