النثر الفني في صدر الاسلام(١)

كثرت دواعي غزارة النثر الفني في هذا العصر، منها الدعوة الى دين الله بالحكمة و الموعظة الحسنة، و منها استنهاض المسلمين للجهاد و نشر رسالة الدين المبين، و منها الدفاع عن المواقف الفكرية و السياسية المختلفة، و كل تلك الاغراض تطلبت كلاما يخاطب العقل و العاطفة معا. فكثرت الخطب و المواعظ و الرسائل و الوصايا متأثرة بالقرآن أسلوبا و محتوى.
و نقلت لنا نماذج منها كتب التاريخ و الادب مثل: البيان و التبيين للجاحظ، و تاريخ الامم و الملوك للطبري، و مروج الذهب للمسعودي، و العقد الفريد لابن عبد ربّه، و بلاغات النساء لاحمد بن طيفور المروزي، نستعرض بعضها، ثم نقف عند «نهج البلاغة» لاميرالموءمنين علي بن أبيطالب عليه‏السلام لأسباب سنذكرها.

١ ـ انظر: السيد محسن الامين العاملي، أعيان الشيعة؛ ود. أحمد محمد الحوفي، فن الخطابة؛ وشوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي؛ واحمد زكي صفوت، جمهرة خطب العرب، وجمهرة رسائل العرب.

نبدأ بمقتطفات من خطبة شهيرة ألقتها أشبه الناس برسول الله خَلقا و أخلاقا و فصاحة، بضعته فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، قالت فيها عن البعثة النبوية المباركة:
«ابتعثه الله تعالى إماما لأمره، و عزيمةً على إمضاء حكمه، و إنفاذا لمقادير حَتْمه، فرأى الأمم فِرَقا في أديانها، عُكَّفا على نيرانها، عابدةً لأوثانها، و منكرةً للّه مع عرفانها، فأنار الله تعالى بأبي محمدظُلَمَها، و كشف عن القلوب بُهَمَها، و جلّى عن الابصار غُمَمَها(١)، و قام في الناسِ بالهداية، و أنقذهم من الغواية، و بصّرهم من العَماية، و هداهم الى الدين القويم، و دعاهم الى الصراط المستقيم، ثم قبضه الله اليه قبضَ رأفةٍ و اختيار، و رغبة و إيثار، فمحمد عن تعب هذه الدار في راحة، قد حُفّ بالملائكة الابرار، و رضوان الربّ الغفّار، و مجاورة الملك الجبّار، صلّى الله على أبي نبيّه، و أمينه على وحيه و صفيّه، و خيرته من الخلق و رضيّه، و السلام عليه و رحمة الله و بركاته ... ».
ثم قالت متحدثة عن وضع العرب قبل البعثة، و جهاد الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و أخيه علي في تواطيد دعائم الدين المبين:
«كنتم على شفا حفرة من النار، مَذقة(٢) الشارب، و نُهزة(٣) الطامع، و قَبسة العجلان(٤)، و موطئ الأقدام، تشربون الطَرقَ(٥) و تقتاتون القَدّ(٦)، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك و تعالى بأبي محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعد اللُّتيا و التي، و بعد أن مني بِبُهَم الرجال و ذوءبان العرب و مردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله(٧) أو نَجَمَ قرن للشيطان، أو فَغَرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها، فلاينكفئ حتى يطأ صِماخَها بأخمصه(١) ، و يخمد لهبها بسيفه، مكدودا في ذات الله، مجتهدا في أمر الله، قريبا من رسول الله، سيدا في أولياء الله ... ».

١ ـ البُهَم: جمع البُهمة و هي الشبهة و الغموض. الغُمَمَ: جمع الغُمّة و هي الحيرة واللبس.
٢ ـ المَذقة: الشربة من اللبن الممزوج بالماء (الرديء).
٣ ـ نُهزة: فرصة، أي كنتم صيدا لكل طامع.
٤ ـ القَبسة: المرة‏من قبَسَ أيأخذ شعلة،وقبسة‏العجلان: مثل‏فيالاستعجال،أيكنتم معرضا للاستثمار.
٥ ـ الطرق: الماء الكدر.
٦ ـ القَدّ: جلد السخلة، و المقصود الرديء من الطعام.
٧ ـ المائدة / ٦٤ .

