كيف تَطوَّر فقه أهل البيت عليهم‏السلام

الفقه لغة وإصطلاحا

مدرسة النصّ ومدرسة الرأى

مصادر التشريع فى فقه أهل البيت عليهم‏السلام

مستندات حقّانيَّة مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام

الأدوار الثلاثة لفقه أهل البيت عليهم‏السلام

(14)


الفقه لغةً واصطلاحا

الفقه لغة: الفهم و العلم. و لعلّ منه قوله تعالي: قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا ممّا تَقول(1).

واصطلاحا عبارة عن: مجموع الأحكام الشرعيّة الفرعيّة. و لعلّ منه قوله تعالي: فلولا نفر من كلِّ فرقةٍ منهم طائفة ليتفقَّهوا فى الدين وليُنذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون (2) و قوله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله : «من يُرِد اللّه‏ به خيرا يفقّهه فى الدين»(3)، فإنّ التفقّه فى الدين إذا لم يرد منه خصوص العلم بالأحكام الشرعيّة فلاأقلّ من شمول إطلاقه لها.

وأمّا الاجتهاد، فكان يطلق سابقا على إعمال الرأى والظنون. وهو اليوم بمعنى الاستنباط والقدرة على تحصيل الأحكام من مصادرها الأصلية الآتية.

ومنه يتَّضح أنَّ تعريف الفقه بـ «العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية»(4) تعريف للاجتهاد دونه.



1 ـ هود : 91.
2 ـ التوبة : 122.
3 ـ امالى المفيد: 1 / 158 ؛ صحيح البخاري: 1 / 16.
4 ـ معالم الدين / 66.

(15)


مدرسة النصّ و مدرسة الرأى

يلتحق الرسول الأعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله بالرفيق الأعلى بعد إكمال رسالته الخالدة بشهادة القرآن الكريم: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيتُ لكم الإسلام ديناً (1) وتبرز إثر ذلك مدرستان: «مدرسة النصّ» و «مدرسة الرأى».

و نعنى بالمدرسة الاُولي، مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام المتمثّلة بشخص رئيسها امير المؤمنين عليه‏السلام ومن بعده الذرّيَّة الطاهرة من ولده عليهم‏السلام .

والطابع اللائح على هذه المدرسة اعتمادها فى مصادر التشريع على الكتاب والسنَّة لاغير. وحركة الاجتهاد لديها تتحرّك داخل حدود المصدرين المذكورين.

وتنطلق هذه المدرسة فى اقتصارها على المصدرين المذكورين على فكرة وفاء القرآن الكريم وسنَّة الرسول الأعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله بكلِّ ما يحتاج اليه المسلمون من أحكام. فالرسول صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قد أودع من السنَّة الشريفة لدى امير المؤمنين والذرّيَّة الطاهرة عليهم‏السلام من ولده ما يغنى المسلمين عن الحاجة الى الإعتماد على غير النصّ.

ونعنى بالمدرسة الثانية مدرسة الخلفاء بشخص رئيسها الخليفة الثانى والتى امتدَّت من بعده وبلغت أوجها على يد إمام الأحناف أبى حنيفة الى حدِّ كان يخالف النصّ لأجل الرأى والاستحسان، فقد روى الخطيب البغدادى فى تاريخه إنَّ أباحنيفة كان يقول:

«لو ادركنى رسول الله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله وأدركته، لأخذ بكثير من قولى وهل الدين إلاّ الرأى الحسن»(2).



1 ـ المائدة: 3.
2 ـ تاريخ بغداد: 13 / 390.

(16)


وتعتمد هذه المدرسة فى مصادر التشريع إضافة الى الكتاب والسنَّة على الرأي. وحركة الاجتهاد لديها لاتقتصر على داخل حدود النصّ بل تتعدّاه الى خارجه وتجتهد وفق الرأى والاستحسان أيضاً.

وتنطلق المدرسة المذكورة فى عقيدتها هذه من فكرتها الخاصّة حول الكتاب والسنَّة الشريفين وانَّهما غير وافيين بما يحتاج اليه المسلمون من أحكام.

وقد برزت جذور هذه المدرسة فى عهد النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله والسِنى الاُولى من عصر الرسالة، فكان النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله وهو الذى لاينطق عن الهوى يقول شيئا وجذور المدرسة المذكورة تحكّم رأيها واجتهادها فى مقابل النصّ.

