الفصل الثالث

الدعوة و اهدافها

1) الدعوة إلى التوحيد والقسط
2) الدعوة إلى عالم الغيب
3) الدعوة إلى المعاد
4) الدعوة إلى مكارم الاخلاق
5) الدعوة إلى التعليم والتعلّم
6) الدعوة إلى جهاد النفس
7) الدعوة إلى الحرّية الاجتماعية والحرّية المعنوية
8) الدعوة إلى العبادة
9) الدعوة إلى الفطرة والتفكر
10) الدّعوة في كلام الامام الحسين عليه‏السلام

الفصل الثالث

الدعوة و اهدافها

من خلال ما مرَّ آنفاً اتّضح ان (الهدف) الاصلُ الاصيل للدعوة (التبليغ) في الشريعة الاسلامية، هو فلاح الانسان في داري الدنيا والآخرة. و ـ هو في الواقع ـ يتطابق مع اهداف بعثة الأنبياء و امامة الائمة عليهم‏السلام .
ولنذكر فيما يلي أهّم أهداف التبليغ، وهي مستفادة من المباني الفكرية للشهيد مرتضى المطهري(1) قدس‏سره .
 

1) الدعوة إلى التوحيد و القسط:

الاسلام يرى الخير والصلاح و الفلاح في معرفة اللّه‏ عزّ وجل والتقرّب اليه و اقامة العدل والقسط. و هذا هو الهدف الأصيل لبعثة الأنبياء التي تنطوي على أمرين:

1 ـ تبليغ و مبلغ در آثار، شهيد مطهرى، ص 33.

الأوّل : التوحيد النظري والتوحيد العملي الفردي، كما دلّت عليه الاية الكريمة:
«يأيّها النَّبىُّ إِنّا أَرسَلْنَاك شَاهِداً و مُبشِّراً و نَذيِراً و داعياً إِلَى اللّه‏ِ بإذْنِهِ و سِراجاً مُّنِيراً»(1).
والثاني: اقامة التوحيد العملي الاجتماعي (العدل والقسط). كما يصرّح بذلك القرآن الكريم:
«لَقَد اَرسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيّناتِ و اَنزَلنا مَعَهُمُ الْكِتابَ و الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسطِ...»(2).
 

2) الدعوة الى عالم الغيب:

الأنبياء، هم حلقة الوصل بين الناس و عالم الغيب و تهدف دعوتهم الى فتح نافذة للناس يطلعون منها على عالم الغيب.
 

3) الدعوة الى المعاد:

يعتبر الايمان بالمعاد من أهمّ الاصول التي يجب أن يعتقد بها الانسان المؤمن، الى جانب التوحيد ، قال اللّه‏ تبارك و تعالى في كتابه الكريم: «... والمُؤمِنُونَ بِاللّهِ واليَومِ الآخِرِ أُولئكَ سَنُؤْتِيهِم اَجْرا عَظيما».(3)

1 ـ سورة الاحزاب، الآية 45 و 46.
2 ـ سورة الحديد، الآية 25.
3 ـ سورة النساء، الآية 162.

 

4) الدعوة الى مكارم الاخلاق:

قال رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «انّي بعثت لأتمّم مكارم الاخلاق»(1).
إن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هو القدوة وقد حاز على مكانة رفيعة في سماء الأخلاق والمثل العليا، كما شهد له القران بذلك «و إنَّك لَعَلى خُلُقٍ عَظيِمٍ»(2) فنراه يدعو الناس ليكونوا مثله.
 

5) الدعوة إلى التعليم والتعلّم:

حثّت الشريعة الاسلامية على عنصر التزكية الى جانب التعليم والتعلّم :
«هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الاُْمِّيّين رَسُولاً مِنْهُم يَتلُوا عَلَيهِم ءَآيَاتِهِ و يُزَكِّيهِمْ و يُعَلِّمُهُمُ الكِتبَ وَ الْحِكمَةَ و...»(3).
اذن للمعلّم مقام مرموق و رفيع وتقع على كاهله وظيفة عُظمى، اذ تكمن مهمّته الرئيسية في تزكية النفوس الى جانب التعليم، ولأجل ذلك رفع اللّه‏ عزّوجلّ درجاته حيث قال:
«يَرفَعِ اللّه‏ُ الَّذِينَ ءَآمَنُوا مِنْكُم والَّذينَ اُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ ...».(4)

1 ـ المحجة البيضاء: 5 / 89.
2 ـ سورة القلم، الآية 4.
3 ـ سورة الجمعة، الآية 2.
4 ـ سورة المجادلة، الآيه 11.

قيل دخل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يوماً المسجدَ، فشاهد جماعتين، جماعة مشغولة بالعبادة و اخرى بطلب العلم والتعلّم، فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : كلتاهما على خير و من السعداء الاّ انّي بُعثت معلّماً.(1) في هذه الحادثة تجد نقطة هامّة جدّاً تشير الى ضرورة التعليم والتعلّم و اهتمام نبيّ الاسلام بهما.
 