و ختمت خطبتها بأن عطفت على قبر النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و قالت:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة                                                 لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الارض وابلَها                                            و غاب مذ غبت عنّا الوحي و الكتب(٢)

و الخطبة استهدفت قوة التأثير، و استخدمت لذلك أنواع فنون التعبير الادبي. فيها التضمين القرآني، و المحسنات البيانية كالمجاز و التشبيه و الاستعارة و الجناس و الطباق في غير تكلف و لا تصنّع. و التزمت الخطبة ألوان السجع، على أنها أيضا فصيحة اللفظ مطردة الاغراض و المقاصد اطرادا منطقيا واضحا، و هي نفس خصائص الاسلوب القرآني كما مرّ بنا سالفاً.

نهج البلاغة(٣)

١ ـ أي يخمد نارها.
٢ ـ ورد هذان البيتان بألفاظ مختلفة في العقد الفريد و تاج العروس، و الشافي للمرتضى، انظر أعيان الشيعة ١ / ٣١٨ و في الاعيان مصادر الخطبة و الردّ على من شكك في صحتها.
٣ ـ انظر: عمر فروخ، نهج البلاغة؛ و محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة؛ و أحمد تيمور، علي بن أبي طالب، شعره و حكمه.

نهج البلاغة كتاب جمعه الشريف الرضي محمد بن أبي أحمد الحسين الهاشمي العلوي(ت ٤٠٤ ه) و اختاره و انتخبه من كلام أمير الموءمنين علي بن أبي طالب، و يدور على ثلاثة أقطاب، أولها: الخطب و الاوامر، ثانيها: الكتب و الرسائل، ثالثها: الحكم والمواعظ، و أهمّ موضوعاته:
 

١ـ التربية الدينية العامة

لا شك أن اهتمام الامام انصبّ في حياته عامة و بعد عصر النبوة خاصة على تربية الامة و شدّها بالله و تذكيرها باليوم الآخر، فهي مهمة الامامة الاولى. و في النهج فقرات منقطعة النظير في وصف الله سبحانه و نبيه الكريم و في تحليل عالم الفناء و تصوير ما وراء هذه الحياة. و هذه الموضوعات ـ و إن لم تكن جديدة ـ و لكن الامام خلع عليها من الجلال و الرونق ما يثير دهشة الناقد و إعجابه كما يقول الدكتور محمد مهدي البصير(١).
و أفضل مثال على هذا اللون من كلام علي عليه‏السلام الخطبة الاولى في نهج البلاغة(٢)، و الخطبة التي القاها بعد تلاوة الهاكم التكاثر(٣):

١ ـ عصر القرآن / ٣٥ .
٢ ـ الكلمة رقم ٢٢١ حسب تسلسل صبحي الصالح.
٣ ـ نهج البلاغة ، شرح محمد عبده / ٤١٥ ـ ٤١٦ و الآية ١ من سورة التكاثر.

