الشريف الرضي من الشخصيات الشيعية البارزة في القرن الرابع الهجري. ولد في بغداد
سنة (٣٥٩ ه )، و توفّي سنة (٤٠٦ ه ).
له مصنّفات عديدة، منها:
١ـ خصائص الأئمة.
٢ـ مجازات الآثار النبوية.
٣ـ مجازات القرآن.
٤ـ الرسائل.
٥ ـ نهج البلاغة.
وغير ذلك.
و قد حاز كتاب «نهج البلاغة» على شهرة واسعة. دوّنه عام (٤٠٠ ه )، أي قبل وفاته بست
سنوات.
و يضمّ خطب أميرالمؤمنين عليهالسلام و كتبه و كلماته القصار.
كتب السيد الرضي في مقدمة نهج البلاغة، يقول:
«أما كلامه، فهو من البحر الذي لايُساجَل، و الجمّ الذي لايُحافَل، وأردت ان يسوغ
لي التمثل في الافتخار به عليهالسلام بقول الفرزدق:
أولئك آبائي فَجِئْني بمثلِهم إذا جَمَعَتْنا يا جَرير المَجامِعُ
و رأيت كلامه عليهالسلام يدور على أقطاب ثلاثة: أوّلها الخطب و الأوامر، و ثانيها
الكتب و الرسائل، و ثالثها الحكم و المواعظ. فأجمعتُ بتوفيق اللّه تعالى على
الابتداء باختيار محاسن الخطب ثم محاسن الكتب ثم محاسن الحكم و الأدب».(١)
و قد احتلّ «نهج البلاغة» مقاماً سامياً عند علماء الشيعة و السنة، و أثار إعجاب
الجميع.
قال ابن أبي الحديد في مقدمة شرحه على «نهج البلاغة»:
«علي عليهالسلام إمام الفصحاء و سيد البلغاء، و عن كلامه قيل دون كلام الخالق و
فوق كلام المخلوقين، و منه تعلّم الناس الخطابة و الكتابة».(٢)
١ ـ مقدمة الشريف الرضي على نهج البلاغة.
٢ ـ مقدمة شرح ابن أبي الحديد: ١ / ٨.
و قال الشيخ محمد عبده (مفتي مصر الأسبق) في مقدمة شرحه:
«و بعد، فقد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب «نهج البلاغة» مصادفة بلا تعمّل
أصبته على تغيّر حال، و تبلبل بال، و تزاحم أشغال، و عطلة من أعمال، فحسبته تسلية،
و حيلة للتخلية، فتصفّحتُ بعض صفحاته، و تأمّلتُ جملاً من عباراته، من مواضع
مختلفات، و مواضيع متفرقات. فكان يُخيّل لي في كلّ مقام أن حروباً شبّت، و غارات
شُنّت، و إن للبلاغة دولة، و للفصاحة صولة ... بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى
موضع، أحس بتغيّر المشاهد، و تحوّل المعاهد فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من
المعاني أرواح عالية في حُلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية ... و
أحياناً كنتُ أشهد أن عقلاً نورانياً لايشبه خلقاً جسدانياً، فُصل عن الموكب
الإلهي، و اتصل بالروح الإنساني ... و آنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء
الكلمة، و أولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب، و يبصّرهم مواضع الارتياب، و
يحذّرهم مزالق الاضطراب، و يرشد هم إلى دقائق السياسة، ويهديهم طرق الكياسة ... و
ليس في و سعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد ممّا دلّ عليه اسمه، و لاأن آتيَ بشيء في
بيان مزيّته فوق ما أتى به صاحب الاختيار.(١)
و السؤال المطروح، هو: ماسبب هذا الإقبال الواسع على «نهجالبلاغة» و الاهتمام
الكبير الذي حظي به؟
أجاب عن هذا السؤال العديد من الباحثين، و أكدوا أن سبب ذلك يعود إلى بلاغته و
فصاحته، و من هؤلاء ابن أبي الحديد، و الشيخ محمد عبده اللذين مرّ كلامهما قبل
قليل.
إلاّ أن الشهيد المطهّري بادر إلى الإفصاح عن سببين، وقال: ترافقت كلمات أمير
المؤمنين عليهالسلام منذ القدم مع مزيتين عُرفت بهما.
