ازدهرت الخطب و الرسائل في هذا العصر و اتسع نطاقها بسبب عوامل عديدة أهمها المواقف
الرافضة للحكم الاموي. ذكرنا أن الامويين استولوا على السلطة و أكثر المسلمين
رافضون لحكمهم، لكنهم وطّدوا سلطانهم بالبطش و القوة و المال. و من هنا كثرت
الثورات ضدّهم. و هذه الثورات بيّنت مواقفها و أهدافها في خطب و رسائل خالدة لها
قيمتها الفنية و التاريخية.
تعدّ خطب ورسائل أهل بيت رسول الله صلىاللهعليهوآله أهمّ ماوصلنا من خطب هذا
العصر و رسائله لما امتاز به هذا البيت الكريم من فصاحة في اللسان، و قوة في
الحجّة، و أصالة في الفكرة، و التزام بالمبدأ، و اهتمام بالكشف عن الحقائق، و جدٍّ
في الدعوة و هداية الناس، و شجاعة في مقارعة الظالمين. نقف أولا عندها، ثم نلقي
الضوء على غيرها من الخطب و الرسائل.
روى الابشيهي في كتاب المستطرف و أبوالفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين و الحاكم
في المستدرك أن الحسن بن علي عليهالسلام صعد المنبر بعد وفاة أبيه فاراد الكلام
فخنقته العبرة ثم نطق فقال فيما قال:
«الحمد لله ما أحببنا وكرهنا، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، و اشهد أن
محمدا عبده ورسوله وإني احتسب عند الله عزوجل مصابي بأفضل الآباء رسولالله
صلىاللهعليهوآله القائل: من أصيب بمصيبة فليتسل بمصيبته فيَّ، فإنها أعظم
المصائب. و الله الذي لا اله الا هو الذي أنزل على عبده الفرقان لقد قبض في هذه
الليلة رجل ما سبقه الاوّلون بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله و لا يدركه
الآخرون، فعند الله نحتسب ما دخل علينا و على جميع أمة محمد صلىاللهعليهوآله
فوالله لا أقول اليوم الا حقاً (الى أن قال) و ما ترك صفراء و لا بيضاء الا سبعمائة
درهم، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله، الا أن أمور الله تعالى تجري على أحوالها،
فما أحسنُها من أمر الله، و ما أسوأها من أنفسكم، الا ان قريشاً أعطت أزمتها
شياطينها، فقادتها بأعنّتها الى النار، فمنهم من قاتل رسولالله صلىاللهعليهوآله
حتى أظهره الله تعالى عليه، و منهم من اسرّ الضغينة حتى وجد على النفاق أعواناً،
رفع الكتاب و جفّ القلم و أمور تقضى في كتاب قد خلا».
والحسين بن علي عليهالسلام فرع آخر من فروع هذه الشجرة النبوية العلوية. تعدّ خطبه
و رسائله إبّان ثورته على يزيد وثائق نضالية عظيمة، و نهجاً لبلاغة الثائرين على
مرّ التاريخ.
في يوم عاشوراء، كان الحسين عليهالسلام يغتنم كلَّ فرصة لاسماع صوته الى الجيوش
القادمة لقتله، ليتمّ الحجة عليهم. و من خطبه في هذا اليوم الرهيب ما رواه
الموءرخون أنه عليهالسلام ركب ناقته أو فرسه، و خرج الى الناس فاستنصتهم، فأبوا أن
ينصتوا حتى قال لهم: «ويلكم ماعليكم أن تنصتوا لي فتسمعوا قولي، و إنما أدعوكم الى
سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشَدين، ومن عصاني كان من المهلَكين، و كلّكم
عاص لأمري، غيرمستمع قولي، فقد ملئت بطونكم من الحرام، وطُبع على قلوبكم، ويلكم الا
تنصتون؟! الا تسمعون؟!»
فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم ، و قالوا: انصتوا، فحمد الله و أثنى عليه، و صلّى
على رسوله الكريم ثم قال:
«تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً، حين استصرختمونا والهين، فأصرخناكم
موجفين، سَـلَلتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم و حَـشَـشْتُم علينا ناراً قدحناها
على عدوّنا و عدوّكم، فأصبحتم إلباً على أوليائكم، و يداً عليهم لاعدائكم، بغير عدل
أفشوه فيكم، و لا أملٍ أصبح لكم فيهم الا الحرام من الدنيا أنالوكم، و خسيس عيش
طمعتم فيه، من غير حَدث منا، و لا رأي تفيّل لنا، فهلاّ لكم الويلات، تركتمونا و
السيف مَشيم، و الجأش طامن، و الرأي لما يستحصف، و لكن أسرعتم اليها كطيرة الدُّبا،
و تداعيتم اليها كتداعي الفَراش، فسحقاً لكم يا عبيدَ الأمة، و شُذاذَ الاحزاب، و
نَـبَذة الكتاب، و نَفثَة الشيطان، و عُصبة الآثام، و محّرفي الكتاب، و مطفئي
السنن، و قَـتَلةَ أولادِ الانبياء، و مُبيدي عترةَ الاوصياء، و مُلحقي العِهار
بالنسب، و موءذي الموءمنين، و صراخَ أئمة المستهزئين، الذين جَعلوا القرآنَ عِضين،
و لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم، و في العذاب هم خالدون. و أنتم ابن حرب و أشياعه
تعضِدون، و عنا تخاذلون، أجل واللّه الخذلُ فيكم معروف، وَشِجت عليه أصولُكم، و
تأزّرت عليه فروعكم، و ثبتت عليه قلوبكم، و غَشِيت صدوركم، فكنتم أخبثَ ثمر شجي
للناظر، و أكلةٍ للغاصب. الا لعنةُ الله على الناكثين، الذين ينقضون الايمان بعد
توكيدها، و قد جعلتم الله عليكم كفيلاً فانتم والله هم. الا و إن الدعيّ ابن
الدعيّ، قد رَكَز بين اثنتين بين السلّة و الذلّة و هيهات منّا الذلة، يأبي الله
ذلك لنا و رسوله و الموءمنون، و جدود طابت، و حجور طهرت، و أنوف حمية، و نفوس أبية
لا توءثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا قد أعذرت و أنذرت، ألا و إني زاحف بهذه
الاسرة، مع قلة العدد، و كثرة العدو، و خذلان الناصر».
ثم وصل كلامه عليهالسلام بأبيات فروة بن مسيك المرادي فقال:
فإن نَهزم فهزّامون قُدما و إن نَغلب فغيرُ مغلَّبينا
و ما إن طبّنا جُبن و لكن منايانا و دولةُ آخرينا
فافنى ذلكم سَـرَواتِ قومي كما افنى القرون الأولينا
فلو خَـلَد الملوك إذن خلدنا و لو بقي الكرام إذن بقينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
ثم قال: «أما والله لاتلبثون بعدها الا كريث ما يُركب الفرس، حتى تدور بكم دور
الرّحى، و تقلق بكم قلق المحور، فأجمعوا أمركم و شركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم
غُـمّة ثم اقضوا اليّ و لاتُنظرون(١) إني توكّلت على اللّه ربي و ربكم ما من دابة
إلاّ هو آخذ بناصيتها إنّ ربي على صراط مستقيم(٢) ».
هذه الخطبة تبدأ بتقريع السامعين و الدعاء عليهم: «تبّا لكم و تَرَحا». ثم يذكّرهم
الحسين عليهالسلام باستغاثتهم به «استصرختمونا والهين» و يبين كيف أجاب استغاثتهم
موجفاً أي مسرعاً. و بعبارات رائعة يشير الامام الى تغيّر حال هوءلاء القوم، فكانت
سيوفهم بأيمانهم (بأيديهم) لنصرة أهل البيت، و تحركهم كان ينبغي أن يكون ضد أعدائهم
و أعداء آل البيت، لكنهم انقلبوا فأصبحوا إِلبا (معتدين) على هذا البيت الكريم. ثم
يكشف الحسين عليهالسلام عن خسّة هوءلاء القوم و دناءتهم حين دفعتهم الاطماع
الدنيوية الى هذا الموقف. و كان بامكانهم أن يتركوا الحسين عليهالسلام دون قتاله،
حين كان السيف مشيم (في غمده) و الفزع طامن (ساكن)، و لكنهم أبوا الاّ أن يسارعوا
لقتله، كالجراد و البعوض.
بعد ذلك يكشف الحسين عليهالسلام مرّة أخرى عن ضعف هوءلاء القوم في مواقفهم و
سلوكهم ، و يوءكد على موقفه المبدئي رغم قلة الناصر. و يتنبأ بالمستقبل الوخيم الذي
ينتظرهم.
١ ـ يونس / ٧١ .
