القسم الثالث :

مَعْرِفَةُ نَهْجِ البَلاغَةِ

١ـ أهميّة نهج البلاغة.
٢ـ جمع نهج البلاغة و تدوينه.
٣ـ مصادر نهج البلاغة.
٤ـ الشروح، الترجمات، المعاجم.
٥ـ موضوعات نهج البلاغة.

الفصل الأول
أهمية نهج البلاغة

الشريف الرضي من الشخصيات الشيعية البارزة في القرن الرابع الهجري. ولد في بغداد سنة (٣٥٩ ه )، و توفّي سنة (٤٠٦ ه ).
له مصنّفات عديدة، منها:

١ـ خصائص الأئمة.
٢ـ مجازات الآثار النبوية.
٣ـ مجازات القرآن.
٤ـ الرسائل.
٥ ـ نهج البلاغة.

وغير ذلك.
و قد حاز كتاب «نهج البلاغة» على شهرة واسعة. دوّنه عام (٤٠٠ ه )، أي قبل وفاته بست سنوات.
و يضمّ خطب أميرالمؤمنين عليه‏السلام و كتبه و كلماته القصار.
كتب السيد الرضي في مقدمة نهج البلاغة، يقول:
«أما كلامه، فهو من البحر الذي لايُساجَل، و الجمّ الذي لايُحافَل، وأردت ان يسوغ لي التمثل في الافتخار به عليه‏السلام بقول الفرزدق:
أولئك آبائي فَجِئْني بمثلِهم إذا جَمَعَتْنا يا جَرير المَجامِعُ
و رأيت كلامه عليه‏السلام يدور على أقطاب ثلاثة: أوّلها الخطب و الأوامر، و ثانيها الكتب و الرسائل، و ثالثها الحكم و المواعظ. فأجمعتُ بتوفيق اللّه‏ تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب ثم محاسن الكتب ثم محاسن الحكم و الأدب».(١)
و قد احتلّ «نهج البلاغة» مقاماً سامياً عند علماء الشيعة و السنة، و أثار إعجاب الجميع.
قال ابن أبي الحديد في مقدمة شرحه على «نهج البلاغة»:
«علي عليه‏السلام إمام الفصحاء و سيد البلغاء، و عن كلامه قيل دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوقين، و منه تعلّم الناس الخطابة و الكتابة».(٢)

١ ـ مقدمة الشريف الرضي على نهج البلاغة.
٢ ـ مقدمة شرح ابن أبي الحديد: ١ / ٨.

و قال الشيخ محمد عبده (مفتي مصر الأسبق) في مقدمة شرحه:
«و بعد، فقد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب «نهج البلاغة» مصادفة بلا تعمّل أصبته على تغيّر حال، و تبلبل بال، و تزاحم أشغال، و عطلة من أعمال، فحسبته تسلية، و حيلة للتخلية، فتصفّحتُ بعض صفحاته، و تأمّلتُ جملاً من عباراته، من مواضع مختلفات، و مواضيع متفرقات. فكان يُخيّل لي في كلّ مقام أن حروباً شبّت، و غارات شُنّت، و إن للبلاغة دولة، و للفصاحة صولة ... بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع، أحس بتغيّر المشاهد، و تحوّل المعاهد فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية في حُلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية ... و أحياناً كنتُ أشهد أن عقلاً نورانياً لايشبه خلقاً جسدانياً، فُصل عن الموكب الإلهي، و اتصل بالروح الإنساني ... و آنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة، و أولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب، و يبصّرهم مواضع الارتياب، و يحذّرهم مزالق الاضطراب، و يرشد هم إلى دقائق السياسة، ويهديهم طرق الكياسة ... و ليس في و سعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد ممّا دلّ عليه اسمه، و لاأن آتيَ بشيء في بيان مزيّته فوق ما أتى به صاحب الاختيار.(١)
و السؤال المطروح، هو: ماسبب هذا الإقبال الواسع على «نهج‏البلاغة» و الاهتمام الكبير الذي حظي به؟
أجاب عن هذا السؤال العديد من الباحثين، و أكدوا أن سبب ذلك يعود إلى بلاغته و فصاحته، و من هؤلاء ابن أبي الحديد، و الشيخ محمد عبده اللذين مرّ كلامهما قبل قليل.
إلاّ أن الشهيد المطهّري بادر إلى الإفصاح عن سببين، وقال: ترافقت كلمات أمير المؤمنين عليه‏السلام منذ القدم مع مزيتين عُرفت بهما.
احداهما: فصاحتها وبلاغتها، والأخرى تعدّد جوانبها، أو ما يُعبّر عنه اليوم بتعدد أبعادها، و كل مزية من هاتين المزيتين المزايا كافية لإضفاء قيمة عالية على كلمات أميرالمؤمنين عليه‏السلام .

