الدرس الثالث

الوجود و الماهية

r بداهة مفهوم الوجود

r مفهوم الماهية

r اصالة الوجود و اعتبارية الماهية

rتشكك الوجود و تعدّد الماهية

r فكِّر و أجب

(34)


بداهة مفهوم الوجود

تقدم فى الدرس الثانى ان موضوع الفلسفة هو: الموجود بما هو موجود. والموجود هو الشيء الذى ثبت له الوجود، سواء كان ذلك الشيء نفس الوجود أو شيئاً آخر متصفا به و أما الوجود فمفهومه بديهى مستغنٍ عن التعريف، و ما قد يُقال فى تعريفه: «انه الثابت العين» او «الذى يمكن ان يُخبر عنه» فهى تعاريف لفظية،(1) تُستخدم للتنبيه و الاشارة الى ما فى الذهن من المفهوم البديهى و ليست بتعاريف حقيقية، اذ ليست باعرف من الوجود بل لاشيء اجلى من الوجود.

معنى الماهية

و اما الماهية فقد قيل فى تعريفها بانها: الواقعة فى جواب ما هيَ او ما هو؛ فاذا قلت: ما هو زيدٌ؟ و جاءك الجواب بانه انسان، أو قلت: ما هو الانسان؟ و جاءك الجواب بانه حيوان ناطق، كان الجواب على هذا السؤال بذاته ماهية الانسان. وبعبارة اخري: ان الماهية بيان لحقيقة الشيء و ذاته التى تميزه عمّا سواه.


1. و التعريف اللفظى ليس تعريفاً حقيقياً؛ لان المعنى الدال عليه اللفظ واضح، و لم يؤدِ اللفظ المُعرِّف من دورٍ سوى دور الايضاح للفظ آخر استعمل فى ذلك المعني، كما لو قيل: الغضنفر ما هو؟ فيقال: أسد، فمعنى الأسد لايحتاج السامع الى تعريفه، بل يحتاج الى معرفة لفظ الغضنفر الذى دل على معنى الاسد، فالتعريف اللفظى تبديل لفظ مكان آخر.

(35)


و انت حينَ تواجه موجوداً ما كجبل ابى قبيس، فتقول: «جبل ابى قبيس موجود»، فقد اشرت بالموضوع «جبل ابى قبيس» الى ماهيةِ الشيءالذى واجهته، كما انك اشرت بالمحمول «موجود» الى وجوده. وهكذا بقية الاشياء التى تواجهنا، فان لها ماهية كما ان لها وجوداً.

اصالة الوجود و اعتبارية الماهية

و بما تقدّم يظهر انّ الماهية تختلف عن الوجود مفهوماً، اى انّ ما يفهم من معنى الوجود غير ما يفهم من معنى الماهية، فكل منهما يختلف عن الاخر فى الذهن واما فى الخارج، اى خارج حدود الذهن فلا يوجد اختلاف، فهما متحدان فى شيءٍ خارجى واحد، فنستطيع ان نشير الى زيد الخارجى بالقول: هذا انسان و موجود.

و لنا ان نسأل عن الشيءالمتحقق فى الخارج و الذى سميّناه زيداً، هل هو مصداق لمفهوم الوجود او انه مصداق لمفهوم الماهية؟ و بعبارة اخري: هل ان الوجود اصيل فى الخارج ام الماهية؟ فلو كان لكل منهما مصداق، لكان فى الخارج مصداقان اثنان لامصداق واحد، و بما ان الواقع الخارجى لايوجد فيه الا مصداق واحد، فلابدّ ان يكون هذا المصداق لاحدهما دون الآخر و ان انطبقا عليه، الا ان احدهما واقعى اصيل و الآخر اعتباري، اى ان المصداق الخارجى المتمثل بزيد، يكون لأحدهما بالذات و مصداقاً للآخر بالعرض، و بعبارة اخري: انه مصداق للوجود دون الماهية و اليك مثالاً يوضح المراد:

لو كان عندك ورقة بيضاء و شرعت بتلوين مساحة منها بلون اخضر، فان

(36)


