العصبيات القبلية أدّت الى اشتعال نيران الهجاء بين القبائل العربية، و تحول شعر
الهجاء الى نقائض. فينظم شاعر قبيلة قصيدة يفخر بقبيلته، و يذكر أمجادها و يتعرض
لخصومها من القبائل الاخرى، فيتصدى له شاعر من قبائل الخصوم و يردّ عليه بنقيضة، أي
بقصيدة على نفس الوزن و القافية، ينقض فيها أدلة خصمه و يحاول أن يتغلب عليه في
المناظرة و الفن الشعري. و أشهر شعراء النقائض جرير و الفرزدق و الاخطل.
* ـ انظر جرير لجميل سلطان؛ وجرير بن عطية، محمد ابراهيم جمعة؛ وجرير لخليل مردم.
جرير بن عطية، شاعر من كُليب، إحدى فروع قبيلة يَرْبوع التميمية، و هي قبيلة فقيرة بالنسبة لغيرها من القبائل التميمية، ولم يكن لها مفاخر البذل و الاحسان، لذلك لم يعتزّ جرير بآبائه و بقبيلته كما فعل الفرزدق. و أدّى به هذا الى أن يعيش مدافعاً عن قبيلة أخرى غير قبيلته هي قيس و أدّى به الى الابتعاد عن العصبية القومية، فمدح غير العرب، كقوله:(١)
و أبناءُ إسحاقَ الليوثُ إذا ارتدوا
محامِلَ موتٍ لابسين السنوَّرا
و يَجمَعُنا و الغُرَّ أولادَ سارَةٍ
أبٌ لانُبالي بعدَه من تعذَّرا
كماأنابتعادهعنالعصبيةالقبليةوالقومية خلق فيه عفّة و رفعة. يروى أن الفرزدقرأىجريراًمُحرماً،فقال:واللهلأفسدنّعليهحجّهفأقبلعليهو قال:
و إنك لاق بالمشاعر من منى فَخارا فخبّرني بمن أنت فاخِرُ
فقال جرير: لبيك اللهم لبيك، و لم يُجبه.
و لعلّ عفة جرير هي التي جعلت الخليفة عمر بن عبد العزيز يفتح بابه أمام هذا الشاعر
دون غيره من الشعراء، فمدحه لعدله ، و ممّا قال فيه:(٢)
إن الذي بعثَ النبيَّ محمدا
جعلَ الخلافةَ في الامام العادل
و لقد نفعت بما منَعت تحرُّجا
مَكْسَ العُشور على جسور الساحِلِ
ولكنّ جريراً مع ذلك لم يكن ملتزماً بموقف عقيدي معيّن تجاه تيارات مجتمعه، بل كانت الظروف هي التي تدفعه الى مدح الخلفاء الامويين و ولاتهم، و لانعتقد أنه كان متشيعاً لبني أمية على نحو ما كان يتشيّع شعراء الشيعة لآل البيت عليهمالسلام كما ذهب الى ذلك بعض الباحثين(٣)، و لا أدلّ على ذلك من ميله الى ابن الزبير في ثورته على الامويين. حتى ان بشر بن مروان حين ولي على العراق بعد القضاء على ابن الزبير يبعد جريراً عنه و يدعو الشعراء الى هجائه، و كأنه يراه شاعر خصومه.
١ ـ الديوان / ٢٦٤ ـ ٢٦٥ ط دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٤١٥ه . وابناء
اسحاق: الفرس والسنوّر: الدروع والسلاح.
٢ ـ الديوان / ٤٥٥ .
٣ ـ شوقي ضيف، التطور والتجديد في العصر الاموي / ١٥٦، ومابعدها ط ٩ دار المعارف،
مصر.
غير أن بطش الامويين و شراءهم الذمم جعلا جريراً يمدح بشراً، بل أصبح بعد ذلك
شاعر الحجاج بن يوسف، و شاعر عبدالملك و أبنائه، يصفهم بما يوصف به أئمة الهدى و
أعلام الدين، و يصف أعداءهم بأنّهم مبتدعون:
يا آل مروان ان اللّه فضلكم فضلاًعظيماً على من دينُهُ البِدَعُ(١)
و لجرير نقائض مع الفرزدق(٢)، فقد ظلاّ يتهاجيان نحو خمسة و أربعين عاماً، كان جرير
فيها يدافع عن القيسية و الفرزدق عن عشيرته مُجاشع التميمية.
