من العلوم التي يحتاجها المبلّغ، علم النفس حيث يعدّ معرفة المخاطب، الشرط
الرئيسي للتبليغ. لهذا يجب على المبلّغ أن يحترز من استعمال الكلام المتناقض
والمغلق وغيرالواضح. لأنّه كما أن أسس التربية تقوم على علم النفس، فكذلك أسّس
الدعوة تقوم على علم النفس.
التربية تختصّ عادة بالاطفال والمراهقين والشباب، والخطابة توجه عادة للكهول و
الشيوخ الذين تطبعوا بعقيدة. فالتأثير على هذا الصنف من الناس يكون صعباً فدعت
الحاجة الى ان نستعين بعلم النفس لنتمكن من النفاذ الى قلوبهم. اذا نظرنا الى قواعد
الخطابة نراها منطبقة انطباقاً كاملاً مع اساليب علم النفس و منسجمة معها.
فلابد من الاستفادة من اساليب علم النفس في فن الخطابة.
وبعبارة اخرى: لابدّ للخطيب ان يكون عالماً بالنفس في نطاق عمله بحيث يتمكّن بنظرة
واحدة التعرّف على المخاطب والتعرّف على اسلوب النفوذ الى قلبه و طريقة اقناعه و
ترغيبه في الدين.
علم النفس يمكّن الخطيب بأن يكون مسيطراً على اعصابه، قاهراً للخوف والقلق، ذا
حافظةٍ قوية و يتمكّن بأن يكون متمرّناً على تركيز حواسه والسيطرة على افكاره و كما
قلنا سابقاً، يتمكّن من قراءة افكار السامع و التعرف على حالاته النفسية والتجنّب
من المسائل التي تثير حسّاسيّة المخاطب و نفرته، و على الخطيب ايضاً ان يخرج ـ بعض
الأحيان ـ من علم النفس الفردي الى علم نفس الاجتماعي، بحيث يكون خبيراً بالثقافة
العامة التي يتمتع بها مخاطبوه و اذا لم يكن ذا علم بها سوف لا تلقى خطابته من
السامعين تقبّلاً بل سوف تبوء بالفشل. فمثلاً الخطيب الذي لا علم له بثقافة علماء
الدين قد يتحدّث في مجلس علماء الدين عن مضار شرب الخمر والادمان عليه، و في حفلة
الزواج عن سكرات الموت، و أن يأتي بالنكات واللطائف المضحكة في مجلس التأبين و
يتكلّم عن اليأس عند الاندفاع والهياج والامل.(1)
فلكي يكون التبليغ ناجحاً و مؤثّراً، سواء كان التبليغ بالطريق المباشر او غير
المباشر، لابدّ أن ننظر الى الخصائص العامّة للمخاطب و لابدّ من ملاحظة مشاعره و
ميوله. فمن الوظائف الحسّاسة للخطيب إذن تهيأة المخاطب نفسياً لسماع كلامه.
1 ـ اصول و مبادى سخنورى، ص 112.
وبعبارة أخرى: على الخطيب أن يهيّأ المناخ الطيب لفكرته قبل القائها لكي لا
تواجه كلمته الاشمئزاز والصدود من قبل المخاطب. و هذا الامر الخطير يفرض على
المبلّغ أن يعدّ برنامجاً شاملاً و طويلاً، يتجنّب فيه السذاجة والتسرع في الحكم
والقضاء على معرفة أفكار الاخرين و معنوياتهم.
مخاطبة الأطفال تفرض على المبلغ أن يستخدم الكلمات القصيرة التي لا يشعر الطفل من
سماعها الملل و السأم. حينها يكون الطفل مهيّئاً لسماع الكلمات الجميلة والحلوة
المملوءة رأفةً و حناناً و هو ينظر الى اخلاق و سلوك المبلّغ قبل ان ينظر و يلتفت
الى ماتتضمّنه الكلمة من معارف و افكار.
و امّا الشباب والمراهقون ، فحبّ الذات و الاعجاب بالنفس لديهم يصل الى درجته
القصوى، يرون ضالّتهم في الافكار الجديدة كما انّهم يحتاجون ان تراعى مشاعرهم؛ لان
لهم حوائج و ميول مختلفة، هادفون ينظرون الى واقع الحياة بأمل، يهربون من الاخلاق
الخشنة الّتي فيها شمّة تكبّر و لاتراعي حبّهم لذاتهم. فعلى المبلّغ المخاطب للشباب
ان يكون كلامه مزيجاً من المنطق والاستدلال والعطف والحنان بخلاف الاطفال التي
يركّز في مخاطبتهم على العاطفة فقط دون المنطق والاستدلال.