٢ ـ هود / ٥٦ .
كلّ دارس لخطب آل البيت في العصر الاموي لابدّ أن يقف طويلاً عند
خطب عقيلة بني هاشم، زينب الكبرى، هذه المرأةالتي تحيّر العقول في بلاغتها و
فصاحتها و شجاعتها، و صبرها و جهادها بعد مقتل الحسين عليهالسلام . فقد واصلت
رسالة أخيها، و أقامت الدنيا و لم تقعدها حتى زلزلت أركان البيت الاموي، و أثارت
المسلمين من شمال أفريقيا الى خراسان ضد الظلم و الظالمين.
ذكر الحافظ ابن عساكر أن يزيد لما وضع رأس الحسين عليهالسلام بين يديه جعل يتمثل
بأبيات ابن الزبعرى، و زاد فيه البيتين الاخيرين:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جَزعَ الخزرج من وَقع الأَسـَل
لأهلّوا و استهلّوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تُشـَل
قد قتلنا القرمَ من ساداتهم و عدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء و لا وَحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل
فقامت زينب بنت علي عليهاالسلام فقالت:
«الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على رسوله و آله أجمعين. صدق اللّه سبحانه كذلك حيث يقول: ثم كان عاقبة الذين أساوءا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون.(١)
١ ـ الروم / ١٠ .
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطارَ الأرض وآفاقَ السماء، فأصبحنا
نُساق كما تساق الاماء، أن بنا هوانا على اللّه و بك عليه كرامة؟! و أن ذلك لِـعِظم
خطرك عنده؟! فشَـمَخت بأنفك، و نظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك
مُستوسقة، و الأمور متسقة، و حين صفا لك ملكنا و سلطاننا، فمهلاً مهلاً، لا تطش
جهلاً، أنسَيَت قول الله تعالى: و لايحسبنَّ الذين
كفروا أنـّما نُملي لهم خيرٌ لانفسهم إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً و لهم عذاب
مهين(١)؟!
أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك و إماءك، و سوقُك بناتِ رسولالله
صلىاللهعليهوآله سبايا، قد هُتكت ستورُهنّ و أُبديت وجوهُـهُن، تحدو بها
الاعداء من بلد، الى بلد و يستشرفهن أهل المناهل و المناقل، و يتصفح وجوههن القريب
و البعيد، و الدنيّ و الشريف، ليس معهن من حماتهن حميّ، و لا رجالهن وليّ؟! و كيف
ترتجي مراقبة ابن من لفظ فوه أكباد الازكياء، و نبت لحمه بدماء الشهداء؟! و كيف
يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف و الشنآن و الإحَن و الاضغان؟! ثم
تقول غير متأثّم و لا مستعظم:
لأهلّوا و استهلّوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل
منحنياً على ثنايا أبي عبدالله و مكان مقبل رسول الله صلىاللهعليهوآله تنكتُها
بمخصرتك!! و كيف لاتقول ذلك و قد نكأت القرحة، و استأصلتَ الشأفةَ باراقتك دماءَ
ذُريةِ محمد صلىاللهعليهوآله و نجوم الأرض من آل عبدالمطلب، و تهتف بأشياخك،
زعمت أنك تناديهم، فَـلَـتَـرِدَنَّ وشيكا موردَهم، وَلَـتوَدَّنّ أنك شُلِلتَ و
بَكُمت، و لمتكن قلت ما قلت، و فعلت ما فعلت.
اللهم خُذ لنا بحقّنا، و انتقم ممن ظلمنا، و أحلُل غَضَبك بمن سفك دماءنا، و قتل
حُماتَنا، فوالله ما فَـرَيت الا جِلدَك، و لا حَـزَزت الا لحمتك، و لَـتَرِدَنّ
على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بما تحملت من سفك دماء ذريته، و انتهكت من
حرمته في عترته و لحمته، حيث يجمع اللّه شملَهم و يَـلُـمّ شَعثهم، و يأخذ لهم
بحقهم، و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم
يُرزقون(٢).
١ ـ آل عمران / ١٧٨ .
٢ ـ آل عمران / ١٦٩ .
و حسبك بالله حاكماً، و بمحمد خصيماً، و بجبرائيل ظهيراً، و سيعلم مَن سوّل لك و
مكّنك من رقاب المسلمين أنّ بئس للظالمين بدلا، و أيكُم شرٌّ مكاناً و أضعف جنداً.
