مرّ في الفصل السابق البحث موجزاً عن كتابة الحديث و ضبطه عند الشيعة في عهد
رسولاللّه صلىاللهعليهوآله و ما بعده، و كان حاصله: أن النبي
صلىاللهعليهوآله أكّد في حياته على تقييد الحديث، و راج هذا الأمر بين الصحابة،
و اقتفى الأئمة عليهمالسلام بعده النهج نفسه، و لم تخمد جذوة التدوين عند الشيعة.
أما عند أهل السنة، فإن سير التدوين ما لبث أن توقف بعد النبي صلىاللهعليهوآله
مدة قاربت قرناً كاملاً، باتفاق مؤرخي تاريخ علم الحديث.
يقول السيوطي: أما ابتداء تدوين الحديث، فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن
عبدالعزيز بأمره.(١)
و قيل: إن أوّل من دوّن الحديث ابن شهاب الزهري بأمر من هشام بن عبدالملك.(٢)
١ ـ تدريب الراوي: ١ / ٦٧ ، ط . دارالكتاب العربي .
٢ ـ الامام الزهري و أثره في السنة : ٢٩٦.
وذهب بعضهم إلى: أنّ الحديث لم يدوَّن حتى وفاة الحسنالبصري عام (١١٠ ه).(١)
و كتب الذهبي أن بداية تدوين الحديث و الفقه تعود إلى عام (١٤٣ ه).(٢)
و نُقل عنه قول اخر، هو أنها تعود إلى عام (١٣٢ ه).(٣)
و قال أبو حاتم الرازي: أول من صنّف الكتب ابن جريج (المتوفى ١٥٠ ه).(٤)
و على أية حال، فإنه يظهر من جميع ماتقدّم أن الحديث لم يدوّن في القرن الأول
الهجري، و لكن نستطيع ـ من خلال ضمّ ما سبق في الفصل الأول ـ أنّ نستنتج أن تقييد
الحديث كان متداولاً و شائعاً بين الصحابة على عهد رسولاللّه صلىاللهعليهوآله
، بالرغم من عدم توفّر النصوص عن تلك الفترة، و عقب وفاته صلىاللهعليهوآله
تألّقت حركة تدوين الحديث في أوساط الشيعة تبعاً للأئمة المعصومين عليهمالسلام ،
بالرغم من قلّة ما وصل الينا من نصوص عن تلك الحقبة.
و أما في أوساط أهل السنة، فإن الكتابة توقفت في الفترة المحددة بين وفاة النبي
صلىاللهعليهوآله إلى مطلع القرن الثاني، و قد كُرّس هذا الفصل لتحليل تلك
الظاهرة.
في البدء نتعرض للأدلة التي تذرّع بها أهل السنة لمنع الكتابة، ثم نُتبع ذلك بتحليل
للدوافع التيكانت وراءه، و نُخصّص البحث الثالث للمضاعفات التي نجمت عن هذا المنع.
١ ـ الرسالة المستطرفة : ٨٠.
٢ ـ تاريخ الاسلام : حوادث ١٤١ ـ ١٦٠ ه ،ص ١٢.
٣ ـ تأسيس الشيعة : ٢٧٩.
٤ ـ الجرح و التعديل : ١ / ١٨٤.
تظهر من ثنايا ما كتبه علماء اهل السنة، عدّة أدلة:
أُثر عن النبي صلىاللهعليهوآله أحاديث في النهي عن الكتابة:
١ـ لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، و مَن كتب فليمح .(١)
٢ـ عن أبي هريرة، أنه قال: خرج علينا رسولاللّه صلىاللهعليهوآله ، و نحن نكتب
الأحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبون؟ قلنا: أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب
اللّه؟ أتدرون ما أضل الأمم قبلكم إلا بما كتبوا من الكتب مع كتاباللّه.(٢)
٣ـ عن أبي سعيد الخدري، أنه قال:
استأذنت النبي أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي.(٣)
٤ـ عن أبي هريرة، قال: بلغ رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أن أُناساً قد كتبوا
حديثه، فصعد المنبر، فحمداللّه و أثنى عليه، ثم قال: ما هذه الكتب التي بلغني أنكم
قد كتبتم، إنما أنا بشر، مَن كان عنده منها شيء، فليأت بها.(٤)
٥ـ قال زيد: إن رسولاللّه صلىاللهعليهوآله أمرنا أن لانكتب شيئاً من
حديثه.(٥)
هذه أهم الروايات التي استند إليها في النهي عن التقييد و الضبط.
