ذهب أهل السنة الى حجية سنّة الصحابة، و ركنوا إليها، اضافة الى سنّة
رسولاللّه صلىاللهعليهوآله .
قال أبوحنيفة:
«اذا لم أجد في كتاباللّه و لا في سنّة رسولاللّه، أخذت بقول أصحابه ، فاذا
اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة الواحدة، أخذت بقول من شئتُ، و أدَعُ من شئت».(١)
و قال ابن قيِّم الجَوزيّة في «أعلام الموقعين»:
«ان أصول الاحكام عند الامام أحمد خمسة: الأول: النّص و الثاني: فتوى الصحابة، فعمل
الصحابي على خلاف عموم القرآن، دليل على التخصيص، و قول الصحابي بمنزلة عمله».(٢)
١ ـ المستصفى: ١٣٥ ـ ١٣٦.
٢ ـ نظرية عدالة الصحابة: ١٦٨، نقلاً عن: المدخل الى أصول الفقه و آراء علماء
المسلين: ٨٧ .
وقد تناولت بعض الكتب الأصولية لأهل السنة «مذهب الصحابي»، كأحد أدلّة التشريع
الإسلامي، و أشبعته بحثاً.
قال الدكتور السلقيني في كتابه «الميسّر في أصول الفقه الإسلامي» عند البحث عن حجية
قول الصحابي:
«اتفق علماء الاصول على ان قول الصحابي حجّة اذا كان القول يتعلق بأمر لايدرك
بالرأي و العقل و الاجتهاد لان قول الصحابي في مثل هذه الامور لابد و ان يكون قد
سمعه من النبي صلىاللهعليهوآله وهذا النوع يعرف عند علماء الحديث: بالحديث
الموقوف الذي له حكم الحديث المرفوع انما الخلاف عند علماء الاصول يتعلق بقول
الصحابي المبني على الاجتهاد المحض بالنسبة الى التابعين او من يأتي بعدهم، هل
يعتبر حجة ملزمة اَم لا؟
ذهب الحنفية و المالكية و أحمد في احدى الروايتين الى انه حجة و ذهب الشافعية و
رواية اخرى عن أحمد الى انه ليس بحجة».(١)
و بعد هذا العرض السريع لحجّية قول الصحابي عند أهل السنة في الجملة، يجدر بنا أن
نعرّج على تعريف الصحابي، و من ثم نستعرض أدلّة القائلين بحجية قوله مع النقد و
التحليل.
عرّف علماء الحديث الصحابي بقولهم: «هو كل من لقي النبي صلىاللهعليهوآله مؤمناً
به، و مات على الإسلام».(٢)
١ ـ الميسر في أصول الفقه الإسلامي : ١٧١ ـ ١٧٢.
٢ ـ الإصابة في تمييز الصحابة: ١ / ٤ ؛ الميسّر في أصول الفقه الإسلامي: ١٧٠.
أما علماء الأصول، فقالوا: «هو كل من لقي النبي صلىاللهعليهوآله مؤمناً به،
و لازمه زمناً طويلاً، حتى صار يُطلق عليه اسم الصاحب عرفاً».(١)
و تتلخص أدلّة حجية قول الصحابي عند أهل السنّة بمايلي:
١ـ القرآن
٢ـ السنّة
٣ـ العقل
استُدِلّ على حجية قول الصحابي بالآية المباركة:
«والسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الُمهاجرينَ والأنصارِ والّذينَ اتّبَعُوهُم
بِإحسانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم و رَضُوا عنه»(٢)
«فاللّه تبارك و تعالى أثنى على التابعين لاتباعهم الصحابة، فقد مدح اللّه الذين
اتبعوا الصحابة و اعتبر اتباعهم في هديهم أمراً يستوجب المدح، و ليس أخذ كلامهم أنه
حجة إلا نوعاً من الاتباع».(٣) كما استُدل أيضاً بآيات أخرى.(٤)
استُدِلّ على حجية قول الصحابي بأحاديث عدّة، أهمّها:
«أصحابي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم».(٥)
١ ـ الميسّر في أصول الفقه الإسلامي: ١٧٠.
٢ ـ التوبة: ١٠٠.
٣ ـ الميسر في أصول الفقه الإسلامي: ١٧٢ .
٤ ـ نظرية عدالة الصحابة: ١٩ ؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ١ / ٧ .
٥ ـ الإصابة في تمييز الصحابة: ١ / ٨ .
و ثَمّةَ أحاديث أخرى: ذُكرت في هذا الصدد.(١)
ان قول الصحابي أقوى من قول غيره و مرجح على اجتهاد التابعين و من بعدهم لانهم عرفوا اسباب النزول و شهدوا أحكام الرسول صلىاللهعليهوآله و اطلعوا على أصول الاحكام، ولكمال معرفتهم باللغة العربية فيكون قولهم أكثر موافقة للحق و الصواب.(٢)
١ ـ انظر: الإصابة في تمييز الصحابة: ١ / ٧ ـ ٨ .
٢ ـ الميسر في أصول الفقه الإسلامي: ١٧٢ .
