الدرس الخامس

تقسيمات الوجود

(2)

r الوجود المادّى و المجرّد

r المدارس المادية والوجود المجرّد

r الفرق بين المادى و المجرّد

r فكِّر و أجب

(50)


المادّى و المجرّد

ان احدى تقسيمات الوجود هي:

الموجود المادى و الموجود المجرد.

والمقصود من الموجود المجرد ما يقابل الموجود المـادى و من هنا يُسمّى الموجود المجرد ب «غيرالمادي».

و تستعمل كلمة المادى فى الفلسفة بمعنى الجسماني، فيكون المجرد بمعنى غير الجسماني، فلا يصدق عليه انّه جسم و لاتُنسب اليه خصائص الأجسام، كوجود اللّه‏ الأقدس؛ فانه ليس بجسم و لايخضع لخصائص الاجسام. و على هذا فالوجود شامل لنوعين من الموجودات: المادية و المجردة.

المدارس المادّية و الوجود المجرّد

الا ان بعض المدارس المادية كالمدرسة الوضعية وفى طليعتها «اوغست كونت»(1) والمدرسة الماركسية و فى مقدّمتها كارل ماركس(2)، ذهبوا الى انكار


1. اوغست كونت «Ougust Conte» «1798 ـ 1857 م» عالم فرنسى مؤسس للمذهب الوضعى الفلسفي، كما و انه مؤسس لعلم الاجتماع الحديث، كان يعانى من الفقر والضنك الاقتصادي، ألّف كتاب «محاضرات فى الفلسفة الوضعية».
2. كارل ماركس «
Carl Marx» «1818 ـ 1883 م» مفكر اقتصادى و سياسى الماني، ولد فى مدينة <------- ترير من اسرة يهودية، اعتنق و اسرته المسيحية على المذهب البروتستانتي، اهتم بفلسفة (هيجل) و درس التاريخ والفلسفة، فنال شهادة الدكتوراة فى الفلسفة و اختص بدراسته الاقتصاد. عمل محرراً لجريدة «الراين» و كتب كتاب «رأس المال». عانى فى حياته من الفقر المدقع فشكل عقدة فى حياته، انعكست و بصورة مفرطة على آراءه و افكاره و كتاباته.

(51)


كل ما لايمتّ الى العالم المادى المحسوس بصلة و رفعوا شعار «اثبت لى شيئاً بالحس اقبله منك و الا فلا» و تغافل هؤلاء عن انَّ الموجودات منها ما هى مجردة غير مادية، لايمكن التعرف عليها الا من خلال العقل و استنتاجاته وتأملاته كوجود اللّه‏ تعالي، لان الحواس الخمس قاصرة عن ادراكها و التحسس بها، و منها ما هى مادية غير مجردة، و هى بدورها قد تعجز حواس الانسان الخمس عن ادراك بعض مفرداتها و مواردها، لوجود مانع حال دون ذلك، او لقصور فى وسائل التجربة، فالالكترون و الاشعة تحت الحمراء او فوق البنفسجية و الجاذبية الارضية و غيرها من المفردات أكّد عليها العلم و آمنا نحن ببعضها ايماناً قاطعاً على الرغم من انها لم تخضع بصورة مباشرة لاحدى حواسنا الخمس، بل توصّلنا الى وجودها من خلال آثارها الدالّة عليها بحكم العقل القاطع بان لكل أثر مؤثراً و لكل معلول علّة.

فاذا امكن اثبات الجاذبية من خلال سقوط الاجسام باتجاه الارض بعد رميها الى اعلي، و اذا امكن اثبات وجود التيار الكهربائى من خلال توهج المصباح او حركة المروحة، امكن ايضاً اثبات وجود اللّه‏ من خلال آثار صنعه و بديع خلقه. فكما اثبتنا وجود الجاذبية و التيار الكهربائى و غيرها من الظواهر المادية بطريقة عقلية استدلالية مع انها لم تخضع بصورة مباشرة لحواسنا، كذلك الحال بالنسبة الي

(52)


اللّه‏ جَل جَلاله، إذ يجوز لنا اثبات وجوده الاقدس بطريقة عقلية استدلالية على الرغم من انه تعالى لم يخضع بصورة مباشرة لحواسنا.

فان رضوا لانفسهم ذلك و لم يرضوه لنا، كان كيلهم بمكيالين! وعلى طريقة «باؤهم تجر و باؤنا لاتجر»!

الفرق بين المادى و المجرّد

ان بامكاننا التفريق بين الموجود المادى و بين الموجود المجرد فى ان الاول يمكن الاشارة الى جهة وجوده دون الثاني، فلاجهة له حتى تصح الاشارة اليه.

