شخصيت وحقوق زن در اسلام(3) - الاوضاع الاجتماعيه للمراه في المدينه (من سنه 61 ق الي سنه 95 ق)
المقدّمة
الجزيرة العربية من اللحاظ الجغرافي
الحجاز
المدينه
أوضاع المرأة في مجتمع المدينة
1) النظام الاجتماعي والوضع الاجتماعي
2) الهيئة الأجتماعية للمرأة
3) المكانة الأجتماعية للمرأة
4)المجالات والمظاهر الأجتماعية للمرأة
نتيجة البحث
فهرس المصادر

المقدمه
الأجتماعية في المدينة ، من سنة ( 61ق إلى سنة 95 ق ) . ولأجل بيان هذه الأوضاع، تعرّضنا إلى بيان ما كانت تشكله المدينة من الموقع الجغرافي، ثمّ قمنا بعرض تأريخ ٍ مجمل لمجتمع البحث الحاضر يتناول تاريخ أوضاع المرأة المدينة قبل الإسلام؛وبعد الإسلام. حيث قمنا بتوضيح ما حصل من تغييرات وتحوّلات في مجتمع المدينة آنذاك، مع بيان المعالم الدينية فيها وبالخصوص ما يرتبط بالمسجد النبوي، حيث قد تناولنا تأريخه من عهد الرسول الأكرم صليّ االله عليه وآله وسلّم وإنتهاءًا بالفترة المبحوث عنها، أي إلى سنة 95 ق. وبعد ذلك قمنا بدراسة مجتمع المدينة بالنسبة للمرأة بشكل مفصّل، كما هو موضّح في ثنايا البحث. وممّا تجدر الإشارة عليه: أنّ هذا البحث هو عرض تأريخي، ولم ندخل فيه الأمور الفكرية والشرعية، من ناحية كون هذا الشي جائز أم لا، كما في مسائل الغناء والموسيقى والعشق؛ لأنّ غرضنا هو بيان بأنّ هذه الأمور كانت موجودة في مجتمع المدينة. كما أنه من موضوع البحث يتضح بأن البحث محدود، وقد حاولنا بقدر الإمكان أن لا نخرج عن هذه المحدودية ، وإذا وجد بعض الخروج ، فأنّ مردّ هذا الأمر إلى ضرورة إضطررنا إليها. كما يجب أن لا ننسي، بأنّ المنهج الذي إعتمدناه هو المنهج النقلي ، كما هو واضح من عنوانه ، مع تحليل لأكثر المطالب ، وأن الغرض هو تبيان أوضاع المرأة في تلك الفترة وما كانت تعانيه من تحدّيات ، بعد أن نهض بها الإسلام إلى القمّة ، فأبدعت في أكثر المجالات ؛ فلهذا فأنّ البحث تابع لسؤالين رئيسيين ، وهما :
1) ما هو الموقع الجغرافي للمدينة ؟ وبعبارة أخرى :ما هي خارطة المدينة من الناحية الجغرافية والتأريخية ؟
2) ما هي الأضاع الإجتماعية للمرأة في المدينة في عصر بني أميّة ، وتحديداً من سنة : 61ق وإلى سنة 95 ق ؟
3) وأما العناوين الرئيسية فهي : تأريخ ، جغرافيا ، المدينة ، بني أمية ، المرأة .

الجزيرة العربية من اللحاظ الجغرافي

فهرست مطالب

تتميّز الجزيرة العربية بموقعها الجغرافي ، حيث أنها تعتبر من الإقليم الثاني ، وهذا الإقليم يكون أوّله عند ما يصبح الظل عند الظهيرة قدمين وثلاثة أخماس القدم ، والذي بين طرفيه ثلاثمائة وخمسون ميلاً قاصداً ، ويقع وسطه قرب يثرب ، وأقصي جنوبيه وراء مكة والآخر من قبل الشمال عند الثعلبية ، فمكة والثعلبية بين إقليمين . ووقع في هذا الإقليم من المدن : مكة ويثرب والربذة و فيد و الثعلبية وأسوان مصر إلى حد النوبة والمنصورة واليمامة وطائفة من بلاد السند والهند وكل ما كان على خط هذه البلدان شرقاً وغرباً فهو داخل فيه[1]. ويمتاز هذا الإقليم بكونه شديد الحرّ إلاّ السروات ،فإنّ هواؤها معتدل[2] . وولايات هذا الإقليم متقطعة ، وأما الحجاز فلصاحب مصر لأجل الميرة [3]. وأهل هذا الأقليم أصحاب قناعة ونحافة يتقوتون باليسير من الطعام ويتجوزون بالخفيف من الثياب[4] .

وأما ديار العرب من هذا الإقليم فإنّها تشتمل علي المدن التالية : الحجاز ونجد وبادية العراق وبادية الجزيرة وبادية الشام واليمن ، وأما حدّ هذه المناطق فهي كالآتي :

1) الحجاز: وحده من الرين علي بحر فارس إلى قرب مدين راجعاً في المشرق علي الحجر إلى جبل طئ ممتداً علي ظهر اليمامة إلى بحر فارس[5] .

2) نجد: وحدها من اليمامة إلى قرب المدينة راجعاً علي بادية البصرة حتّى يمتد علي البحرين[6].

3) بادية العراق: وحدها من عبّادان إلى الأنبار مواجهاً لنجد والحجاز علي ديار أسد وطي وتميم وسائر قبائل مضر[7].

4) بادية الجزيرة : وحدها من الأنبار إلى بالس مواجهاً لبادية الشام علي أرض تيماء وبرية خساف إلى قرب وادي القرى والحجر[8] .