نقتصر هنا على أثارة وجوه من النقد العام أزاء نظرية عدالة الصحابة و حجية
أقوالهم، بدل استعراض أدلتها بالتفصيل و بيان نقاط الضعف و الخلل فيها.
١ـ ان النظرية المذكورة لاتنسجم مع كثير من الآيات التي تذمّ بعض الصحابة، و تتهمهم
بالنفاق، مثل: الآيات ٨ الى ٢٠ من سورة البقرة.
الآية ١٤٢ من سورة النساء: «ولايأتونَ الصّلاة إلاّوهم كُسالى».
الآية ٤٦ من سورة الأنفال: «ولكن كَرِهَ اللّهُ انبِعاثَهُم».
الآية ٤٧ من سورة التوبة: «لَوْ خَرَجُوا فيكم مازَادُوكم إلاّ خَبالاً».
الآية ٥٦ من سورة التوبة: «وَيَحْلِفونَ بِاللّهِ إنَّهم لِمنكم و ما هم منكم».
الآية ٤٩ من سورة التوبة: «وَ مِنْهم مَنْ يَقولُ ائْذَنْ لِي و لا تَفْتِنّي».
الآية ٧٦ من سورة التوبة: «فَلَمّا آتاهُم من فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ».
٢ـ انها لاتتفق مع الأحاديث النبوية التي لاحصر لها في ذم فريق من الصحابة، نظير:
«إن في أصحابي اثني عشر منافقاً».(١)
«قد كَثُرَتْ عليّ الكَذّابة».(٢)
«الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل».(٣)
«إن من أصحابي مَن لايراني بعدي و لاأراه».(٤)
«لا أدري ما تُحدثون بعدي».(٥)
«لا تَرجعوا بعدي كفّاراً».(٦)
٣ـ نظرية عدالة كل الصحابة، ينقضها واقع الحال؛ لأن قسماً منهم قد اقترف الكبائر
كالزنا، و القتل، و شرب الخمر، و شهادة الزور.(٧)
٤ـ انها تتعارض مع روح الاسلام العامة التي حرصت على جعل التقوى و الإيمان و العمل
الصالح معياراً للقرب الإلهي و النجاة.
«إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُم أَيُّهم أحْسَنُ
عَمَلاً».(٨)
«الَّذي خَلَقَ المَوْتَ و الحَياةَ لِيَبْلُوَكُم أَيُّكُم أَحْسَنُ عَمَلاً».(٩)
١ ـ كنزالعمال: ج ١، الحديث ٨٥٦، ٨٥٧.
٢ ـ بحارالانوار: ٢ / ٢٢٥.
٣ ـ كنزالعمال: ج ٣، الحديث ٨٨٤٧ .
٤ ـ كنزالعمال: ج ١١، الحديث ٣١٢١١ ـ ٣١٤٩١.
٥ ـ بحارالأنوار: ٩٩ / ٢٩٦.
٦ ـ كنزالعمال: ج ١١، الحديث ٣٠٩٠١ ـ ٣٠٩٢٨.
٧ ـ نظرية عدالة الصحابة: ٤٤ ـ ٤٨.
٨ ـ الكهف: ٧.
٩ ـ الملك: ٢.
«والعَصْرِ، إنّ الإنسانَ لَفي خُسْرٍ، إلاّ الَّذينَ آمَنوا وَ عَمِلوا
الصَّالِحاتِ».(١)
«وَجَعَلْناكُم شُعُوباً وَقَبائلَ لِتَعارَفُوا إنّ أكْرَمَكُم عِنْدَاللّهَ
أَتْقاكُم».(٢)
و ثَمَّة إشكالات أخرى، ترد على هذه النظرية، نحجم عن ذكرها مخافة الإطناب.(٣)
وإضافة إلى ذلك، فقد حُرّرت مقالات و رسائل تناولت حديث «أصحابي كالنجوم» بالنقد و
النقاش سنداً و دلالة.(٤)
والخلاصة: ان قول الصحابي كصحابي، يفقد اعتباره عند الشيعة؛ إلا إذا كان الصحابي من
الأئمة المعصومين، كالإمام علي عليهالسلام الذي أُقيمت أدلة ساطعة على حجية قوله،
أو كان من الرواة للحديث النبوي، و في هذه الصورة يكون الحديث حجة باعتباره صادراً
عن النبي صلىاللهعليهوآله لاعن الصحابي.(٥)
١ ـ العصر: ١ ـ ٢.
٢ ـ الحجرات: ١٣.
٣ ـ انظر: مجلة علوم الحديث، العدد ١، ص ١٧٦ ـ ١٨١.
٤ ـ مثل: حديث أصحابي كالنجوم، عليالحسيني الميلاني، العدد ١، ص ١٥٣ ـ ١٨١.
٥ ـ من أجل المزيد من الاطلاع، راجع: نظرية عدالة الصحابة؛ ميزان الأصول ١ / ٦٩٧ ـ
٧٠٥، الميسر في أصول الفقه الإسلامي: ١٧٠ ـ ١٧٤ ؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ١ / ٦
ـ ٩ ؛ حديث أصحابي كالنجوم (مقالة نقدية للحديث المذكور)، مجلة علوم الحديث، العدد
١، ص ١٥٣ ـ ١٨١.