المجتمع الاسلامي في العصر الاموي

كادت الخطة الاموية تدفع بمسيرة المجتمع الاسلامي نحو ردّة جاهلية لولا أن ظهر تيار يقاوم هذه الخطة، و كان هذا التيار يدعو الى انتهاج سيرة رسول‏اللّه و سيرة أميرالموءمنين علي عليهماالسلام في الحياة‏الفردية و الاجتماعية.
و كاد هذا التيار يُقضى عليه تماما بسبب بطش الامويين، الاّ أنّ الامام الحسن بن علي عليه‏السلام صانه من الابادة في عملية صلحه مع معاوية. غير أن هذا التيار أصيب نتيجة الارهاب الشديد بحالة ذلّ و هزيمة نفسية و تخاذل. و جاءت حادثة كربلاء و مواقفها البطولية و نداءات الحسين بن علي عليه‏السلام فيها لتبعث هزّة في المجتمع الاسلامي أحيته من رخوته، و سرت فيه روح نضالية ما هدأت الا بعد أن استأصلت شأفة الامويين.
و الواقع أن طبيعة الاسلام؛ باعتباره دين الفطرة و منهج السموّ الانساني و الكمال البشري و التحرّر الواقعي، ظلت رغم كل العقبات تدفع بالمجتمع المسلم نحو التكامل و الرقي في مجالات العلم و الفكر و الصلاح و التقوى و الدعوة و الجهاد. كما كان لأهل بيت رسول اللّه عليهم‏السلام الدور الهام في تأصيل هذه المسيرة الاسلامية و مواصلتها و صيانتها من كل زيغ و انحراف. و نقف قليلاً عند بعض مظاهر الروح الاسلامية و أدوار أهل البيت عليهم‏السلام في المجتمع الاسلامي لهذا العصر.
 

الفتوحات الاسلامية

تواصلت حركة الفتوحات الاسلامية في هذا العصر، و اشترك فيها المسلمون بدافع نشر دعوة الله وطلبا لمرضاته ورغبة في نيل إحدى الحسنيين. لم تثن السياسة الاموية المسلمين عن المساهمة الفعّالة في حركة الفتوح الاسلامية في هذا العصر، بل اعتبروا هذه الفتوح ذات أهداف لا ترتبط بالامويين ونهجهم. ولذلك نجد الامام علي بن الحسين زين العابدين يدعو للجيوش الغازية في الفتوح، ولو كانت بقيادة أموية ويقول:
«اللهم وأيـّما غاز غزاهم من أهل ملتك، أو مجاهد جاهَدَهم من أتباع سُنّتك، ليكون دينُك الاعلى، وحزبُك الاقوى، وحظُّك الاوفى، فلقّه اليسر، وهيّ ء له الامر، وتولّه بالنُجح، وتخيّر له الاصحاب، واستَقوِ له الظَّهر، وأسبغْ عليه في النَّفقة»(1).
وكان كبار الصحابة يشاركون في هذه الفتوحات. ونرى على سبيل المثال عبد الله بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن الزبير وابو أيوب الانصاري يشاركون في جيش جهزه معاوية لفتح القسطنطينية سنة 48ه بقيادة سفيان بن عوف، وأمّر معاويةُ يزيد على هذا الجيش.
وبفضل هذه الروح الاسلامية اتسعت رقعة العالم الاسلامي في هذا العصر، ففتحت بلاد ماوراء النهر وبلاد السند والاندلس.

1 ـ الصحيفة السجادية الجامعة لأدعية الامام علي بن الحسين / 135 ط 1، قم 1411ه .