كما ان الموجود المادى فيه استعداد و قوة على التغيُّر و التبدل بالامتداد و الحركة من حالة الى حالة أُخري، ولذا فان الحركة ملازمة له، فالحبة تتحول بفعل استعدادها للتغيُّر الى نبتة، و النبتة الى شجرة، و الشجرة تحمل ثمراً و هكذا، فان الموجود المادى فى حالة تغيُّر و حركة دائبين، بينما لاتجد هذه الحالة فى الموجود المجرد على ماذهب اليه جمهور الحكماء.

(53)


فكِّر و أجب :

1ـ بيّن كلاًّ من الموجود المادى و المجرد؟

2ـ وضّح موقف المدارس المادية من الموجودات المجردة؟ و ما هو الرد المناسب لها؟

3ـ اذكر الشواخص التى يميّز على اساسها الموجود المادى عن المجرد؟

(54)


الدرس السادس

الواجب و الممكن والممتنع

r الواجب و الممتنع؛ بالذات و بالغير

r الامكان و اقسامه

r فكِّر و أجب

(56)


الواجب و الممكن و الممتنع:

ان نسبة أيّ محمول الى أيّ موضوع اما ان تكون ضرورية لايصح فيها الإنفكاك كنسبة الزوجية الى الاربعة فى قولنا: «الاربعة زوج»؛ و اما ان لاتكون ضرورية كنسبة الاحتراق الى الورقة، فى قولنا؛ «الورقة محترقة»، او اَن تكون ضرورية السلب كما فى قولنا: «الثلاثة زوجٌ». ففى المثال الاول يعبّر عن النسبة بالوجوب، اى وجوب نسبة المحمول إلى الموضوع، كما و يعبّر عن النسبة فى المثال الثانى بالامكان، اى امكان نسبة المحمول الى الموضوع و امكان عدمه، و اما النسبة فى المثال الثالث فيُعبّر عنها بالامتناع، اى امتناع نسبة المحمول الى الموضوع. والنسب الثلاثة هذِهِ يُعبّر عنها فى علم المنطق بمادة القضية.(1)

و على غرار ما تقدّم من انماط نسبة المحمول الى الموضوع، ذكر الفلاسفة ان الوجود حينما يحمل على موضوع من الموضوعات فانّ نسبته اليه قد تكون واجبة كنسبة الوجود الى اللّه‏ فى قولنا: «اللّه‏ موجود». حيث ثبت فى برهان الامكان، كما سيأتى الحديث عنه،(2) ان الوجود بالنسبة لذات الحق تعالى واجب


1 ـ راجع بحث الموجهات ـ مادة القضية ـ فى كتاب المنطق للعلامة محمدرضا المظفر، ص 146، دارالتعارف للمطبوعات، بيروت ، لبنان ، 1980 م.
2 ـ فى الدرس العشرين.

(57)


و يُسمى هذا الموضوع بواجب الوجود.

و قد تكون نسبة الوجود الى الموضوع ممتنعة فيسمى الموضوع بممتنع الوجود، كما لو قيل بان شريك البارى موجود، فان النسبة هنا ممتنعة اذ لا يمكن أن يُنسب الوجود الى الشريك المفترض للّه‏ جَلّ‏وَعلا كما هو ثابت فى ادلة التوحيد.

و قد لاتكون نسبة الوجود الى موضوع واجبة ولاممتنعة، فيسمّى بالممكن، كالاَءنسان مثلاً، حينما يُقال أنه موجود، فان الوجود بالنسبة اليه غيرضرورى الايجاب و لاضرورى السلب، بل ممكن.

الواجب و الممتنع؛ بالذات و بالغير

والواجب قد يكون واجباً بالذات كوجود اللّه‏ جَلّ‏وَعلا فانه واجب الوجود بالذات، بخلاف المعلول الذى يجب وجوده لوجود علته، فهو واجب بغيره، إذ ان المعلول يجب وجوده حين وجود علته، فالانسان مثلاً انما يجب وجوده بوجود علته، و من هنا قيل: «الشيء مالم يجب لم يوجد». و الممتنع ايضاً قد يكون ممتنعاً بذاته كشريك الباري، و قد يكون ممتنعاً بغيره، كالمعلول الذى يمتنع تحققه بسبب عدم وجود علته، فالزجاج يمتنع انكساره بسبب عدم وجود علة لانكساره.

الامكان و أقسامه

ذكر الفلاسفة أقساما للامكان، نجمل ذكر بعضها بمايلي:

1ـ الامكان الخاص (الذاتي)

و هو سلب الضرورتين؛ ضرورة الوجود و ضرورة العدم من موضوعٍ ما،

(58)


فحينما نقول: «الانسان ممكن»؛ نعنى به سلب ضرورة الوجود و ضرورة العدم منه، و بعبارة أُخرى انه بحد ذاته مجرداً عن اى شيء، فلايقتضى الوجود ولا العدم و لا التقدم و لا التأخر و لا البياض و لاالسواد... .

و انما سمِّيَ هذا الامكان بالخاص؛ لانه أخص من الامكان العام الذى هو المعنى اللغوى للامكان و الدراج بين الناس.