١ ـ مسند أحمد: ٣ / ١٢، ٢١، ٣٩ ؛ سنن الدرامي: ١ / ١١٩.
٢ ـ تقييد العلم: ٣٤.
٣ ـ نفس المصدر: ٣٦.
٤ ـ نفس المصدر: ٣٤.
٥ ـ سنن أبي داود: ٣ / ٣١٩ ؛ تقييد العلم: ٣٥.
و قد أورد أكرم ضياء العمري ثلاث روايات فقط في النهي، و جمع الأستاذ الجلالي
الحسيني الروايات الناهية، فبلغت ثمانية.(١)
و مما يؤخذ على الروايات السالفة الذكر:
١ـ ثمة إشكال مهم و أساسي يبرز أمام تلك الروايات، و هو معارضتها للأحاديث المأثورة
عن رسولاللّه صلىاللهعليهوآله في جواز تقييد و ضبط الحديث، و قد مرّ نقل
طائفة في الفصل السابق.
و لحلّ هذا التعارض، ذكر بعض علماء السنة أن أحاديث الجواز بالكتابة نسخت أحاديث
النهي عنها، و قالوا: لقد نهى النبي صلىاللهعليهوآله عن كتابة الحديث خشية
اختلاطه بالقرآن الكريم، و كذلك خشية انشغال المسلمين بالحديث عن القرآن، و هم
حديثو عهد به، إلاّ أن أحاديث السماح بالكتابة نسخت أحاديث النهي عنها، و ذلك بعد
أن رسخت معرفة الصحابة بالقرآن، فلم يخش خلطهم له بسواه.(٢)
و ذهب بعضهم مثل رشيد رضا إلى أن النهيَ ناسخ.(٣)
و يبدو أن القول بنسخ النهي للجواز بعيد عن الصواب، لاسيما مع ملاحظة أن الكتابة
انتشرت بعد مضي وقت قصير، هذا إلى جانب أن فريقاً من العلماء مالوا إلى أن الإذن
بالكتابة متأخر عن النهي.
و باستثناء ما تقدم، نقول: إن أحاديث الجواز حازت على اطمئنان في الصدور، حتى ادّعى
البعض تواترها.(٤) لذا، فليس بمقدور أحاديث النهي معارضتها.
١ ـ تدوين السنة الشريفة: ٢٨٨ ـ ٣٠٢.
٢ ـ بحوث في تاريخ السنة المشرفة: ٢٢٨ .
٣ ـ مجلة المنار، السنة العاشرة، العدد ١٠، ص ٧٦٧، تدوين السنة الشريفة: ٣١٢ .
٤ ـ انظر: منهج النقد: ٤٠ .
٢ـ كيف يمكن صدور النهي عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ؟ مع اتفاق الآراء
على رواج الكتابة بعد القرن الأول و إشارة كافة المصادر التي بأيدينا الى أنها من
نتاج تلك الحقبة، و ما الدليل الذي اعتمد عليه في الغاء الحظر بعد القرن الاول؟
و بتعبير آخر: لماذا يختص النهي بتلك البرهة الزمنية الخاصة (قبل القرن الاول) على
فرض صحة أدلته، و الاطمئنان بصدوره؟
٣ـ يظهر من الوثائق التاريخية، أن أبابكر و عمر همّا بعد وفاة رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله بكتابة الحديث، إلاّ انهما أعرضا عنها، فمع صدور النهي عن رسول
اللّه صلىاللهعليهوآله ، كيف يُبديان عزماً على الكتابة؟ ولِمَ لميستندا
إبّان انصرافهما عن الكتابة إلى النهي المذكور بدل التعلق بأسباب أخرى؟
كل هذه الشواهد تحكي عدم صدور النهي عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله .
الدليل الثاني الذي اعتمد عليه أهل السنة، هو ما قام به أبوبكر و عمر بعد ارتحال
النبي صلىاللهعليهوآله . قال الذهبي:
إن أبابكر جمع أحاديث النبي صلىاللهعليهوآله في كتاب، فبلغ، عددها خمسمائة
حديث، ثم دعا بنار، فأحرقها.(١)
و نقل عن عائشة:
جمع أبي الحديث عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، فكانت خمسمائة حديث، فبات
ليلة، فلما أصبح، قال: أيْ بُنيّة هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار،
فحرقها.
١ ـ تذكرة الحفّاظ: ١ / ٥ .
فقلت: لِمَ حرقتها؟
قال: خَشيت أن أموت و هي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته و وثقت به، و
لم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذلك.(١)
و نقل أيضا عن عمر أنه قال:
اني كنت أردت أن أكتب السنن، و إني ذكرت قوماً كانوا قبلكم، كتبوا كتباً، فأكبّوا
عليها، و تركوا كتاب اللّه تعالى، و إني واللّه لاأُلبس كتاب اللّه بشيء
أبداً.(٢)
و قال أبو نضرة لأبي سعيد الخدري:
لو كتبتم لنا، فإنا لانحفظ؟ فقال: لانكتبكم، ولا نجعلها مصاحف.(٣)
و قال إبراهيم التّيْمي عن ابن مسعود الذي كان من المخالفين للتدوين:
بلغ ابن مسعود أن عند ناس كتاباً يعجبون به، فلم يزل، معهم حتى أتوه به فمحاه، ثم
قال : إنما هلك أهل الكتاب أنهم أقبلوا على كتب علمائهم، و تركوا كتاب ربهم.(٤)
و يَردِ على الاستدلال المذكور، عدة اشكالات:
١ـ كيف همَّ أو أقدم الصحابة على الكتابة، مع صدور أحاديث النهي عن النبي؟ إن
الصحابة الذين لاينتهون عمّا نهى عنه النبي صلىاللهعليهوآله علانية، لايصح
الاستناد إلى أقوالهم و أفعالهم، و العمل على وفقها.
١ ـ تدوين السنة الشريفة: ٢٦٤ ، نقلاًعن الاعتصام بحبل اللّه
المتين: ١ / ٣٠ .
٢ ـ تقييد العلم: ٤٩.
٣ ـ تقييد العلم: ٣٦.
٤ ـ سنن الدرامي: ١ / ١٠٠ ، الحديث ٤٧٥.
٢ـ عدم صحة الاحتجاج بقول الصحابي مع ورود النهي و الجواز، لأن الرجوع إلى قوله
ـ على فرض حجيته ـ إنما يتم لو عُدم النص في القرآن و السنة، و مع نقل أحاديث عن
النبي صلىاللهعليهوآله في هذا الصدد، فلايبقى أي مجال لاعتبار قول أوفعل
الصحابي.
٣ـ لِمَ نخصّص المنع ـ على فرض حجية قول الصحابي ـ بمقطع زمني خاص؟ لِمَ نقرن حظر
الكتابة بالقرن الهجري الأول فقط، و نرفع الحظر عن بقية القرون؟
هذه اشكالات لايبقى معها مجال لإثبات منع الكتابة.
ولو تجاوزنا ذلك، فإن مايثير الاهتمام هو الوقوف على الدوافع التي دعت أهل السنة
إلى منع الكتابة.
الأول: قيل إن سرّ حظر كتابة الحديث، هو لئلا يختلط بالقرآن الكريم، كما مرّت
الإشارة إليه في قول عمر و ابن مسعود.
و بتعبير آخر: إن الخشية من تحريف القرآن، هي التي حالت دون تدوين الحديث.
و هذا التحليل لانصيب له من الصحة، لأنه يوحي بإمكان وقوع التحريف، مع أن اللّه
سبحانه أكد أن القران لاتناله يد التحريف، و وعد بحفظه: «إنّا نحن نَزَّلْنا
الذِّكْرَ و إنّا لَهُ لَحافِظُونَ».(١)
اضافة إلى ذلك، فإن في هذا الكلام إيحاء بأن القرآن و الحديث في مستوىً واحد من حيث
البلاغة و الإعجاز، و هو أمر لايمكن قبوله.
١ ـ الحجر : ٩ .