حاصل هذا التلوين سوف يكون شكلاً معيناً و لنفرضه شكلاً مربعاً، فانك و بعد النظر الى ذلك سينعكس فى ذهنك مفهومان: اَحدهما اللون الاخضر و الآخر عبارة عن الشكل المربع الذى يُعدّ حداً للّون الاخضر، فمفهوم اللون الاخضر له مصداق حقيقى و هو اللون الذى ارتسم على اللوحة، و اما مفهوم الشكل المربع فليس له مصداق حقيقى فى الخارج. نعم اللون الاخضر حيث ينتهى عند حدود خاصة فلابد و ان يكون له شكل معين و قد اتخذ هنا شكلاً مربعاً، و هو ليس إلا حداً فاصلاً يفصل وجود اللون الاخضر عن اللون الابيض للّوحة، و اما الشكل المربع فلاعينية له فى الخارج؛ بمعنى انه لايوجد فى الخارج الا اللون الاخضر؛ لان الحدّ نهاية الشيءالتى تميّزه عن غيره و نهاية الشيءلاتمثل شيئاً، و اما الشكل فلا مصداق له يمثله، بل اِنَّ الذهن قد اِنتزعه من الوجود الخارجى للّون الأخضر.

و هكذا يتضح حال الوجود و الماهية، فان الواقع الخارجى للاشياء ليس سوى مصاديق لمفهوم الوجود، الاّ انّ ذهن الانسان يرسم لهذا الوجود حدّاً يميّزه عن غيره من المصاديق العينية الخارجية التى تشترك معه فى الوجود، فالانسان مثلاً من اجل تشخيصه عن غيره من المصاديق الخارجية التى تشترك معه فى الحيوانية يوضع له مائز يميّزه عنها وذلك المائز هو كونه ناطقاً، فيقال بانه: «حيوان ناطق» اى ان هذا الانسان يمتاز عن غيره من الحيوانات بان له قدرة على التفكير و ادراك الكليات.

حصيلة ماتقدم هي: ان العينية الخارجية ليس فيها سوى الوجود و لاسهم للماهية فيه سوى انها تنطبق عليه و يُنسب اليها اعتباراً، و هو ما يعبّر عنه باصالة

(37)


الوجود و اعتبارية الماهية. و الى ما تقدم اشار المرحوم الملاّهادى السبزواري(1) فى منظومته الفلسفية:

ان الوجود عندنا أصيل دليل من خالفنا عليل

و على خلاف هذا الرأي، ذهب آخرون الى اصالة الماهية و اعتبارية الوجود و أُنشِدَ لهم:

ان الاصيل عندنا ماهية دليل من خالفنا واهية

و لا نجد لزاماً بعد توضيح الفرق بين الماهية و الوجود، لذكر الأدلّة على اصالةِ الوجود و اعتبارية الماهية، و من هنا ذهب البعض الى بداهة المسألة و عدم الحاجة الى إقامةِ البرهان عليها.(2)

و اذا اتضح ماتقدم، يظهر بجلاء ان الذى له تحقق خارج حدود الذهن ليس الا الوجود، و اما الماهية فلا تحقق خارجى لها فى ذلك. و بعبارة اخري: ان منشأ الاثار للانسانِ ـ مثلاً ـ هو الوجود لا الماهية، فالانسان حينما ياكل و يشرب و يتحرك و يفكر ... فانما يقوم بكل ذلك بوجوده الخارجى لا بماهيتهِ.

تجدر الإشارة الى ان الفلاسفة المشّائين ذهبوا الى اصالة الوجود و اعتبارية الماهية و فى طليعتهم «ابو على ابن سينا» و قد تبلور رأيهم و تعزّزت اركانه بقوة فى عهد الملاّصدرا حيث أقام عليه حججه الساطعة و براهينه القاطعة. و علي


1. الملاّ هادى السبزوارى «1212 ـ 1289 ه» و هو الشيخ هادى بن المهدى السبزواري، حكيم و فيلسوف عارف، و فقيه ورع، شاعر بالعربية و الفارسية، له كتب كثيرة، عدّها البعض (29) كتاباً، منها كتابه المعروف «المنظومة» الذى تناول فيه بيان الفلسفة و ادلتها و ردودها باسلوب شعرى بارع و جميل.
2. من اجل مزيد توضيح راجع الكتب المفصّلة كالبداية و النهاية للعلاّمة الطباطبائى حيث استُعرض فيهما آراء الفريقين و ادلتهما و ردودهما.

(38)


خلافهم ذهب الإشراقيّون الى القول بأصالةِ الماهية واعتبارية الوجود، و كان فى طليعة هؤلاء شيخ الاشراق «شهاب‏الدين السهرَوَرْدي».