إنّ الاسلام خاتم الأديان، جاء لاستقرار العدالة الاجتماعية وانقاذ البشر من مخالب
الظلم والعبوديّة.
وقد بيّن طريقا للحرّيّة الا وهو الوحي الموجود بين دفّتي القرآن، هذا وانّ النّبي
وسائر المعصومين عليهمالسلام بذلوا قصارى جهدهم في تفسيره وبيانه كي ينتفع منه
عامة النّاس، لأنه كتاب هداية والجميع بحاجة اليه .
وقد أنزله ـ القرآن ـ اللّه عزّوجلّ الذي لا يتصور حدّا لقدرته وطاقاته وله اطلاع
كامل بحالات الانسان و هو لامثيل لهدايته وارشاده وللسبب نفسه يطلب من الناس
الاستجابة له ولرسوله صلىاللهعليهوآله من اجل الوصول الى الحياة الطيبة حيث
يقول:
«... إِستَجِيبُوا لِلَّهِ و لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُم لِما يُحيِيكُم...»(1).
قال عزّ من قائل مبيّنا غرض النّبي حيث يقول:«... يَأمُرُهُم بِالمَعرُوفِ و
يَنْهَهُمْ عَن المُنكَرِ و يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ و يُحَرِّمُ عَلَيهِمُ
الخَبائِثَ و يَضَعُ عَنهُم إِصْرَهُم و الاَغْلالَ الّتِى كَانَتْ عَلَيهِم».(2)
اذن يجب القول بأنّ القرآن موعظة و ذكر لكافّة الخلق:«إِنْ هوَ إِلاّ ذِكرٌ
لِلْعَالَمِينَ »(3). «يا ايّها النّاسُ قد جاءَتكُم مَّوعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُم و
شِفَآءٌ لِّما فِى الصُّدُور»(4).
لذلك نشاهد الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله يحضّ الناس على اللجوء الى القرآن
عند وقوع الفتن، حيث يقول صلىاللهعليهوآله :«فإذا التبست عليكم الفتن كقطع
الليل المظلم فعليكم بالقرآن»(5)
ويقول صلىاللهعليهوآله في حديث آخر: «انّ هذا القرآن مأدبة اللّه فتعلّموا من
مأدبته ما استطعتم وانّ أصفر البيوت لبيت أصفر من كتاب اللّه »(6).
يبيّن لنا هذا الحديث وسعة مأدبة اللّه وهو القرآن الذي يجب ان نتعلّم منه أدب
الخُلق ومراعاة حدود الاشياء والاّ ـ لا سمح اللّه ـ سوف يصاب المجتمع والاسرة
باضمحلال خُلقي لعدم التزامهم بالقرآن.
1 ـ سورة الانفال، الآية 24 .
2 ـ سورة الاعراف، الآية 157 .
3 ـ سورة ص، الآية 87 .
4 ـ سورة يونس، الآية 57 .
5 ـ اصول الكافي: 2/ 598 .
6 ـ الامالي، السيد المرتضى مجلس 27 .
قد قال سيّد الانبياء صلىاللهعليهوآله :أدّبني ربّي فأحسن تأديبي (1).نحن
ايضا يجب ان نتخلّق بالقرآن كي نستطيع القيام بخدمة البشريّة . وطبعا لن يتحقق هذا
الأمر إلاّ أن نكون من المتّقين لأنّ القرآن «هُدىً لِلْمُتَّقِين»(2).
تنقسم الهداية الربّانيّة الى قسمين :
الف) الهداية العامة:
ب) الهداية الخاصة: وهي تختص بالمتقين دون سواهم.
ويُثارهنا يتّجه سؤال وهو اذا كان القرآن ذكر لجميع العالمين كما صرّح فلماذا
تختصّ الهداية بنوع خاص من النّاس؟ فتراه يكرر هذه المقولة بانّه «هدىً
لِلمُتَّقيِن»، «وهدىً وبُشرى لِلمُؤمِنين»(3).