يقول الأستاذ أبو ريّة:
و هو سبب لايقتنع به عاقل عالم، و لايقبله محقق دارس، اللهم إلا إذا جعلنا الأحاديث
من جنس القرآن في البلاغة، و إن أسلوبها في الإعجاز من أسلوبه، و هذا ما لايقرّه
أحد، حتى الذين جاءوا بهذا الرأي، إذ معناه إبطال معجزة القرآن، و هدم أصولها من
القواعد.(١)
من جانب آخر، فإن تقييد الحديث إنما يسفر عنه الاختلاط، فيما إذا دُوّن مع القرآن،
و أما إذا لم يُدوَّن معه، فلا مبرّر للنهي عنه، نظراً لإستبعاد الاختلاط. من هنا
لم يرخّص بعض أكابر التابعين مثل الضحاك بن مزاحم تقييدَ الحديث في صحائف، كصحائف
القرآن، و كان يقول:
«لاتتخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف».(٢)
و هذا الرأي، ذهب إليه أيضاً إبراهيم بن يزيد النخعي.(٣)
الثاني : قيل إن منع الكتابة، إنما صدر لئلا يستحوذ الحديث على عقول المسلمين،
فيشغلهم عن القرآن، كما مرّت الإشارة إليه في قول عمر و ابن مسعود.
١ ـ أضواء على السنة المحمدية: ٥٠ ـ ٥١ ، منشورات الأعلمي.
٢ ـ تقييدالعلم: ٤٧ .
٣ ـ سنن الدرامي: ١ / ١٠٠ ، الحديث ٤٧٠ .
و هذا التحليل لايمكن الأخذ به:
١ـ لان الاشتغال بغير القرآن، إنما يُنهى عنه إذا أسفر عنه ترك القرآن و هجرانه، و
إلا فلاوجه للمنع، و عليه يجب أن يصدر المنع مقيّداً لامطلقاً.
٢ـ ان الذين اهتمّوا بتقييد الحديث و حفظه و نشره، هم كبار صحابة النبي
صلىاللهعليهوآله ، فلايرد الاحتمال المذكور في شأنهم، لأن كبار التابعين و
العلماء بعدهم بادروا إلى الضبط و التقييد دون أن يُسفر عنه هجران القرآن و تركه.
٣ـ من جانب آخر، فان الحديث الذي يتصدّى لشرح و تفسير و تبيين القرآن، لايكون سبباً
للإعراض عنه، نعم ثمّة كتب أخرى ككتب اليهود و النصارى، يمكن أن تبعث نحو هذا الأمر
، و تجعل من منع كتابتها أمراً معقولاً و محبّذاً.
و كشاهد على ذلك ، ننقل هذا الخبر:
روي عن عمر بن الخطاب أنه قال للنّبي صلىاللهعليهوآله : إنّا نسمع أحاديث من
يهود تعجبنا، أفَتَرى نكتبها.
فقال النبي صلىاللهعليهوآله : امتهوّكون أنتم كما تهوّكت(١) اليهود و النصارى،
لقد جئتكم بها بيضاء نقية.
و جاء نظير هذا المعنى في نصوص أخرى، نهى فيها النبي صلىاللهعليهوآله عمر عن
كتابة أحاديث و كتب اليهود.(٢)
٤ـ ومع غضّ النظر عن ذلك، فاذا تيسر للكتابة أن تشغل الناس عن القرآن، فحفظ الحديث
يشاطرها ذلك، فلابد من النهي عنه أيضاً.(٣)
الثالث: إن سبب حظر الكتابة ـ كما ادعاه جماعة ـ هو لئلا يؤول أمر حفظ و مذاكرة
الحديث بين المسلمين إلى الضعف و الخمول من خلال الاتكال على التقييد و الضبط.
١ ـ التهوّك: التردّد و التحيّر و السقوط.
٢ ـ النهاية لابن الأثير: ٥ / ٢٨٢ ؛ لسان العرب: ١٢ / ٤٠٠.
٣ ـ تدوين السنة الشريفة: ٣٤٢ ـ ٣٤٦.