تشكك الوجود و تعدد الماهية

إنّ احدى الفروق التى يمكن الوقوف عليها فى مجال تمييز الماهية عن الوجود هو: ان الماهية تختلف و تتعدّد باختلاف الاشياء، فماهية الإنسان تختلف عن ماهية الشجر، و هما يختلفان عن ماهية الحجر...، بينما الوجود فى كل الاشياء واحد مهما تكاثرت و تعدّدت، الا انه قد يختلف شدّةً و ضعفاً من موجود الى آخر، فنور الشمعة اضعف من نور المصباح و نور المصباح اضعف من نور الشمسِ و هكذا؛ فان الوجود يبدأ باضعف موجود و ينتهى باَكمل موجود و هواللّه‏ ـ جل اسمه وعلا مكانه ـ الا ان الوجود واحد.

و بما اسلفنا يظهر ان الماهية تحدّد حقائق الاشياء و تميّز بعضها عن البعض الاخر بعد اتحادها فى الوجود، فلولا الماهية لم يتحقق التحديد و التشخيص فى الموجودات و لم تتضح حقائقها. و من اَجل معرفة الفارق بين الوجود و الماهية تصوّرْ ان الوجود عجينة وضعناها فى قوالب مختلفة، فانها تتشخص بحسب القوالب التى صُبّت فيها، فتكون اسطوانية او مكعبة او مخروطية ...، فالعجينة بمثابة الوجود المتحد فى الجميع، و القوالب بمثابة الماهيات المختلفة فيما بينها بحسب اختلاف مواردها و مشخصاتها.

(39)


فكِّر و أجب :

1ـ ما هو تعريف الوجود و الموجود و الماهية؟ مَثّل لكل من الماهيةِ والوجود بمثال؟ ثم بيّن لماذا اعترض البعض على تعريف الوجود و الموجود؟

2ـ وضّح مايلي: «ان الماهية تحدّد حقائق الاشياء و تميّز بعضها عن البعض الآخر بعد اتحادها فى الوجود» و اشفع توضيحك بمثال مقرّب للمطلوب.

3ـ ما هو المقصود من اصالة الوجود و اعتبارية الماهية؟ عزّز جوابك بامثلة بيانية؟

4ـ من هم القائلون باصالة الوجود و اعتبارية الماهية؟ و من هم القائلون باصالة الماهية و اعتبارية الوجود؟

(40)

الدرس الرابع

تقسيمات الوجود

(1)

r الوجود الذهنى والخارجى

r نظرية المعرفة

r فكّر و أجب

(42)


الوجود الذهنى والخارجى

إنَّ للاشياء وجودين حقيقييّن: احدهما، الوجود الخارجي، والآخر الوجود الذهني، و يتمثّل الأوّل بوجود الاشياء خارج حدود الذهن، كأفراد الانسان و الحجر و الشجر، بينما يتمثل الثانى بعلمنا المتعلق بصور تلك الاشياء.

و لاشك فى أن انطباع صور الأشياء فى الذهن ليس على شاكلة ارتسام صور الاشياء على لوحة اَو ورقة، إذ ان الورقة لاتدرك ما يرتسم عليها من الصور، بخلاف ارتسامها فى الذهن، لانه مدرك لها، عالم بها، محيط بها.

والمشكلة التى أثارت الفلاسفة و العلماء منذ أبعد الآماد ولحدّ الآن؛ هى مدى مطابقة الوجود الذهنى للوجود الخارجي، وقد عبّروا عن المطابقة بالصواب و عن عدمها بالخطأ.

نظرية المعرفة:

و من هنا اهتمّ الفلاسفة بالمعرفة الانسانية و مصدرها و قيمتها، حيث جعلوها فى طليعة المعارف الفلسفية و اهمها.

و لسنا الان فى صدد البحث عن نظرية المعرفة بتفاصيلها و خطوطها و مسائلها، الا انه يمكن و بصورة مجملة القول:

(43)


ان الفلاسفة و بعد أن اختلفوا فى تحديد مصادر افكارنا التصورية و التصديقية فى انّها حسِّية او عقلية او كلاهما معاً، او شيء آخر، اختلفوا فى قيمتها و مطابقتها للواقع الخارجي، و من اجله ذهب جماعة منهم الى انكار الواقع الخارجى بكل تفاصيله منكرين انفسهم، و من هؤلاء «غورغياس» السوفسطى و من المنكرين «جورج باركلي»(1) الذى لم يؤمن بوجود شيء ما سوى الانا المدْرِكة و الصورة المدْرَكة، و يُسمى باركلى و انصاره بالمثاليين «ايده اليست Idealists»، بينما ذهب «ارسطو» و مدرسته و تلامذته و من سار على خطاه، الى الايمان بالواقع مطلقاً العينى الخارجى منه و غيره و يُسمى هؤلاء بالواقعيين «رئاليست Realists».