فالجواب ان المتقي هو الذي يستهدي بالقرآن لا انّه حصر على المتقين في خطابه بل هو
يخاطب جميع البشر. فالقرآن لا يقتصر في دعوته ـ كما ذكرنا ـ على الفطرة الانسانية
فحسب و انّما يرتكز على العقل الانساني أيضاً، و على هذا الاساس يدعو(4) الانسان
الى السير والحركة و يوصي الظالم و المظلوم ان يرجعا الى الحق بحيث ان هذه الدعوة
شملت حتى فرعون الظالم(5)، و ما اكثر الناس الذين رجعوا الى الحق.
1 ـ الجامع الصغير السيوطي .
2 ـ سورة البقرة، الآية 2.
3 ـ سورة البقرة، الآية 97.
4 ـ سورة طه، الآيات 43 و 44 .
5 ـ سورة الشورى، الآية 13.
فالذين ينصاعون لأحكام القرآن الكريم هم اصحاب الروح الطاهرة، المتطلّعون الى
الحقيقة، لا يرجون من رجوعهم الى القران الكريم المنافع الماديّة و لالخيرات
الدنيوية.(1)
فمخاطبو القران الكريم صنفين ، أما الصنف الأول فيتّصف بالسمات التالية:
1) التسأم من سماع الخطب و الكلام الاّ انه على كل حال تصغي اليه.
2) يصغون الى الدعوة بصعوبة و كبرياء: «كَبُرَ على المُشركينَ مَا تَدعُوهُم
اِلَيه...».(2)
3) يغفلون او يتغافلون عن الدعوة: «وَ مَن أَضَلُّ مِمَّن يَدعُوا مِن دُونِ
اللَّهِ مَن لَّايَستَجِيبُ لَهُ اِلى يَومِ القِيمَةِ وهُمْ عن دُعَآئِهِم
غفِلُونَ.».(3)
4) يفرّون من سماع الكلام و يولّونه ادبارهم: «... فَلَمَّا جَآءَهُم نَذِيرٌ مَّا
زادَهُم إِلاَّ نُفُوراً.».(4)
5) لا تؤثر فيهم الدعوة: «و سَوآءٌ عَلَيهِم ءَاَنذَرتَهُم اَمْ لَم تُنذِرهُم
لاَيُؤمِنُونَ.».(5)
1) يستمعون الى الدعوة وليسوا بصمّ و لا بكم: «والَّذينَ إِذَا ذُكِّرُوا
بِأَيتِ رَبِّهِم لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمَّاً و عُمْيَاناً.».(6)
2) تؤثر في قلوبهم: «اِنَّ فِى ذلكَ لَذِكرى لِمَن كانَ لَهُ قَلبٌ او اَلقَى
السَّمعَ و هُوَ شَهِيدٌ.».(1)
1 ـ تبليغ و مبلّغ در آثار شهيد مطهرى، ص 76.
2 ـ سورة الشورى، الآية 13.
3 ـ سورة الاحقاف، الآية 5.
4 ـ سورة فاطر، الآية 42.
5 ـ سورة يس، الآية 10.
6 ـ سورة فرقان، الآية 73.
3) يبكون عند استماع الدعوة: «وإذَا سَمِعُواْ مآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
تَرَى أَعْيُنَهُم تَفِيضُ من الدَّمعِ مِمَّا عَرَفُوا منَ الحقِّ يَقُولُونَ
رَبَّنآ ءَامنَّا فَاكتُبنَا مع الشّهِدِينَ.».(2)
4) يخشعون عند سماع الدعوة: «اِنَّ الَّذِينَ اُوتُوا العِلمَ مِن قَبلِهِ إِذا
يُتلى عَلَيهِم يَخِرُّونَ لِلأَذْقَان سُجَّداً».(3)
وقد قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله :
«من أصغى الى ناطق فقد عبده فان كان الناطق عن اللّه عزّوجلّ فقد عبد اللّه فان كان
الناطق من ابليس فقد عبد ابليس»(4).
وقد روى الامام الرضا عليهالسلام عن آبائه عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله انّه
قال: ايّما مخاطب صغى الى خطيب فقد اصبح عبدا له، لذا اذا كان الخطيب يروي عن اللّه
فقد عبد اللّه وان كان يروي عن الشيطان فقد عبد الشيطان .
قد يفهم من هذه الرواية وجوب اتباع عباد اللّه للحق.