 
رفض الظلم والاضطهاد

لقد غرس الاسلام هذه الروح في نفوس أبنائه، و أمرهم أن لايقرّوا على ضيم، و يقارعوا الظالمين، و يدافعوا عن المستضعفين. و كانت الخطة الاموية تستهدف إضعاف هذه الروح، لكنّ الحسين بن علي عليه‏السلام بتضحياته الجسيمة أحبط الخطة، فتصاعدت الثورات الرافضة للظلم. من ذلك ثورة التوابين، و كانوا يقولون: «يارب، إنا قد خذلنا نبينا، فاغفر لنا مامضى، و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، و ارحم حسينا و أصحابه الشهداء الصديقين. و إنا نشهدك يارب إنا على مثل ما قتلوا عليه، فان لم تغفر لنا و ترحمنا لنكوننّ من الخاسرين»(1).
ثم ثار أهل المدينة بعد أن اطلعوا من وفد أرسلوه الى دمشق على أعمال يزيد فقد أخبرهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة بقوله: «والله إنه (يزيد) يشرب الخمر، و الله انه ليسكر حتى يدع الصلاة»(2).
ثم إن ثورة الحسين عليه‏السلام هي التي شجعت الناس ليلتفوا حول كل معارضة للامويين، من ذلك استجابتهم لدعوة ابن الزبير و لثورة المختار الثقفي و ثورة مطرف بن المغيرة و ثورة ابن الاشعث. و كان منطق كل هذه الثورات يدور حول إقامة‏العدل وتطبيق الكتاب والسنة ومحاربة الظالمين.
هذا عبداللّه بن مطيع العدوي عامل ابن الزبير على الكوفة يقول للناس: «.. أما حمل فيئنا ، فانا نشهد أنـّا لانرضى أن يُحمل عنّا فضلُه، والاّ يُقسَّم الا فينا، وأن لا يُسار فينا الا بسيرة علي بن أبي طالب»(3).

1 ـ ثورة الحسين / 264 .
2 ـ نفس المصدر / 270 .
3 ـ ثورة الحسين / 273 .

و مطرف بن مغيرة يذكر أسباب ثورته فيقول: «ندعوكم الى كتاب الله و  سنّة نبيّه و الى جهاد من عَنَدَ عن الحق و استأثر بالفيء و ترك حكم الكتاب»(1).
و ثورة ابن الاشعث على الحجاج انضمّ اليها الفقهاء و القرّاء و الاتقياء و تعاهدوا «على كتاب اللّه و سنة نبيّه، و على جهاد أهل الضلالة و خلعهم، و جهاد المحلين»(2).
أما ثورة زيد بن علي فكان شعار ثوارها «يا أهل الكوفة اخرجوا من الذلّ الى العزّ، و الى الدين و الدنيا»(3).
و استمرت هذه الروح النضالية حتى بعد العصر الاموي، فتوالت الثورات ضد ظلم بني العباس، و كان محورها و منطلقها أهل بيت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . من ذلك على سبيل المثال ثورة محمد بن ابراهيم بن طباطبا العلوي الحسني على المأمون. كان محمد بن ابراهيم هذا يمشي في بعض طرق الكوفة، إذ نظر الى عجوز تتبع أحمال الرطب، فتلتقط ما يسقط منها فتجمعه فيكساء عليها رثّ، فسألها عما تصنع بذلك، فقالت: إني امرأة لا رجل لي يقوم بموءونتي. و لي بنات لا يَعُدْنَ على أنفسهنّ بشيء، فأنا أتَتَبّع هذا من الطريق و أتقوّته أنا و ولدي . فبكى بكاءً شديداً و قال:
«أنتِ و أشباهُكِ تخرجونني غداً حتى يُسفَكَ دمي، و نَفَذَت بصيرته في الخروج»(4).
من هنا نفهم قدرة الاسلام و دور أهل البيت عليهم‏السلام في صيانة الدين الحنيف و صيانة ما في المجتمع من طاقة روحية لازمة لمسيرته التكاملية.

1 ـ نفس المصدر / 277 .
2 ـ نفس المصدر / 281 .
3 ـ نفس المصدر / 283 .
4 ـ ثورة الحسين / 286 .

 