أبو فراس، همام بن غالب بن صعصعة من قبيلة مجاشع التميمية. و قبيلته ذات مفاخر و
مآثر و جدّه عرف بأنه يحيي المووءودات، لانه كان في الجاهلية يفدي كل فتاة يبلغه أن
أهلها يريدون أن يئدوها، و أشاد الفرزدق بهذه المكرمة في شعره كثيراً:
أبي أحدُ الغيثين صعصعة الذي متى تُخْلف الجوزاء والنجمُ يَمْطرُ
أجار بناتِ الوائدين ومَن يُجِر على القَبر يُعْلَمْ أنه غير مُخْفِرِ
و والد الفرزدق غالب كان في الاسلام من الأجواد المشهورين ممّا جعله يعتدّ بعشيرته
و قبيلته.
١ ـ الديوان / ٣٨٨ .
٢ ـ انظر: نقائض جرير والفرزدق، طبعة لندن والقاهرة.
٣ ـ انظر: عمر فروخ، شعراء البلاط الاموي؛ ومحمد محمد حسين، الهجاء والهجاوءون.
ولد قرب البصرة حوالي سنة ٢٠ ه ، و كان يهاجي شعراء قومه و هو غلام في خلافة
عثمان، و يروى أن والده قدّمه الى الامام أميرالموءمنين علي بن أبي طالب
عليهالسلام بعد واقعة الجمل سنة ٣٦ه ، و قال له: إن ابني شاعر، فنصحه أن يحفظ
القرآن. و عمل الفرزدق بنصحية الامام و قيّد نفسه بقيد من حديد و لم ينزعه
الاّ بعد أن حفظ القرآن.
و يرى بعض الباحثين أن الفرزدق نشأ على حبّ آل البيت و على الاعتقاد بحقهم في
الخلافة، و لكنه كان يتظاهر بغير ما يعتقد حرصاً على التكسب(١) . و يوءيد ذلك ما
يروى أن هشام بن عبد الملك حجّ في خلافة أخيه الوليد و معه روءساء أهل الشام، فجهد
ليستلم الحجر الاسود فلم يقدر من ازدحام الناس. فنُصب له منبر فجلس عليه ينظر الى
الناس. و أقبل الامام زين العابدين علي بن الحسين عليهالسلام ، فلما بلغ الحجر
تنحّى الناس كلهم و أخلوا له الحجر ليستلمه هيبةً و اجلالاً له. فقال رجل لهشام: من
هذا أصلح اللّه الامير؟ قال: لا أعرفه، و كان به عارفاً. فقال الفرزدق و كان
حاضراً: أنا أعرفه. ثم قال:
هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأتَـه
و البيت يعرفه و الحِلّ و الحرم(٢)
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجدّه أنبياء اللّه قد خُتمو
و ليس قولك: من هذا؟ بضائره
العُربُ تعرفُ من أنكرت و العجم
ما قال: لا، قطّ إلاّ في تشهّده
لولا التشهّد كانت لاءه نعمُ
يغضي حياء و يُغضى من مهابته
فما يُكلّم الاّ حين يبتسم
يكادُ يُمسكه ـ عرفان راحته ـ
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم(٣)
ينشق ثوب الدجى عن نور غرّته
كالشمستنجاب عنإشراقها الظُلَم
من معشر حبّهم دين و بغضهم
كفر و قربهم مَنجى و معتَصم
١ ـ عمر فروخ، تاريخ الادب العربي ١/٦٥١ .
٢ ـ البطحاء: أرض مكة.
٣ ـ ركن الحطيم: ركن الحجر الاسود.
غير أن بعض الباحثين يشككون في تشيعه و في نسبة مدح زين العابدين اليه(١) مستشهدين بمدحه لفسّاق بني أمية، كقوله في يزيد بن عبد الملك:
و لو كان بعد المصطفى من عباده
نبيٌّ لهم منهم لأمر العزائم
لكنت الذي يختاره اللّه بعده
لحمل الامانات الثقال العظائم
و يستشهدون أيضا بما روي عن فسق الشاعر و شربه الخمر التي حرّمها الاسلام و
بتعصّبه الشديد لقبيلته.
