بسم الله الرحمن الرحيم

التبليغ
مناهجه وأساليبه

جعفر البجّارى
مكتب مطالعة و تدوين المناهج الدّراسية
المركز العالمي للدّراسات الإسلامية

ومَنْ أحسنُ قَولاً مِمَّن دَعا إلى اللّهِ  وعَمِلَ‏صَالِحا وقَال اننّى مِنَ المُسلِمينَ

(فصّلت/33)

كلمة المكتب

الحمدللّه‏ و الصلاّة و السلام على أنبياء اللّه‏، لاسيما رسوله الخاتم و آله الطيبين الطاهرين المعصومين.
اما بعد، لاشك ان اصلاح المناهج الدراسية المتداولة فى¨ الحوزات العلمية و المعاهد الدراسية فى¨ العصر الحاضر ـ الذي عُرف بعصر ثورة المعلومات ـ بات حاجة ملحّة يقتضيها تطور العلوم و تكاملها عبر الزمان، و ظهور مناهج تعليمية و تربوية حديثة، تتوافق مع الطموحات و الحاجات الانسانية المتجددة.
و هذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز، فوضعوا نصب أعينهم اصلاح النظام التعليمي فى¨ قائمة الاولويات بعد ان باتت فاعليته رهن اجراء تغييرات جذرية على هيكلية هذا النظام.
ويبدو من خلال هذه الرؤية ان اصلاح النظام الحوزوي ليس امراً بعيد المنال، إلا انه من دون احداث تغيير فى¨ المناهج الحوزوية ستبوء كافة الدعوات الاصلاحية بالفشل الذريع و ستموت فى¨ مهدها.
و المركز العالمى للدّراسات الإسلامية ـ الذّي يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاب الوافدين من مختلف بقاع الارض للاغتراف من نمير علوم أهل البيت ـ : ـ شرع فى¨ الخطوات اللازمة لاجراء تغييرات جذرية على المناهج الدراسية المتبعة وفق الأساليب العلمية الحديثة بهدف عرض المواد التعليمية بنحو أفضل، الامر الذي لاتلبيّه الكتب الحوزوية السائدة؛ ذلك انها لم تؤلف لهدف التدريس، و انما الفت لتعبر عن افكار مؤلفيها حيال موضوعات مرّ عليها حقبة طويلة من الزمن و اصبحت جزءاً من الماضى¨.
و فضلا عن ذلك فانها تفتقد مزايا الكتب الدراسية التى¨ يراعى فيها مستوى الطالب و مؤهلاته الفكرية و العلمية، و تسلسل الأفكار المودعة فيها و أداؤها، و استعراض الآراء و النظريات الحديثة التى¨ تعبر عن المدى الذي وصلت اليه من عمق بلغة عصرية يتوخى فيها السهولة و التيسير و تذليل صعب المسائل مع احتفاظها بدقة العبارات و عمق الافكار بعيداً عن التعقيد الذي يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوى.
وانطلاقا من توجيهات كبار العلماء و المصلحين و على رأسهم سماحة الامام الراحل ـ قدس‏سره ـ ، و تلبية لنداء قائد الثورة الاسلامية آية‏اللّه‏ الخامنئى¨ ـ مد ظله الوارف ـ قام هذا المركز بتخويل «مكتب مطالعة و تدوين المناهج الدراسية» مهمة تجديد الكتب الدراسية السائدة فى¨ الحوزات العلمية، ان يضع له خطة عمل لاعداد كتب دراسية تتوفر المزايا السالفة الذكر.
و قد بدت امام المكتب المذكور ـ ولاول وهلة ـ عدة خيارات:
1ـ اختصار الكتب الدراسية المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التى¨ لها مساس بالواقع العملى¨.
2ـ ايجازها و شحنها بآراء و نظريات حديثة.
3ـ تحديثها من رأس بلغة عصرية وايداعها افكار جديدة الا ان العقبة الكأداء التى¨ ظلت تواجه هذا الخيار وقوع القطيعة التامة بين الماضى¨ و الحاضر، بحيث تبدو الافكار المطروحة فى¨ الكتب الحديثة و كأنها تعيش فى¨ غربة عن التراث و للحيلولة دون ذلك، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة فى¨ قالب واحد تمثّل فى¨ المحافظة على الكتب الدراسية القديمة كمتون و شرحها باسلوب عصري يجمع بين القديم الغابر و الجديد المحدث.
و بناء على ذلك راح المكتب يشمرّ عن ساعد الجدّ و يستعين بمجموعة من الاساتذة المتخصصين لوضع كتب و كراسات فى¨ المواد الدراسية المختلفة، من فقه و اصول و تفسير و كلام و رجال و حديث و أدب و غيرها.
و كانت مادة «اسلوب التبليغ» بحاجة ماسة إلى وضع كتاب جديد فيها يتناسب مع تطلّعات المركز (للمرحلة التعليمية الأولى باللغة العربية) فطلبنا من الاَخ الفاضل، سماحة الشيخ جعفر البجّاري ـ زيد عزّه ـ تدوين دروس فى¨ «التبليغ مناهجه و أساليبه»؛ فلبّى رغبتنا مشكوراً و تفضّل بتدوين هذا الكتاب و جعلِه يتوافق مع المطلوب كمّاً و كيفاً.
و ختاماً لانشكّ فى¨ أنّ الخطوات الأولى ستصحبها بعض العقبات و النواقص، إلاّ انّه يمكن تذليلها من خلال البصيرة النافذةُ و إبداء الآراء البنّاءة من قبل المخلصين من ذوي الخبرة.