الحياة العلمية و الثقافية

لم يكن أحد من الخلفاء الامويين يهتمّ بالحركة العلمية و الثقافية سوى ما روي عن عمر بن عبد العزيز خلال مدة حكمه القصيرة، و ما كان ولاتهم بأفضل منهم، لكن الحركة العلمية بفضل نفس عوامل الاستمرار المذكورة آنفا: طبيعة الاسلام و دور أهل البيت عليهم‏السلام ، لم تتوقف، بل تواصلت في العصر الاموي.
و كان من الطبيعي أن ينصبّ الاهتمام بالدرجة الاولى على العلوم المرتبطة بفهم الاسلام من مصدريه الاساسيين: الكتاب و السنّة، و باستنباط الاحكام الفردية و الاجتماعية منهما. و لذلك ظهرت علوم قراءات القرآن و اعرابه و تفسيره و فهم مفرداته، و العلوم المرتبطة برواية الحديث و درايته، و هكذا علوم الفقه. و كان الاهتمام بالادب و السيرة جزءاً من الاهتمام بالقرآن و السنّة.
لقد اشتهر أميرالموءمنين علي عليه‏السلام بين صحابة رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالعلم، و قال عنه الحافظ أبونعيم في حلية الاولياء: «باب مدينة العلم و رأس المخاطبات و مستنبط الاشارات ... و أعظمهم حلماً، و أوفرهم علماً. زينة العارفين، المنبئ عن حقائق التوحيد، صاحب القلب العقول و اللسان السوءول و الاذن الواعي ... ».
و سار على هذا النهج الائمة من أبنائه، فالامام الحسن عليه‏السلام اهتمّ كما يذكر الموءرخون بتدوين العلوم التي تلقّاها في عصر الرسالة عن أبيه و جدّه عليهماالسلام لصيانتها من الضياع.
عن السيوطي في تدريب الراوي أنه كان بين السلف من الصحابة و  التابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثير منهم، و أباحَها طائفةٌ و فعلوها منهم علي و ابنه الحسن.
لإن كان هَمُّ الحسَنَين قد تكرّس في صيانة الاسلام من تلاعب المتلاعبين، فقد توفّرت الفرصة بَعدَهما لنشر حقائق الاسلام و دفع الحركة العلمية. و بدأت هذه الفرصة بعد انفضاح البيت الاموي و توجّه عامّة المسلمين الى آل بيت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، و كان علي بن الحسين زين العابدين عليه‏السلام مثابة الفقهاء و العلماء «و روى عنه الفقهاءُ من العلوم ما لا يُحصى كثرة، و حُفِظ عنه من المواعظ و الأدعية و فضائل القرآن و الحلال و الحرام و المغازي و الايام ما هو مشهور بين العلماء». و ولده محمد بن علي الباقر عليه‏السلام «روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة و وجوهُ التابعين و روءساء فقهاء المسلمين» أما ابنه جعفر بن محمد الصادق عليه‏السلام و هو آخر إمام عاصر الحكم الاموي من أئمة آل البيت عليهم‏السلام ، فقد روى ابن حجر في صواعقه أنه: نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان و انتشر صيته في البلدان. و جمع الحافظ ابن عقدة الزيدي في كتاب رجاله أربعة آلاف رجل من الثقات الذين رووا عن جعفر بن محمد عليه‏السلام فضلاً عن غيرهم و ذكر مصنفاتهم(1)!!

1 ـ انظر اعيان الشيعة في ترجمة الائمة المذكورين.

كل هذا ينبئ بحركة علمية صاخبة في هذا العصر. و أكبر الظن أن الحركة العلمية في مدرسة آل البيت قد استوعبت كلَّ علوم عصرها، لكي يكون لها الموقف الرائد القيادي في جميع المجالات الدينية و الدنيوية، و لعل ما روي عن اشتغال بعض تلاميذ الامام الصادق عليه‏السلام في العلوم الطبيعية، كاشتغال جابر بن حيان في علم الكيمياء ما يدلّ على ذلك.
و حين تمازجت الشعوب المختلفة بعد الفتوحات انصبّ العلم النافع لهذه الشعوب في تيّار الحركة العلمية الاسلامية و أثراها. من ذلك ما أخذه المسلمون من مدرسة جنديسابور في ايران و مدارس الشام و الاسكندرية. و هناك أخبار تدلّ على ترجمة بعض العلوم في هذا العصر من الفارسية و السريانية و اليونانية الى العربية.
و يظهر من كتاب الفهرست أن حركة التدوين نشطت في هذا العصر، فدوّنت التفاسير و الاحاديث و الفقه و الرسائل البليغة و الأشعار و الأنساب و المغازي و مقتل الحسين و ... . و هذه ظاهرة عجيبة! فاللغة العربية التي لم يكن يُحسن الكتابةَ فيها الا بضعةُ أشخاص في بداية ظهور الاسلام أصبحت خلال القرن الهجري الاوّل لغةَ موءلفاتٍ ضخمة في شتى العلوم.
و إذْ أشرنا الى الحركة العلمية التي شهدها هذا العصر في إطار مدرسة أهل البيت، لابدَّ من الاشارة أيضا الى ما شهده المجتمع من حركة ثقافية خارج هذه المدرسة.
فقد ظهر في «الكلام» تيار فكري تزعّمه الحسن البصري(21 ـ 110ه) و تلميذه واصل بن عطاء(80 ـ 131ه ) و من هذا التيار ظهرت مدرسة الاعتزال. و هذه المدرسة أوقعت المسلمين في جدل كلامي لا طائل تحته، و أثارت بلبلة فكريّة كان المسلمون في غنى عنها. و يرى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني صاحب الملل و النحل «انما وقع لهم هذا التحيّر لانّهم ما ارتادوا العلم من بابه، و لم يتعلقوا بذيل أسبابه، فانغلق عليهم الباب، و تقطعت بهم الاسباب و ذهبت بهم المذاهب حيارى ضالّين»(1) و يرى أن هذا الباب هو الائمة من آل بيت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

