الشعر في عصر صدر الاسلام

القرآن والشعر*

جاء في الكتاب العزيز قوله سبحانه: والشعراءُ يَـتَّبعهُم الغاوون * ألم تَـرَ أَنـّهم في كُلّ وادٍ يَهيمون * و أَنـّهم يَـقُولون ما لا يفعلون * إلاّ الذينَ آمَنوا و عَمِلوا الصالحات.(١)
فما هو موقف القرآن من الشعر؟
قال قوم: إن الاسلام حطّ من الشعر وقلّل من قيمته.
و قال الأصمعي: إن الشعر نكد بابه الشرّ.
و يرفض أبو هلال العسكري ذلك و يقول حول الآية الكريمة المذكورة: ... و استثناء اللّه عزّ و جلّ في أمر الشعراء: الا الذين آمنوا و عملوا الصالحات يدل على أن المذموم من الشعر إنما هو المعدول من جهة الصواب الى الخطأ، و المصروف من وجهة الانصاف و العدل الى الظلم و الجور، و اذا ارتفعت هذه الصفات ارتفع الذمّ. و لو كان الذمّ لازماً لكونه شعراً لما جاز أن يزول على حال من الاحوال(٢).

* ـ انظر: د. سامي مكي العاني ، الاسلام والشعر، ودراسات في الادب الاسلامي؛ ود. محمد عبد المنعم خفاجي، الحياة الادبية في عصر صدر الاسلام؛ ويحيى الجبوري، شعر المخضرمين وأثر الاسلام فيه.
١ ـ الشعراء / ٢٢٤ ـ ٢٢٧ .
٢ ـ كتاب الصناعتين / ١٣٢ .

و الواقع أن القرآن نهى عن الشعر الذي يستثير الحزازات القبلية و  الصراعات الجاهلية، و وقف منه موقفاً متشدداً. أما الشعر الذي لايتعارض مع أهداف الدعوة فلم ينه عنه، بل شجّع الشعراء الذين ينهضون لخدمة هذه الأهداف.
و استعرض صاحب الغدير موقف الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و أهل بيته من الصالح من الشعر، و ذكر أن الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان ينشد الشعر، و يستنشده، و يجيز عليه، و يرتاح له، و يكرم الشاعر متى ما وجد في شعره صلاحاً(١).
و يبقى السوءال عن الشعر في صدر الاسلام، هل لانَ و ضَعُف بسبب انشغال الناس بالقرآن؟
يقول ابن خلدون: انصرف العرب عن الشعر أول الاسلام، بما شغلهم من أمر الدين و النبوة و الوحي، و ما أدهشهم في أسلوب القرآن و نظمه، فأخرسوا عن ذلك و سكتوا عن الخوض في النظم و النثر زماناً(٢).
لكن الحجم الضخم من النتاج الادبي المنظوم و المنثور الذي وصل الينا من عصر صدر الاسلام يثبت خلاف ماذهب اليه ابن خلدون، رغم أن أكثره قد ضاع بسبب مقتل الرواة أو أنه أُهمل بسبب طعنه بالدين و الرسول.
صحيح أن المسلمين شغلوا بأمر الدعوة و القرآن، لكن حوافز الصراع بين المشركين و المسلمين أدّت الى نشاط الشعر و الخطب. و راحت قريش تشهر سلاح الشعر بوجه الاسلام بعد أن كانت قليلة الشعر في الجاهلية. و الذي قلل شعر قريش في الجاهلية أنه لم يكن بينها و بين القبائل نزاع و حروب كما يقول ابن سلام(٣).

١ ـ انظر: الاميني، عبد الحسين، الغدير في الكتاب والسنّة والادب ٢/٢ ومابعدها.
٢ ـ مقدمة ابن خلدون / ٥٨١، ط موءسسة الاعلمي، بيروت .
٣ ـ طبقات الشعراء / ٦٥، ط بريل، ليدن ١٩١٣ .