و لئن جَـرّت عليّ الدواهي مخاطبتَك، إنّي لاستَصغِر قَدرَك، و استعظم تقريعَك، و
أستكبر توبيخَك، لكن العِيون عبَرى، و الصدور حرّى، ألا فالعجب كلَّ العجب لقتل
حزبِ الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الايدي تنطِف من دمائنا، و الافواه
تتحلّب من لحومنا، و تلك الجثث الطواهر الزواكي تَنتابُها العواسل، و تعفُرها
أمّهات الفراعل، و لئن اتخذتَنا مَغنماً لتجدنّنا وشيكا مَغرماً، حيث لاتجد الا ما
قدّمت يداك، و ما ربك بظلاّم للعبيد(١).
فالى الله المشتكى، و عليه المعوَّلُ، فكد كيدك واسعَ سعيك، و ناصب جُهدَك، فواللّه
لاتمحو ذكرنا و لاتميت وحيَنا، و لاتدرك أمدنا، و لاتَرحضُ عنك عارُها و هل رأيك
الافَـنَد، و أيامك الا عَـدَد، و جمعك الا بَـدَد، يوم ينادي المنادي الا لعنة
الله على الظالمين.
فالحمد للّه الذي خَتَم لأوّلنا بالسعادة و المغفرة، و لآخرنا بالشهادة و الرحمة، و
نسأل الله أن يُكمل لهم الثواب، و يوجب لهم المزيد و يحسن علينا الخلافة، إنه رحيم
ودود، و حسبنا الله و نعم الوكيل».
١ ـ فصلت / ٤٦ .
لايملك الانسان الا أن يقف خاشعاً أمام هذه الخطبة و عظمة قائلتها . فالموقف رهيب،
و المنظر موءلم، و كل شيء يخرس الالسنة و يحبس الانفاس في الصدور، لكن سليلة بيت
النبوّة تلقي مثل هذه الخطبة التي تجعل أسرى أهل البيت في ذروة العزّ و الشرف، و
تجعل الخليفة بكل قدرته
و بطشه في غاية الذلّ و الانحطاط.
بعد خُـطَب أهل بيت النبوة، تحتل خطب ثوّار هذا العصر مكانة هامّة في الحجم و
المضمون، مثل خطب الخوارج، و أشهر خطبائهم قَطَري بن الفجاءة، و عمران بن حطّان، و
الطرمّاح بن حكيم. و للمختار الثقفي خطب إبّان ثورته تدعو الى الاخذ بثارات الحسين،
و هكذا التوابون. و في ثورة المدينة نقل الموءرخون خطب زعيم هذه الثورة عبدالله بن
حنظلة.
و من الخطباء الثائرين في هذا العصر عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالاشدق لبلاغته
في خطابته، و عبدالرحمن بن الاشعث، و كان مِدْرَها مفوّها ، و يزيد بن المهلب، و
كان خطيباً بليغاً اشتهر بتحريض جنده على أهل الشام.
نقلت كتب التاريخ و الادب من الحوار السياسي و الفكري في هذا العصر ما لمتنقله عن
أي عصر آخر، و قد يعود ذلك الى كثرة ما شهده المسلمون فيه من خلافات و نزاعات.
و لم يكن الحوار في هذا العصر يستهدف إقناعا بقدر ما كان يستهدف إفحاما. فالجواب
يجب أن يكون «كما يرمي الجندل بالجندل، و يقرع الحديد بالحديد» كما يقول ابن عبد
ربّه.
و عقد صاحب العقد الفريد فصلاً خاصّاً بهذه الاجوبة الحادّة، و ذكر أهميتها في
الحجاج و قال: «فلا شيء أعضل من الجواب الحاضر، و لا أعزّ من الخصم الألدّ الذي
يقرع صاحبه، و يصرع مُنازعَه بقول كمثل النار في الحطب الجزل».
و يعتمد الجواب السريع في المحاورة على الفصاحة و البلاغة و سرعة
البديهة و الايجاز ليكون أبلغ في التأثير. و ذكر صاحب العقد أن «أسرع الناس جواباً
عند البديهة قريش، ثم بقية العرب، و أحسن الجواب كله ما كان حاضرا، مع إصابة معنى و
إيجاز لفظ».
