القسم الثاني

تاريخ علم الحديث

و فيه فـصول خمسة:

١ـ حفظ الحديث و تدوينه.
٢ـ حظر الكتابة، الدوافع و المضاعفات.
٣ـ أدوار الحديث عند الشيعة.
٤ـ أدوار الحديث عند السنّة.
٥ـ التصنيف الموضوعي للكتب الحديثية.

 

الفصل الأول

حفظ الحديث و تدوينه

مما لاشكّ فيه أن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و أهل بيته عليهم‏السلام قد أكّدوا على تعلّم الحديث و حفظه و مذاكرته، و يشهد لذلك كثرة الأحاديث المنقولة عنهم في هذا الصدد.
قال رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «من حفظ من أمتي أربعين حديثاً بعثه اللّه‏ يوم القيامة عالماً فقيهاً».(١)
مضمون هذا الحديث تناقله كلا الفريقين و روي بأسانيد متعددة و ألفاظ متقاربة.(٢)
و قد ذكر العلامة المجلسي ثلاث مراتب للحفظ:
أحدها:
حفظ لفظها، سواء كان في الخاطر أو في الدفاتر، و تصحيح لفظها، و استجازتها و إجازتها و روايتها.
ثانيها: حفظ معانيها، و التفكر في دقائقها و استنباط الحكم و المعارف منها.

١ ـ بحارالأنوار: ٢ / ١٥٣، الحديث ١.
٢ ـ راجع: بحارالانوار: ٢ / ١٥٣ ـ ١٥٨؛ كنزالعمال: ١٠ / ٢٢٤ ـ ٢٢٥.

ثالثها: حفظها بالعمل بها، و الإعتناء بشأنها، والاتعاظ بمودعها.(١)
هذا الحديث و نظائره ترك تأثيراً بالغاً في شدّ اهتمام المسلمين نحو الحديث و مذاكرته.
فهذا شمس‏الدين الذهبي، قد ألّف «تذكرة الحفّاظ» تعريفاً بأسماء حملة العلم النبوي.(٢)
و أُثر عن بعض الرواة كمحمد بن مسلم، أنه سمع نحو ثلاثين ألف حديث.(٣)
و مما يُعرب عن هذا الاهتمام، أن مبحث (رحلة الصحابة في طلب الحديث) قد احتلّ حيّزاً في كتب علوم الحديث و تاريخه.(٤)
و إلى جانب حفظ الحديث و نشره، فقد استأثرت كتابته و تقييده باهتمام النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و أئمة أهل‏البيت عليهم‏السلام و الصحابة.
فعن رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنه قال: «قيّدوا العلم بالكتابة».(٥)
و روي أن رجلاً شكا حفظه إلى رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : استعن على حفظك بيمينك.(٦)
و عن رافع بن خديج، قال: قلت يا رسول‏اللّه‏! إنّا نسمع منك أشياء، أ فنكتبها؟

١ ـ بحارالأنوار: ٢ / ١٥٧.
٢ ـ تذكرة الحفاظ: ١ / ١.
٣ ـ معجم رجال الحديث: ١٧ / ٢٤٩، ٢٥٣.
٤ ـ راجع: السنة قبل التدوين: ١٧٦ ـ ١٨٣ ؛ الرحلة في طلب الحديث، الخطيب البغدادي.
٥ ـ كنزالعمال: ٥ / ٢٢٤ ؛ تقييد العلم: ٦٨ ؛ سنن الدارمي: ١ / ١٢٧.
٦ ـ تقييد العلم: ٦٥ ؛ بحارالأنوار: ٢ / ١٥٢ ؛ ميزان الاعتدال: ١ / ٦٥٣ .

قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «اكتبوا و لا حرج».(١)
كما نُقل ذلك عن عمرو بن شعيب،(٢) و عبداللّه‏ بن عمرو بن العاص.(٣)
و عن عبداللّه‏ بن عمرو، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أريد حفظه، فَنَهَتْني قريش؛ فقالوا: إنك تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بشر يتكلم في الغضب و الرضا، فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلاّ حقّ».(٤)
و عن أميرالمؤمنين علي عليه‏السلام عن رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنه قال: «اكتبوا هذا العلم، فإنكم تنتفعون به، إما في دنياكم و إما في آخرتكم، و إن العلم لا يضيع صاحبَه».(٥)
و عن الإمام الصادق عليه‏السلام عن آبائه عليهم‏السلام عن رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنه قال:
«إذا كتبتم الحديث فاكتبوه باسناده، فإن يكُ حقاً كنتم شركاء في الأجر، و إن يك باطلاً كان وزره عليه».(٦)
و عن أم‏سلمة: قالت:
«دعا رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأديم، و عليبن أبيطالب عليه‏السلام عنده، فلم يزل رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يُملي، و عليّ يكتب، حتى ملأ بطن الأديم و ظهره و أكارعه».(٧)

١ ـ تقييد العلم: ٧٢ ؛ كنزالعمال: ١٠ / ٢٣٢ ؛ الحديث ٢٩٢٢٢.
٢ ـ مسند أحمد: ٢ / ٢١٥ ؛ بحارالأنوار: ٢ / ١٤٧ ؛ تقييد العلم: ٧٤.
٣ ـ تقييد العلم: ٨٥ .
٤ ـ مسند أحمد: ٢ / ١٦٢.
٥ ـ كنزالعمال: ١٠ / ٢٦٢، الحديث ٢٩٣٨٩.
٦ ـ أدب الاملاء و الاستملاء: ٥.
٧ ـ نفس المصدر: ١٢.

و عن رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أيضاً أنه قال لعلي عليه‏السلام :
«يا علي اكتب ما أملي عليك». قلت: يا رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، أتخاف عَلىَّ النسيان؟ قال: «لا، و قد دعوت‏اللّه‏ أن يجعلك حافظاً، ولكن لشركائك الأئمة من ولدك».(١)
و نلمس من خلال الآثار التي هي من إملاء رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، كصحيفة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، و كتاب علي عليه‏السلام ، و كتاب فاطمة عليهاالسلام (٢) مدى انتشار كتابة الحديث و تقييده في عصر صدر الإسلام.
و قد جمع بعض المحققين من كتب السير و التراجم ما يقرب من خمسين صحابياً، نهضوا بتقييد الحديث، و نُسبت إليهم صحائف أو نسخ، و إليك أسماء هم حسب الترتيب الألفبائي:
أبوبكر، أبورافع، أبوشاة‏الكلبي، أبوهريرة، أبوهندالداري، أُبيّبن كعب، أسماء بنت عُمَيْس، أُسيد بن حُضَيْر الأنصاري، أنس بن مالك، البَراء بن عازب، جابربن‏سَمُرة، جابربن عبداللّه‏ الأنصاري، جرير بن عبداللّه‏ البجلي، الحسن بن علي عليهماالسلام ، خالد بن زيد، رافع بن خديج الأنصاري، زيد بن أرقم، زيد بن ثابت الأنصاري، سُبيعة الأسلمية، سعد بن عُبادة، سلمان الفارسي، السائب بن يزيد، سَمُرة بن جندب، سعد بن مالك‏الخدري، سهل بن سعد الساعدي، شدّاد بن أوس، شمعون الأزدي، (أبو أمامة) صُديّ بن عجلان الباهلي، الضحاك بن سفيان الكلابي،

١ ـ الامامة و التبصرة من الحيرة: ١٨٣ ؛ بصائر الدرجات: ١٦٧ ؛ أمالي الصدوق: ٣٢٧ ؛ اكمال‏الدين و اتمام النعمة: ٢٠٦.
٢ ـ مجلة علوم الحديث، العدد ٢، ص ٢٠ ـ ٢٥، و راجع أيضاً: العدد ٣ ص ٤١، مقالة تحت عنوان صحيفة اميرالمؤمنين عليه‏السلام .