كبار الشعراء في هذا العصر
حسّان بن ثابت(١)

من قبيلة الخزرج، و كان قبل الاسلام لسان قومه في حروبهم مع قبيلة الاوس و تردّد على بلاط الغساسنة في الشام و المناذرة في الحيرة. و بعد هجرة الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى المدينة دخل حسّان في الاسلام، و جنّد شعره للدفاع عن الدين الحنيف و نبيّه و الردّ على شعراء قريش. و يروى أن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يحثّه على ذلك و يدعو له بقوله: «اللهم أيده بروح القدس». و روي عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قوله: «أمرت عبد اللّه بن رواحة بهجاء قريش فقال و أحسن، و أمرت كعب بن مالك فقال و أحسن، و أمرت حسّان بن ثابت فشفي و اشتفى».
كان حسّان يهجو المشركين بمنطقهم، فلا يقذعهم بالكفر و عبادة الاوثان، بل بالايام التي هُزموا فيها و يعيّرهم بالمثالب و الانساب. و يروى أن رسول‏اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال له: «اذهب الى أبى بكر فليحدثك حديث القوم و أيامهم و أحسابهم، ثم اهجهم وجبريل معك».
و عن أبي عبيدة أن حسّان فُـضِّل على الشعراء بثلاث: كان شاعر الانصار، و شاعر النبي في أيامه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و شاعر اليمن كلّها في الاسلام.

١ ـ انظر: عبد المجيد هندي، عميد مدرسة الشعر الاسلامي حسان بن ثابت؛ احسان النص، حسان بن ثابت حياته وشعره ، عبد الحليم خلدون الكناني، حسان بن ثابت.

كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يضع له منبراً في مسجده الشريف يقوم عليه قائماً يصعّد معنويات المسلمين بشعره و الرسول يقول: «إن اللّه يوءيد حسّان بروح القدس ما نافح أو فاخَـرَ عن رسول اللّه».
لقد أوتي حسّان من قوّة البيان ما استطاع أن يدافع عن النبي بلسانه، لكنه لم يوءت ـ كما يروى ـ قوة معنوية للدفاع عن الدين بسيفه. يقول ابن الاثير: إنه كان من أجبن الناس. و يروي الوطواط عن ابن قتيبة في كتاب «المعارف»: انه لم يشهد مع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مشهداً قط(١). و لعل ذلك يعود الى ما في الشاعر من خصلة حبّ السلامة و العافية، و لعل هذه الخصلة هي التي أدت بحسان الى أن يلتحق بمعاوية في نزاعه مع علي كما يروى.
يسلك حسّان في المعمّرين، و يقال انه عاش في الجاهلية ستين عاماً و في الاسلام ستين عاماً، و قيل انه توفي قبل الاربعين للهجرة، و قيل سنة خمسين.
 

شعره

أجمع النقاد القدماء والمحدثون على أن ما وصلنا من شعر حسّان يغلب عليه اللين و علّلوا ذلك بقولهم: «إن الشعر نكد يقوى في الشر و يضعف في الخير» و الاسلام كلّه خير و بركة، و من أجل ذلك لان فيه شعر حسّان و ضعف. و قالوا إن شعره الاسلامي أنشده و هو شيخ هرم، و انحطاط قوى الجسم يستدعي انحطاط سائر القوى. و قالوا أيضا: إنه رجل مكذوب عليه، و كثر عليه الوضع، و تروى له قصائد ضعيفة لاتصح عنه.

١ ـ الغدير ٢ / ٦٤ .

و يروى أن معاصري حسان أدركوا ليونة شعره بعد الاسلام فقيل له: «لقد لان شعرك يا أبا الحسام!» فقال: «إن الاسلام يحجز عن الكذب، و الشعر يزينه الكذب».
و من النقاد المعاصرين من يرى أن طبيعة حسان في حدّ ذاتها لم تكن من الخصب و القوة بالدرجة التي يتمناها له انصاره ومحبّوه. وهذا لايعني أنه غير مجيد، بل إنه يجيد في القليل ويسف في الكثير(١).
ومن جيّد شعره في الجاهلية قوله:

لعمرُ أبيكِ الخيرِ يا شعثُ ما نَبا                                     عليَّلساني في الخطوب و لا يدي
لساني و سيفي صارمان كلاهما                                 و يبلغ ما لا يبلغ السيفُ مذودي
و إن أك ذامالٍ قليلٍ‏أجُدْ به                                         وإن يُهتَصرْ عودي على الجهد يُحمَد
أكثّـر أهلي من عيالٍ سِواهم                                     و أطوي على الماءِ القُراحِ المبرَّدِ
و اني لمعطٍ ما وجدتُ و قائلٍ                                             لموقِدِ ناري ليلةَ الريحِ أوقِدِ