و لقد اشتهر بنو هاشم في هذا اللون من الاجوبة القارعة، حتى كان خصومهم يخشون
الدخول معهم في محاججة و جدال. و لم يكن ذلك مقتصرا على رجالهم، بل كانت لنسائهم
مواقف عظيمة في مقارعة الخصوم. من ذلك ماروي عن عقيلتهم زينب الكبرى عليهاالسلام
حين أدخل نساء الحسين و صبيانه بعد وقعة عاشوراء على ابن زياد قاتل الحسين
عليهالسلام . فلبست زينب أرذل ثيابها و تنكرت و مضت حتى جلست ناحية من القصر، و
حفّ بها أطفال الحسين و أهل بيته فقال ابن زياد: من هذه ؟ فلم تجبه، و أعاد السوءال
ثانيةً، فقالت له طفلة : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلىاللهعليهوآله .
فاقبل عليها ابن زياد و هو يتميّز غيظاً و قال:
الحمد لله الذي فضحكم و قتلكم و أكذب أحدوثتكم.
أجابته زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلىاللهعليهوآله و طهرنا من
الرجس تطهيراً. إنما يُفتضح الفاسق، و يُكذَّب الفاجر، و هو غيرنا.
قال ابن زياد: كيف رأيت فعلَ الله بأخيك و أهل بيتك؟
قالت: ما رأيت الا جميلاً، هوءلاء قوم كَـتَب اللّه عليهم القتل، فبرزوا الى
مضاجعهم، و سيجمع اللّه بينك و بينهم فتتحاجّون اليه و تختصمون عنده.
وهَمّ الخبيث أن يضربها حين أعياه الجواب، و لكن منعه الحاضرون، فقال و هو حانق:
لقد شفى اللّه نفسي من طاغيتك الحسين و العصاة المردة من أهل بيتك!!
و لم تتمالك زينب نفسَها، فرقّت حين سمعت اسم أخيها الشهيد و بكت و
قالت:
لعمري لقد قتلت كهلي ، و قطعت فرعي، و اجتثثت أصلي، فان كان هذا شفاوءك فقد اشتفيت.
و من أدب الاجوبة مانقله صاحب العقد الفريد بين معاوية و عقيل بن أبيطالب. فقد قال
له معاوية يوماً: أبا يزيد، أنا خير لك من أخيك علي.
قال: صدقت، إنّ أخي آثر دينه على دنياه، و أنت آثرت دنياك على دينك، فأنت خير لي من
أخي، و أخي خير لنفسه منك.
و قال معاوية يوماً لعقيل: إن عليّاً قطعك و وصلتك، و لايرضيني منك إلاّ أن تلعنه
على المنبر. قال: أفعل.
و صعد المنبر و قال: أيها الناس، إن أميرالموءمنين معاوية أمرني أن ألعن عليّاً
فالعنوه، عليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، ثم نزل، فقال له معاوية: إنك
لم تبيّن مَـنْ لعنت. قال: و اللّه مازدت حرفاً، و لا نقصت آخر، و الكلام على نية
المتكلم.
تشكل المواعظ و الحكم نصوصا أدبية هامّة، لما يتوخّى فيها قائلها من إيجاز و بلاغة
و قوة تأثير و قد شاعت في هذا العصر، و كثر الوعّاظ بسبب شيوع الجوّ الفاسد
المتحلّل، فكان المصلحون يشعرون بمسوءولية إيقاظ الناس و تنبيههم من الغفلة عن الله
سبحانه و عن الآخرة، كما كان الموءمنون يقبلون على الواعظين طلباً للرشد و الصلاح.
و من أشهر وعّاظ هذا العصر أئمة آل البيت: علي بن الحسين زين العابدين، و سنقف في
حديثنا عن أدب الدعاء عنده، و محمدبن علي
الباقر و جعفر بن محمد الصادق عليهمالسلام . و كان دعاة مدرسة أهل البيت يتناقلون
حكمهم و ينشرونها في الآفاق.
و أورد صاحب أعيان الشيعة طائفة من حِكم الصادقين نذكر منها قول الباقر عليهالسلام
:
«والله ما شيعتنا الاّ من اتقى اللّه و أطاعه، و ما كانوا يُعرفون الا بالتواضع و
التخشّع، و أداء الامانة، و كثرة ذكر اللّه، و الصوم و الصلاة، و البرّ بالوالدين،
و تعهّد الجيران من الفقراء و ذوي المسكنة و الغارمين، و صدق الحديث، و تلاوة
القرآن، و كف الألسن عن الناس الا من خير، و كانوا أمناء عشائرهم في الاشياء».