قال الأوزاعي:
كان هذا العلم شيئاً شريفاً، إذ كان من أفواه الرجال يتلقّوْنه و يتذاكرونه، فلما
صار في الكتب ذهب نوره، و صار إليه غير أهله.(١)
و قال ابن عبدالبر:
من كره كتاب العلم، إنما كره لئلا يتكل الكاتب على ما كتب ، فلا يحفظ، فيقل
الحفظ.(٢)
هذه النظرية لاتقدّم تحليلاً معقولاً، لأن نظير هذا الكلام جارٍ في القرآن أيضاً،
أي أنه يجب حفظ القرآن بدلاً من ضبطه و تدوينه، كما لابد من جريانه في السنّة
أيضاً، حتى في العصور اللاحقة. فَلِمَ دُوّن القرآن؟ و لماذا تأخر تدوين السنّة
اِلى ما بعد القرن الأول؟
الرابع : النظرية الرابعة المطروحة، هي مسألة الاستغناء عن الكتابة، اعتماداً على
الحفظ. قال بعض من خَبَر هذا الفن:
إن الصحابة و التابعين لم يجدوا في أنفسهم حاجة إلى تدوين الحديث، بسبب نقاء
عقيدتهم، و ببركة صحبة النبي صلىاللهعليهوآله و قُرب العهد به، و أيضاً إتاحة
فرصة الرجوع إلى الثقات، و عدم تفشي الاختلاف، و لكن ما أن أنتشر الإسلام حتى راحوا
يدوّنون الحديث والفقه و القرآن.(٣)
١ ـ جامع بيان العلم: ١ / ٨١.
٢ ـ جامع بيان العلم: ١ / ٧٠.
٣ ـ بحرالعلوم: ١١٠.
و روي عن أبي موسى الأشعري، أنّه:
لما جيء بما كتبه ابنه أبو بُردة، دعا بماء و غسله، و قال:
احفظوا عنا، كما حفظوا.(١)
و هذا الرأي قال به كثير من التابعين.(٢)
و ينبغي القول في هذا الصدد، أن فضل حفظ القرآن و الحديث، لايكون سبباً لمنع
التقييد و الضبط، و إلاّ فَلِمَ لم يصدر منع كهذا في حق القرآن؟ كما ينبغي أيضاً ان
لايُدوَّن الحديث في العصور اللاحقة.
و ثمّة أسباب أخرى ذُكرت في هذا المضمار لاحاجة إلى تحليلها و نقدها، من قبيل عدم
معرفة المحدثين الكتابة، أو أن النبي صلىاللهعليهوآله لم يرغب في اتساع دائرة
الأوامر الشرعية. لأنه قد ثبت في محلّه، أن القرآن و الحديث دوّنا في عهد النبي
صلىاللهعليهوآله حتّى أن الخليفة الأول نفسه، دوّن (٥٠٠) حديث، ثم كيف يمكن
التصديق بأن النبي صلىاللهعليهوآله لم يوسّع دائرة الأحكام الشرعية مع تصريح
القرآن بأن النبي مُبيّن له.
و قبال هذه الدوافع، طُرحت دوافع أخرى من قبل علماء الشيعة جديرة بالاهتمام، و قد
ذهب معظمهم إلى أن رفض الدوافع المذكورة من قبل المناهضين للكتابة يكمن في وجود
دافع آخر ظلّ طيّ الكتمان، يمكن أن يُفصح عنه أحد الأمور التالية:
١ـ إن منع كتابة الحديث تأثر إلى حد كبير بآراء بعض اليهود الذين اعتنقوا الإسلام.
يقول جعفر مرتضى العاملي في هذا الصدد:
١ ـ تقييد العلم: ٤٠ .
٢ ـ انظر: تدوين السنة الشريفة : ٣٦٦ ـ ٣٦٧.
«كان اليهود على فرقتين، فرقة تؤمن بالكتابة و التدوين ، وفرقة تؤمن بوجوب
الحفظ، و عدم جواز كتابة شيء غير التوارة، ويقال لهم القراء (على ما نصّ عليه محمد
حسن ضاضا في كتابه: (التفكير الديني عند اليهود) و يظهر : أن كعب الأحبار كان من
القراء الذين كثروا بعد ضعف أمر الفريسيين ، كما يظهر من جوابه لعمر حينما سأله عن
الشعر، فكان مما قاله عن العرب:
قوم من ولد إسماعيل أناجيلهم محفوظة في صدورهم ينطقون بالحكمة ... فلعل الخليفة قد
قبل هذه النظرية من كعب الأحبار الذي كان مقرباً لديه، بسبب حسن ظنه به، أو لأي سبب
آخر».(١)
إن ما نُقل عن الخليفة الثاني من كلمات في منع الكتابة، من قبيل قوله: «أمنية
كأمنية أهل الكتاب»،(٢) و قوله أيضاً: «مثناة كمثناة أهل الكتاب».(٣) (وهذا
الاصطلاح يطلقه اليهود على غير التوراة) ، كلها شواهد ساطعة، تؤيد هذه النظرية.