يخاطب الشاعر زوجته الشعثاء و هي إحدى زوجتي حسان اللتين طالما تغنى باسميهما و الثانية عمرة، و يقسم لها بأن يده و لسانه لايخطئان العمل في الشدائد، و قدرته في الذود (الدفاع) بلسانه تبلغ ما لايبلغه السيف. على أنه كريم أيضا يجود بكل مالديه من مال و إن قلّ، فالكرم جهد محمود و لو أضرّ بصاحبه. و لايقتصر كرمه على عياله بل يسع أناسا آخرين، يفرّق بينهم ماله حتى و لو بقي يعيش على الماء البارد وحده. فهو يعطي ما عنده، و يأمر في الليلة العاصفة أن توقد ناره ليهتدي بها القادمون صوبه.
و قوله أيضا في مدح قبيلته:

١ ـ عصر القرآن / ٩٥ .

نسوّدُ ذا المالِ القليلِ إذا بَـدَت                                         مروءتُه فينا و إن كان مُعدَما
و إنا لنقري الضيف إن جاء طارقا                                     من‏الشحم ما أمسى صحيحامسلّما
لنا الجفنات الغُرّ يلمعن بالضحا                                             و أسيافُنا يقطُرن من نجدة دما
أبى فعلُنا المعروفُ أن ننطق الخنا                                             و قائلنا بالعرف إلا تكلّما

فالمروءة هي معيار السيادة عندهم لا المال، لانهم أصحاب مروءة كما أنهم أيضا كرماء يقرون الضيفَ من أحسن الطعام، وهم أهل إطعام وأهل سيوف وأهل منطق سليم لا يعتريه الخنا(الفحش).
و من قصائده المشهورة لاميته في الغساسنة من آل جفنة يقول فيها:

للّه دَرُّ عصابةٍ نادمتهم                                                 يوما بجلَّـقَ في الزمان الاولِ
أولادُ جَفنة حول قبر أبيهم                                             قبرِ ابنِ ماريةَ الكريمِ المفضلِ
يَغشون حتى ما تهرّ كلابـُهم                                             لايسألون عن السواد المقبلِ
بيضُ الوجوه كريمةٌ أحسابهم                                             شمُّ الانوفِ من الطراز الاولِ

و الابيات واضحة في معانيها و في روعتها.
أما المشهور من قصائده الاسلامية فهمزيته التي يهجو فيها قريشاً، يقول فيها:

عَدِمنا خيلَنا إن لم تَرَوها                                                 تُثيرُ النقعَ موعدُها كِداءُ
يُبارين الاسنّةَ مُصغياتٍ                                                 على أكتافها الاسُلُ الظماءُ
تظَلُّ جِيادنا مُتَمطّراتٍ                                                 تُـلَـطّـمـُهُـنَّ بالخُمـُرِ النساءُ
فاما تُعرضوا عنّا اعتَمَرنا                                                 و كان الفتحُ و انكشف الغطاءُ
و الا فاصبروا لجلادِ يومٍ                                                         يعينُ اللهُ فيه من يشاءُ

يدعو على خيل المسلمين إن لم‏تغر غارة شعواء تثير النقع(الغبار) لفتح مكة داخلة من منطقة كداء (و هي منعطف في جبل قرب مكة دخل منه الزبير يوم الفتح). و هذا الاسلوب من الكلام يعنى العزم و الارادة القاطعة. ثم يصف هذه الخيل بأنها تباري الاسنّة في سرعتها و تميل بروءوسها الى فرسانهن كمن يستمع الى شيء، و الرماح عليها عطشى للدماء. و لشدة جري هذه الخيول يسبق بعضها بعضا، و لقدرتها تظهر غلبتها منذ ورودها و لذلك تعمد النساء الى لطم وجوه الخيل بخمورهن، و هي عادة بدوية تشير الى طلب‏المغلوب صفح الغالب. ثم يهددهم بالحرب إذا لم‏يبتعدوا عن‏المسلمين وهم‏فيطريقهم الى فتح‏مكة و أداءالعمرة في المسجدالحرام.
 

