الفصل الثالث

مَكانة السُّنَّة في التَّشريعِ الإسلامي

قد يُثار سؤال، مؤدّاه: مادام القرآن مورد اتفاق و قبول المسلمين كافة، و فيه نور، و بيان، و تبيان لكلّ شيء فما الحاجة إذن الى السنّة؟ و لِمَ لايُستغنى به عنها؟
هذا السؤال يُجاب عنه في هذا الفصل على نحو الاختصار.
يقول العلامة الطباطبائي في هذا الصدد:
«هذا الذي ذُكر لاينافي قيام الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و الإئمة عليهم‏السلام ببيان جزئيات القوانين، و تفاصيل أحكام الشريعة التي لم نجدها في ظواهر القرآن.
و هو لاينافي أيضاً اضطلاعهم بمهمّة تعليم معارف الذكر الحكيم، كما يظهر من الآيات التالية:
«و أَنْزَلْنا إليكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِم».(١)
«و ما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَمانَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوْا».(٢)

١ ـ النحل: ٤٤.
٢ ـ الحشر: ٧.

«وَ مَا أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلاّ لِيُطاعَ بِإذْنِ‏اللّه‏ِ».(١)
«هُوَ الّذي بَعَثَ في الأُمِيّينَ رَسُولاً مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ وِ يُزَكّيهِم وَ يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ و الحِكْمَةَ».(٢)
و بمقتضى هذه الآيات، يكون النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هو المبيِّن لجزئيات و تفاصيل الشريعة، و هو المعلّم الإلهي للقرآن المجيد، و بمقتضى حديث الثقلين، فإن الأئمة عليهم‏السلام هم خلفاء الرسول في تلك المهمة، و هذا لاينافي أن يُدرِك مرادَ القرآن من ظواهر آياته بعضُ من تتلمذ على المعلمين الحقيقيين، و كان له ذوق سليم في فهمه».(٣)
و يقول في موضع آخر:
«و نستنتج من هاتين المقدمتين أن في القرآن آيات تفسر الآيات الأخرى، و مكانة الرسول و أهل بيته من‏القرآن كمرشد معصوم لايخطأ فيتعاليمه وإرشاداته، فما يفسرونه يطابق التفسير الذي يُستنتج من ضمّ الآيات إلى بعضها، ولايخالفها في شيء».(٤)
و يستخلص من كلام العلاّمة الطباطبائي أنّ للسنّة دوريْن مهمّين تجاه القرآن الكريم و هما:
    ١ـ منهج فهم القرآن، لأن تفسير القرآن بالقرآن يُعدّ أنجع المناهج التفسيرية، و قد وُرث هذا النوع من التفسير عن النبي و أهل بيته الطاهرين عليهم‏السلام .

١ ـ النساء: ٦٤.
٢ ـ الجمعة: ٢.
٣ ـ القرآن في الإسلام: ٢٥ ـ ٢٦.
٤ ـ القرآن في الإسلام: ٦٠.

    ٢ـ استخراج أحكام الشريعة بتفاصيلها و جزئياتها من السنة.
ولا يخفى أن هذين الدورين للسنّة يتعلّقان بظواهر القرآن، و أما بطون القرآن، و تأويله، والجري و التطبيق، فمستوحاة من السنّة، و كم من أسرار لولا بيان أهل‏البيت عليهم‏السلام لما تيسّر معرفتها، و لذا قيل: إنّ الأحاديث هي قرآن في مستوىً متدنٍّ، و إنّ القرآن هو أحاديث في مستواها الرفيع، و روح القرآن سارية فيها، فالأحاديث المأثورة عن أئمة أهل البيت هي ـ في الواقع ـ بطون و أسرار آيات الذكر الحكيم».(١)
و قد أشار بعض المحققين من أهل السنّة، و تحت عنوان «مجالات خدمة السنّة للقرآن» إلى خمسة جوانب مهمة للسنة، خدمت بها القرآن:

١ـ بيان معاني القرآن.
٢ـ تفسير القرآن.
٣ـ تخصيص عمومات القرآن.
٤ـ بيان موارد النسخ.
٥ـ استنباط أحكام لم يصرح بها في القرآن.

١ ـ الإنسان الكامل في نهج‏البلاغة: ١٤ (بالفارسيّة).

ويبدو أن هذه الجوانب لا تقتصر على خمسة بل تصل إلى ثمانية، يمثّل القرآن محورها الرئيسي، و هي:

١ـ عرض منهج تفسير القرآن بالقرآن.
٢ـ تيسير استنباط الأحكام الشرعية من القرآن.
٣ـ تذليل العقبات أمام إجراء الشريعة و تطبيقهاعلى مختلف أصعدة الحياة.
٤ـ بيان معارف القرآن السامية.
٥ـ بيان جزئيات و تفاصيل الأحكام.
٦ـ بيان تأويل و باطن و جري و تطبيق القرآن.
٧ـ إعطاء المزيد من التفاصيل حول تاريخ الأنبياء و الأمم الماضية.
٨ـ بيان موارد نسخ الآيات القرآنية و تخصيصها و تقييدها.

إنّ كلّ جانب من هذه الجوانب، يحتاج إلى بحث مسهب، و لكلّ جانب منها نماذج عديدة تعجّ بها الأحاديث.(١)

١ ـ للأطلاع أكثر، يراجع: السنّة و مكانتها في التشريع الأسلامي، مصطفى السباعي (المكتب الإسلامي، بيروت)، تاريخ فنون الحديث، ص ١٣ ـ ٢٥، و حجية السنّة، عبدالغني عبدالخالق، ص ٤٨٣ ـ ٥٤٠ (دارالسعداوي).