٢ـ إن حظر الكتابة، كان من أجل طمس بعض الروايات المتضمنة مدح أو ذم فريق من
المسلمين، و التي يؤدي الإفصاح عنها إلى الإساءة إلى الأجهزة الحاكمة؛ و بتعبير آخر
أن حظر الكتابة كان له دوافع سياسية.
١ ـ الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلىاللهعليهوآله : ١ / ٢٧ ،
الهامش. و راجع أيضاً: مقدمة على تاريخ تدوين الحديث (بالفارسية) : ٤٤ ـ ٤٦.
٢ ـ تقييد العلم: ٥٢.
٣ ـ الطبقات الكبرى: ٥ / ١٨٨ .
يقول الأستاذ جعفر مرتضى في هذا الصدد:
«إن هذا المنع عن الحديث ينسجم مع سياسة و تدبير الحاكم الذي لايريد أن تكثر
الاعتراضات عليه بمخالفة أقواله و أفعاله لأقوال و أفعال الرسول
صلىاللهعليهوآله أو للقرآن الكريم، و لأجل ذلك أيضاً، فقد منع عن السؤال عن
القرآن و تفسيره، حيث لم يكن مجال للمنع عن كتابته و تلاوته.
و من جهة أخرى، فان ذلك يُطمئن السلطة إلى أن الأمور التي تهتم بطمسها و إخفائها،
سواء ما يرتبط ببعض شخصياتها أو يقوي موقف خصومها، هذه الأمور لن تظهر ، و ستبقى
رهن الخفاء و الكتمان، ولن يكون لها أثر يهمّ السلطة في أن تتجنبه».(١)
و يوضح هذا الهدف ما رواه الخطيب البغدادي:
عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: جاء علقمة بكتاب من مكة ـ أواليمن ـ صحيفة
فيها أحاديث في أهل البيت، بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، فاستأذنّا على
عبداللّه ، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة، قال: فدعا الجارية، ثم دعا
بطست فيها ماء ، فقلنا له: يا أبا عبدالرحمن انظر فيها فإن فيها أحاديث حساناً،
فجعل يُميثها فيها، و يقول:
«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا
الْقُرْآنَ».(٢)
القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن و لاتشغلوها ما سواه.(٣)
١ ـ الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلىاللهعليهوآله : ١ / ٢٧ .
٢ ـ يوسف : ٣ .
٣ ـ تقييد العلم : ٥٤.
قال مؤلف «تدوين السنة الشريفة» بعد نقله و تحليله لهذا الحديث، قال في ختام البحث:
«فالمصلحة المنشودة من هذا التدبير، هي إخفاء الأحاديث النبوية التي تدلّ على
خلافة علي عليهالسلام و إمامة أهلالبيت عليهمالسلام بعد النبي
صلىاللهعليهوآله ».(١)
و قد أكّد السيّد هاشم معروف الحسني على هذه النقطة ، حينما قال:
و لو تقصّينا الأسباب التي يمكن افتراضها لتلك الرغبة الملحّة في بقاء السنّة في
طيّ الكتمان، لم نجد سبباً يخوله هذا التصرف، و لانستبعد أنه كان يتخوف من اشتهار
أحاديث الرسول في فضل علي عليهالسلام و أبنائه.(٢)
و كتب المعلّمي ـ و هو من كبار علماء السنة المعاصرين ـ تعليقاً على مرسل ابن أبي
مليكة المتضمن مَنْعَ أبي بكر من نقل الحديث، فقال:
اِن كان لمرسل ابن أبي مليكة أصل، فكونه عقب الوفاة النبوية يُشعر بأنه يتعلق بأمر
الخلافة.