عائشة بنت أبي بكر، عبداللّه‏ بن أبي أوفى، عبداللّه‏ بن الزيير، عبداللّه‏ بن عباس، عبداللّه‏ بن عمر، عبداللّه‏ بن عمرو بن العاص، (أبوموسى الأشعري)، عبداللّه‏ بن قيس، عبداللّه‏ بن مسعود، عِتبان بن مالك، علي بن أبي طالب عليه‏السلام ، عمر بن الخطاب، عمرو بن حزم الأنصاري، فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، فاطمة بنت قيس، محمد بن مسلمة، معاذ بن جبل، ميمونة بنت الحارث، النعمان بن بشير، وائلة بن الأسقع.(١)
إلى هنا اتضح أن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يحثّ على كتابة الحديث، و أن الصحابة كانوا يهتمّون بالعمل على ضوء ذلك.
هذا الأمر، يؤيده العديد من علماء علوم الحديث. يقول الدكتور نورالدين عتر:
«وردت أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة تبلغ بمجموعها رتبة التواتر في اثبات وقوع الكتابة للحديث النبوي في عهده صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ».(٢)
و يقول الدكتور صبحي الصالح:
«ليس علينا اذن أن ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز، حتى نسمع للمرة الأولى ـ كما هو الشائع ـ بشيء اسمه تدوين الحديث أو محاولة لتدوينه، و ليس علينا أن ننتظر العصر الحاضر لنعترف بتدوين الحديث في عصر مبكر ... لأن كتبنا و أخبارنا و وثائقنا التاريخية لاتدع مجالاً للشك في تحقق تقييد الحديث في عصر النبي نفسه».(٣)

١ ـ مجلة علوم الحديث، العدد ٣، ص ١١ ـ ٤٠.
٢ ـ منهج النقد في علوم الحديث: ٢٠.
٣ ـ علوم الحديث و مصطلحه: ٢٣.

و قال‏الدكتور مصطفى الأعظمي، عقب بحث عميق:

«أن كلّ من نُقل عنه كراهية كتابة العلم، فقد نُقل عنه عكس ذلك أيضاً، و قد ثبتت كتابتهم و الكتابة عنهم، أو الكتابة عنهم فقط».(١)
و كتب الدكتور عبد الغني عبدالخالق:
«كان أكثرهم يبيح الكتابة، و يحتفظ بالمكتوب منها، و البعض يكتب بالفعل».(٢)
و قال أحمد محمد شاكر:
«أكثر الصحابة على جواز الكتابة، و هو القول الصحيح».(٣)
و لم تنتكس راية تدوين الحديث عقب وفاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بل استمرت عند أئمة أهل‏البيت عليهم‏السلام الذين أكدوا على هذا الأمر تبعاً لرسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كما دأب أصحاب الأئمة عليهم‏السلام على تدوين الحديث و تقييده.
يقول الدكتور شوقي ضيف:
«يظهر أن عناية الشيعة بكتابة الفقه كانت قوية، لإعتقادهم في أئمّتهم أنهم الهادون المهديون الذين ينبغي أن يلتزموا بفتاواهم، و من ثم عَنَوْا بفتاوى عليّ وأقضيته، و يظهر أن أول من أ لّف فيها سُليم بن قيس الهلالي معاصر الحَجّاج».(٤)

١ ـ دراسات في الحديث و تاريخ تدوينه : ١ / ٧٦ .
٢ ـ حجية السنة: ٤٤٨.
٣ ـ الباعث الحثيث: ١٢٧.
٤ ـ تاريخ الأدب العربي: العصر الاسلامي: ٤٥٣ ؛ تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية: ٢٠٢ ـ ٢٠٣.