1 ـ مفاتيح الاسرار ومصابيح الابرار، مخطوط.

و تذكر الاخبار ظهور تيار صوفي في هذا العصر آثر الانعزال عن الحياة الاجتماعية، ظانّاً أنه السبيل الصحيح للنجاة من المفاسد و المحرمات، و منهم طاووس اليماني و ابراهيم بن أدهم و محمد بن المنكدر، و يروى أن هذا الاخير رأى الامام الباقر عليه‏السلام في حرّ الظهيرة يعمل على أرض في ضواحي المدينة و يتصبب عرقاً فقال له: أصلحك الله ، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا. كيف بك لو جاء الموت و أنت على هذا الحال؟! فأجابه الامام الباقر عليه‏السلام : لو جاءني الموت و أنا على هذه الحال جاءني و أنا في طاعة من طاعات اللّه، أكفّ بها نفسي عنك و عن الناس . و إنما كنت أخاف الموت لو جاءني و أنا على معصية من معاصي اللّه. فقال ابن المنكدر: يرحمك اللّه أردت ان أعظك فوعظتني(1).

1 ـ اعيان الشيعة، م 1 / 652 .

 
الانصهار العرقي

كانت الذهنية السائدة في القبيلة الاموية الحاكمة تقوم على أساس قبلي عنصري، فهم إضافة الى إثارتهم صراعاً قبليا في المجتمع الاسلامي، حاولوا أيضا إثارة نزاع عنصري بين العرب و الموالي، و شجعوا مظاهر احتقار غير العرب و امتهانهم و فصلهم عن العرب و عزلهم عن المسوءوليات القيادية، بل حتى عن المسوءوليات العلمية، بل بلغ بهم الامر أن يفكروا في إبادتهم.
جاء في العقد الفريد أن معاوية دعا الاحنف بن قيس و سَمُرة بن جنُدب، فقال: إني رأيت هذه الحمراء (الموالي) قد كَثُرت ، و أراها قد طعنت على السلف، و كأني أنظر الى وثبة منهم على العرب و السلطان، فقد رأيت أن أقتل شطراً، و أدع شطراً لاقامة السوق و عمارة الطريق...»(1).
بهذه العقلية كان يتعامل موءسس الدولة الاموية مع غير العرب. و كان أصحاب هذا اللون من التفكير يتميزون غيظاً من هذه المساواة التي أعلنها الاسلام بين المسلمين، و من التقدم الذي أحرزه غير العرب في علوم الاسلام. يروي صاحب العقد الفريد حواراً دار بين ابن أبي ليلى و واحد من الامراء المتعصبين، إذ سأله:

ـ من كان فقيه البصرة؟
ـ الحسن بن أبي الحسن.
ـ ثم من؟
ـ محمد بن سيرين.
ـ فما هما؟
ـ موليان.
ـ فمن فقيه مكة؟
ـ عطاء بن أبيرباح و مجاهد بن جبر و سعيد بن جبير، و سليمان بن يسار.
ـ فما هوءلاء؟
ـ موالي.

فتغيّر لونه ثم قال: من أفقه أهل قباء؟

ـ ربيعة الرأي، و ابن أبي الزناد.
ـ فما كانا؟
ـ من الموالي.

1 ـ العقد الفريد 3 / 361 .

فاربدّ وجهه ثم قال:

ـ من كان فقيهَ اليمن؟
ـ طاووس، و ابنــه و همام بن منبه.
ـ فماهوءلاء؟
ـ من الموالي.

فانتفخت أوداجه فانتصب قاعداً، ثم قال:

ـ فمن كان فقيه خراسان؟
ـ عطاء بن عبد اللــه الخراســاني.
ـ فما كان عطاء هذا؟
ـ مولى.