و جنح جَمع آخر الى الايمان بالواقع الخارجى ايماناً نسبياً، فالصورة المدركة عندهم مزيجٌ من مادة الادراك الخارجى و القوالب و المقولات الجاهزة فى الذهن، فلا تمثل الصورة المدركة الخارجَ بصورة مستقلة و لا الذهن بصورة مستقلة، بل للخارج نسبة و نصيب من هذِهِ الصورة، و للذهن نصيب و نسبة منها ايضاً و هو ما ذهب اليه «عمانوئيل كانت»(2) فى نظريته النسبية.



1. «جورج باركلى George Barckley» «1685 ـ 1753 م» فيلسوف انجليزى مثالى مبكر النضوج، شاعر فى طفولته، التحق بمدرسة «كلكني» فدرس فيها الرياضيات ثم التحقق بكلية «الثالوث Trinity» فابدى فيها من الحماسة و الخيال ما جعل الآخرين يعتبرونه اكبر عبقرى أو اكبر مخبول، اشتغل مدرّساً للغة اليونانية عام 1712 م و كان قسيساً، و قد تأثّر باركلى فى دراسته بـ «ديكارت» و «لوك».
2. عمانوئيل كانت «
Emanuel Kant» (1724 ـ 1804 م) فيلسوف المانى ولد فى كينجسبرج، كان والده سرّاجاً مجتهداً فى عمله صدوقاً، و كانت امه متدينة، حريصة على سماع مواعظ (فرانس شولتس مدير معهد «فريدريك») و من هنا ألحقت الام ابنها بهذا المعهد ليدرس فيه، وبعدها التحق بجامعة كينجسبرج فدرس الرياضيات و الفلسفة و اصول الدين. عُرف «كانت» بدقته الفائقة فى تنظيم مواعيد عمله اليومى كالساعة فى تحديد الوقت، من اشهر كتبه «نقد العقل العملي»، «نقد العقل النظري» ، «نقد الحكم العقلي».

(44)


و مال آخرون الى الشك بوجود واقع خارج حدود الذهن البشري، فلم يحكموا بثبوته و لابنفيه و من هؤلاء «دافيدهيوم»(1) و «جون لوك»(2) و هكذا اختلفت آراء المفكرين فى تقييم ادراكاتنا عن الواقع الخارجى باختلاف مذاهبهم و مشاربهم الفلسفية.(3)

و لايمنعنا سعة البحث من الاشارة السريعة الى المذهب الصحيح والرأى الحق فى المسألة آنفة الذكر، فنقول:


1. «دافيد هيوم David Hume» «1711 ـ 1779م» فيلسوف و مؤرخ انجليزى ولد فى مدينة أدنبره الواقعة فى اسكتلندا شمالى بريطانيا، درس فى ثانوية ادنبره والتى تحولت بعد ذلك الى جامعة ادنبره، فدرس فيها الفيزياء الطبيعية و كانت له رغبة ملحة فى دراسة كتب الفلسفة و الادب. أخفق هيوم فى التأليف بدو الأمر لِما كان يعتمده من اسلوب جاف فى عرض افكاره، الا انه التفت الى ذلك بَعدها فألف كتاباً تحت عنوان «مقالات اخلاقية و سياسية» لاقى فيه اعجاب الكثيرين مما اعاد له الثقة بنفسه، و قد كتب هيوم فى التاريخ كتاباً تحت عنوان «تاريخ انجلترا». و من اشهر كتبه كتاب «بحث فى الطبيعة الانسانية» عرض فيه افكاره الحسية، و ارجع مبدأ العلّية الى عادة تداعى المعاني.
2. «جون لوك
John Locke» «1632 ـ 1704 م» فيلسوف انجليزى و من المؤمنين باصالة التجربة، درس فى كلية «كنيسة السيد المسيح» فى اكسفورد، الا انه لم ينخرط فى مسلك رجال‏الدين، مارس الطب التجريبى حتى عُرِف فى تلك الفترة بالدكتور لوك، الا انه حصل بعد ذلك على شهاده البكلوريوس فى الطب. لوحظ فى فلسفة لوك تناقض بين رأيه فى المصدر الاساسى للمعرفة و بين رأيه فى قيمة المعرفه، و لذا فان ما حازه لوك من شهرة كان اكبر من حجمه.
3. من اراد التفصيل فعليه بمراجعة كتاب «فلسفتنا» للشهيد السعيد آية‏اللّه‏ السيد محمد باقر الصدر. و كتاب «الإيدولوجية المقارنة» للاستاذ الشيخ مصباح اليزدي.