6) الدعوة الى جهاد النفس:

إنّ الاسلام شريعة تدعو الى جهاد الطواغيت والظلمة : «فَقاتِلُوا أَوليآءَ الشَّيْطانِ، إِنَّ كَيدَ الشَّيطانِ كانَ ضَعِيفا».(2) هذا من جانب ومن جانب اخر تدعو الى جهاد النفس وقمع الاهواء التي تجرّ الانسان الى الهاوية:«يأَيّهَا الَّذينَ ءَآمَنوا تُوبُوا إِلىَ اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحَا عَسى رَبُّكُم اَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم و...»(3): فلابدّ من جهاد النفس حتّى ينال الانسان تلك الدرجة الرفيعة التي يرى اللّه‏ فيها شاهداً على افعاله و اعماله و ما تكسب جوارحه.
يقول امير المؤمنين عليه‏السلام في وصيّته لابنيه: «كونا للظالم خصماً و للمظلوم عوناً»(4).
قيل انّ الامام الكاظم عليه‏السلام اجتاز على دار فسمع اصوات الغناء و الملاهي تعلو منها وقد خرجت من هذا البيت جارية لتلقي القمامة، فالتفت الامام اليها قائلاً: يا جارية: صاحب هذه البيت حرّ أم عبد؟ فقالت: حرّ. فقال عليه‏السلام : صدقت لو كان عبداً لخاف من مولاه . ودخلت الجارية البيت، وكان بشر على مائدة السكر ، فقال لها: ما ابطأك؟ فنقلت له ما دار بينها وبين الامام. فخرج بشر حافياً مسرعاً حتَّى لحق بالامام، فتاب على يديه واعتذر منه وبكى؛ وبعد ذلك أخذ في تهذيب نفسه واتصل باللّه‏ عن معرفة وايمان حتَّى فاق اهل عصره في الورع والزهد ولهذا سمّي ب «بشر الحافي».

1 ـ داستان راستان، ص 24.
2 ـ سورة النساء، الآية 76.
3 ـ سورة التحريم، الآية 8.
4 ـ نهج‏البلاغه، الرسالة 47.

فهذه طريقة الأنبياء والأولياء في تهذيب النفوس فيخرج الانسان ببركة مواعظهم من عبادة الشيطان الى عبادة الرحمن. فعلى الداعي أن يهتدي بهدى الائمة عليهم‏السلام و يسلك طريقتهم في توعية النفوس.
 

7) الدعوة إلى الحرّية الاجتماعية و الحرّية المعنوية:

من أهمّ أهداف الأنبياء عليهم‏السلام ، تحقق الحرّية الاجتماعية، والقرآن المجيد ينادي بذلك:
«قُل يا أهْلَ الكِتبِ تَعَالَوا اِلَى كَلِمَةٍ سَوآءٍ بَينَنَا و بَينَكُم أَلاّ نَعبُدَ إِلاّاللّه‏ و لا نُشْرِكَ بِهِ شَيئاً و لا يَتَّخِذَ بَعضُنا بَعضا اَربَابا مِنْ دُونِ‏اللّه‏ ...»(1)
فنرى اللّه‏ عزّوجلّ يوصي نبيّه بأن لا يطالب اليهود والنصارى إلاّبشيئين: اوّلهما التزام اهل الكتاب (اليهود، النصارى، المجوس والصابئين) بعبادة اللّه‏ و ثانيهما احترام حرّية الآخرين. حتّى راح الدين الاسلامي يدين نظام العبودية القائم على الاستغلال البشع لبني الانسان، ومن هذا المنظار يفسّر تخوّف النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على مصير الامة فيما اذا تسلط بنو امية على رقاب المسلمين كما نص على ذلك الحديث المروي عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :
«اذا بلغ بنو ابي العاص ثلاثين اتخذوا عباد اللّه‏ خولاً و مال اللّه‏ دولاً و دين اللّه‏ دخلاً».(2)
في عالمنا اليوم، نرى هذا الاهتمام بالحرّية الاجتماعية ايضاً، وقد جاء في مقدّمة بيان حقوق الانسان ما نصّه : «العامل الذي سبّب نشوء هذه الحروب والشقاء، هو عدم الاحترام المتقابل بين آحاد الناس».

1 ـ سورة آل عمران، الآية 64.
2 ـ مجمع البحرين، الطريحي.

و لكنّ الانبياء عليهم‏السلام لم يقتصروا على جانب الحرّية الاجتماعية فحسب ،بل بذلوا جهوداً جبّارة في سبيل فكّ الانسان من الاغلال النفسية التي يعاني منها لينطلق الى فضاء رحب عارٍ من الظلم والجور والاستغلال و هذا ما نعبّر عنه بالحرّية المعنوية.
 