وعلى سبيل المثال كان النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله يأمر بكتابة سنَّته والمدرسة تمنع، ففى حديث عبداللّه‏ بن عمرو بن العاص:

«كنت اكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فنهتنى قريش وقالوا تكتب كلَّ شيء سمعته من رسول الله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و رسول اللّه‏ بشرٌ يتكلّم فى الغضب و الرضا؟ فامسكتُ عن الكتابة فذكرتُ ذلك لرسول اللّه‏ فأَومأ بإصبعه الى فيه وقال: اُكتُب فو الّذى نفسى بيده ما خرج منه إلاّ حق»(1).

وأمَرَ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فى اُخريات حياته بإحضار كتاب يكتب لهم فيه ما لا يضلّون بعده أبدا فامتنعت المدرسة وقال بعض رجالها فى حق النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قد غلبه الوجع. وقد حدّثنا البخارى فى صحيحه عن ابن عباس:

«لما حُضر النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هَلمَّ


1 ـ سنن ابى داود: 2 / 126 ؛ مسند احمد: 2 / 162 ، 207 ، 216 ؛ سنن الدارمي: 1 / 125.

(17)


اكتب لكم كتابا لن تَضلّوا بعده، قال عمر: إنَّ النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله غلبه الوجع وعندكم كتاب اللّه‏ فحسبنا كتاب اللّه‏، واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أَكثروا اللغط والاختلاف، قال: قوموا عنّى ولا ينبغى عندى التنازُع»(1).

و ينقل البخارى فى موضع آخر من صحيحه انّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قال: «آتونى بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا، فقالوا: يَهجُر رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله »(2).

و يأمر النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله بتنفيذ جيش أسامة ويجتهد آخرون فى مخالفته. يقول الشهرستاني:

«والخلاف الثانى فى مرضه انّه قال: «جهّزوا جيش أسامة، لعن اللّه‏ من تخلَّف عنه» فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة. وقال قوم: قد اشتدَّ مرض النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فلا تسع قلوبنا مفارقته والحال هذه فنصبر حتى نبصر ايّ شيءٍ يكون من أمره».(3)

يقول احمد امين:

«نقل عن كثير من كبار الصحابة قضايا، أفتوا فيها برأيهم كأبى بكر وعمر و زيد بن ثابت ... وكان حامل لواء هذه المدرسة أو هذا المذهب فيما نرى عمر بن الخطاب»(4).


1 ـ صحيح البخاري، كتاب العلم، باب العلم: 1 / 22 .
2 ـ صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب جوائز الوفد: 2 / 120.
3 ـ الملل و النحل: 23 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد: 1 / 53.
4 ـ فجر الاسلام: 240.

(18)


لماذا الحاجة الى مصدر ثالث

إنَّ بروز فكرة الاعتماد على الرأى كمصدر ثالث للتشريع فى عهد الرسول الأعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله والسِنى الاولى من رحيله الى الرفيق الأعلى له أسبابه السياسية الخاصة المعروفة، ولكن لِمَ أخذت الفكرة المذكورة بالاختمار أكثر حتى بلغت أوجها على يد إمام الحنفية النعمان بن الثابت؟ ذلك يعود الى المنع من تدوين سنَّة الرسول الاعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله على يد الخلفاء واستمرارا على يد معاوية وحتى خلافة عمر بن عبدالعزيز الّذى حاول رفع الحصار حيث أمر ابن‏شهاب الزهرى بتدوين الحديث(1).

ويحدث الذهبى أنَّ الخليفة الأوَّل جمع الناس بعد وفاة النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قائلاً: «إنّكم تُحدِّثون عن رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلاتحدثوا عن رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله شيئاً، فمن سألكم، فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه فاستحِلّوا حلاله وحرِّموا حرامه»(2).

ويروى الذهبى أيضاً أنَّ الخليفة الثانى حبس ابن مسعود و أبا الدرداء و أبا مسعود الأنصاري، قائلاً لهم: «أكثرتم الحديث عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله »(3). و كان يقول أيضاً للصحابة: «اقلّوا الرواية عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله إلاّ فيما يعمل به»(4).