و في رأينا أن الولاء لعلي و لآل بيت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله كان عامّاً
بين المسلمين، في زمن الرسول و بعد وفاته، الا الشام فقد كان ولاوءها مع بني أمية
لأسباب تاريخية. و بعد استشهاد الحسين بن علي عليهالسلام ، انفضح البيت الاموي في
الشام أيضا، و أصبح الولاء لآل البيت يمتدّ من خراسان حتى المغرب الاقصى. و لذلك
فلا عجب أن يكون الفرزدق ـ مع ما يروى عن عبثه و مدحه الفسقة ـ ممن يحمل الولاء لآل
البيت و يهبّ للدفاع عنهم حين يواجه موقفاً كالذي تذكره رواية مدحه لزين العابدين
عليهالسلام . غير أن روايات عبث الفرزدق و فجوره ـ لو صحّت ـ تدل على أنه ليس من
خواص شيعة أهل البيت الذين كانوا رساليين في كل تصرّفاتهم و سلوكهم.
١ ـ شوقي ضيف، العصر الاسلامي / ٢٧٣ .
و الفرزدق في نظر النقاد شاعر مقتدر، ألفاظه جَزلة فخمة كثيرة الغريب. هذه
الالفاظ تبلغ في ديوان الفرزدق نحو أربعين الفا، و قد عدّه اللغويون أحد مصادر
اللغة حتى قالوا: «لولا شعره لذهب ثلث لغة العرب». و لذلك يكثر الاستشهاد بشعره في
كتب اللغويين و النحاة، و هكذا في كتب التاريخ و الاخبار، لحديثه عن أيام العرب حتى
قالوا: «لولا شعره لذهب نصف أخبار الناس».
و يتفوق الفرزدق على جرير و الاخطل في الفخر، فقد بلغ فيه الغاية القصوى كقوله:
و كنّا إذا الجبّار صعّر خدَّه ضربناه حتى تستقيم الاخادعُ
هو غياث بن غوث، من قبيلة تغلب. و قبيلة تغلب كانت على عداء مستمر مع قبيلة قيس،
لأن تغلب وقفت الى جانب مروان بن الحكم في حربه ضد ابن الزبير، و قيس ناصرت ابن
الزبير، و انتصر مروان في واقعه «مرج راهط» و نجم عن ذلك عداء و حروب بين القبيلتين
شارك الاخطل فيها بسيفه و لسانه.
كان الاخطل نصرانياً، و نصرانيته هي التي وفّرت له فرصة الدخول في البلاط الاموي .
لأن يزيد بن معاوية كان يتحيّن الفرص للانتقام من خيار الصحابة و أتقيائهم و خاصة
الانصار الذين وقفوا الى جانب علي في حربه مع معاوية. و أراد أن يجنّد الشعر
لهجائهم، فطلب من كعب بن جَعيل، في زمن خلافة أبيه معاوية، أن يهجو الانصار. فقال
كعب: «أرادّي أنت الى الاشراك بعد الايمان، لا أهجو قوماً نصروا رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله ، و لكني أدلك على غلام منّا نصراني، كأن لسانه لسان ثور، يعني
الاخطل» فهجا الاخطل الانصار و ممّا قاله:
خلّوا المكارم لستمُ من أهلها
و خذوا مساحيكم بني النجار
إن الفوارس يعرفون ظهوركم
أولاد كلّ مقبَّح أكّار
ذهبت قريش بالمكارم كلّها و اللوءم تحت عمائم الانصار
١ ـ انظر مصادر ترجمته في : تاريخ التراث العربي ٣/٧ وما بعدها.
و أصبح الاخطل مقرّباً الى يزيد يسامره و يشرب معه الخمر و يشاركه في أكل
الخنانيص (جمع خنوص: ولد الخنزير) بدار ابن سرجون كاتب المال في عهد معاوية. و كان
مقرّباً أيضا الى عبدالملك بن مروان، يدخل عليه بغير إذن، و في عنقه الصليب و لحيته
تقطر خمراً.
أكثر الاخطل من مدح الامويين و تفضيل البيت الاموي على بيت رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله :
تمّت جدودهم و اللّه فضلهم
و جَدُّ قوم سواهم خامل نَكِدُ
و أنتم أهل بيت لايوازنهم
بيت إذا عدّت الاحساب و العدد
و يشيد بالامويين لأنهم ثأروا لمقتل عثمان في صفين:
و يوم صفين و الابصارُ خاشعة
أمدهم ـ اذ دعوا ـ من ربهم مدَدُ
على الأُلى قتلوا عثمان مظلمة
لم يَنهَهَم نَشَدٌ عنه و قد نُشِدوا(١)
١ ـ الديوان / ٤٦ ومابعدها.