الفصل التاسع

آفات التبليغ وموانعه

الف) العوامل الداخلية
ب) العوامل الخارجية


الفصل التاسع
التبليغ و الآفات(1) و الموانع

كلّ حركة تريد النجاح و تحاول التمسّك بالاصول الّتي نادت بها دون أن تحيد عنها، فعليها أن تبذل قصارى الجهد في دراسة الموانع التي تقع في طريقها والآفات الّتي تفسد عليها ما تروم اليه من مقاصد و اهداف. والتبليغ غير مستثنى من هذه القاعدة.(2) قال عليٌ عليه‏السلام: لكلّ شيءٍ آفة. بل هو مصداق بارز لها كما سنبّين؛ لأنّ التبليغ من جهة يعتبر حركة سياسية اجتماعية و كل حركة سياسية و اجتماعية ـ كما قدّمناـ لها موانع و افات تفرض على القائمين بها أن يتعرّفوا على الموانع التي تقع في قبالها.

1 ـ الآفة عرض يفسد ما يصيبه، المصباح المنير: 1 / 29.
2 ـ ميزان الحكمة: 1، الحديث 514.

و سوف لانعير للموانع الطبيعية أيّ اهتمام بل نصبّ اهتمامنا على الموانع غير الطبيعيّة ثم نتّخذ التدابير اللاّزمة لازالتها والسيطرة عليها لنتمكّن من أداء هذه الوظيفة الالهية كما ينبغي، و الاّ فالاسلام في خطرٍ يُحتاج إلى جنود مجنّدة، سلاحها العلم والتقوى. فان فقدوا، فسوف يكون مصير الاسلام،هو كما تنبّأ به اميرالمؤمنين علي عليه‏السلام : «يأتي على الناس زمان لا يبقى فيهم من القرآن الاّ رسمه و من الاسلام الاّ اسمه».(1)
بعد انتصار الثورة الإسلامية، الاّ انّ المؤمرات التي حيكت من قبل عالم الاستكبار حالت بيننا و بين ما كنا نروم اليه، فالثمرات كانت هزيلة. فعليه لابدّ لنا ان نغيّر من نهجنا و ان نتّخذ أسلوباً آخر لمخاطبة هذا الجيل الفتي، ان نستفيد من علم النفس، بصورة عامة و من التّسلّح بالدليل والبرهان لنكون في مستوى الاسئلة المطروحة من قبل الشباب.
وللتعرّف على آفات التبليغ علينا بدراسة المبلّغ نفسه، محتوى التبليغ، الجماعة التي يحل عليها المبلّغ ضيفا و الجهة المسؤولة عن ارسال المبلّغ.

1 ـ غررالحكم، ص 111.

ويمكن تقسيم آفات التبليغ الى قسمين:

الف ـ العوامل الداخلية
ب ـ العوامل الخارجيّة.

الف ـ العوامل الداخلية:

1 ـ مخالفة القول للعمل: اذا كان الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ اخر، لا يترك التبليغ أيّ اثر، بل قد يكون نفس التبليغ مساعد على الإثم و مشجّعاً على الانحراف والسقوط.
القران الكريم يقول «فاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ.»(1) و معنى ذلك: يا أيّها المبلّغ انت ـ ايضاً ـ كن سباقاً فاعمل بموعظتك قبل الناس و استدم العمل بها و كن كما قال الصادق عليه‏السلام : «كونوا دعاةً للناس بغير السنتكم».(2)
و لا تكن مصداقاً للاية الكريمة: «أَتَأمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ و تَنسَونَ اَنفُسَكُم و أَنتُم تَتلُونَ الْكِتابَ»(3).
2 ـ التبليغ المباشر: ان الجيل الناشيء قد لايرغب الى هذا النوع من التبليغ و قد يترك الامر بالمعروف و النهي عن المنكر المباشر أثراً سلبيا على نفسه فهو يتذمر من كلمة «افعل» و «لاتفعل».
نعم هناك من المخاطبين من يروق له هذا الطريق و يحاول التقرّب من المبلّغ و محاورته والتحدّث معه عن قرب، الاّ اننّا مسؤولون عن جميع افراد المجتمع و يجدر بنا ان نخاطب كلّ قسم من افراد المجتمع بالطريقة الّتي يألفها و يحبّها.