5) بادية الشام: وحدها من بالس إلى أيلة مواجهاً للحجاز علي بحر فارس إلى ناحية مدين معارضاً لأرض تبوك حتّى يتصل بديار طئ[9] .

6) اليمن: وحدها من حدّ الرين حتّى ينتهي علي ناحية يلملم،ثمّ علي ظهر الطائف ممتداً علي نجد اليمن إلى بحر فارس مشرقاً ، ويكون ذلك علي نحوالثلثين من ديار العرب[10] .

وهذا الذي يحيط بديار العرب ، فما كان من عبّادان إلى إيلة فإنّه بحر فارس ، ويشتمل علي نحو ثلاثة أرباع ديار العرب وهو الحد الشرقي والجنوبي وبعض الغربي ، وما بقي من حدّ الغربي من إيلة إلى بالس فمن الشام ، وما كان من بالس إلى عبّادان فهو الحد الشمالي ، ومن بالس إلى أن تجاوز الأنبار فمن حدّ الجزيرة ، ومن الأنبار إلى عبّادان فمن حدّ العراق ، ويتّصل بأرض العرب بناحية إيلة بريّة تعرف ( بتيه بني إسرائيل ) وهي برية وإن كانت متصلة بديار العرب ،فليست من ديارهم وإنما كانت برية بين أرض العمالقة واليونانية وأرض القبط ، وليس للعرب بها ماء ولا مرعى ، فلذلك لا تدخل في ديارهم[11] .

ولأجل هذا الموقع المتمّيز لديار العرب ، أطلقوا علي هذه الديار بإسم شبه الجزيرة العربية ، حيث يحيطها من الغرب البحر الأحمر ، ومن الشرق بحر عمّان والخليج الفارسي ، ومن الجنوب المحيط الهندي ، إلاّ انّ حدّها من الشمال غير واضح . ويبلغ طول بلاد العرب من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها نحو ( 2500كم) ويبلغ طول عرضها من البحر الأحمر إلى الخليج الفارسي نحو ( 1000كم ) ـ بحسب الحساب الحديث ـ [12].

إلاّ أنّ أكبر أجزاء هذه البلاد صحراوية ، حيث أنها تحتلّ الجزء الأوسط فيها ، وتمتاز هذه الصحراء بكونها متنوّعة وليست متشابهة ، كما أنها تقسّم إلى ثلاثة أجزاء :

1) صحراء النفوذ : وتسمّي ببادية السماوة ، وتقع هذه الصحراء في الشمال وتمتد نحو ( 140 ميلاً ) من الشمال إلى الجنوب ، و(180 ميلاً ) من الشرق إلى الغرب [13].

2) صحراء الجنوب : وتتصل هذه الصحراء ببادية السماوة ، وتمتدّ شرقاً حتّى تصل إلى الخليج الفارسي . وتقدر مساحتها بخمسين الف ميل مربع ، وقد سمت العرب أجزائها بأسماء مختلفة : فالجزء الواقع بين شرقي اليمن وحضرموت يسمىّ ( صهيداً ) والجزء الواقع بين شمالي حضرموت وشرقيها يسمىّ ( الأحقاف ) والجزء الواقع في شمالي مهرة يسمىّ الدهناء[14] .

3) الحران : وتمتد منتشرةً إلى المدينة[15] .

وأما غربي الجزيرة العربية فيتألف من جزئين رئيسيين ، وهما : الحجاز من الشمال، واليمن من الجنوب .

الحجاز

فهرست مطالب

وتعود تسمية الحجاز في كونه : يحجز ما بين تهامة ونجد ، وقيل : أنّ الحجاز هو ما يحجز بين تهامة والعروض وما بين اليمن ونجد ، وقيل فرق ما بين الحجازونجد ، وذلك أنه ليس بالحجاز غضّاً ، فما أنبت الغضا فهو نجد ، وما أنبت الطلع والأسل فهو حجاز[16]. وقد كانت الحجاز في ذلك الوقت من أكثر بلاد الله إحتواءًا علي الأشجار والمياه[17] . وتشتمل الحجاز علي : مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها[18] ، وليس بالحجاز بعد مكّة والمدينة أكبر من اليمامة ، ويليها في الكبر وادي القرى ، وهي ذات نخيل أيضاً[19] .

المدينه

فهرست مطالب

مما سبق يتّضح بأنّ المدينة تقع في ضمن الإقليم الثاني ، كما أنّها من إحدى مدن الحجاز الكبيرة والمهمّة ، وفيما يلي نورد بعض المباحث المتعلّقة بالمدينة :

1) أسماء المدينة : سميّت المدينة بأسماء متعدّدة ، حيث أنها كانت تسمّى قبل الإسلام به «يثرب» ، وعند ما دخل أهلها في الإسلام ، وجائها النبي الأكرم صلّي الله عليه و آله و سلم مهاجراً، سميّت ( المدينة المنورة أو المدينة ) وشاع هذا الإسم فيما بين المسلمين ،إلاّ أنه بالأضافة إلى هذين الإسمين ، سميّت المدينة بأسماء أخرى ، فقد روي عن النبي (صلّي الله عليه و آله و سلم) بأنّه قال : «للمدينة عشرة أسماء هي : طيبة والباقية والموفية والمسكينة والمباركة والمحفوفة والمحرمة والعذراء والمسلمة والمقدسة والشافية والمرزوقة »[20] .