و كتب السيد شرف‏الدين العاملي، قائلاً:
«أما علي و شيعته، فقد تصدّوا للتدوين في العصر الأول، و أوّل شيء دوّنه أمير المؤمنين كتاب‏اللّه‏ عزوجلّ، فإنه عليه‏السلام بعد فراغه من تجهيز النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله آلى على نفسه أن لايرتدي إلاّ للصلاة أويجمع القرآن، فجمعه مرتباً على حسب النزول، و أشار إلى عامّه و خاصّه، و مطلقه و مقيّده، و مُحكمه و متشابهه، و ناسخه و منسوخه، و عزائمه و رخصه، و سننه وآدابه، و نبّه على أسباب النزول في آياته البينات، و أوضح ما عساه يشكل من بعض الجهات... .
و بعد فراغه من الكتاب العزيز، ألّف لسيدة نساء العالمين كتاباً كان يُعرف عند أبنائها الطاهرين بمصحف فاطمة، يتضمن أمثالاً و حِكَماً، و مواعظ و عِبَراً، و أخباراً و نوادر، توجب لها العزاء عن سيّد الأنبياء أبيها صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . و ألّف بعده كتاباً في الديات، و سمه بالصحيفة، وقد أورده ابن سعد في آخر كتابه المعروف بالجامع مسنداً إلى أمير المؤمنين عليه‏السلام ، و رأيت البخاري و مسلم يذكران هذه الصحيفة، و يرويان عنها في عدّة مواضع من صحيحهما.
و أضاف قائلاً: و اقتدى بأمير المؤمنين ثلة من شيعته، فألّفوا في عهده، منهم أبو رافع مولى رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و صاحب بيت مال أميرالمؤمنين، و كان من خاصّة أوليائه و المستبصرين بشأنه، له كتاب السنن و الأحكام و القضايا، جمعه من حديث علي خاصة».(١)
و قال السيد حسن الصدر:
«أول من دوّن الحديث من شيعة أميرالمؤمنين عليه‏السلام بعده، أبو رافع. و له كتاب (السنن و الأحكام و القضايا)، و ابنه كان كاتباً لإميرالمؤمنين علي عليه‏السلام ، و جمع كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء و الصلاة و سائر الأبواب».(٢)

١ ـ المراجعات: ٢٨٥ ـ ٢٨٦، المراجعة ١١٠.
٢ ـ تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ٢٨٠، ٢٨٣.

و كان أبوحنيفة يشير الى الإمام الصادق عليه‏السلام بأنه (صُحُفي) أي يأخذ علمه من الكتب، فلما بلغ كلامه الى الإمام‏الصادق عليه‏السلام ضحك، و قال: «... أما في قوله: (أنا رجل صُحُفي) فقد صدق، قرأت صحف آبائي، و إبراهيم، و موسى».(١)
كما نقل أئمة أهل‏البيت عليهم‏السلام أحاديث لا حصر لها عن كتاب علي عليه‏السلام الذي كانوا يتوارثونه،(٢) و يقرؤونه على أصحابهم بين فينة و أخرى.
رُوي عن محمد بن مسلم «أن أباجعفر عليه‏السلام أقرأه صحيفة الفرائض التي أملاها رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، و خطّ عليّ عليه‏السلام بيده، فقرأتُ فيها: إمرأة تَركَتْ زوجها و أبويها، فللزوج النصف ثلاثة أسهم، و للأم سهمان الثلث تاماً، و للأب السدس سهم».(٣)
من هنا يُعلم أن تقييد الحديث كان رائجاً في أوساط الشيعة، و سيأتي تفصيل ذلك عند البحث عن أدوار الحديث عند الشيعة.
أما في أوساط أهل السنة، فإن الكتابة قد توقّفت بعد وفاة رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، و فُرض الحظر عليها، و هذا ما نحيل البحث فيه و في الدوافع و المضاعفات إلى الفصل اللاحق إن شاءاللّه‏ تعالى.(٤)

١ ـ روضات الجنات: ٨ / ١٦٩.
٢ ـ انظر: الكافي:٧ / ٧٧ و ٩٨ ؛ رجال النجاشي: ٢٥٥.
٣ ـ الكافي: ٧ / ٩٨، الحديث ٣.
٤ ـ من أجل الاطلاع أكثر على تدوين الحديث، يراجع:
مقدمة على تاريخ تدوين الحديث (بالفارسية)، رسول جعفريان ؛ تدوين السنة الشريفة، السيد محمدرضا الجلالي الحسيني؛ معرفة النسخ و الصحف الحديثية؛ دراسات في الحديث النبوي و تاريخ تدوينه ؛ تدوين الحديث، مجلة علوم الحديث، العدد ٢، ص ٣٧ ـ ٣٨، و العدد ٣، ص ١٠ ـ ٤٠، محمد علي مهدويراد ؛ السنة قبل التدوين، محمد عجاج الخطيب: ٢٩٣ ـ ٣٨١، و كتب كثيرة أخرى.