المركز العالمي للدراسات الإسلامية
مكتب مطالعة و تدوين المناهج الدراسيّة

الاهداء:

الى الداعيالى اللّه ،بطل الانسانيّة الخالد
الذي رسم بدمه الطاهر منهج الحق وطريق الدعوة الى اللّه. يعسوب الدين، وتاج البكّائين، وزين العابدين، وقامع الملحدين ، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين.
الى الصابر الصوّام.
الى اوّل شهيد خضبت شيبته بدمائه الطاهرة في محراب العبادة ليكون قدوة للدعاة الى اللّه.
الى اوّل مظلوم في العالم علّم المظلومين نهج النضال ومقارعة الظالمين.
الى وليد الكعبة، سيدي و مولاي اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب7 اقدم جُهدى المتواضع هذا، راجياً من اللّه سبحانه وتعالى ان يرزقنا التمسك بنهج أمير المؤمنين7 للمضي قُدما في درب شهداء الدعوة الى اللّه .

 

المقدّمة

«الّذيِنَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ وَيَخشَونَهُ ولايَخشَونَ أحدا الاّ اللَّه ...»(1)
إنّ تبليغ الرسالة بشكل واسع و شامل، يفرض علينا التعرّف على طرق و وسائل الاعلام حديثها و قديمها؛ لأنّها استخدمت سلاحاً هدّاماً بيد اعداء الدين فلابدّ من مواجهتها، إذ انّ الاساليب المتبعة حالياً في التبليغ لم تكن بمستوى المواجهة ممّا يحتم علينا اعادة النظر فيها على وجه يعيد للفكر الاسلامي حيويته وقوته دون أيّ تنازل عن أسسه ودعائمه.
إنّ الأعلام اليوم يلعب دوراً خطيراً في العالم و كل من يفقد هذا السلاح عندالمواجهة سوف يكون مصيره الفشل المحتوم.

1 ـ سورة الاحزاب، الآية 39.

لقد اُتّخذ الأعلام بالامس، سلاحاً في مواجهة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، حيث سعى اعداء الاسلام إلى بثّ الدعايات المغرضة والمضلّلة من خلال تهمة السحر الّتي لُفقت ضدّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وتهمة ترك الصلاة التي لُفقت ضدّ علي عليه‏السلام حتّى انَ بعض السذّج من اهل الشام أصابتهم الدهشة لما طرق مسامعهم خبر استشهاده عليه‏السلام في المحراب.
كما ان الاعلام المسموم قد صوّر الإمام الحسين عليه‏السلام ـ و هو ابن الاسلام ـ خارجياً كسائر الخوارج.
فالاستكبار العالمي اليوم كما صرّح قائد الثورة آية اللّه الخامنئي ـ حفظه اللّه‏ ـ تعالى راح يشنّ حملات وغارات ثقافية مسعورة لمواجهة الثورة الاسلامية. فلو ضعف علماء الدين عن صدِّ هذا الهجوم سوف يواجه الاسلام خطراً كبيراً، و سوف تذهب من أيدينا فرصة تبليغ الاسلام. فعلى المبلّغ المجاهد أن يتسلّح بمناهج حديثة في التبليغ و أن يبذل كل رخيص و غالٍ في سبيل نصرة الاسلام حتّى لوكلّفه ذلك التضحية بالنفس والنفيس، فان الظفر يأتي بعد العناء «اِنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً».(1)
لذا فسنقوم من خلال هذه المقالات باستعراض الاساليب و المناهج الحديثة في التبليغ، واستعراض الصفات الخلقية اللازم توفّرها في المبلّغ الرسالي الهادف.
وكتابنا هذا يشتمل على مقدّمة و عشرة فصول و راجعنا في تأليفه الكثير من الكتب المدوّنة في هذا المجال.
وفي الختام ، أهيب بمن طالع هذا الكتاب أن يرشدني إلى مواضع الخلل فيه، وأن لا ينسانا من صالح الدعاء في مظانّ الإجابة، ومن اللّه‏ التوفيق.

 

الحوزة العلمية بقم المقدسة
جعفر البجّاري
عيد الغدير 1421 ه . ق

1 ـ سورة الانشراح، الآية 6.