2) فضلها : للمدينة أفضال كثيرة ، وهذه الأفضال إكتسبتها من موقعها الديني ، حيث كانت الدار الأولى التي إختارها الرسول (صلّي الله عليه و آله و سلم) لهجرته ، كما أنها لم تفتح عنوة ، وبالإضافة إلى ذلك،فإنّ المدينة تعتبر من أولى المدن الّتي بني فيها المساجد في الإسلام ، كمسجد قبا ومسجد المدينة .

وقد روي عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في فضلها ، حيث قال :«إنّ غبار المدينة أمان من الجذام»[21] .

وقال (صلّي الله عليه و آله و سلم) : «حبّ أهل المدينة محنة ، فإنّ منافقاً لا يحبّهم ومؤمناً لايبغضهم»[22] .

وقال (صلّي الله عليه و آله و سلم): «أهل المدينة الشعار والناس الدثار»[23] .

وعن عائشة قالت : سمعت سعداً قال : سمعت النبي (صلّي الله عله و آله و سلم) يقول : «لايكيد أهل المدينة أحد إلا إنماع كما ينماع الملح في الماء»[24] .

وعن أبي هريرة قال : أن النبي (صلّي الله عليه و آله) قال : «حرم ما بين لابتي المدينة على لساني»[25].

3) طول المدينة: يبلغ طول المدينة من جهة الغرب (ستّون درجة ونصف) وعرضها ( عشرون درجة )[26]. وأما مساحتها فهي أقل من نصف مكة وهي في حرّة ، سبخة الأرض ، وبها نخيل كثير ، وتسقى مياه نخيلهم و زروعهم من الآبار ، يسقون بها العبيد وعليها سور[27].

4) مناخ المدينة : مناخ جزيرة العرب على العموم حارّ شديد الحرارة ، ففي داخل البلاد لا تقل هذه الحرارة عن ( 43) درجة نهاراً و(38) درجة ليلاً ، وأما في الأماكن الجبلية أو الساحلية فهي معتدلة[28] . يقول النصيبي : ومن أقام بالمدينة وجد في ترابها وهوائها رائحةً ليست في الأرائيح طيباً خلقةً فيها وجوهريةً لا تتغيّر ، وألذ نسيماً من نهر الأبلة[29] .

5) مصادر مياه المدينة : مصادر المياه في المدينة هي : الأمطار والسيول والعيون وما يستخرج من الآبار ، حيث يوجد في المدينة أربعة أودية يأتي ماؤها في وقت الأمطار والسيول من جبال بموضع يقال له ( حرّة بني سليم ) علي مقدار عشرة فراسخ من المدينة ، وهذه الأودية هي : وادي بطحان والعقيق الكبير والعقيق الصغير ووادي قناة ، فمياه هذه الأودية تأتي في وقت السيول ثمّ تجتمع كلّها بموضع يقال له:« الغاية » وتخرج إلى واد يقال له:« وادي أضم » ، ثم ّيخرج العقيق الكبير والعقيق الصغير في آبار منها : بئر رومة وهي حفير بني مازن ، وبئر عروة ، فيشرب أهل المدينة سائر السنة من هاتين البئرين وغيرهما من الآبار التي ليست لها شهرة هاتين البئرين[30] . وتعتبر مياه العقيق من أعذب المياه[31] . وبالإضافة إلى مياه الشرب ، توجد مياه تسقى بها النخل والمزارع تجرها النواضح وهي الأبل ، التي تعمل في الزرانيق ، ومصدر هذه المياه هي الأبار أيضاً[32] . وتوجد في المدينة عيون نابعة معيّنة أيضاً ، ومن هذه العيون : عين الصورين ، وعين ثنيّة مروان ، وعين الخانقين ، وعين أبي زياد وخيف القاضي ، وعين برد، وعين أزواج النبي «صلّي الله عليه وآله و سلّم»[33] .

6) جبال المدينة : تشتمل المدينة علي جبال عديدة ، من أهمّ هذه الجبال هي :

الف)جبل أحد : ويقع في شمال المدينة علي نحو فرسخين منها ، ويعتبر أقرب الجبال إلى المدينة[34] .

ب ) جبل العرج : ويقع ما بين المدينة ومكة ، ويمضي إلى الشام حتّى يتّصل بلبنان من حمص ، ويسير من دمشق ، ثم يمضي فيتصل بأنطاكية وجبال المصيصة ويسمّى هناك اللكام ، ويتصل بجبل ملطية وشمشاط وقاليقلا إلى بحر الخزر [35].

7) مدن المدينة :

توجد في المدينة عدة مدن ، سكنها عدّة من قبائل العرب ومن غير العرب ، كاليهود والنصارى ، وفيما يلي ذكر أكثر المناطق :

أ‌) البقيع : وتقع في شرقي المدينة، وتمتاز تربتها بالملوحة، ويوجد فيها قبر إبراهيم بن النبي «صلّي الله عليه و آله و سلّم» والأمام الحسن (عليه السلام )«والإمام علي بن الحسين و الإمام محمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السّلام» وعدّة من الصحابة، ويقع قبر عثمان في أقصاه[36] .

ب ) قبا : وهي قرية تقع على يسار طريق مكة ، وبها بنيان كثير من الحجارة[37] ، وتقع في عالية المدينة[38] ، ويقع فيها ـ أيضاًـ مسجد قبا الذي يعتبر أوّل مسجد بني في الإسلام[39] .

ج‌) العقيق : وهي قرية عامرة تبعد بنحو ميلين عن مكة ، وكان ينزل بها السلطان ، ويمتاز ماؤها بالعذوبة[40] . وروي عن النبي (صلّي الله عليه وآله وسلّم) أنّه عند ما رآها قال : «لو علمنا بهذه أوّلاً لكانت المنزل»[41].