و قال : «أفضل العبادة عفّة البطن و الفرج».
و قال : «من لميجعل الله له من نفسه واعظاً، فان مواعظ الناس لنتغني عنه شيئا».
و قال : «عليكم بالورع و الاجتهاد و صدق الحديث و أداء الأمانة الى من ائتمنكم
عليها بَراً كان أو فاجرا. فلو أن قاتل علي بن أبيطالب ائتمنني أمانة أديتها اليه».
و قال : «ما عرف الله من عصاه»، و انشد:
تعصي الاله و أنت تظهر حبّه هذا لعمرك في الفعال بديعُ
لو كان حبّك صادقا لأطعته إن المحبَّ لمن أحبَّ مطيعُ
و روي عن الامام الصادق عليهالسلام انّه قال :
«العاملعلىغيربصيرةكالسائرعلىغيرطريق، فلاتزيده سرعةالسيرالاّبعداً».
و قال : «إن الصيام ليس من الطعام و الشراب وحده. إن مريم قالت: إني نذرت للرحمن
صوما، أي صمتا. فاحفظوا ألسنتكم، و غضّوا أبصاركم، و لاتحاسدوا، و لاتنازعوا، فان
الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب.»
و قال : «من أوثق عُرى الايمان أن تُحبّ في اللّه، و تبغض في اللّه، و تعطي في
اللّه، و تمنع في اللّه».
و قال : «إنا لنُحبُّ من كان عاقلاً فهماً فقيهاً حليماً مُداريا صبوراً وفيّاً».
قلّ من تطرّق من كتّاب تاريخ الادب العربي الى أدب الدعاء و ما فيه من قيمة فنيّة،
و ما تركه من تأثير على الاساليب العربية في مختلف العصور.
و لنا من هذا العصر أكبر ثروة أدبية في حقل الدعاء بفضل ماتركه لنا ـ بشكل خاص ـ
الامام علي بن الحسين عليهالسلام المعروف بزين العابدين. لقد واصل هذا الامام جهود
والده الحسين عليهالسلام لاستعادة «العزّة» الى المجتمع الاسلامي، و لكن بأسلوب
يتناسب مع طبيعة الفترة التي عاشها.
بعد أن انكسر حاجز الخوف و الارهاب بفضل تضحيات والده الحسين عليهالسلام ، تقدّم
المجتمع الاسلامي خطوة بعيدة المدى على طريق عزّته و التخلص من ذله، و عمل زين
العابدين على شدّ أفراد المجتمع بالله، ليقطع خطوة رحبة أخرى على طريق تحقيق
العزّة، و التخلّص من الذل.
سلك الامام سبلاً عديدة في منهج التربية النفسية، منها شراء العبيد، و تعليمهم و
تحريرهم، و منها تربية فئة صالحة نشرها في الاقطار لتكون قدوة حيّة لأخلاق مدرسة
أهل البيت، و منها نشر الدعاء و الابتهال على ألسن الناس، في أساليب تجعل الأفراد ـ
حين يتلونها ـ يستشعرون العزّة في الله، و القوّة بالله، و الغنى بالله، و تربيهم
على أن لايذلوا أنفسهم في سبيل استرضاء من بيده القوة و المال، و لايبيعوا ذممهم
بعَرَض زائل من الحياة الدنيا. و لو أمعنا النظر في أساليب هذه الادعية و مضامينها،
لوجدناها تركز بأجمعها على مخاطبة النفس البشريّة في سياق خطابها مع الله سبحانه،
لتنقذ هذه
النفس الامارة من الذلّ و الضعف و الانحدار.
و من خير من تناول أدب الدعاء الدكتور محمود البستاني(١)، فقد وقف عند خصائص بنائه
الداخلي و الخارجي، و استخلص أهمّ عناصر صياغته.
انظر الى هذه الفقرة من دعاء زين العابدين الذي رواه ثابت بن دينار المعروف بأبي
حمزة الثمالي (ت ١٥٠ه):
«سيدي ، أنا الصغير الذي ربّيته، و أنا الجاهل الذي علمته، و أنا الضالّ الذي
هديته، و أنا الوضيع الذي رفعته، و أنا الخائف الذي آمنته، و أنا الجائع الذي
أشبعته، و أنا العطشان الذي أرويته ، و أنا العاري الذي كسوته، و أنا الفقير الذي
أغنيته، و أنا الضعيف الذي قوّيته، و أنا الذليل الذي أعززتَه، و أنا السقيم الذي
شفيتَه، و أنا السائل الذي أعطيته، و أنا المذنب الذي سترتَه، و أنا الخاطئ الذي
أقلته، و أنا القليل الذي كثّرته، و أنا المستضعف الذي نصرته، و أنا الطريد الذي
آويتَه ... ».