(45)


اِن الايمان بوجود واقع خارجى قضية مسلّمة لايختلف فيها اثنان ولو فى حدود الأنا المُدْرِكة، اذ لو لم تكن «الأنا» موجودة فكيف انكر المنكر او شكك المشكك بوجود الواقع الخارجي، و حتى (باركلي) حينما انكر الواقع الخارجى لم ينكر ذاته المدرِكة و الصور المدْرَكه، و السرُ هو ان ذلك معلوم عنده بالعلم الحضوري، ومن اجله فقد ادّعى انه ليس منكراً و لا شكاكاً بالواقع الموضوعى الخارجي، الاّ انّه يؤمن بواقع الانا المدرِكة و الصورة المُدْرَكَةِ و ينكر الوجود المادى للاشياء، فوضع لمذهبه قاعدة معروفة: «اَن يُوجد هو أن يُدرِك أو أن يُدْرَك» و من الواضح ان ما سوى الانا المدرِكة و المَدرَكات المرتبطة بها غير معلوم لنا بالبداهة او بالعلم الحُضوري، بل هو بحاجة الى برهان و دليل، والعقل هو الحاكم بوجودها انطلاقاً من مبدأ العليّة العقلى الذى لايشك فيه حتى المنكرون و الشكاكون، لانهم حينما رفضوا الايمان بوجود واقع موضوعى خارج حدود الذهن البشري، فانما استندوا الى دليلٍ لإثبات مدّعاهم و هذا الدليل فى واقعه علّة و سبب لاثبات منحاهم الفلسفى فى انكار الواقع او الشك فيه.

و مبدأ العلّية يقرّر ان لكل حادثة سبباً انبثقت منه، فهناك كثير من الظواهر التى نتحسسها و نبحث عن سببها، فلو كانت نابعة من صميم ذاتنا، لكانت معلومة لنا بالعلم الحضوري، و حيث اِنّا لانجد علّة تلك الحادثة فى صميم وجودنا فلابد و ان يكون مصدرها شيئاً خارجَ حدود ذواتنا، وليس ذلك الا الشيءالخارجي، كما لو اَمسكت شوكاً بيدك و شعرت بألم الوخز الذى يصيبها حين امساكك له، فانك ستبحث عن سببه و حينما تراجع نفسك لاتجد فيها سبباً وعلّة لذلك الالم، اذ لو كان لبان لك بالعلم الحضورى وجودهُ فى نفسك، هذا من ناحية.

(46)


ومن ناحية اخرى فان بعض الظواهر يشعر بها الانسان على خلاف رغبته كما فى المثال المتقدم، فكيف توُجِد النفسُ ما يبعث على انزعاجها و ألمها؟! فلابد و ان يوجد سبب آخر خارج حدودها، كان باعثاً على ذلك الاَلم.

وفى الختام نقول:

ان الانسان لا يجد فى نفسه مبرراً يدفعه للبحث فى اى حقل من حقول المعرفة الانسانية التجريبية و غيرها ما لم تكن معرفته ذات قيمة تكشف عن الواقع الذى انبثقت منه، فلو كانت افكارنا محض خيالٍ و صورٍ تتوالى فى عالم الذهن ولم يكن لها علاقة من قريب او بعيد بواقعها الخارجي، كما ادعى المنكرون و الشكاكون و السوفسطائيون! لما اصبح للبحث و التحقيق والجد و السعى والمثابرة و الخوف و الرجاء ... معني، اذ كل محاولة من هذا القبيل تغدو جزافاً و عبثاً.

(47)


فكِّر و أجب :

1ـ ما هو المقصود من الوجود الذهنى و الخارجي؟ و بماذا يمتاز الوجود الذهنى عن وجود الصورة المنطبعة على اللوحة؟

2ـ إشرح مايلي: «تُعَدُّ نظرية المعرفة حجر الزاوية و منطلقا لكل بحث علمى مهما كان لونه».

3ـ وضّح باجمال الآراء الفلسفية على صعيد قيمة المعرفة.

4ـ لماذا لم ينكر «باركلي» نفسه المُدْرِكة و الصور المُدْرَكة؟

5ـ علّل مايلي: «لايمكن إنكار مبدأ العلية حتى للسوفسطى و غيره من المنكرين لواقع الاشياء و وجودها»؟

(48)