د‌) بدر : وهي مدينة صغيرة من نحو الساحل ، جيدة التمور ، وثم عين النبي (صلّي الله عله و آله و سلّم) موضع الوقعة ، ومساجد بناها ملوك مصر[42] .

ه)لجار : وهي تقع على ماساحل البحر ، محصنة بثلاث حيطان ، والربع البحري مفوّه ، بها دور شاهقة وسوق عامرة ، وهي خزانة المدينة ومدنها ، يحمل إليها الماء من بدر والطعام من مصر ، وليس لجامعها صحن[43] . وهي فرضة المدينة ، وتقع على ثلاث مراحل من المدينة على شط البحر ، وهي أصغر من جدّه[44] .

و‌) العشيرة : وهي قرية صغيرة تقع على الساحل في قبال ينبع ، ويوجد فيها نخيلات ، وليس لنخلها نظير[45] .

ح‌) ينبع : وهي مدينة كبيرة جليلة ، حصينة الجدار ، غزيرة الماء ، وهي أعمر من يثرب ، وأكثر نخيلاً ، ولها بابان ، الجامع عند أحدها ، والغالب عليها بنو الحسن[46].

ط‌) المروة : وهي بلد حصين ، كثيرة النخل ، جيدة التمور ، يسقى الماء من قناة غزيرة ، عليها خندق وأبواب حديد ، وهي معدن المقل ، والبردي ، حارة في الصيف ، والغالب عليها بنو جعفر[47] .

ي)خيبر : وهي بلد حصين مثل المروة ، بها جامع حسن ، والباب الذي قلعه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وهي والمروة والحوراء مدن خيبر[48] .

ك‌) الحوراء : وهي ساحل خيبر ، ولها حصن و ربض عامر، فيه سوق من نحو البحر[49] .

م‌) ذو الحليفة : وهي قرية عند يثرب بها مسجد عامر ، وبالقرب منها آبار ولا يرى بها ديّار ، وهي الّتي يهل منها أهل المدينة[50] .

ومن أعمال المدينة : حرّان وقبا والدثينة ويقال الدفينة ، وفلجة ، وضرية وطخفة وأمرة وأضاع ومعدن الحسن[51] .

7) الطرق الموصلة إلى المدينة : الذي يريد أن يقصد المدينة ، فإن الطريق إليها يبتدء من : معدن النقرة ، ومن ثم بطن النخل ، ومن ثم العسبلة ، ومن ثم طرفة ، ومن ثم المدينة[52] . هذا إذا كان القاصد إليها من غير مكة،وأما الذي يقصدها من مكة فإن الطريق إليها يبتدء من : مرّ الظهران ومن ثم عسفان وقديد والجحفة وأبواء وسقيا والرويثة والسيالة وملل ومن ثم الشجرة أو ذو الحليفة ، ومن ثم المدينة[53] . طبعاً توجد هناك طرق أخرى تؤدّي إلى المدينة ، إلا أنه بحسب الغالب أن هذين الطريقين هما المشهوران.

8) مقدار المسافات : قد قام الجغرافيون القدامى بتحديد المسافات فيما بين المدينة والمدن الأخرى ، كمكة والكوفة ودمشق والبحرين وغيرها ، وفيما يلي توضيح ذلك[54] :

أ)ان المدينة إلى مكة : 10 مراحل .

ب) من الكوفة إلى المدينة : 20 مرحلة ، وطريق البصرة إلى الكوفة نحو من (18) مرحلة ، ويلتقي مع طريق الكوفة بقرب معدن النقرة

ج) من الرقة إلى المدينة : 20 مرحلة .

د) من البحرين إلى المدينة : 15 مرحلة .

ه) من دمشق إلى المدينة: 20 مرحلة .

ز‌) من فلسطين إلى المدينة : 20 مرحلة ، على طريق الساحل .

9) مساجد المدينة : يعتبر المكان الديني من أهمّ المعالم الرئيسية في منطقة ما ، لأنه يمثل الرمز والتراث لتلك المنطقة ، وكذلك يمثّل الصراع الذي عانته من أجل إرساء عقائدها . والمكان الديني أبتدء منذ أن أبتدأت الرسالات السماوية تتلى على البشرية والإنسانية . وبما أن هذا المكان الديني كان يمّثل الحرّية والعدالة والقيم الإنسانية ، فإن الشعوب قامت بتقديسة ، لكن طريقة التقديس مختلفة فيما بينهم . وعندما جاء الإسلام فإنّه لم يلغ هذه المفاهيم ، وإنما حاول تهذيبها وإلباسها ثياب العفة والعفاف . فبدلاً من أن يتّجه الناس إلى عبادة ما لا نفع فيه ، جاء الإسلام لكي يوجههم إلى ما نفع فيه . وبدلاً من أن يطوف الناس عراة حول الكعبة ، جاء الإسلام لكي يلغي هذه الحالة المخزية ، فيأمرهم بلبس الثياب ؛ هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى حاول الإسلام أن يميّز نفسه عن بقية الأديان بشئ حسي كما هو الحال في بقية الأديان ، والمعلم الذي تميّز به الإسلام هو المسجد . وهذا المعلّم إبتدء به الرسول الأكرم (صلّي الله عليه و آله و سلّم) . وذلك كما يلي :

1) مسجد قباء : و بني هذا المسجد عند ما هاجر النبي (صلّي الله عليه وآله وسلّم )، وذلك أنه نزل(صلّي الله عليه وآله وسلّم) على بني عمرو بن مخزوم بقباء ، وكان ذلك في يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، فإنه (صلّي الله عليه و أله و سلّم )وفي خلال مدّة إقامته هذه أسس وبنى مسجد قباء ، الذي يعتبر أوّل مسجد بني في الإسلام[55] .