1 ـ سورة البقرة، الآية 148.
2 ـ اصول الكافي: 2 / 78.
3 ـ سورة البقرة، الآية 44.

3 ـ ضعف الاخلاص: الاخلاص الناتج من الايمان القوي هو ملاك لقبول الاعمال و ردّها و بدونه لا يكون للعمل قيمة و لا اثر: «و مَآ أُمِرُوآاْ إِلاّ لِيَعبُدُوا اللّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ و يُقِيمُوا الصَّلوةَ و يُؤتُوا الزَّكوةَ و ذَلِكَ دينُ القَيِّمَةِ».(1)
فإذن لابدّ للمبلّغ أن يخلص في عمله للّه‏ سبحانه و تعالى لإنّ التوفيق بالتبليغ منوط بالاخلاص و بالاخلاص يجتني المبلّغ الثمرات من تبليغه.
4 ـ الضعف العلمي: ينبغي على المبلّغ أن لايطرح ما يجهل العلم به، لأن هذا يؤدّي به الى القول الباطل و الى ضلالة الناس، فكما قال المثل: «يريد ان يعربه فيعجمه»؛ لانّه قد يأخذ علمه من مصادر مضلّة، أو يكتفي بالسماع من دون تحقيق و دراسة. والمسموعات قد تكون جذابة و لكنّها بعض الاحيان وبالنظرة العميقة قد تكون من وحي الشيطان:
«... شَياطِينَ الاِنسِ و الجِنِّ يُوحِى بَعضُهُم اِلى بَعضٍ زُخرُفَ القَولِ غُرُورا....»(2).
«و لاَ تَقْفُ ما لَيسَ لَكَ بِه عِلمٌ إِنَّ السَّمعَ و البَصَرَ و الفُؤادَ كُلُّ اُولئِكَ كانَ عَنهُ مَسئُولاً»(3).
لاتقف ما ليس لك به علم، لابدّ من التحقيق و التدقيق في المسموعات، فان اتبعت واقتفيت ما لا علم لك به، سوف تكون مسئولاً عنه يوم القيمة، و لابدّ من الجواب ـ و لا جواب لك ـ يوم يحضر الناس لدى ربّهم ليجيبوا عمّا قدّموا من اعمال.

1 ـ سورة البيّنة، الآية 5.
2 ـ سورة الانعام، الآية 112.
3 ـ سورة الإسراء، الآية 36.

و في اية أخرى يقول: «... و تَقُولُون بِاَفْواهِكُم ما ليسَ لَكم بِهِ عِلمٌ و تَحسَبونَهُ هَيِّناً و هو عندَ اللّهِ عَظيمٌ».(1)
الذي تظنّونه هيّناً هو ـ بالحقيقة والواقع ـ ذنب عظيم لأنّ كلامكم هذا سوف يؤدّي بالناس الى الضلالة و بالأمّة الى الهوي والهلاك. فعليه لابدّ للمبلّغ أن يكون ذا بصيرة. والقرآن يحدّثنا على لسان الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «أَدْعُوا إِلى اللّه‏ِ على بَصِيرَةٍ أنَا وَ مَنِ أتَّبَعَنِى»(2).
5 ـ عدم التقييم الصحيح: على المبلّغ أن يختار نموذجا للتبليغ و يدرس المنطقة التي تمّ بها التبليغ ومدى تأثير تبليغه عليهم، يدرس نقاط الضعف والاخطاء التي صدرت منه و سببّت عدم نجاحه ـ أن كان النموذج الذي اختاره غير موفق ـ . ثم يحاول بعد الدراسة أن يتجنّب الاخطاء والاشتباهات في الكرة الثانية. و هذا التقييم الصحيح والدراسة الصحيحة لنفسه و للمنطقة التي حلّ بها تكسبه درساً يستفيد منه في المستقبل.