كان الناس عقب البيعة بقوا يختلفون،(٣) يقول أحدهم: أبوبكر أهلها، لأن النبي
صلىاللهعليهوآله قال: «كيت و كيت»، فيقول آخر: و فلان قد قال له النبي
صلىاللهعليهوآله : «كيت و كيت».
فأحب أبوبكر صرفهم عن الخوض في ذلك و توجيههم إلى القرآن.(٤)
١ ـ تدوين السنة الشريفة: ٤١٥ .
٢ ـ دراسات في الحديث و المحدثين: ٢٢ .
٣ ـ هكذا في المصدر، والأولى أن يقال: مختلفين.
٤ ـ عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، الأنوار الكاشفة لما في الأضواء من
المجازفة: ٥٤ .
إلى هنا قمنا باستعراض دوافع حظر الكتابة و تحليلها و نقدها. و نختتم البحث بالإشارة إلى المضاعفات التي نجمت عنه:
لاشك أن سبب بقاء الحديث، يرجع إلى حدٍّما إلى حفظه، بيد أنه ليس في وسع الذاكرة
الاحتفاظ بكل شيء إلى الأبد، الأمر الذي اعترف به المحدّثون.
قال يحيى بن سعيد: أدركت الناس يهابون الكتب، و لو كنا نكتب يومئذ لكتبنا من علم
سعيد بن المسيّب و رأيه شيئاً كثيراً.(١)
و ذهب التهانوي إلى أن الأحاديث لو دوّنت لما أكثَر أبو حنيفة من القياس ، وقال:
إن أباحنيفة، إنما كثر القياس في مذهبه لكونه في زمن قبل التدوين، ولو عاش حتى دونت
الأحاديث الشريفة، و بعد رحيل الحفّاظ في جمعها من البلاد و الثغور، و ظفر بها لأخذ
بها و ترك كل قياس كان قاسه.(٢)
إن إحدى الآثار السيئة لحظر الكتابة، هي شيوع الكذب، و وضع الحديث.
قال الأستاذ أبوريّة:
كان من آثار تأخير تدوين الحديث و ربط ألفاظه بالكتابة إلى ما بعد المائة الأولى من
الهجرة، و صدر كبير من المائة الثانية، أن اتسعت أبواب الرواية، و فاضت أنهار الوضع
بغير ضابط و لا قيد.(٣)
١ ـ الطبقات الكبرى: ٥ / ١٤١ .
٢ ـ قواعد في علوم الحديث: ٤٥٤ .
٣ ـ أضواء على السنة المحمدية : ١٨٨ .
وقال السيد شرف الدين العاملي:
لايخفى ما قد ترتّب على هذا المنع من المفاسد التي لاتتلافى أبداً... و ليت
أبابكر و عمر صبّرا نفسيهما على جمع السنن و تدوينها في كتاب خاص، يرثه عنهما مَن
بعدهما .... ولو فعلا ذلك لعصما الأمة و السنة من معرّة الكاذبين بما افتأتوه على
رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ؛ اِذ لو كانت السنن مدوّنة من ذلك العصر في كتاب
تقدسه الأمة، لأُرتج على الكذّابين باب الوضع، و حيث فاتهما ذلك، كَثُرت الكذابة
على النبي صلىاللهعليهوآله ، و لعبت في الحديث أيدي السياسة، و عاثت به ألسنَةُ
الدعاية الكاذبة، و لاسيما على عهد معاوية و فئته الباغية، حيث سادت فوضى الدجاجيل،
وراج سوق الأباطيل.(١)
و ثمة أخبار مفصلة عن وضع الحديث في عهد معاوية، نقلها ابن أبي الحديد في «شرح
نهجالبلاغة»،(٢) و أبوريّة في «أضواء على السنة المحمدية».(٣)
و قد ذُكرت مضاعفات أخرى، قابلة للنقد و النقاش، أعرضنا عن ذكرها.(٤)
١ ـ النص و الاجتهاد: ١٤٦ ـ ١٤٩.
٢ ـ شرح نهج البلاغة : ١١ / ٤٤ ـ ٤٦ .
٣ ـ أضواء على السنة المحمدية: ١٢٦.
٤ ـ راجع: تدوين السنّة الشريفة: ٥٠٤ ـ ٥٤٩ ؛ مقدمة على تاريخ تدوين الحديث: ٥٢ ـ
٥٦ (بالفارسية).