ومن مظاهر ذلك الاستماع والاصغاء الى كلام الخيّرين الاطياب . قال امير المؤمنين
عليهالسلام :
«اذا جلست الى عالم فكن على ان تسمع أحرص منك على ان تقول وتعلّم حسن الاستماع كما
تعلّم حسن القول ولا تقطع على أحد حديثه»(5).
1 ـ سورة ق، الآية 37.
2 ـ سورة المائده، الآية 83.
3 ـ سورة الإسراء، الآية 107.
4 ـ عيون اخبار الرضا عليهالسلام : 1/ 304 .
5 ـ مشكوة الانوار، ص 134 .
و ان هذا التوجيه و النصيحة هو أحد طرق السعادة والاعراض عنه يوجب الشقاء .قد
ورد انّ الامام الباقر عليهالسلام وعظ جماعة في مجلسه وحذّرهم وهم ساهون ولاهون
فأغاظه ذلك فاطرق عليهالسلام مليّا ثمّ رفع رأسه اليهم فقال: يا اشباحا بلا أرواح
وذبابا بلا مباح كأنّكم خشب مسنّدة مربّدة(1).ترى لماذا هم على تلك الحالة؟لأنّهم
لم يعملوا بكلام امير المؤمنين عليهالسلام حيث يقول:« عوّد اذنك حسن الاستماع».لذا
فانّ الغافل الجاهل لن يستفيد من الخطيب وان كان ذلك الخطيب نبيّا، بينما اذا كان
المخاطب صاغيا الى مايقوله الخطيب سوف يحرّك الخطيب مشاعره لينقل إليه ما يعلم.
ما أسوء امّة لم تستفد من امامها وتعضّ على يديها حين فوت الاجل . وقد قال عزّمن
قائل:
«و يَومَ يَعَضُّ الظَالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقولُ يلَيتَنِى اتَّخَذتُ مَع
الرَّسُولِ سَبِيلاً»، «يوَيلَتى لَيتَنِى لَم اَتّخِذ فُلانا خليلاً»، «لقد
اَضَلَّنِى عن الذِّكرِ بَعدَ اِذْ جآءَنِى و كان الشَّيطانُ لِلاْءِنسانِ
خَذُولاً»، «و قالَ الرَّسولُ يا ربِّ إِنَّ قَومِى اتّخَذُوا هذا القرءَآنَ
مَهجُوراً.»(2).
1 ـ تحف العقول، ص 291 .
2 ـ سورة الفرقان، الآيات 27 ـ 30 .
وما على المبلّغين والدعاة الاّ القيام بواجبهم وابلاغ ما القي على كاهلهم وان
لا ييأسوا في مسيرهم وان يتحمّلوا المشاق الصعاب بغية ابلاغ الدين الالهي و لا
يمتنعوا عن قول الحقّ فالساكت عن الحقّ شيطان أخرس. وقد قال امير المؤمنين
عليهالسلام :« أخسر النّاس من قدر على ان يقول الحقّ ولم يقل »(1).
وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله :« أعلم النّاس من جمع علم الناس الى
علمه».(2)
وممّا يجب ذكره في الخاتمة انّه يجب على المبلّغ ان يقنع المخاطب ويرضيه ،طبعا في
هذا المجال على المخاطب ان يصغي وينصت الى الخطيب الذي يجب أن يعلم ان الخطاب لن
يكون مجديا الاّ عند توفّر الشروط التالية:
1) ان يكون الخطاب جذاباً بغية لفت انتباه المخاطب.
2) ان تراعى في الخطاب حاجات المخاطب.
3) ان يشحن الخطاب باستدلالات بعيدة عن التعقيد وبمستوى فهم المخاطب.
ولن يصل المبلّغ المخاطب الى غاياته الاّ عند وجود الدواعي وتوفّرها لديهم.
1 ـ غرر الحكم .
2 ـ سخن و سخنورى، فلسفى، ص 219 .
1 ـ ما هو دور و فائدة علم النفس في التبليغ؟
2 ـ هل يختص القرانالكريم بجهة خاصّة؟ لماذا؟ اذكر رأي الشهيدالمطهّري حول هذا
الموضوع.
3 ـ اذكر سمات مخاطبي القران الكريم؟
4 ـ ماهي الشروط اللازم توفرها في الخطاب.