8) الدعوة الى العبادة:

الخضوع امام اللّه‏ عزّوجلّ و عبادته وحده لا سواه من اصول الدين و من التعليمات التي جاء بها الأنبياء عليهم‏السلام للناس. كل أمر يقام به للّه فهو عبادة؛ أي اذا كان الباعث والمحرّك له هو رضا اللّه‏ سبحانه و تعالى و كانت النيّة في ادائه خالصة لوجه‏اللّه‏.
تنقسم العبادة في الاسلام الحنيف الى قسمين:
الاوّل : العبادات الاجتماعيّة كالجهاد،الانفاق وصلاة الجمعة . والقسم الاخر: العبادات الفردية كالصوم والصلاة.
كلٌّ من هذين القسمين يؤثّران في سلوك الانسان و ينعكس أثرهما على اخلاقه و اعماله الاجتماعية كالنظافة واحترام حقوق الاخرين وقد اشار اليها عزّ من قائل في محكم كتابه:
«فَأرسَلنَا فِيهِم رَسُولاً مِنهُم اَنِ اعبُدُوا اللّهَ مَالَكُم مِن اِلهٍ غَيرُهُ اَفَلا تَتَّقُونَ».(1)

1 ـ سورة المؤمنون، الآيه 32.

 

9) الدعوة إلى الفطرة و التفكّر:

عُجِنَ الدين بالروح الانسانية، لذلك ترى الفطرة تدعو الانسان دائماً الى الدين.
«فَأَقِم وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطرَتَ اللّهِ الّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَليهَا لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللّهِ ذلك الدّينُ القَيِّمُ و لكنَّ أَكثَرَ الناسِ لا يَعلَمُونَ».(1)
و قال اميرالمؤمنين عليه‏السلام : «...فبعث فيهم رسله و واتر اليهم انبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسيّ نعمته ويحتجّوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول»(2).
و كلامه ـ سلام‏اللّه‏ عليه ـ نصّ على انّ الانبياء، حثّوا الناس على الوفاء بهذا العهد الذي عُهد والتذكير بالنعم المنسيّة لِئلاّ تكون للناس حجة يوم القيامة بل الحجة تكون عليهم و هي التبليغ. وينفضوا عن القلوب والافئدة غبار الجهل والنسيان كي تهتدي السبيل الى اثارة الحقائق الدينية في العقول .
من بين الأنبياء الذين يصل عددهم إلى مأة و اربعة و عشرين الف نبىّ، نجد خمسة منهم اصحاب شريعة و كتاب و هم: نوح، ابراهيم، موسى، عيسى و خاتم‏الانبياء محمد المصطفى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، اما سائر الانبياء فقد جاءوا لابلاغ شرائع من تقدّم منهم ومن هذا المنطلق نستطيع ان نقول انّ الانبياء هم الدعاة الحقيقيون والمبلّغون الصادقون.

1 ـ سورة الروم، الآية 30.
2 ـ نهج‏البلاغة، الخطبة الاولى.

10) هدف الدعوة في كلام الامام الحسين عليه‏السلام : الامام الحسين عليه‏السلام قبل المسير الى كربلاء، جمع اكابر اصحابه، و خاطبهم بجملات يتّضح من خلالها دور المبلّغ و التبليغ، حيث قال عليه‏السلام :
«اللّهم انّك تعلم انّه لم يكن منّا منافسة في سلطان و لا التماس شيء من فضول الحطام و لكن لنردّ المعالم من دينك و نظهر الاصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك و تقام المعطّلة من حدودك»(1).
و يقول اميرالمؤمنين عليه‏السلام : «لن تقدّس امّة حتّى يؤخذ للضعيف حقه من القوي غير مُتَتَعْتِعٍ»(2).
او في ذلك الحين الذى وصل اليه خبر اغتصاب خلخال امرأة ذمّية، غضب عليه‏السلام و قال: «فلو أنّ امرءً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً».(3)
انظر اخي المسلم الى هذه التعاليم البنّاءة التي امتازت بها مدرسة اهل البيت عليهم‏السلام عن غيرها و انظر الى الدعاة الحقيقيين ـ الانبياء والائمة عليهم‏السلام ـ كيف كافحوا الظلم و كيف سعوا الى احياء العدل والقسط و هو هدف سامي للدعوة والتبليغ. به يتحقق الامن و الامان و به تشعر الناس بالراحة و يسود الكمال.

1 ـ بحارالانوار: 100 / 80 و 81.
2 ـ نهج‏البلاغة، الرسالة 53.
3 ـ المصدر السابق، الخطبة 27.

 

الاسئلة:

1 ـ اذكر خمسة اهداف للتبليغ؟
2 ـ ما هي الحرّية الاجتماعية؟
3 ـ كيف بيّن الامام الحسين عليه‏السلام الهدف من قيامه؟
4 ـ ما هو سبب تخوّف النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من تولّي بنى‏اميّة على الامّة؟
5 ـ ماهي الحرّية المعنوية؟