«يا لَه مَراما ما أبعدَه! و زَورا ما أغفله! و خطراً ما أفظعَه! لقد استَخلَوا منهم أيّ مُدَّكِرٍ و تناوشوهم من مكان بعيد! أفبمصارع آبائهم يفخرون؟! أم بعديد الهلكى يتكاثرون؟! يَرتَجعون منهم أجسادا خوت، و حركات سكنت، و لأن يكونوا عِبَرا أحقّ من أن يكونوا مُفتَخراً، و لأَن يهبطوا بهم جَناب ذِلّة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزّة! لقد نظروا اليهم بأبصار العَشوة و ضربوا منهم في غمرة جهالة، و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، و الربوع الخالية، لقالت: ذهبوا في الارضِ ضُلاّلاً، و ذهبتم في أعقابهم جُهّالا، تطأون في هامهم، و تَستَنبِتون في أجسادهم، و تَرتَعون فيما لَفَظوا، و تسكنون فيما خَرّبوا، و إنّما الأيام بينكم و بينهم بواكٍ و نوائِحُ عليكم...»(١).
و علق الناقد الدكتور البصير على هذه الخطبة بالقول:
«إننا نستطيع أن نقول في وصف هذه الخطبة انها فصيحة الالفاظ، قصيرة الجمل، كثيرة المجاز و الطباق، عامرة بالاستعارات و التشابيه، على أنها بريئة كل البراءة من التعمّل و التكلّف، و لكن قد تجتمع هذه العناصر كلها في كلام دون أن تكسبه هذه الروعة التي نجدها في هذه الخطبة؛ و ذلك هو فيض العبقرية الذي يقصر عنه النقد، و لايحيط به التحليل ... »(٢).
 

٢ـ تربية الولاة والحكّام

هذا موضوع يكاد ينفرد به الامام، و يمثل قمة من قمم فكر الاسلام و نهجه الحضاري في مجال الحكم و الادارة. و لأهمية دور الحاكم في سلامة المسيرة الاجتماعية يشدّد الامام في عهوده الى ولاته على كسر ذاتياتهم الضيقة، و الذوبان في ذات الله، و الانغمار في الخدمة الاجتماعية، و يحذرهم من الظلم و الطغيان، و الاستئثار، و الافراط و التفريط. و أروع مثال على ذلك كتابه للاشتر النخعي لما ولاه على مصر و أعمالها(٣).

١ ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبده / ٤١٥ ـ ٤١٦ .
٢ ـ عصر القرآن / ٣٥ ـ ٣٦ .
٣ ـ الكتاب ٥٣ من نهج البلاغة.

 

٣ ـ الشكوى و العتاب

من الطبيعي أن يَكثر في كلام علي النقد و التعريض و الشكوى و العتاب، فالظروف التي تلت وفاة الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد عاكسته. لقد كان يشعر بالألم مما يراه من انحرافات بدأت بالظهور في المجتمع الاسلامي ثم من الفتن التي برزت في عصر خلافته.
و في الخطبة المعروفة بالشقشقية(١) و غيرها من الخطب(٢) يتحدث عن صبره على ما رآه من انحراف في المجتمع الاسلامي بعد وفاةالنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :
 

٤ـ الوصف

يمثل الوصف أروع جانب أدبي في نهج البلاغة. و الامام في وصفه يتحرى الدقة و الجمال و التأثير. و خطب الوصف «تبوّيء عليّاً ذروة لاتسامى بين عباقرة الوصافين في القديم و الحديث» كما يقول الدكتور صبحي الصالح(٣).

١ ـ الخطبة الثالثة في نهج البلاغة.
٢ ـ انظر الخطبة الخامسة والخطبة ٢٧ من نهج البلاغة.
٣ ـ مقدمة نهج البلاغة / ١٢ .
٤ ـ الخطبة ١٩٣ من نهج البلاغة.

يصف المتقين وصفا يصقع له همام صعقة كانت نفسه فيها، و يبين في خطبته(٤) فضائل المتقين: منطقهم، و ملبسهم، و مشيهم، و أبصارهم، و أسماعهم، و خشيتهم، و سلوكهم، و قيام ليلهم، و علاماتهم.
و يصف المنافقين بدقّة متناهية تستوعب كل خصالهم العملية و النفسية(١).
على أن المهم في أدب الامام عليه‏السلام تصويره الحسيات ـ كما يقول الدكتور صبحي الصالح(٢) ـ و قد اشتمل كلامه على أوصاف عجيبة لبعض المخلوقات كما في تصويره البارع للنملة و الجرادة و الطاووس.

١ ـ الخطبة ١٩٤ من نهج البلاغة.
٢ ـ مقدمة نهج البلاغة / ١٢ .