غديرية حسّان

و اذا كانت السياسة قد أضافت الى ديوان حسان أشعارا منحولة ـ كما سنرى في الحديث عن ديوانه ـ فان الشيخ عبد الحسين الاميني يعتقد أن السياسة تدخلت أيضا في حذف ما يرتبط بأميرالموءمنين علي بن أبي طالب عليه‏السلام من مدح في ديوان حسّان، من ذلك غديريته التي يقول فيها:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم                                     بخُمٍّ و أسمع بالرسول مناديا
فقال: فمن مولاكم و نبيّكم                                     فقالوا و لم‏يبدوا هناك التعاميا:
الهك مولانا و أنت نبينا                                             و لم‏تلق منّا في الولاية عاصيا
فقال له: قم يا علي! فانني                                         رضيتك من بعدي إماما و هاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه                                             فكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا اللهمَّ وال وليّه                                             و كن للذي عادى عليا معاديا

و يذكر الاميني على سبيل المثال اثني عشر حافظا من شيوخ أهل السنة و خمسة من متقدمي علماء الشيعة ممن رووا هذه الابيات لحسّان، لكنها غير مذكورة في ديوانه.
و ممن رواها الحافظ ابو عبد اللّه المرزباني (المتوفى سنة ٣٨٧ هـ) أخرج في مرقاة الشعر بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان من غدير خم أمر رسول‏اللّه مناديا فنادى الصلاة جامعة فأخذ بيد عليّ و قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه. فقال حسّان بن ثابت: يا رسول‏اللّه أقول في عليٍّ شعراً؟ فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : إفعل. فقال يناديهم يوم الغدير نبيهم ... الابيات.
ولم يقتصر الحذف في ديوان حسان على هذه الغديرية بل شمل كل ما قاله في مدح أمير الموءمنين علي عليه‏السلام . من ذلك قوله:

من ذا بخاتمه تصدّق راكعا                                             و أسرّها في نفسه إسرارا؟
من كان بات على فراش محمّد                                         و محمّد أسرى يوءم الغارا؟
من كان في القرآن سمي موءمنا                                             في تسع آيات تلين غزارا؟

و في البيت الاول إشارة الى مأثرة تصدّق علي عليه‏السلام بخاتمه للسائل و هو راكع في الصلاة، و في الثاني الى حديث الفراش، و هو مبيت علي في فراش النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عندما خرج للهجرة لإيهامِ المشركين، و في الثالث الى الآيات التي سمّت علياً موءمنا في القرآن الكريم.
و من ذلك قوله أيضا:

جبريل نادى معلنا                                                         و النقعُ ليس بمنجلي
و المسلمون قد احدقوا                                                     حول النبي المرسَل
لا سيفَ الا ذوالفقار                                                             و لا فتى الاّ علي

و في الابيات إشارة الى ما رواه الطبري عن يوم أحد حين فرّق عليّ جمع المشركين فسمع المسلمون صوتا ينادي:
لا سيف الا ذوالفقا ر و لا فتى الا عليّ(١)

كعب بن زهير(٢)

تلقن الشعر من أبيه زهير بن أبي سُلمى مثل أخيه بُجير و مثل الحطيئة، و حذا حذو مدرسة زهير. و يظهر أنه اشتهر في الجاهلية أكثر من الحطيئة لما يرويه ابن سلام من أن الحطيئة قال لكعب: «قد علمتَ روايتي لكم أهلَ البيت و انقطاعي اليكم، و قد ذهبت الفحول غيري و غيرك، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك و تضعني موضعا بعدك فان الناس لاشعاركم أروَى و اليها أسرع»(٣) فانشد كعب قطعته التي يقول فيها:
فمن للقوافي شأنها من يَحوكُها إذا ماثَـوَى كعبٌ و فوّزَ جَرْوَلُ
و يذكر الرواة أن كعبا و بجيرا تلقيا وصية من أبيهما إذ قال لهما بعد روءيا رآها فيما يرى النائم: إنه كائن بعدي للسماء خبر، ثم طلب منهما أن يستقصيا هذا الخبر، وأن ينتفعا به، و أن يتّبعا صاحبه إن أدركاه.