2) مسجد المدينة : في البدء قد كانت أرض المسجد عبارة عن مربد لغلامين يتيمين من بني النجار وهما سهل وسهيل، ابناعمرو . يقول ابن هشام : أنّ ناقة رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم ) عندما بركت فإنها بركت في دار بني مالك بن النجار ، التي كانت عبارة عن المربد ، فسئل عنها رسول الله (صلّي الله عليه وآله و سلّم) عن المربد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء : هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي ، وسأرضيهما منه ، فأتخذه الرسول (صلّي الله عليه و آله وسلّم ) مسجداً [56]. ويعتبر مسجد المدينة ثاني مسجد يبنى في الإسلام . وفيما يلي توضيح مختصر لتأريخ بناء المسجد :

المسجد في عهد النبي (صلّي الله عليه و آله وسلّم) : كان المسجد في عهد النبي (صلّي الله عليه وآله و سلّم) مبني باللبن ، وكان مسقفّاً بالجريد ، وكانت أعمدته من خشب النخيل[57] . كما أن موقعه كان يقع في وسط المدينة[58] . وقد كان للمسجد في عهد النبي (صلّي الله عليه و آله و سلّم) بابان شارعان ، أحدهما باب عائشة والذي يقال له باب عاتكة والآخر يقع في مؤخّرة المسجد إلى دار مليكة[59] .

2) مسجد المدينة في عهد عمر : وقد زاد عمر بن الخطاب في المسجد وحصبه ، فكان عمر أوّل من حصب المسجد[60] .

3) مسجد المدينة في عهد عثمان : وقد قام عثمان بتوسيع المسجد وتحديثه ، حيث قد بناه بالحجارة المنقوشة والقصّة ، وجعل أعمدته من حجارة منقوشة وسقّفه بالساج [61]. وقد حملت الحجارة من بطن نخل ، وجعل طوله ( 160 ذراعاً ) وعرضه ( 150 ذراعاً ) ، وقد وسع المسجد في سنة 29 ق[62] .

4) مسجد المدينة في عهد الوليد بن عبد الملك : وقد بقي المسجد علي تلك الحال حتّى جائت خلافة الوليد بن عبد الملك ، فأمر ببنائه ، وكان واليه على المدينة يومئذٍ عمر بن عبد العزيز[63] . وقد شرع عمر بن عبد العزيز في بناء المسجد في سنة ( 88ق ) وفرغ منه في سنة (90ق)[64] ، وقيل في سنة (91ق)[65] . وقد بعث الوليد إلى ملك الروم يعلمه أنه هدم مسجد رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم)، فليعنه فيه . فبعث إليه ملك الروم بمائه مثقال ذهباً ، ومائة فاعل ، وأربعين حملاً فسيفساء ، فبعث الوليد بذلك كله إلى عمر بن عبد العزيز ، فأصلح به المسجد[66] . وقد حصلت عدّة إضافات في المسجد وهي : من شرق المسجد إلى غربه أضيفت ( ستّة أعمدة ) ومن الناحية الشمالية أضيفت ( أربعة عشر) عموداً ، عشرة منها في مقدمة المسجد ، والأربعة الباقية وضعت تحت سقف المسجد ، وكذلك أضيفت ( أربعة أعمدة ) أخرى في أمام الأربعة المتقدّمة من الناحية الشرقية . كما أنه قد بنيت أربعة منائر تقع في زوايا المسجد الأربعة ، وعلى هذا البناء أصبح بيت النبي (صلّي الله عليه و آله و سلّم ) داخل المسجد ، وكذلك بقيت ثلاث أعمدة من البناء السابق[67] . فيكون عدد الأعمدة الموجودة في المسجد في زمن الوليد بن عبد الملك هي : ثلاثة وعشرون عموداً . وأمّا البناء فقد كان من الحجر المنقوش والموزائيك الرومي ، وكذلك من الحجر المعروف باسم المرمر ، وأما سقف المسجد فقد بني بالخشب الصاج المطلي بماء الذهب[68] . ومن الإضافات الّتي أضافها الوليد ـ أيضاً ـ هي : أنه جعل للمسجد عشرون باباً ، ثمانية منها في جهة الرقّ في الحائط القبلي ، ومن هذه الأبواب : باب ريطة ، ويعرف بباب النساء ، وفي أعلاه من خارج لوح من الفسيفساء مكتوب فيه آية الكرسي من بقية البنيان القديم الذي بناه عمر بن عبد العزيز[69] .

