دروسٌ
في
نصوص الحديث و نهج‏البلاغة

تأليف:  مهدي المهريزي

تعريب:
أنور الرصافي

كلمة المكتب

إن انتعاش المراكز التعليمية رهن نظام تعليمي دقيق، ثابت، و مجرّب، و تشكّل البرامج التعليمية و المناهج الدراسية و الأساتذة، عموده الفقري.
إن فاعلية البرامج التعليمية تكمن في تجاوبها مع متطلّبات العصر، و توافر الإمكانات، و مؤهلات الطلاب. كما أن تقويم المناهج الدراسية يعتمد إلى حدّ كبير على طرحها لآخر المنجزات العلمية بأحدث الأساليب المتبعة في التربية و التعليم.
هذه المراكز بحاجة ماسّة إلى التقويم الدائم، و إعادة النظر في مناهجها الدراسية، و تجديدها بأرقى الأساليب وفق آخرما وصلت إليه التقنيات العلمية، بغية الحفاظ على مستوى نشاطها العلمي.
إن حوزات العلوم الدينية التي تقع على عاتقها مهمة إعداد علماء الدين و نشر المبادى‏ء الإسلامية، غير مستثناة من هذه القاعدة باعتبارها من مؤسسات التعليم الديني.
و من حسن الحظّ، فإن الحوزات العلمية ـ وببركة الثورة‏الإسلامية العظيمة بقيادة الإمام‏الخميني قدس‏سره ـ أخذت منذ سنوات عدّة في التفكير جدّياً في إصلاح نظامها التعليمي، و تجديد النظر في مناهجها الدراسية.
و انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية، قام المركز العالمي للدّراسات الإسلامية  الذي يمثّل جزءاً من‏هذه المجموعة، ويضطلع بمهمّة تعليم الطلاب غيرالإيرانيين ـ قبل غيره من سائر المؤسّسات التابعة للحوزة، بإنشاء «مكتب مطالعة و تدوين المناهج الدراسية».
هذا المكتب مع تثمينه للجهود المضنية التي بذلها العلماء في سبيل التجاوب مع هذه الحاجة، واقتطافه ثمار نتاجاتهم العلمية، سعى الى تنظيم المناهج الدراسية وفق برامج جديدة مستوحاة من الأساليب التعليمية المعتمِدة على آخر المنجزات العلمية. وقد حقّق نجاحاً واضحاً في إعداد مناهج دراسية حديثة، بفضل جهود علماء و باحثين، لهم خبرة في مجال المطالعة و التحقيق، و بذلك يكون قد خطى الخطوات الأولى في هذا المضمار.
و من جملة تلك المناهج كتاب «دروسٌ في نصوص الحديث و نهج‏البلاغة» الذي دُوِّن لغرض اطلاع الطلاب و روّاد العلم على تاريخ الحديث، و أهميّة متونه، إضافة إلى الوقوف عن كثب على نصوص نهج‏البلاغة.
و قد ارتأى مكتب مطالعة و تدوين المناهج الدراسية تعريبَ هذا الكتاب و طبعه، لتعمّ الفائدة بعد أن أمضى دورات تطبيقية من التدريس إثر طبعه و نشره باللغة الفارسية، و بعد إضافة ما أتحفنا به الأساتذة من نظرات سديدة حِياله.
هذا الكتاب نضعه بين يدي الباحثين، آملين أن لايضنّوا علينا بآرائهم الصائبة، فمن الواضح بمكان أنّ بدايات أي مشروع لا تكاد تخلو من زلاّت و هفوات.

المركز العالمي للدّراسات الاسلامية
مكتب مطالعة و تدوين المناهج الدراسية

المقــدمــة

السنّة، و تعني: كلام المعصوم عليه‏السلام و فعله و تقريره، و هي المصدر الثاني للتشريع الاسلامي، كما انّ القرآن يَعدّ اول مصدر و مرجع لدى المسلمين.
و هي تتكفّل ببيان الحقائق القرآنية، كما تتعرّض لتفصيل الأحكام الشرعية، وبيان الفروع الفقهية و العملية.
و قد حثّ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و الأئمة المعصومون عليهم‏السلام المسلمين على مذاكرة الحديث و حفظه.
و هذا يتضح من خلال كثرة الأحاديث المنقولة عنهم في هذا الصدد، نظير:
 

تعلّم الحديث

المحاسن: بعض أصحابنا، عن ابن أسباط، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمروبن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه‏السلام قال: قال لي: «يا جابر، واللّه‏ لَحديث تصيبه من صادق في حلال و حرام خير لك ممّا طلعت عليه الشمس حتّى تغرب».(١)

١ ـ بحارالأنوار: ٢ / ١٤٦ و ١٤٧، الحديث ١٥.

