إن أحد الأسئلة المطروحة حول كتاب نهجالبلاغة، هو أن الشريف الرضي لم يتعرض إلى
ذكر أسانيد الخطب و الرسائل، مما يجعل اعتبارها في مهبّ الشك و التردد، حتى قيل: إن
نهجالبلاغة كتاب مرسل و لايمكن الاعتماد عليه فقهياً.(١)
على أثر ذلك، بذل المحققون جهوداً حثيثة و مشكورة بغية الإجابة عن هذا السؤال،
وقاموا باستخراج مصادر نهجالبلاغة التي دونت قبل الرضيّ و بعده.
ونستعرض هنا تلك الجهود بنحو موجز.
و هو أول من طرح كيفية جمع نهجالبلاغة، و ارجاع كلمات نهجالبلاغة إلى الإمام عليهالسلام ، و أجاب فيه عن الشبهات المثارة حول نسبة الكتاب إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام ، و من ثم تعرض إلى مصادر نهجالبلاغة التي دوّنها كلا الفريقين قبل السيد الرضي.
١ ـ تعرّض العلامة الأميني في الغدير: ٤ / ١٩٣ ـ ١٩٨ إلى هذا الإشكال و تصدى للإجابة عنه.
و قد نقل السيد مرتضى آيةاللّهزاده الشيرازي الكتاب المذكور إلى الفارسية، و عنيت منشورات أميركبير بطبعه عام ١٣٦٢ ه .
ذكر فيه (٢٨٣) مصدراً لنهجالبلاغة، و بين مصادر كلام الإمام عليهالسلام وفق ترتيب
نهجالبلاغة.
يشكّل هذا الكتاب الجزء الرابع من مجموعة صنفها المؤلف تحت عنوان «آشنايى با
نهجالبلاغة» (بالفارسية) تقع في سبعة أجزاء.
طُبع الكتاب في أربعة أجزاء، وقسّم المؤلف مصادر نهجالبلاغة إلى أربعة أقسام:
ا ـ المصادر المؤلفة قبل عام (٤٠٠ ه )، و هي متوفرة اليوم.
ب ـ المصادر المؤلفة قبل كتاب نهجالبلاغة، وقد نقل عنها بالواسطة.
ج ـ المصادر المدوّنة بعد السيد الرضي، لكنها نقلت كلام الإمام عليهالسلام بأسانيد
متصلة دون أن يقع في طرقها السيدالرضي.
د ـ المصادر المدوّنة بعد السيد الرضي، و نقلت كلام الإمام علي عليهالسلام مع بعض
الاختلاف عما جاء في نهج البلاغة.
وقد نقل المصنف أسماء (١١٤) مصدراً، و اختص الجزء الأول إلى نصفه بذكر أمور عامة
حول نهجالبلاغة و مؤلفه. و يتخلص أسلوب الكاتب بنقل متن نهجالبلاغة، ثم يردفه
بذكر الكلمات الغامضة، ثم يتبعه بالمصادر، كما أنه يشير إلى الشروح المستقلة إن
توفرت.
وقد طبع هذا الكتاب بمعيّة كتاب آخر للمؤلف، هو مستدرك نهجالبلاغة.
يتناول فيه المؤلف الشبهات التي أُثيرت حول نسبة نهجالبلاغة إلى أمير المؤمنين
بالنقد و التحليل، و يتعرض إلى مصادر بعض كلمات الإمام عليهالسلام .
بذل المؤلف جهوداً كبيرة في هذا المضمار، و يقول في مقدمة كتابه:
لقد اطلعت على مصادر هائلة لنهجالبلاغة من الجوامع الروائية، و كتب السير و
الغزوات، و مجاميع حديثية، و سفن علمية [إشارة منه إلى سفينة البحار]، و كان دأبي
العثور على مصادر و منابع دونت قبل السيد الرضي، حتى حالفني التوفيق في الوصول إلى
ثلثي تلك المصادر.
ونقلتُ قسماً منها في ثنايا تكملة منهاج البراعة في شرح نهجالبلاغة المطبوع في
خمسة أجزاء.(١)
سرد في قسم منه مصادر الخطب و الرسائل وفق ترتيب نهجالبلاغة.(٢)
١ ـ الإنسان الكامل في نهجالبلاغة (بالفارسية): ٣٦.
٢ ـ المعجم المفهرس لألفاظ نهجالبلاغة: ١٣٧٧ ـ ١٤٢٤.
و مع وجود هذه المصادر و المراجع الهائلة، لايبقى مجال للشك حول نسبة نهجالبلاغة
إلى الإمام عليهالسلام ، إضافة إلى أن محتوى الكثير من الخطب و الرسائل يشهد على
صحة صدورها منه عليهالسلام .
و ختاماً، نودّ أن ننقل هنا تعليقاً لابن أبي الحديد، قاله بعد نقله خطبة لإبن أبي
الشخباء العسقلاني (المتوفّى ٤٨٢ ه ).
هذه أحسن خطبة خطبها هذا الكاتب، و هي كما تراها ظاهرة التكلف، بيّنة التوليد، تخطب
على نفسها، و إنما ذكرت هذا، لأن كثيراً من أهل الهوى يقولون إن كثيراً من
نهجالبلاغة كلام مُحدَث، صنعه قوم من فصحاء الشيعة و ربما عزَوا بعضه إلى الرضي
أبي الحسن و غيره، و هؤلاء قوم أعمت العصبية أعينهم، فضلّوا عن النهج الواضح، و
ركبوا بُنيّات الطريق(١) ضلالاً وقلّة معرفة بأساليب الكلام، و أنا أوضح لك بكلام
مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط.
ثم يقول:
لايخلو إما أن يكون كل «نهجالبلاغة» مصنوعاً منحولاً، أو بعضه ؛ و الأول باطل
بالضرورة، لأنا نعلم بالتواتر صحة اسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليهالسلام ، و قد
نقل المحدثون كلهم أوجلّهم، و المؤرخون كثيراً منه، و ليسوا من الشيعة لينسَبوا إلى
غرض في ذلك، و الثاني يدل على ما قلناه، لأن من قد أنس بالكلام و الخطابة، و شدا
طرفاً من علم البيان، و صار له ذوق في هذا الباب لابد أن يفرق بين الكلام الركيك و
الفصيح، و بين الفصيح و الأفصح، و بين الأصيل و المولّد، و إذا وقف على كرّاس واحد
يتضمن كلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط، فلابدّ أن يفرق
١ ـ يقال: ركبَ بُنيّات الطريق، أي ضلّ.
بين الكلامين و يميز بين الطريقتين.
و أنت إذا تأمّلتَ «نهجالبلاغة» وجدته كله ماءً واحداً و نفَساً واحداً، و أسلوباً
وأحداً، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية، و
كالقرآن العزيز أوّله كأوسطه، و أوسطه كآخره، و كل سورة منه و كل آية منه مماثلة في
المأخذ و المذهب و الفن و الطريق و النظم لباقي الآيات و السور، و لو كان بعض «نهج
البلاغة»، منحولاً و بعضه صحيحاً لم يكن ذلك كذلك.(١)
١ ـ شرح ابن أبي الحديد: ١٠ / ١٢٦ ـ ١٢٨، ط . دارإحياء الكتب العربية.