10) مجتمع المدينة : من الواضح أنّ المجتمع يتكوّن من أفراد يعيشون على أرض واحدة وتجمعهم علاقات و روابط مشتركة ، وعن هذه العلاقات والروابط يتشكل المجتمع، ومن الواضح ـأيضاً ـ أنّ هذا المجتمع لم يتشكّل من الرجال فقط ، بل منه ومن النساء، وبوجود المرأة والرجل جنباً إلى جنب ، ولدت الحاجة في كل منهما إلى أن يجتمعا تحت سقف واحد ، وهذا الإجتماع لم يكن وليد الحاجة الجنسية فقط ، وإنما هو نابع من إحساس كلاّ منهما بضرورة مساعدة أحدهما الآخر ، فالرجل يحتاج إلى من يزيل عنه همّ الحياة ومشاكلها ، ولا يقوم بهذا الأمر خير قيام إلا المرأة كما أنّ المرأة تحتاج إلى من يحميها لشعورها الفطري بأنها ضعيفة ، فهي لم تخلق لكي تقاتل السباع أو لكي يتقاذفها الأشرار ، بل خلقت لكي تحيي الأرض وتعمل على إيجاد مجتمع أفضل يشعر بالأمان والإستقرار ، وهذا لا يتحقق ما لم يكن الرجل إلى جنبها وتكون هي إلى جنب الرجل . ومن هنا وجدت الحاجة إلى الزواج ، والتي بتبعها تعمل على زيادة النسل عن طريق الأنجاب . ومن هنا تشكّلت الأسرة ، وأعتبرت أول وحدة بنائية يتشكل منها المجتمع ، كما يذهب إلى ذلك علماء الإجتماع . وعن طريق إجتماع عدة أسر تشكّلت القبيلة التي هي الوحدة البنائية الثانية في تشكيل المجتمع ، وبكثرة القبائل ، شعروا بضرورة وجود من يقودهم ويفصل بين أمورهم ، للحفاظ على عدم شيوع الصراع ولتسيير أمورهم الحياتية والمعاشية ، وبسبب الشعور بالحاجة إلى هذه الأمور تشكّلت الأمّة ، وأصبحت هذه الأمّة تعني بمشاكل أفرادها ، وعندها نشئت القوانين ووضعت الدساتير لتسهيل الأمور؛ إلا أنّه بما أنّ البشر غير قادرين على وضع الأمور بموضعها الصحيح وبمنطق العدل والإنصاف ، جائت بعثة الأنبياء لكي تصحّح مساراتهم من جميع النواحي ، وأهمّها الشعور بوجود إلهٍ واحدٍ هو الذي أوجدهم على هذه الحياة لكي يسعوا في إصلاحها لا في خرابها . وبتكاثر بعثة الأنبياء وجدت من بينها رسالات سماوية صاحبة كتب ، كاليهود والنصارى والصابئين والمجوس على رأي المحقّقيين المتأخرين ، إلاّ أنه هذه الرسالات تعرّضت للتحريف والتزييف ، لأنّ مصالح الآخرين قد ضربت ، فنشأت النزاعات والصراعات وأصبح التسلط على الآخرين من أهمّ أهدافها ، وقد كان بتبع هذا أن أنتشر الفساد والظلم ، وعندما وصلت إلى حدّها النهائي، جاء منطق التاريخ لكي يحكم بأنّ الإفساد وظلم الآخرين لا يدوم ، بل لا بدّ له من حدٍّ يقف عنده ، وهذا الحد له أشكال مختلفة ، كإهلاكهم بشكل جمعي أو تفرّقهم في أنحاء وأماكن متعدّدة ، وكان من نتائج تفرّقهم أن سكنوا في مواطن أخرى غير موطنهم الأوّل . وقد كان من بين هؤلاء الذين أصابهم منطق التاريخ هم ما يعرفون بالعمالقة، حيث أنّهم يعتبرون أوّل من سكن الحجاز ، فنتيجة لفسادهم وبغيهم جائهم منطق التاريخ لكنه قد جائهم عن طريق الإهلاك الجمعي . يقول المسعودي : كان أول من سكن الحجاز هم العمالقة ، ولكن ونتيجة لبغيها في الأرض ، سلط الله عليهم ملوك الأرض فأفنتها[70] . ومن بعد العمالقة جاء اليهود ، واليهود يتشكّلون من طوائف متعدّدة : كبني قريظة وبني النضير وبني ضخم ، وقد سكنت هذه الطوائف في أماكن متعدّدة من الحجاز ، وكان أكثرهم قد سكن المدينة ، مثل : بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وبني حجر وبني ثعلبة[71] . وبقي اليهود في المدينة إلى أن جاء الأوس والخزرج ، ويعود أصلهم إلى اليمن ، وأما علّة مجيئهم إلى أرض الحجاز فهي : أنه عندما جاء سيل العرم على بلاد اليمن فأغرقها ، فتفرّق من بقي من القبائل في بلدان متعدّدة ، فخرج عمرو بن عامر ـ الذي هو جد الأوس والخزرج ـ وقد كان كاهناً و رئيساً لقومه ، فخرج مع أهله فصار إلى بلاد عك ثم ارتحلوا إلى نجران ، فحاربتهم مذحج ، فخرجوا منها ، ومرّوا بمكة ، فحاربهم أهلها إلى أن أخرجوهم منها ، فصاروا إلى الجحفة ، ثم ارتحلوا إلى يثرب فتخلّف بها الأوس والخزرج ، وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عمار ، وبعدئذٍ لحق بهم جماعة من الأزد من غير بني حارثة ، فصار بعضهم حلفاء ، ودخل بعضهم معهم ، فتفرّقت الأزد في يثرب [72]. وينتمي الأوس والخزرج إلى عرب الجنوب ، وذلك أن العرب على قسمين : عرب الجنوب وهم من سكن اليمن ، وعرب الشمال وهم من سكن الحجاز ، والعرب يرجعون إلى ولد إسماعيل وقحطان[73] . يقول جرجي زيدان بهذا الصدد : يقسّم سكان الجزيرة العربية إلى قسمين :

1)القحطانية : وهم سكّان بلاد اليمن وما جاورها ، وينتسبون إلى قحطان أو يقطان.