احداهما: فصاحتها وبلاغتها، والأخرى تعدّد جوانبها، أو ما يُعبّر عنه اليوم بتعدد
أبعادها، و كل مزية من هاتين المزيتين المزايا كافية لإضفاء قيمة عالية على كلمات
أميرالمؤمنين عليهالسلام .
١ ـ مقدمة شرح الشيخ محمد عبده على نهج البلاغة: ٣ ـ ٤.
بيْد أن اقترانهما معاً ـ أي بمعنى أن كلماته عليهالسلام ولجت مسارات و ميادين
مختلفة، و أحياناً متضادة مع احتفاظها بمنتهى الفصاحة و البلاغة ـ قرّب كلام علي
عليهالسلام الى حدّ الإعجاز، و جعل حدّاً فاصلاً بين كلام الخالق و كلام المخلوق،
حتى قيل: إنه فوق كلام المخلوق، و دون كلام الخالق،(١)
و يبدو أن ثَمّةَ عللاً متعددة و متضافرة نسجت ل «نهجالبلاغة» أردية الخلود و
البقاء، منها:
١ـ إن السبب المهم يتمحور حول شخصية أميرالمؤمنين عليهالسلام
الفذّة، و جامعيته للصفات و الخصال التي تجلّت في كلامه.
٢ـ إن فصاحة كلمات أميرالمؤمنين عليهالسلام و بلاغتها التي
اعترف بها الأدباء و الفصحاء و الخطباء، تأتي بعد القرآن الكريم في المرتبة.
قال عبدالحميد بن يحيى العامري (المتوفّى ١٣٢ ه ).
حفظتُ سبعين خطبة من خطب الأصلع [الإمام علي عليهالسلام ] ففاضت ثم فاضت.
و قال ابن نباتة: حفظت من الخطابة كنز لايزيده الإنفاق إلاّ سعة و كثرة، حفظت مائة
فصل من مواعظ علي بن أبي طالب.(٢)
٣ـ تنوع المفاهيم و جامعية الكلمات التي لايحسّ المرء معها أنه
أمام كتاب سياسي، أخلاقي، عقائدي، و تاريخي، فكل هذه الجوانب اقتحم أميرالمؤمنين
بكلماته لُجّتها، ومن أعماقها و أغوارها راح ينثر على القارىء درراً ثمينة.
١ ـ سير في نهجالبلاغة (بالفارسية): ٧.
٢ ـ شرح ابن أبي الحديد: ١ / ٨.
٤ـ نهجالبلاغة، هو نتاج تلك الفترة القصيرة لحكومة
ذلك الانسان الإلهي، و التي صادفت أزمات داخلية حادّة، و تيارات اجتماعية مختلفة،
من القاسطين و المارقين و الناكثين، فخرج عليه السلام من جميع ذلك منتصراً مرفوع
الرأس.
٥ـ نهج البلاغة يعكس تاريخ التطورات السياسية التي مرّت على
المجتمع الإسلامي بعد الجاهلية، و خاصةبعد رحيل النبي صلىاللهعليهوآله .
٦ـ انطوى نهج البلاغة على تصوير دقيق لنفسيات الناس المختلفة، و
بتعبير آخر انه اشتمل على نوع من علم النفس الاجتماعي.
٧ـ هذا الكتاب كلّما ولج ميداناً خاض فيه إلى أوجه و كماله،
فخطبة همّام و القاصعة، فيهما ترسيم دقيق لملامح المتقين.
و عهده إلى مالك الأشتر مشحون بصفات من يتصدّى للحكم و إدارة البلاد .
و وصيته إلى الإمام الحسن عليهالسلام حفلت بأنواع الوصايا و السلوك الاجتماعي و
الفردي.
و خطبته الأولى فيها التذكير بعظمة الخالق و عجائب خلقه.
و خطبته الشقشقية، فيها تلميح الى الحوادث المريرة التي أعقبت وفاة رسولاللّه
صلىاللهعليهوآله ، و المحن التي تعرّض لها أهل البيت عليهمالسلام .
و الخطبة (١٧٦) فيها تمجيد القرآن الكريم، و حثٌّ على استجلاء عجائبه و غرائبه.