1 ـ سورة النور، الآية 15.
2 ـ سورة يوسف، الآية 108.

6 ـ عدم الالتفات الى الزمان و المكان: القاء نظرة قصيرة على الاعلام العالمي و كيف انه سخّر جميع ادواته لتضليل المؤمنين باساليب مختلفة، تحتم على المبلّغ الواعي ان يلاحظ الزمان والمكان ملاحظة جدّية. يجب عليه أن يعرف ان الكلمة الفلانية في الظرف الفلاني من زمان و مكان انسب من غيرها، وان يلاحظ الاوليات والضّروريات بالنسبة الى ذلك الظرف، فمثلاً إذا حلّ في مكان مجدب قد بخلت عليه السماء يتكلّم عن المطر و عن اثر الدعاء في جلب الامطار؛ لأنّ الامطار رحمة ينتظرها افراد ذلك المجتمع، والدعاء باب امل و فرج، فهو بذلك قد زرع في قلوب الناس الامل و جرّهم الى الدعاء والتوجّه والالتفات الى عالم الغيب.
7 ـ التشبّث بالرأي: حبّ الذات و الإباء من قول «لا اعلم» توقع الانسان في مطبات منها الاعتزاز برأيه نفسه حتّى و لو لم يكن عن مطالعة و فهم و هذا ما نعبّر عنه بالاجتهاد بالرأي و هو عبارة اخرى عن الافتراء على اللّه‏ سبحانه وتعالى، لأنّه بهذا الاجتهاد الخاطى‏ء يجعل الحلال حراماً والحرام حلالاً ـ والقرآن قد شجب هذا العمل واستنكره.
«و لاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفَ اَلْسِنَتُكُم الكَذِبَ هذا حَلالٌ و هذا حَرَامٌ لِتَفتَروا عَلى اللّهِ الكَذِبَ اِنّ الَّذينَ يَفترونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لاَ يُفلِحُونَ»(1).
و كذلك قد استنكرت الاحاديث التفسير بالرأي الصادر من الاعجاب بالنفس والاعتزاز برأيها: «من فسرّ القرآن برأيه فقد افترى على اللّه‏ الكذب».(2)
و قد استنكرت الاحاديث البدعة التي قد تصدر من الاعجاب بالنفس والاعتزاز بها. الاّ انّه هناك فرق بين البدعة و الاجتهاد؛ لانّ الاجتهاد حسن الاستنباط بينما البدعة تقوّل على اللّه‏ سبحانه و تعالى.

1 ـ سورة النحل، الآية 116.
2 ـ بحارالانوار: 36 / 227.

فنعود لنقول مرّة ثانية،لابدّ من التحقيق و كثرة المطالعة لكي يتجنّب المبلّغ الاخطاء و لكي لا يكون سبباً في تحريف المعارف و موجبا لاختلاط الحق بالباطل؛ لانّ اختلاط الحق بالباطل يمهّد للشيطان الاستيلاء على اوليائه.
قال اميرالمؤمنين عليه‏السلام : «و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان فهنا لك يستولي الشّيطان على اوليائه».(1)
و لا يفرط المبلّغ في التحدّث بحيث يفسّر الاسلام بشكل اخر و ينسب الى الاسلام ما ليس منه بل يجب عليه أن يبيّن الاسلام كما هو. و يتجنب الخرافات والاوهام والسنن الباطلة، و ان يحافظ على استقلاله و لايمدّ يدالعون في حياته الماديّة الى غير الصلحاء، و ان يتجنّب السذاجة و لا يؤمن بكلّ شيءٍ يسمعه من دون تحقيق؛ ليسير على الصراط المستقيم و نهجه القويم و ليجلب رضاه، فانه خير موفّق و معين.