١ ـ مقدمة شرح الشيخ محمد عبده على نهج البلاغة: ٣ ـ ٤.

بيْد أن اقترانهما معاً ـ أي بمعنى أن كلماته عليه‏السلام ولجت مسارات و ميادين مختلفة، و أحياناً متضادة مع احتفاظها بمنتهى الفصاحة و البلاغة ـ قرّب كلام علي عليه‏السلام الى حدّ الإعجاز، و جعل حدّاً فاصلاً بين كلام الخالق و كلام المخلوق، حتى قيل: إنه فوق كلام المخلوق، و دون كلام الخالق،(١)
و يبدو أن ثَمّةَ عللاً متعددة و متضافرة نسجت ل «نهج‏البلاغة» أردية الخلود و البقاء، منها:
    ١ـ إن السبب المهم يتمحور حول شخصية أميرالمؤمنين عليه‏السلام الفذّة، و جامعيته للصفات و الخصال التي تجلّت في كلامه.
    ٢ـ إن فصاحة كلمات أميرالمؤمنين عليه‏السلام و بلاغتها التي اعترف بها الأدباء و الفصحاء و الخطباء، تأتي بعد القرآن الكريم في المرتبة.
قال عبدالحميد بن يحيى العامري (المتوفّى ١٣٢ ه ).
حفظتُ سبعين خطبة من خطب الأصلع [الإمام علي عليه‏السلام ] ففاضت ثم فاضت.
و قال ابن نباتة: حفظت من الخطابة كنز لايزيده الإنفاق إلاّ سعة و كثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب.(٢)
    ٣ـ تنوع المفاهيم و جامعية الكلمات التي لايحسّ المرء معها أنه أمام كتاب سياسي، أخلاقي، عقائدي، و تاريخي، فكل هذه الجوانب اقتحم أميرالمؤمنين بكلماته لُجّتها، ومن أعماقها و أغوارها راح ينثر على القارى‏ء درراً ثمينة.  

١ ـ سير في نهج‏البلاغة (بالفارسية): ٧.
٢ ـ شرح ابن أبي الحديد: ١ / ٨.

     ٤ـ نهج‏البلاغة، هو نتاج تلك الفترة القصيرة لحكومة ذلك الانسان الإلهي، و التي صادفت أزمات داخلية حادّة، و تيارات اجتماعية مختلفة، من القاسطين و المارقين و الناكثين، فخرج عليه السلام من جميع ذلك منتصراً مرفوع الرأس.
    ٥ـ نهج البلاغة يعكس تاريخ التطورات السياسية التي مرّت على المجتمع الإسلامي بعد الجاهلية، و خاصة‏بعد رحيل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .
    ٦ـ انطوى نهج البلاغة على تصوير دقيق لنفسيات الناس المختلفة، و بتعبير آخر انه اشتمل على نوع من علم النفس الاجتماعي.
    ٧ـ هذا الكتاب كلّما ولج ميداناً خاض فيه إلى أوجه و كماله، فخطبة همّام و القاصعة، فيهما ترسيم دقيق لملامح المتقين.
و عهده إلى مالك الأشتر مشحون بصفات من يتصدّى للحكم و إدارة البلاد .
و وصيته إلى الإمام الحسن عليه‏السلام حفلت بأنواع الوصايا و السلوك الاجتماعي و الفردي.
و خطبته الأولى فيها التذكير بعظمة الخالق و عجائب خلقه.
و خطبته الشقشقية، فيها تلميح الى الحوادث المريرة التي أعقبت وفاة رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، و المحن التي تعرّض لها أهل البيت عليهم‏السلام .
و الخطبة (١٧٦) فيها تمجيد القرآن الكريم، و حثٌّ على استجلاء عجائبه و غرائبه.