2)العدنانية أو الإسماعيلية : وهم سكّان الحجاز ونجد وما جاورها من أواسط جزيرة العرب ، وينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل من إمرأته هاجر ويسمّون ـ أيضاًـ العدنانية نسبةً إلى جدّ من أجدادهم أسمه عدنان ، ويسمّون ـ أيضاًـ مضرية ومعدية لمثل ذلك السبب [74]. وقد قامت في بادئ الأمر علاقات حسنة فيما بين اليهود المقيمين في المدينة وما بين النازحين من الأوس والخزرج إلى المدينة ؛ إلا أن هذه العلاقات لم تدم طويلاً، فسرعان ما نشب الصراع والنزاع فيما بينهم ، وقد نازع اليهود الأوس والخزرج ، وبما أنّ اليهود كانوا يمثّلون الكثرة ، فإنهم تغلبوا علي هاتين القبيلتين ، حتى كان الرجل من اليهود ليأتي منزل الأنصاري فلا يمكنه دفعه عن أهله وماله[75] . وبعد ذلك أصبح اليهود من بني قريظة والنضير ملوكاً على المدينة من قبل مرزبان البادية[76] . وظل اليهود ينازعون هاتين القبيلتين ، فتارة تنازع الأوس ، وأخرى تنازع الخزرج ، ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب ، بل عمل اليهود على دب التنازع فيما بين هاتين القبيلتين . يقول الدكتور الرافعي بهذا الصدد :

فقامت بين اليهود وبين الوافدين الجدد علاقات حسنة بادئ الأمر ، ولكنهم ما لبثوا أن دبٌ الخلف بينهم ، وظلوا في نزاع تارة مع الأوس وتارة مع الخزرج ، إلى أن كان يوم بعاث وهي ـ أي بعاث ـ من أعمال يثرب ، حيث ألتقى الفريقان في معركة توجها نصر الأوس ، وكان اليهود قد حالفوهم ضدٌ الخزرج ، غير أنٌ الفريقين تصالحا وأتفقا على إقامة حكومة تتولى تنظيم شوؤن يثرب ، وأن يجعلا عبد الله بن ابي سلول ملكاً عليهم ، ولكن هذا التدبير لم يخرج إلى حيّز الواقع ، لأنّ دخول الرسول إلى المدينة حال دون تحقيق ذلك[77] .

إلى هنا يتّضح لنا : بأنّ مجتمع المدينة كان يتكوّن قبل مجئ الإسلام من اليهود ومن عرب الجنوب . إلاّ أن هذه التشكيلة لم تبق على حالها ، وذلك بسبب هجرة عرب مكة إلى المدينة ، وكان ذلك بسبب الضغوط الّتي تعرّضوا لها من قبل قريش بسبب دخولهم في الإسلام .وكان أوّل من هاجر إليها من أصحاب رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم ) ومن مهاجري قريش هو : أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ، ، حيث أنه قد تعرّض لأذى من قبل قريش ، فلمّا بلغه إسلام من أسلم من الأنصار ، خرج إليها مهاجراً[78] . وإستمرت الهجرة إلى المدينة بعد ذلك ، إلى أن دخلها الرسول (صلي الله عليه و آله و سلّم).

وبإنتصار الإسلام وهزيمة أهل الشرك والنفاق ، ظهرت تشكيلة أخرى في مجتمع المدينة ، وهذه التشكيلة تكوّنت من المهاجرين والأنصار والتابعين ، وكان بها من قبائل العرب : قيس بن عيلان ومزينة وجهينة وكنانة وغيرهم[79] ، بالإضافة إلى من بقي بها من اليهود . فإذن تشكيلة مجتمع المدينة أصبحت تتشكّل من : الأنصار وهم الأوس والخزرج ، والمهاجرين عرب مكة ، واليهود . وقد بقيت هذه التشكيلة إلى خلافة عمر بن الخطاب ، حيث أنه في خلافة عمر بن الخطاب تغيّرت التشكيلة ، وذلك من أثر الفتوحات التي إبتدأت في عصرة ، وإستمرت هذه الفتوحات في خلافة عثمان بن عفان ، وتوقفت في خلافة الإمام علي (عليه السّلام) بسبب الفتن الداخلية التي حدثت في عصره ، ومن ثم عادت الفتوحات في عهد معاوية واستمرت إلى زوال الدولة الأموية ، أي إلى سنة 132ق . والتشكيلة التي طرأت على مجتمع المدينة تألّفت من : الإيرانيين الذين أطلق عليهم ( الموالي ) ومن الروميين . وهذا الإختلاط أحدث تغييراً في طبيعة المجتمع المدني ، سواء كان من الناحية الحضارية أو من الناحية المدنية ، على أعتبار دخول المجتمع المتحضر في مجتمع إبتدء بالتحضّر ، وقد كان للجواري الأثر الفعّال في ذلك كما سنلاحظ في مسير البحث .