١ ـ انظر مصادر هذه الاشعار وغيرها من الاشعار التي قيلت في أمير الموءمنين علي ولم تثبت في ديوان حسان، الغدير ٢ / ٤١ ـ ٦٢ .
٢ ـ انظر مصادر ترجمته وشروح قصيدته «بانت سعاد» في: تاريخ التراث العربي، م ٢، ج ٢، ص ٢١٠ وما بعدها .
٣ ـ ابن سلام / ٨٧ .

و عندما ظهرت دعوة الاسلام و ذاعت أخبارها في الجزيرة العربية كان من الطبيعي أن يتابع كعب و بجير هذه الاخبار و يتقصيان أمر الدين الجديد. و لكن شهرتهما و مكانتهما أبت عليهما أن ينصاعا للدعوة منذ بداية ظهورها رغم ما سمعاه من وصية أبيهما.
و بعد توالي الانتصارات الاسلامية همّ الاخوان أن يتجها الى المدينة المنورة ليسمعا خبر الدعوة من مصدرها. فانطلقا حتى اذا بلغا الابرق قال بجير لاخيه كعب: أقم هنا حتى آتي هذا الرجل فاسمع منه، و أعلم علمه، ثم أعود اليك. و لكن كعبا طال انتظاره و لم‏يعد أخوه بجير، لانه أتى الرسول و سمع منه و آمن به و أقام مع المسلمين. و لما استيأس كعب من مقدم أخيه و أيقن أنه قد صبأ ـ كما كان العرب يقولون لمن تبع النبي ـ أنشد أبياتا يهجو أخاه منها:

ألا أبلغا عني بُجيرا رسالة                                                 فهل لك فيما قُلتَ ويحكَ هل لَكا
شربت مع المأمون كأساً رَويّةً                                                 فانهلك المأمون منها و علّكا
و خالفت أسبابَ الهدى و تبعتَه                                         على‏أي شيء ـ ويب غيرك ـ دلّكا
على خُلُق لم تُلفِ أمّا و لا أبا                                                 عليه و لم تدرك عليه أخا لكا

فهو يعلن سخطه على أخيه لأنه نهل من نبع النبي(المأمون) و النبي عَلّه (أي أعطاه الشربة الثانية التي تروي ظمأه)، و يدعو عليه بان يهلك كما هلك غيره(ويب غيرك) لانه اتبع شرعة لم يكن عليها آباوءه!
و أجابه بجير بأبيات منها:

من مبلغٌ كعبا فهل لك في التي                                       تلومُ عليها باطلا و هي أحزَمُ
الى‏الله لا العُزّى و لا اللات وحده                                         فتنجو إذا كان النجاءُ و تسلمُ
لدى يومَ لاينجو و ليس بمفلت                                         من النار الاّ طاهرُ القلب مسلمُ

لم يقطع بجير علاقته بأخيه، بل ظل على صلة به محاولا أن يستميله الى الاسلام، لكن كعبا ظهرت أمامه مشكلة جديدة و هي الخوف من النبي بعد أن اتخذ من الاسلام مواقف عدائية. و يبدو أنه يسمع من أخيه أخبارا عن سماحة الاسلام و صفح النبي و عفوه عن المنحرفين النادمين، فتشجّع أن يقدم الى المدينة و يقترب من الرسول متلثما بعمامته، ثم يجلس عند النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعد أن سلم من صلاة الصبح، و يحسر عن وجهه و يقول: هذا مقام العائذ بك يا رسول اللّه، أنا كعب بن زهير. ثم أسلم و أنشد مدحته الخالدة:
بانت سعادُ فقلبي اليوم متبولُ متيَّمٌ إثـْـرَها لم يُفد مكبولُ
فكساه النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بردة لقبت قصيدته من أجلها بالبردة، و قد اكتسى بها كعب حُلّة مجد لاتُبلى. و كانت وفاته نحو سنة ٢٦ للهجرة.
 