2ـ الامكان العام:

و هو سلب الضرورة عن الطرف المقابل مع السكوت عن الطرف الموافق، فقد يكون مسلوب الضرورة أيضا و قد لايكون كذلك. بيان ذلك: ان الإمكان العام على نحوين: فقد يكون سلباً لضرورة السلب كما فى قولنا: «الانسان ممكن الوجود»، و «اللّه‏ ممكن الوجود»، ففى المثال الاول و الثانى سلبت ضرورة العدم، اى ان العدم غير ضرورى بالنسبة للانسان و بالنسبة للّه‏ جلّ‏وعلا. و اما الطرف الموافق و هو الوجود فقد يكون مسلوب الضرورة أيضا، كما فى المثال الاول، اِذ ان الوجود بالنسبة للانسان غير ضرورى كما ان العدم بالنسبة اليه ليس ضروريا. و اما بالنسبة للطرف الموافق فى المثال الثاني، فان ضرورة الوجود غير مسلوبة عنه، اذ ان الوجود بالنسبة للّه‏ تعالى ذاتى لاينفك عنه.

و قد يكون سلبا لضرورة الوجود كما فى قولنا: «الانسان ممكن العدم»، و «شريك البارى ممكن العدم»، فان ضرورة الايجاب مسلوبة فى المثالين، بمعنى ان الوجود غير ضرورى بالنسبة الى الانسان و شريك الباري، و اما الطرف الموافق فمسكوت عنه، فقد يكون مسلوب الضرورة أيضا كما فى المثال الاول،

(59)


فانه مسلوب لضرورة الوجود و العدم معاً؛ فلا الوجود و لا العدم ضروريان بالنسبة اليه. و قد لايكون مسلوبا للطرف الموافق كما فى المثال الثاني، فان ضرورة العدم غير مسلوبة عن شريك الباري، بمعنى ان العدم ضرورى بالنسبة اليه، و هو مقتضى ادلّة التوحيد النافية لوجود آلهة غيراللّه‏:

«ولو كان فيهما آلهة الا اللّه‏ لفسدتا»(1)

تجدر الاشارة الى ان وجه تسمية هذا الامكان بالامكان العام يعود الى ان هذا المعنى للامكان هو المعنى الأعم له، كما يُسمى عاميا لأن الامكان بهذا المعنى هو الدارج حين الاستعمال عند عوام الناس.

3 ـ الامكان الوقوعى

و يعنى امكان وقوع و تحقق شيءٍ من الاشياء، فلا يلزم من فرض وجوده محال، كإمكان وجود إنسان له رأسان، و كإمكان اصطدام القمر بالأرض. و انما يمتنع وقوع الشيء اما لكونه محالاً فى ذاته كاجتماع النقيضين و ارتفاعهما فى شيءٍ واحد، او لكونه محالاً لغيره، كاستحالة وجود المعلول لعدم علته. فالمعلول فى حد ذاته ممكن الا أنه استحال تحققه لعدم تحقق علته المفيضة له، إذ من الواضح ان المعلول عدم عند عدم علته.

4 ـ الامكان الاستعدادى

و هو قابلية مكنونة فى شيءٍ تؤهّله لأن يكون شيئاً آخر كقابلية النطفة ان تكون إنسانا، و هذا الاستعداد ينحصر وجوده فى الموجودات المادية، إذ إنها فى حركة ونمو دائبين، فالنطفة تتحول الى علقة و العلقة تتحول الى مضغة، الى ان تكون


1 ـ الانبياء / 22.

(60)


إنسانا، و الإنسان يتطور و يتغير من مرحلة الى اخرى ... و هكذا.

و يختلف الامكان الاستعدادى عن الامكان الوقوعى فى ان الاول مختص بالماديات و لايشمل المجردات؛ لان المجردات توجد و هى كاملة فلاتغيّر و لاتطوّر فيها، و اما الماديات فانها فى حالة تطور و تغيُّر، بخلاف الامكان الوقوعي، فانه شامل للماديات و المجردات على حد سواء.

(61)


فكِّر و أجب:

1ـ عرِّف مايلي:

أـ الواجب. ب ـ الممكن. ج ـ الممتنع.

2ـ اذكر مثالاً لكلٍ من الواجب بالذات و بالغير، و الممتنع بالذات و بالغير.

3ـ اشرح العبارة التالية:

«الشيء ما لم‏يجب لم‏يوجد»

4ـ ما هو الامكان الخاص؟ وضّح جوابك بمثال، و ما هو وجه التسمية فيه؟

5ـ ما هو الامكان العام؟ وضّح جوابك بمثال، و ما هو وجه التسمية فيه؟

6ـ بيّن معنى الامكان الوقوعي.

7ـ ما هو المقصود من الامكان الاستعدادي؟ و ما هو الفرق بينه و بين الامكان الوقوعى من حيث الشمول أو عدمه للموجودات المادية و المجردة؟

(62)