وفى عهد الخليفة الثالث أعلن على المنبر: «لا يحلّ لأحد يروى حديثا لم يسمع


1 ـ طبقات ابن سعد: 5 / 140 ؛ فتح الباري، باب كتابة العلم: 1 / 218.
2 ـ تذكرة الحفاظ: 1 / 2 ـ 3 .
3 ـ تذكرة الحفاظ: 1 / 7.
4 ـ تاريخ ابن كثير: 8 / 107.

(19)


به فى عهد أبى بكر و لا فى عهد عمر»(1).

وفى عهد معاوية برزت ظاهرة جديدة وهى الحثّ على اختلاق أحاديث فى فضائل الخلفاء. يقول الطبري:

«إنَّ معاوية لمّا استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين وامّره عليها دعاه وقال له: «قد أردت ايصاءك بأشياء كثيرةٍ، أنا تاركها إعتمادا على بصرك ولست تاركا ايصاءك بخصلة: لا تترك شتم عليّ وذمّه واكثر الترحم على عثمان والاستغفار له والعيب لأصحاب عليّ والإقصاء لهم والإطراء لشيعة عثمان والادناء لهم. فقال له المغيرة: قد جَرَّبتَ وجُرِّبتُ وعملتُ قبلك لغيرك، فلم يذممنى وستبلو فتَحمِد أو تذمّّ فقال: بل نَحمِد إن شاء اللّه‏»(2).

هذا فى مدرسة الرأى والعكس تماما نجده فى مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام فالإمام الصادق عليه‏السلام يقول: «اكتبوا فانّكم لاتحفظون حتى تكتبوا»(3) و «احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون اليها»(4) و «اعرفوا منازل الناس على قدر رواياتهم عنّا»(5).

مناقشة أهل البيت عليهم‏السلام لمدرسة الرأى

وللإمام الصادق عليه‏السلام مناقشات متعددة ودقيقة لمدرسة الرأي. ففى يوم قال


1 ـ منتخب الكنز بهامش مسند احمد: 4 / 64.
2 ـ تاريخ الطبري: 2 / 112 ؛ تاريخ ابن الأثير: 3 / 102.
3 ـ وسائل الشيعة: باب 8 من ابواب صفات القاضي، حديث 16.
4 ـ وسائل الشيعة: باب 8 من أبواب صفات القاضي، حديث 17.
5 ـ وسائل الشيعة: باب 8 من أبواب صفات القاضي، حديث 7.

(20)


لأبيحنيفة: «أيّما أعظم عند اللّه‏ القتل أو الزنا؟ قال: بل القتل، فقال عليه‏السلام : فكيف رضى فى القتل بشاهدين و لم‏يرض فى الزنا إلاّ بأربعة؟ ثمّ قال له: الصلاة أفضل أم الصيام؟ قال: بل الصلاة أفضل، قال عليه‏السلام : فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة فى حال حيضها دون الصيام و قد أوجب اللّه‏ عليها قضاء الصوم دون الصلاة. ثمّ قال له: البول أقذر أم المني؟ فقال: البول أقذر، فقال: يجب على قياسك أن يجب الغُسل من البول دون المنى و قد أوجب اللّه‏ تعالى الغُسل من المنى دون البول ... الى أن قال عليه‏السلام : تزعم انّك تفتى بكتاب اللّه‏ ولست ممن ورثه وتزعم انّك صاحب قياس و اوّل من قاس إبليس و لم يُبْنَ دين اللّه‏ على القياس»(1).

اَوَ ليس من الحق بعد هذا أن يقول الإمام الصادق عليه‏السلام فى حق الحكم بن عتيبة: «فليشرِّق الحَكَمُ وليغرِّب، أما واللّه‏ لايصيب العلم إلاّ من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل»(2).

أهل البيت امتداد لسنَّة الرسول صلي‏الله‏عليه‏و‏آله

هناك سؤال يخطر الى الذهن: كيف اكتفت مدرسة أهل البيت بسنّة الرسول صلي‏الله‏عليه‏و‏آله والحال انّ أغلب الأئمة الطاهرين من ذريّته لم يعاصروه؟

فى هذا المجال يمكن أن يجاب بأنَّ أهل البيت عليهم‏السلام قد توارثوا ما عند جدِّهم الرسول الاعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله من علوم وكانوا يتناقلون ذلك فيما بينهم صدرا عن صدر فكان لديهم:

أ ـ كتاب عليّ الّذى هو من إملاء رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و خط أمير المؤمنين عليه‏السلام ، فعن


1 ـ وسائل الشيعة: باب 6 من أبواب صفات القاضي، حديث 28.
2 ـ وسائل الشيعة: باب 7 من أبواب صفات القاضي، حديث 23.