8 - و من العوامل الداخلية الاخرى:

1) نسيان التكليف من قبل المبلّغ و هو هداية الناس الى الخوض في الدعاية للاحزاب السياسية و اثارة الاختلافات.
2) عدم العناية بالنشأ الجديد من الاطفال والمراهقين والشباب.
3) الغفلة عن ذكر اللّه‏ والتهجّد والعبادة الخالصة لوجهه تعالى و عدم الالفة والانس مع القران و احاديث اهل البيت عليهم‏السلام .
4) عدم القدرة على تفهيم الرسالة لضعف البيان، الحديث المغلق، عدم الفصاحة والبلاغه، كثرة الكلام، التّكرار الممل، العصبيّة و سرعة التأثّر، الافتراء على الناس و لدغ الاخرين، التردّد في الاماكن التي تنفّر منها النّاس، المشي مع الافراد المنفورين من قبل المجتمع، النزهة التي لا تخلو من مخالفة الشرع والشأنية، و عدم انشراح الصدر.

1 ـ نهج‏البلاغه، فيض‏الاسلام، الخطبة 5.

5) التّحدث بكلام بعيد عن الصواب و بدون تثبّت قد يخلق بلبلة في المجتمع و يثير المشاكل فيه.
6) التصوّر السلبي عن المجتمع الذي يبلّغ فيه.
7) التحجر و اظهار التقدس.
8) تبرير الاعمال المنافية للشرع و للشأنية الصادرة منه أو من مسئولي المحلّة او من اي شخص.
9) عدم البرمجة المدروسة والصحيحة للتبليغ، حيث أنّ اميرالمؤمنين عليه‏السلام يقول: «التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم»(1).

ب ـ العوامل الخارجية:

1) عدم اختيار المبلّغ الناجح، الاختيار العشوائي من دون رعاية الضوابط و عدم البرمجة لاختيار المبلّغين.
2) عدم ملاحظة الاولويات الواقعية في ارسال المبلّغ الى الاماكن المختلفة.
3) عدم الرقابة على اعمال المبلّغ والتقييم الصحيح لاعماله و نشاطاته للاستفادة منه في مناسبات أخرى.
4) جهل المبلّغ بالمنطقة التي يرسل اليها ثقافياً و سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً.

1 ـ بحارالانوار: ج 71، الباب 82، الحديث 1.

5) عدم الالتفات الى الزمان و المكان، المجتمع، نفسيات المجتمع، والاعداء في المجتمع.
6) عدم البرمجة الكلّية للتّبليغ بصورة عامة و للمستويات المختلفة بصورة خاصة.
7) قلة المصادر العلمية و التخصيصية للتبليغ و عدم وجود مكتبة تخص التبليغ.
8) الضعف في التعليم اللازم والضروري والاكتفاء بالتعاليم القديمة الموروثة من القدماء.
9) الموانع المختلفة في محل التّبليغ؛ مثل عدم وجود الامكانيات اللازمة للتّبليغ أو محل المناسب لاستراحة المبلّغ، عدم اعتناء الناس، المؤامرات ضد المبلغ، وجود برامج جذابة كالرياضة متزامنة مع ساعات نشاطه التبليغية.
10) تعدّد الجهات المسئولة عن ارسال المبلّغين واختلاف الاذواق و عدم البرمجة الكلية ينتج عنه تزاحم المبلّغين و كثرتهم في منطقة و حرمان منطقة أخرى من المبلّغ، و كثرة المبلّغين في منطقة يوجب الاختلاف و عدم التنسيق.
11) عدم الاستمرار في ارسال المبلّغين الى منطقة و وجود الفواصل الطويلة يهيّى‏ء لاعداء الدين الفرصة المناسبة للنفوذ في المجتمع.
12) عدم تهيئة ما يحتاجه المبلّغ من امكانيات تبليغية و عدم رفع حوائجه الماديّة من قبل المراكز المسئولة عن ارسال المبلّغين.
13) ضياع الاموال المدّخرة والامكانيات للتبليغ بسبب عدم وجود برمجة موحّدة حيث ان المجتمع ليس بقادر على ان يدفع المصاريف المكررة من دون مشاهدة النشاطات الايجابيّه المؤثّرة.
 

الاسئلة:

1 ـ ما هو المقصود من افات التبليغ؟
2 ـ اذكر خمسة انواع من الافات الداخلية للتبليغ.
3 ـ اذكر خمسة انواع من الافات الخارجية للتبليغ.