شعره

كان كعب شاعرا فحلا مكثرا مجيدا، و شعره على مذهب والده في التنقيح و التحكيك و معظمه في المدح و الهجاء و الفخر و الحماسة. و بعد إسلامه كثرت في شعره المواعظ و الحكم مثل قوله:

لو كنت أعجب من شيء لأعجبني                                 سعي الفتى و هو مخبوء له القدَرُ
يسعى الفتى لامور ليس يُدركها                                         و النفس واحدة و الهمُّ منتشِرُ
و المرءُ ما عاشَ ممدود له أمـَلٌ                                                 لاتنتهي العينُ حتى ينتهي الاثرُ

و قوله:

أعلم أني متى ما يأتني قَـدَري                                     فليس يحبسُهُ شُـحٌّ و لا شَـفَـقُ
و المرء و المال ينمي ثم يُذهبُه                                             مَـرُّ الدهور و يُفنيه فيَنسَحِقُ
فلا تخافي علينا الفقر و انتظري                                         فضلَ الذي بالغنى من عنده نَثِقُ
إن يفنَ ماعندنا فاللّه يرزقُنا                                             و مَن سوانا و لسنا نحن نرتزقُ

كما نرى الحكمة والادبَ الاسلامي على لسانه حتى في هجائه، يقول:

إن كنت لاترهبُ ذمّي لما                                             تعرف من صفحي عن الجاهلِ
فاخشَ سكوتي إذ أنا منصتٌ                                             فيك لمسموع خَنا القائلِ
مقالةُ السوءِ الى أهلها                                                     أسرعُ من منحَدرٍ سائلِ
و من دعا الناس الى ذمّه                                                     ذمّوه بالحقِّ و بالباطلِ
و لاتَهِجْ ان كنت ذا إربَةٍ                                                     حـَرْبَ أخي التجربة العاقلِ
فان ذا العقلِ إذا هِجته                                                         هِجت بهِ ذا خَـبَلٍ خابلِ

فهو يوءكد صفحه عن الجاهل لكن ذلك لاينبغي أن يدفع الجاهل الى الخنا(الفحش)، و قول السوء سرعان ما يرتدّ على قائله، فحذار من إثارة المجرّب العاقل لانه سيثور عليك ثورة لاهوادة فيها.
و أشهر أشعار زهير، بل من أشهر أشعارالعرب قاطبة قصيدته بانت سعاد المسماة أيضا بالبردة. في هذه القصيدة ينهج كعب طريقة الشعراء الجاهليين في الاستهلال بالغزل، و ينحو منحى أبيه في التصوير الفني و دقة التعبير و انتقاء الالفاظ و ابتكار المعاني، و كأنه أراد أن يعرض في هذا المنعطف الهام من حياته أرقى ما يملكه من قوة فنية.
يذكر في مستهل قصيدته سعادَ و فراقها و تعلق قلبه بها، ثم يصف ناقته التي أقلّته الى النبي وصفا دقيقا، و يذكر بعد ذلك ما كان يسمعه من الناس عن غضب الرسول عليه، و ما يراه من تخلّي الاصدقاء عنه:

يسعى الوشاة جنابيها، و قولُهم:                                                 إنَّك يابن أبي سُلمى لمقتولُ
wو قال كل خليل كنت آمُـلُـهُ:                                                     لأ أُلهينّك إني عنك مشغولُ

غير أنه لايعبأبهم، اتكالا على‏اللّه وتقديره وطمعا في عفوالرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

فقلت: خلّوا سبيلي لا أبالكم،                                                     فكلّ ما قدّر الرحمن مفعولُ
كل ابن أنثى، و ان طالت سلامته                                                 يوما على آلةٍ حدباءَ محمولُ
نبئت أن رسولَ اللّهِ أوعدني                                                     و العفو عند رسول اللّه مأمولُ

لكن اتكاله على اللّه وأمله في العفو لم يزيلا مافي نفسه من خوف و روع، فحضوره لدى الرسول مُقام يرتعد منه الفيل:

لقد أقوم مُقاما لو يقوم به،                                                 أرى و أسمَـعُ مالو يسمَعُ الفيلُ
لظلَّ يُرعـدُ، الا أن يكون له                                                     من الرسول، باذن اللّه تنويلُ

ثم يمدح الرسول و الصحابة و يقول:

إن الرسولَ لنورٌ يُستضاءُ به                                                 مهنَّـدٌ من سيوفِ اللّه مسلولُ
في عُصبةٍ من قريشٍ قال قائلهم،                                             ببطن مكة لما أسلموا: زولوا
زالوا فمازال أنكاس و لا كُشـُف                                                     عند اللقاءِ، و لا ميل معازيلُ
شمُّ العرانين، أبطال، لُبـُوسهُم                                         من نسج داود، في الهيجا، سرابيلُ
بيضٌ، سَوابِغُ، قد شكّت لها حَلَقٌ                                                   كأنه حلقُ القفعاءِ، مجدولُ
لايفرحون إذا نالت رماحُـهُم                                                     قوما، و ليسوا مجازيعا إذا نيلوا