(21)


عذافر الصيرفي: «كنت مع الحَكَم بن عتيبة عند أبى جعفر الباقر عليه‏السلام فجعل يسأله الحَكَم وكان أبوجعفر له مُكرِما، فاختلفا فى شيء، فقال أبوجعفر: يا بُنيّ! قم فأخرِج كتاب على عليه‏السلام فأخرَج كتابا مدرجا عظيما، ففتحه وجعل ينظر فيه حتى أخرج المسألة، فقال أبوجعفر عليه‏السلام : هذا خطّ عليّ و إملاء رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله . وأقبل على الحكم وقال: يا أبامحمد! اذهب أنت وسلمة و أبوالمقدام حيث شئتم يمينا وشمالاً، فواللّه‏ لاتجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل»(1).

ب ـ والجامعة، ففى صحيحة أبى بصير: «دخلت على أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام فقلت له: جعلت فداك إنّى أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبداللّه‏ عليه‏السلام سترا بينه و بين بيت آخر، فاطلع فيه، ثمّ قال: يا أبا محمد! سلْ عمّا بدا لك. قال قلت: جعلت فداك إنَّ شيعتك يتحدّثون أنَّ رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله علّم عليّا عليه‏السلام باباً يفتح له منه ألف باب، قال: فقال: يا أبامحمد! علّم رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله عليّا عليه‏السلام ألف باب يفتح من كلّ باب ألف باب. قال: قلت: هذا واللّه العلم، قال: فنكت ساعة فى الأرض، ثمّ قال: إنّه لعلم وما هو بذاك.

ثمّ قال: يا أبامحمد! و إنّ عندنا الجامعة و ما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك و ما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و إملائه من فلق فيه و خطّ عليّ بيمينه، فيها كلّ حلال و حرام و كلّ شيء يحتاج الناس اليه حتى الأرش فى الخدش و ضرب بيده إليّ فقال: تأذن لى يا أبامحمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنّما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزنى بيده و قال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب ...»(2).



1 ـ رجال النجاشي: ترجمة محمدبن عذافر.
2 ـ اصول الكافي: 1 / 239.

(22)


ج ـ و الجفر، و قد أشار اليه الإمام الصادق عليه‏السلام فى الصحيحة المتقدمّة بقوله: «و إنَّ عندنا الجفر و ما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: و ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيّين و الوصيّين و علم العلماء الّذين مضوا من بنى اسرائيل ...»(1).

د ـ ومصحف فاطمة عليهاالسلام ، و قد أشارت له صحيحة أبيعبيدة حينما سأل بعض الأصحاب الإمام الصادق عليه‏السلام عنه، فقال عليه‏السلام : «إنَّكم لتبحثون عمّا تريدون و عمّا لاتريدون. إنَّ فاطمة مكثت بعد رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله خمسة وسبعين يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل عليه‏السلام يأتيها، فيحسن عزائها على أبيها و يطيّب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانه و يخبرها بما يكون بعدها فى ذرّيَّتها وكان على عليه‏السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليهاالسلام »(2).

هذا كلّه، بالإضافة إلى الوسائل الغيبية الّتى كان يزوّد اللّه تبارك و تعالى بها أئمّة أهل‏البيت عليهم‏السلام بما يشاء من العلم، ففى غير واحد من الأخبار: لولا أنّهم عليهم‏السلام يزدادون لنفد ما عندهم(3). كما أنّ فى غير واحد من الأخبار أيضاً: إذا أراد الإمام أن‏يعلم شيئاً أعلمه اللّه ذلك(4) .

و بهذا يتَّضح الجواب عن تساؤل آخر و هو: كيف يحصل العلم للأئمّة من أهل‏البيت عليهم‏السلام وكيف يتداولونه؟ إنَّ الوسيلة المهمّة لذلك بالإضافة إلى الوسائل الغيبية هى تداول الكتب السابقة. وفى حديث سليم بن قيس: «شهدت وصيّة أميرالمؤمنين عليه‏السلام حين أوصى الى ابنه الحسن عليه‏السلام و اشهد على وصيَّته الحسين عليه‏السلام


1 ـ اصول الكافي: 1 / 239.
2ـ اصول الكافي: 1 / 241.
3 ـ اصول الكافي: 1 / 254.
4 ـ اصول الكافي: 1 / 258.