 

حفظ الحديث

حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفّار، عن علي بن إسماعيل، عن عبيداللّه‏الدهقان، قال: أخبرني موسى بن إبراهيم المروزي، عن أبيالحسن عليه‏السلام ، قال: قال رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «من حفظ من امتي أربعين حديثاً مما يحتاجون اليه من أمر دينهم، بعثه اللّه‏ عزّوجلّ يوم القيامة فقيهاً عالماً».(١)
 

نقل الحديث

الحسن بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبداللّه‏ عليه‏السلام : «رجل راوية لحديثكم يبثّ ذلك فى الناس، و يشدده في قلوبهم و قلوب شيعتكم، و لعلّ عابداً من شيعتكم ليست له هذه الرواية، أيهما أفضل؟
قال عليه‏السلام : الرّاوية لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا، أفضل من ألف عابد».(٢)

١ ـ بحارالأنوار: ٢ / ١٥٣؛ الخصال: ٢ / ٥٤١، الحديث ١٥، أبواب الأربعين. و قد نقل هذا الحديث باختلاف طفيف في المصادر الحديثية لأهل السنة، راجع: كنزالعمال: ١٠ / ٢٢٤ ـ ٢٢٥، الحديث رقم ٢٩١٨٢ الى ٢٩١٨٩.
٢ ـ الكافي: ١ / ٣٣، الحديث ٩.

 
مذاكرة الحديث

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبداللّه‏بن‏محمد الحجّال، عن بعض أصحابه رفعه، قال: قال رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «تذاكروا و تلاقوا و تحدّثوا، فإن الحديث جلاء للقلوب، إنّ القلوب لترين كما يَرين السيف و جلاؤها الحديث».(١)
و قد استأثر الحديث باهتمام خاص من قبل المسلمين. يقول الشيخ بهاءالدين العاملي:
«قد بلغنا عن مشايخنا أنه كان من دأْب أصحاب الأصول، أنهم اذا سمعوا عن أحد من الأئمة عليهم‏السلام حديثاً بادروا الى إثباته في أصولهم، لئلا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كلّه بتمادي الأيام».(٢)
و في ظلّ ترغيب الأئمة المعصومين و عناية المسلمين، تمّ تشييد صرح الحديث و تدوينه، و ظهرت على هذا الصعيد في كل عصر أبحاث خلاّقة و جديدة من نوعها.
و مع مرور الزمن، و الابتعاد عن عصر الوحي، و بروز عوامل أخرى، ظهر إلى جانب الحديث علم يُعرف ب «علم الحديث».

علم الحديث: يُعنى بتقييم كتب الحديث و الرواة.
علم الحديث: يُفصح عن السير التاريخي للحديث و مراحل تطوره.
علم الحديث: العلم بالحلول المناسبة لمعضلات الحديث.
علم الحديث: العلم بدراية الحديث و أسلوب فهمه.

١ ـ الكافي: ١/٤١، الحديث ٨ .
٢ ـ الذريعة: ٢/١٢٨.

هذه المجموعة من المباحث و المسائل يتناولها علم الحديث، و مما يجدر ذكره أن بعض فروع هذا العلم، كعلم الرجال، مصطلحات الحديث، و... قد أخذ بالتوسع حتى أصبح علماً مستقلاً، و بناءً على ذلك فقد راج اصطلاح «علوم الحديث» بدل «علم الحديث».
 

يقول صبحي الصالح:

علم الحديث روايةً يقوم على النقل المحرر الدقيق لكل ما أضيف إلى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من قول أو فعل أو صفة ... و علم الحديث دراية مجموعة من المباحث و المسائل يعرف بها حال الراوي و المروي من حيث القبول والردّ.(١)

١ ـ علوم الحديث: ١٠٧.