يقول الراوي: فازداد وجهه تربُّدا و اسودّ اسوداداً حتى خفتُه، ثم قال:

ـ فمن كان فقيه الشام؟
ـ مكحول .
ـ فما مكحول هذا؟
ـ مولى.

فازداد تغيّظاً و حَنقاً، ثم قال:

ـ فمن فقيه الجزيرة؟
ـ ميمون بن مِهران.
ـ فما كان؟
ـ مولى.

قال: فتنفس الصعداء ثم قال:
ـ فمن كان فقيه الكوفة؟ قلت: فو اللّه لولا خوفه لقلت: الحكم بن عيينة، و عمار بن أبي سليمان، و لكن رأيت فيه الشرّ، فقلت: ابراهيم و الشعبي. قال:
فما كانا؟ قلت: عربيان. قال: اللّه اكبر! و سكن جأشه(1).
و الرواية، إضافة الى دلالتها على عصبية الامير، تدل من جهة أخرى على المكانة العلمية التي تمتع بها الموالي في المجتمع الاسلامي، بفضل تعاليم الاسلام و قدرته على تفجير الطاقات الكامنة في هوءلاء الموالي، و معظمهم من الايرانيين، بعد أن حرّرهم من سيطرة الطواغيت.
و من مظاهر الامتزاج العرقي بين العرب و الايرانيين بشكل خاص شيوع اللغتين العربية و الفارسية في المجتمعات الاسلامية، و ممّا يدلّ على شيوع الفارسية في البصرة على سبيل المثال ما يروى من أن يزيد بن مفرّغ حين هجا أسرة عبيد اللّه بن زياد في ولايته عليها سقاه نبيذاً و حمله على دابة و أمر أن يُطاف به في الشوارع. فتجمّع حوله الصغار يسألونه بالفارسية: اين چيست؟ فكان يجيبهم:

آب اســت نبيذ اســت                                                                                     عصارات زبيب است

سُميــّه روسپـيــد اســـت(2)

و من مظاهر هذا الامتزاج التزواج بين العرب و الايرانيين، و هجرة القبائل العربية الى ايران عامة و خراسان بشكل خاص، و هجرة الايرانيين الى الجزيرة العربية و خاصة مكة و المدينة. و اهتمام الايرانيين باللغة العربية، و شيوعها بينهم حتى نبغ منهم الكتاب و الشعراء و الموءلفون في العلوم العربية المختلفة. و من مظاهر هذا الامتزاج أيضا شيوع المفردات الفارسية في اللغة العربية حتى وردت في شعر جرير و الفرزدق.

1 ـ العقد الفريد 3 / 363 ـ 364 .
2 ـ آب: تعني ماء، و سميّه روسپيد است: أي سميّة فاجرة.

و كان حماة الدين في سلوكهم يحاولون إزالة الفواصل بين الشعوب المسلمة، و ترسيخ مفهوم: إن أكرمكم عند الله اتقاكم(1) و محاربة التمييز العنصري. يروى أنه «كان لمعاوية عين بالمدينة يكتب اليه بما يكون من أمور الناس، فكتب اليه أن الحسين بن علي أعتق جارية له و تزوّجها. فكتب معاوية الى الحسين: من أميرالموءمنين معاوية الى الحسين بن علي. أما بعد، فانه بلغني أنك تزوّجت جاريتك، و تركت أكفاءك من قريش من تستنجبه للولد، و تُمجَّد به في الصهر، فلا لنفسك نظرت و لا لولدك انتقيت. فكتب اليه الحسين عليه‏السلام :
أما بعد، فقد بلغني كتابك و تعييرك إياي بأني تزوّجت مولاتي و تركت أكفائي من قريش. فليس فوق رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله منتهى في شرف، و لا غاية في نسب، و إنما كانت ملك يميني خرجت عن يدي بأمر التمست فيه ثواب الله، ثم ارتجعتها على سُنّة نبيّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . و قد رفع اللّه بالاسلام الخسيسةَ، و وضع عنّا به النقيصةَ، فلا لومَ على امرئ مسلمٍ الاّ في أمرِ مأثمٍ، و إنما اللوم لوم الجاهلية.
فلما قرأ معاوية كتابه نبذه الى يزيد فقرأه، و قال: لَشَدَّما فخر عليك الحسين. قال: لا، و لكنها ألسنة بني هاشم الحِداد التي تفلق الصخر و تغرف من البحر»(2).

1 ـ الحجرات / 13 .
2 ـ أعيان الشيعة 1/583 .