(23)


ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثمّ دفع إليه الكتاب و السلاح و قال لإبنه الحسن عليه‏السلام : يا بُنيّ! أمرنى رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله أن اُوصى إليك و أن ادفع اليك كتبى وسلاحى كما أوصى إليّ رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و دفع إليّ كتبه و سلاحه و أمرنى أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين عليه‏السلام . ثم أقبل على ابنه الحسين عليه‏السلام فقال: وأمرك رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله أن تدفعها الى ابنك هذا ثمّ أخذ بيد على بن الحسين عليه‏السلام ، ثمّ قال لعلى بن الحسين: و أمرك رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله أن تدفعها الى ابنك محمد بن على و أقرأه من رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و منّى السلام»(1).

مصادر التشريع فى فقه أهل البيت عليهم‏السلام

وقد تجلّى ممّا سبق أنَّ مصادر التشريع التى يمكن الاستناد اليها فى فقه أهل البيت عليهم‏السلام إثنان: «الكتاب الكريم» و «السنَّة الشريفة».

وأمّا الإجماع، فعدُّه مصدرا مستقلاً مبنيّ على المسامحة، لأنّه بما هو إجماع و من دون كاشفيّته عن موافقة المعصوم عليه‏السلام ليست له قيمة فى نظرنا، و لانسلم بالمقالة القائلة: «لا تجتمع اُمتى على ضلال». فالقيمة على هذا الأساس للسنّة، أى لرأى المعصوم عليه‏السلام المنكشف بالإجماع، و دور الإجماع ليس إلاّ دور الكاشف عن السنّة.

وأمّا العقل، فليس له حقّ التشريع ولا معنى لأن يحصل له القطع بحرمة شيء أو وجوبه، إذ ليس له طريق لإدراك ملاكات الأحكام. أجل يمكن أن يحصل له القطع فى موردين:

أ ـ باب الملازمة، كأن يقطع بالملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدمته أو


1 ـ اصول الكافي: 1 / 297.

(24)


حرمة ضدّه. ومتعلّق القطع فى هذا هو الملازمة دون الحكم. وبضمّ القطع المذكور الى حكم الشارع بوجوب شي‏ء معيّن يستكشف أنّ الشارع قد حكم بوجوب المقدّمة أو حرمة الضدّ.

ب ـ الأحكام البديهيّة الواضحة كوجوب العدل وحرمة الظلم مثلاً، ولكن فى هذين الحكمين وما شابههما توجد أدلة شرعيّة تدلّ على ذلك و لايكون عدُّ العقل مصدرا من مصادر التشريع بعد هذا قضيّةً فنّية.

ونؤكّد: إنّ دور العقل فى الموردين المذكورين ـ الملازمة و الأحكام البديهيّة ـ دور المدرك و المستكشف دون المؤسّس والحاكم، إذ ليس من حقّه ذلك.

و إذا سألت عن السيرة هلاّ يصلح عدُّها مصدرا من مصادر التشريع؟ كلاّ لايمكن ذلك، لأنّ حجيّتها تنبع من كاشفيّتها عن رأى المعصوم عليه‏السلام الّذى هو السنّة وإلاّ فهى لا قيمة لها.

أمّا كيف تكشف السيرة عن موافقة المعصوم عليه‏السلام ؟ ذلك لأنّها إذا كانت عقلائية ومعاصرة لزمن المعصوم عليه‏السلام فعدم الردع عنها يدلّ على امضائها، وإذا كانت متشرعية ومتصلة بزمن المعصوم عليه‏السلام فهى تكشف مباشرة عن موافقته وإلاّ لم تكن سيرة متشرعة(1).

وأمّا الاستصحاب وبقية الاُصول العملية، فهى قواعد عامّة مستفادة من السنّة وليست شيئا مستقلاً فى مقابلها.


1 ـ تجد تفصيل البحث حول السيرة في: دروس فى علم الاصول ، الحلقة الثانية، ص 137 ـ 140 و 153 ـ 159 ، ط مجمع الفكر الاسلامي.

(25)