يشدّ هذا الدعاء نفس الانسان الضعيفة ببارئها القوي العزيز الكريم، لتستشعر العزّة
به سبحانه دون سواه، و لتتوجه اليه في الحاجة دون غيره، كل ذلك بعبارات ذات إيقاع
موسيقي موءثّر، فيها ألوان الجمال و الابداع.
١ ـ انظر: تاريخ الادب العربي في ضوء المنهج الاسلامي، ط مجمع البحوث الاسلامية، بيروت.
و من دعائه أيضاً :
«اللهم اجعلني من الذين جَدّوا في قصدك فلم يُنكِلوا، و سلكوا الطريقَ اليك فلم
يعدِلوا، و اعتمدوا في الوصول اليك حتى وصلوا، فرويت قلوبَهم من محبّتكَ، و أنِسَت
نفوسهم بمعرفتك، فلم يقطعهم عنك قاطع، و لا منعهم عن بلوغ ما أمّلوه لديك مانع، فهم
فيما اشتهت أنفسهم خالدون لايَحزُنُهم الفزعُ الاكبر وتتلقاهم
الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون(١) ...».
إنه قبل كل شيء توطين النفس على مواصلة السير نحو الله دون تردّد و دون زيغ و
انحراف.
و هذا نصّ آخر من أدعية الامام زين العابدين عليهالسلام :
«اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقَدَرك، راضية بقضائك، مُولَعَة بذكرك و دعائك، محبّة
لصفوة أوليائك، محبوبة في أرضك و سمائك، صابرة على نزول بلائك، شاكرة لفواضل
نعمائك، ذاكرة لسوابغ آلائك، مشتاقة الى فرحة لقائك، متزوّدة التقوى ليوم جزائك،
مستنّة بسُنَنِ أوليائك، مفارقة لأخلاقِ أعدائك، مشغولة عن الدنيا بحمدك و ثنائك».
بنفس هذا الاسلوب الفني ، يبين الامام طموح الانسان الموءمن في الحياة و منهجه في
السلوك مع ربّه و مع الناس.
جمعت أدعية الامام زين العابدين عليهالسلام في «الصحيفة السجادية» و تسمى زبور آل
محمد صلىاللهعليهوآله . و استدرك عليها العلماء فاخرجوا الصحيفة السجادية
الثانية و الثالثة و ... و كان آخرهم الشيخ المازندراني الحائري إذ أخرج الصحيفة
السجادية السادسة.
١ ـ الانبياء / ١٠٣ .
تحدثنا عن الحركة العلمية في هذا العصر و نشاط الكتابة و التأليف فيه، و نقف هنا
عند نوع من الكتابة الادبية، قد شاعت في هذا العصر، و تولاّها كتّاب محترفون هم
كتّاب الدواوين.
ظهرت الحاجة ـ بعد الفتوح ـ الى دواوين تنظم سجلات الدولة، و تدوّن رسائل الخلفاء و
الولاة. و يظهر أن الخليفة الثاني عمر أول من أسس الديوان على غرار الدواوين
الساسانية، و نظمت السجلات باللغة الفارسية، ثم نشأت الدواوين في مصر و الشام و
كانت لغة سجلاتها رومية.
و تولى ترجمة الدواوين من الفارسية الى العربية في عصر عبدالملك بن مروان كاتب
إيراني اسمه صالح بن عبدالرحمن. و لكن طريقة العمل فيها بقيت على الاسلوب الايراني،
و لذلك بدأ الجهشياري كتاب: الوزراء و الكتاب بمقدمة طويلة عن نظم الدواوين
الفارسية.
و بمرور الزمن كثر كتاب الدواوين ، و اشتهر منهم في زمن عبدالملك روح بن زنباع
الجذامي، و قد وصفه عبدالملك بأنه فارسي الكتابه، و لم يصل الينا منه شيء يذكر، و
صالح بن عبد الرحمن المذكور، و قال عنه الجهشياري : «كان عامّة كتاب العراق تلامذة
صالح». و اشتهر في زمن هشام بن عبدالملك من الكتاب سالم مولى هشام، و كان يجيد
اليونانية و أشهر كتاب هذا العصر قاطبة هو عبد الحميد الكاتب.