فالرسول نور يهدي الامة، و سيف يقطع دابر الظالمين، تحيطه الصحابة من المهاجرين في مكة، حتى إذا اشتدت عليهم المحنة بعد إسلامهم قيل لهم: هاجروا، فهاجروا و هم شجعان غير أنكاس (غير ضعاف)، و لا كُشف (غير عزّل من الدروع) و لا ميل (لايجهلون الفروسية) و لا معازيل (غير خالين من السلاح)، فهم شم العرانين (من كرام الناس)، و أبطال، و يرتدون دروعا مستحكمة كأنها من نسج النبي داود، و عليها حَـلَق مثل حلق نبات القفعاء، و لكثرة انتصاراتهم لايفرحون إذا غَلبوا، و لايتزلزلون إذا غُلبوا لثقتهم بالنصر المقبل.
و لكعب قصيدة يمدح فيها أمير الموءمنين علياً عليه‏السلام . و كانت بنوأمية تنهى عن روايتها و إضافتها الى شعره(١)، مطلعها:

١ ـ ديوان كعب بن زهير، صنعة الامام أبي سعيد العسكري / ١٨٤ وما بعدها. تحقيق د. حنانصر الحتّي، دار الكتاب العربي، ط ١، بيروت ١٤١٤ه .

هل حبل رملة قبل البين مبتورُ                                                 أم أنت بالحلم بعد الجهل معذور

و فيها يقول:

إنّ علياً لميمون نقيبتُه                                                 بالصالحات من الافعالِ مشهور
صهر النبّي و خير الناسِ مُفتَخَرا                                             فكلّ من رامَه بالفخر مفخور
مقاوم لطغاة الشرك يضربُهم                                         حتى استقاموا و دين اللّه منصور
بالعدل قمت أمينا حين خالفه                                         أهل الهوى و ذوو الاهواء و الزورِ(١)
يا خير من حملت نعلا له قدمٌ                                         بعد النبي لديه البغيُ مهجورُ
أعطاك ربّكَ فضلا لا زوال له                                                     من أين أنـّى له الأيّام تغيير

النابغة الجعدي(٢)

عبداللّه بن قيس من بني جَعدة العامريين، ولد في البادية جنوب نجد، و يقال انه سمي النابغة لتفجّر الشعر على لسانه في آخر حياته الجاهلية، و قيل إن نبوغه كان في الاسلام. وفد على الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مع قومه سنة تسع للهجرة و أنشده قصيدة تحفل بالمعاني الدينية، يقول فيها:

١ ـ في هذا البيت إقواء.
٢ ـ انظر مصادر ترجمته في: سزگين، م١، ج ٢، ص ٢٣٨ وما بعدها.

أتيت رسول اللّه إذ جاء بالهدى                                                    و يتلو كتابا كالمجرّة نيّرا

فلما وصل الى قوله:

بلغنا السماء مجدَنا و جدودنا                                                     و إنا لنبغي فوق ذلك مظهرا

قال له النبي: «فاين المظهر يا أبا ليلى»؟
قال : الجنة.
ثم أثنى عليه الرسول بقول: «أجدتَ لايفضض اللّه فاك»(١).
و يظهر أن روح الجعدي تشرّبت بالاسلام، فترك قومه و بقي في المدينة، و جاهد بسيفه و لسانه، و صوّر جهاده و تقواه في أبيات أضافها الى رائعته التي أنشدها الرسول، قائلاً:

و جاهدتُ حتى ما أَحسُّ و من معي                                                     سهيلا إذا ما لاحَ ثَمّتَ غوّرا
أقيم على التقوى و أرضى بفِعلها                                                         و كنتُ من النارِ المخوفَةِ أوجرا

فهو يجاهد و من معه من المسلمين دون انقطاع لايعرف متى ظهر سهيلٌ و متى غاب لشدة انهماكه في مسوءوليته الجهادية، و قد وطّن نفسَه على التقوى و على عمل المتقين خوفا من يوم الحساب.
و رويت عنه مواعظ بليغة، تدلّ على تفاعله الشديد بالقرآن، و على اهتمامه بشدّ الناس الى اللّه سبحانه وتعالى منها قوله:

الحمدُ لله لا شريك له                                                                 من لم يقلها فنفسَه ظلما
المولج الليل في النهار و في الليلِ                                                             نهارا يفرّجُ الظُّـلَما

١ ـ الاغاني ٥ / ٨ .