ثم يقول: و يطلق العلماء على علم الحديث دراية اسم «علم أصول الحديث»... ولقد كانت المباحث المتعلّقة به أنواعاً مختلفة في نشأتها الأولى، و كانت ـ على كثرتها ـ مستقلة في موضوعها و غايتها و منهجها حتى إذا شاع التدوين و كثر التصنيف اتجه كل عالم إلى ناحية، فكثرت العلوم المتعلقة بهذه الدراسة التحليلية، و انطوت جميعاً تحت اسم واحد هو «علوم الحديث»، و نحن فيما يلي نذكر أسماء أهمّ تلك العلوم:

١ـ علم الجرح و التعديل؛
٢ـ علم رجال الحديث؛
٣ـ علم مختلف الحديث؛

٤ـ علم علل الحديث؛
٥ـ علم غريب الحديث؛

٦ـ علم ناسخ الحديث و منسوخه.(١)

و قد طرحت نظريات أخرى حول «علوم الحديث». يقول السيوطي: قال الحازمي: علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة، كل نوع منها علمٌ، لو أنفق الطالب فيه عمره لما أدرك نهايته. وقد ذكر ابن الصلاح منها، خمسة وستين.(٢)
و يسرد ابن خلدون في تاريخه أسماء علوم ستة: علم الناسخ و المنسوخ، علم الرجال، علم اصطلاحات الحديث، علم متون الحديث، العلم بشرائط النقل، علم فقه الحديث.(٣)
و ذكر الحافظ النيشابوري في كتابه «معرفة علوم الحديث» اثنين و خمسين علماً.
و بالتأمل الدقيق يتضح أن جميع هذه العلوم تعود إلى علم الحديث، و لاغنى للمحدث عن الاطلاع عليها و استيعابها؛ بيد أنه لم تراعَ الدقة الكافية في تبويبها المنطقي، حيث بدت كعلوم مستقلة، في حين كان الأولى أن تدرج في فصول ضمن مباحث علوم الحديث.

١ ـ المصدر السابق: ١٠٩ ـ ١١٤.
٢ ـ تدريب الراوي: ١ / ٣٣.
٣ ـ تاريخ ابن خلدون: ٧٩٦ ـ ٧٩٧.

و بناءً على ذلك، فبالإمكان أن تنتظم جميع هذه العلوم في أربعة أقسام رئيسية و مستقلة، و هي:

١ـ علم تاريخ الحديث، و معرفة متونه؛
٢ـ علم المصطلحات؛
٣ـ علم جرح و تعديل رجال الحديث؛
٤ـ علم الدراية و فقه الحديث؛

هذه الأقسام الأربعة تستوعب علوم الحديث كافة، و تراعي تسلسل المباحث، حيث تبتدأ من تاريخ الحديث و سيره التكاملي، و من ثَمَّ تتطرق إلى الاصطلاحات التي تقودنا اِلى فهم المتون الحديثية القديمة.
و بعد تقديم معلومات عامة عن الحديث و الكتب الحديثية، يأتي الدور لعلم آخر، هو علم جرح و تعديل رجال الحديث، أما المحطة الأخيرة فهي علم الدراية و فقه الحديث الذي يعالج كيفية فهم المتون الحديثية و تفسيرها.(١)
و هذا الكتاب الماثل بين يديك سيتناول المبحث الأول من هذه المباحث الأربعة، و نعني به تاريخ الحديث و معرفة المتون الحديثية.

تنقسم مباحث هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام:

يبحث الأوّل منها عن حجّية سنّة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و الائمة عليهم‏السلام ، و تقييم روايات الصحابة، و يبحث أيضاً عن مكانة السنّة في التشريع الإسلامى.

١ ـ للأطلاع أكثر، راجع: مجلة علوم الحديث، (بالفارسية) العدد ٣، الابحاث المقارنة في علم الحديث (أنواع علوم الحديث)، ص ٦١ ـ ٧٥.

و يختص القسم الثاني ببيان تاريخ الحديث و سير تدوينه عند الشيعة و السنة، و استعراض إجمالي للكتب الروائية.
أما القسم الثالث، فيهدف الى التعريف بكتاب «نهج البلاغة» و بيان أهميته.