هو يحيى بن سعيد، إيراني، انتمى الى بني عامر بالولاء. اشتغل في أول أمره بالتعليم
ثم التحق بديوان عبدالملك بن مروان، و اشتغل في دواوين بقية الخلفاء الامويين، و
ظلّ وفيا لهم حتى آخر حياته. و حين فرّ مروان الحمار آخر خلفاء الامويين الى مصر،
صحبه عبدالحميد، و قتلا معا في معركة بوصير.
سمّاه الجاحظ في «البيان و التبيين» : عبد الحميد الاكبر، و قال عنه ابن النديم:
«عنه أخذ المترسلون و لطريقته لزموا، و هو الذي سهّل سبيل البلاغة في الترسّل».
و قيل : «بدأت الكتابة بعبد الحميد و خُتمت بابن العميد».
* ـ انظر: الشيخ طاهر الجزائري ومحمد كرد علي؛ رسائل عبد الحميد بن يحيى؛ وخليل مردم، عبد الحميد الكاتب؛ والجزء الثاني من جمهرة رسائل العرب.
و يقول الدكتور شوقي ضيف : إن عبدالحميد استطاع أن يحوّل بعض رسائله الى رسائل
أدبية بالمعنى الدقيق للكلمة، محاكياً بذلك رسائل الايرانيين الادبية في العهد
الساساني(١).
و له رسالة مشهورة يوجهها الى الكتّاب، جاء فيها:
«فنافسوا معشر الكتّاب، في صنوف العلم و الادب، و تفقّهوا في الدين، و ابدأوا بعلم
كتاب الله عزّ وجل و الفرائض، ثم العربية، فانها ثقاف ألسنتكم، و أجيدوا الخط فانه
حلية كتبكم، و ارووا الاشعار و اعرفوا غريبها و معانيها ، و أيام العرب و العجم و
أحاديثها و سيرها، فان ذلك معين لكم على ماتَسمون بهممكم ، و لايضعفن نظركم في
الحساب، فانه قوام كتاب الخراج منكم».
١ ـ العصر الاسلامي / ٤٧٤ .
و يشكك بعض الباحثين في صحة هذه الرسالة لأنها لاتنسجم ، في اعتقاده، و أسلوب عبد
الحميد. و يعتقد أنّ عبد الحميد يتميّز بجفاف الطبع و
ثقل الاسلوب و رداءة اللغة و يعتقد أيضاً أن شهرة الرجل لمتقم على أساس صحيح، و أن
الكتابة لم تبدأ به، كما أنها لم تختم بابن العميد(١).
و يروى أن عبد الحميد سئل عما مكّنه من الكتابة فاجاب: «حفظُ كلام الاصلع» و يعني
به أميرالموءمنين علي عليهالسلام و من هذه العبارة يستدل الدكتور البصير أن إمامة
الانشاء في صدر الاسلام و دولة بني أمية ليست لعبدالحميد كما يظن معظم الموءرخين و
النقاد، و إنما هي لعلي بن أبي طالب عليهالسلام و يقول: «إن عبد الحميد تلميذ من
تلاميذ الامام لا أكثر و لا أقل، على أني أوءكد أن هذا التلميذ لم يحسن تقليد
أستاذه في كثير من الاحيان».
و من الطبيعي أن حكم الدكتور البصير ينصبّ على ما وصل الينا من رسائل عبد الحميد. و
من المحتمل جدّاً أن يكون قد حُرّف على لسان الرواة، كما أنه من الممكن أن يكون
هناك كثير من الجيّد لم يصلنا قطّ. لانه من غير المعقول أن يكون هذا الايراني قد
حظي بكل هذه المكانة عند الخلفاء الامويين و هو لايحسن كتابة الانشاء. و من الراجح
جدّاً أن عبدالحميد كان صاحب ذاكرة قوية استوعبت ما قاله أميرالبيان علي بن أبي
طالب عليهالسلام ، ففاضت قريحته بالجيد من أساليب الكتابة، حتى قيل ان الكتابة
بدأت به، أي إن حرفة الكتابة لافنّ الكتابة قد بدأت به، لانه بلغ في هذه الحرفة
شأوا بعيداً.
١ ـ الدكتور البصير، عصر القرآن / ٤١ ـ ٦١ .