ثم يذكر نِعم اللّه الخالق البارئ المصوّر على الانسان، و يدعو الى الاعتصام به سبحانه دون سواه:

ثـمّـتَ لابدّ أنْ سيجمعكم                                                             و اللّهِ، جهراً شهادة قسما
فأتمروا الآن ما بدا لكم                                                             و اعتصموا إن وجدتم عِصَما
في هذه الارض و السماءِ، و لا                                                         عِصمةَ منه الا لمن رَحِما

و يذكر حال الامم الغابرة التي هانت بعد عزّها و بادت بعد شموخها ليكون عبرة للمعتبرين:

يا أيها الناس هل ترون الى                                                 فارسَ بادت، و خدّها رَغما
أمسوا عبيدا يرعون شاءَكم                                                     كأنما كان ملكهُم حُـلُما
أو سبأ الحاضرين مأربَ إذ                                                         يبنون من دون سيله العرما
فمُـزّقوا في البلاد و اغترفوا ال                                                         هُونَ و ذاقوا البأساء و القدما

و بعد وفاة الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ظل النابغة الجعدي محافظاً على التزامه، و اشترك في فتوح شرق العالم الاسلامي يجاهد في سبيل اللّه و ينشر الدعوة.
غير أنا نراه يرفع شكواه في زمن الخليفة عثمان الى قبر رسول اللّه و صاحبيه مما نزل به من ظلم الامراء. و يظهر من سيرته و من أسلوبه أنه ما كان يشكو من ظلم شخصي بل من ظلم اجتماعي، فقال يخاطب أبا موسى الاشعري عامل عثمان على البصرة:

رأيت البكر بكر بني ثمود                                                                     وأنت أراك بكرَ الاشعرينا
فان يكن ابنُ عفان أمينا                                                                     فلم يبعث بك البرَّ الأمينا
فياقبر النبي وصاحبيه                                                                             الا ياغوثنا لو تسمعونا
الا صلّى الهكُمُ عليكم                                                                     ولا صلى على الامراء فينا

و من الطبيعي أن يقف هذا الصحابي التقي المجاهد مع عليّ في حرب صفين، فقال مادحاً عليا و واصفا أعداءه بالضلال:

قد علم المصرانِ و العراقُ                                                                             أن عليا فحلُها العتاقُ
أبيض جحجاح له بُراق                                                                             و أمه غالى بها الصداقُ
أكرم من شَدّ به نطاق                                                                                 إنّ الأُلى جاروك لا أفاقوا
لهم سياق و لكم سياق                                                                             قد علمت ذلكم الرفاق
سقتم الى نهج الهدى و ساقوا                                                                     الى التي ليس لها عِراقُ

في ملة عادتها النفاقُ

و يبدو أنه غادر بعد استيلاء معاوية الى إصفهان و سكن فيها مع قومه، و لم‏يصلنا منه شعر يبين موقفه من الثائرين على الحكم الاموي، غير أن الرواة يذكرون أنه لما دعا ابن الزبير لنفسه في أواخر خلافة يزيد بن معاوية قدم عليه في مكة و مدحه بقصيدة رائعة قال فيها:

حكيت لنا الصديق لما وليتنا                                                     و عثمانَ و الفاروق فارتاح مُعدَم
أتاك أبو ليلى يجوب به الدجى                                                 دجى الليل جوابُ الفلاة عثمثم
لتجبر منه جانبا زعزعت به                                                         صُروف الليالي والزمان المصمم

فاكرمه ابن الزبير و عاد الى اصفهان حيث توفي فيها سنة ٦٥ ه و هو ابن عشرين و مائة سنة على ما يذكر ابن قتيبة(١).
نشر عبد العزيز رباح في دمشق مجموعة أشعاره.

١ ـ الشعر و الشعراء / ٩٦ .