أوضاع المرأة في مجتمع المدينة

فهرست مطالب

لم يكن خلق المرأة عبثاً ، وإنما كان نابعاً من حكمة إقتضت بالضرورة أن يكون إلى جنب الرجل من يقف إلى جانبه في جميع مشاكله من خلال سيره الحياتي . وقد أثبتت المرأة جدارتها من خلال أدوارها التاريخية ، فلم تقف المرأة عند دائرة البيت ، بل حاولت أن تشارك الرجل ، فتارة نجدها في الحقل السياسي وأخرى في الحقل التعليمي والتربوي ، وثالثة في الحقل الزراعي ، وغير ذلك من الأمور . فدور المرأة كان في الأعم الأغلب دوراً إيجابياً لا سلبياً إلا أنّ الظروف الطارئة على المجتمعات هي التي أدت إلى توقف عمل المرأة في الحياة . لكن هل أنّ هذاالتوقّف يعني عدم كفائتها ؟ وبالتالي هل يقتضي بأن نحكم على المرأة بأن تبقى حبيسة البيت ؟ بالطبع لا ، وذلك من خلال البحوث التالية

1) النظام الاجتماعي والوضع الاجتماعي

فهرست مطالب

قد يتبادر إلى الأذهان بأنّ الوضع الإجتماعي هو نفس النظام الإجتماعي ، ولا يوجد فرق بينهما . وفي الحقيقة هذا خلط وإشتباه ، وذلك لأنّ الوضع الإجتماعي في أي مكان من الأرض وتحت أيّة ظروف هو وليد النظام الإجتماعي ، وذلك لأن النظام الإجتماعي هو :

وليد عملي للعقيدة التي آمن بها الأفراد وحاولوا تطبيقها من أجل تسهيل مهمة الإنسان في الحياة الإجتماعية ، ولا شكّ أنّ من أركان النظام الإجتماعي الرئيسية المؤسسات التي تشكل أصل الإجتماع الإنساني كالمؤسسّة السياسية والإقتصادية والتعليمية والصّحية ، والعائلية والقضائية والمذهبية الأجتهادية والدفاعية والصناعية ومؤسسات العدالة الأجتماعية ومعالجة الأنحراف ونحوها . فهذه المؤسسات مجتمعة تشكّل النظام الأجتماعي ، وبدونها لا يستطيع المجتمع أن يحيا ويتحرك بصورته الطبيعية في تسهيل أمور الجماعة[80] .

فمن دون وجود نظام إجتماعي ، فأنّ الوضع الإجتماعي المترتّب عليه سوف لا يعطي ثماره النافعه ، ولكلا الجنسين . ومن هنا يتضح أن مدار البحث هو في الوضع الإجتماعي لا في النظام الإجتماعي . ومن هنا يطرح السؤال التالي وهو : ما هو الوضع الإجتماعي للمرأة في مجتمع المدينة في أبّان الحكم الأموي ؟

ولكي نوضّح الإجابة الشافية عن هذا السؤال ، نرى من الضرورة أن نتكلّم عن المرأة في العصر الجاهلي ومن ثم في العصر الإسلامي وبعد ذلك ندخل في العصر الأموي .

1) وضع المرأة في العصر الجاهلي :

من المعلوم أن العرب في هذا العصر كانت تحكمهم الروح القبلية ، لأن القبيلة كانت تمثل عندهم اللبنة الأساسية التي يعتمد عليها مجتمعهم ، فالقبيلة هي مرجعهم وهي التي تحل مشاكلهم وما يعترضهم من ظروف من خلال سيرهم الإجتماعي . يقول الدكتور الرافعي : « والقبيلة هي الوحدة التي قام عليها كل نظامهم الإجتماعي »[81] . فالمرأة كانت وليدة هذا النظام الذي يرى تمتع الرجل في كافة السلطات والمناحي الإجتماعية . إلا أنه ممّا لا شكّ فيه أنه كان يوجد هناك نوع من الإحترام والعناية نحو المرأة بحيث يوحي بحبها للإستقلال . يقول جرجي زيدان : ولا مشاحة أنها ـ أي المرأة ـ كانت على الإجمال عظيمة الشأن عفيفة النفس ، وعفتها من ثمار حب الإستقلال والأنفة[82] . ولعل المثال البارز لهذا الأمر هو : خديجة بنت خويلد (سلام الله عليها ) وهند بنت أبي سفيان. فممّا لا شكّ فيه بأنّ خديجة كانت تشتغل بالتجارة وبصورة مستقلّة لا ينازعها في ذلك أحد ، وهي بعد أن تزوّجت بالنبي (ص) فإنّها ظلّت على هذا الأمر . وأمّا بالنسبة لهند فكان أكثر إشتغالها في الأمور السياسية ، حيث كانت تحضر دار الندوة . وإضافة لذلك فإنّ إمرأة كانت صاحبة تأثير على الرجل ، وبلغ هذا التأثير بأن يخاطر الرجل بحياته أو يضطر إلى أن يخرج عن بلاده . كما حصل ذلك في إمرأة من أهل المدينة ، ومحصّل القصّة : أنه كان هناك ملك من بني إسرائيل يقال له ( الفطيون أو الفيطون ) وكانت الأوس والخزرج يدينون له ، وكانت له فيهم سنة ألا تتزوّج إمرأة منهم إلاّ أدخلت عليه قبل زواجها ، فحدث أن زوّجت أخت لمالك بن عجلان بن زيد السالمي الخزرجي، فلما كانت الليلة التي تهدى بها إلى زوجها ، خرجت على قومها كاشفة عن ساقيها وكان أخوها مالك جالس في المجلس . فقال لها : قد جئت بسؤة بخروجك على قومك وقد كشفت عن ساقيك . فقالت له : الذي يراد بي الليلة أعظم من ذلك لأنني، أدخل على غير زوجي ، ثم دخلت منزلها ، فدخل إليها أخوها ، وقد أرمضه قولها ، فقال لها : هل عندك من خير ؟ قالت : نعم . فماذا؟ قال : أدخل معك في جملة النساء على الفطيون ، فإذا خرجن من عندك ودخل عليك ضربته بالسيف حتى يبرد . قالت : أفعل. فتزيا بزيّ النساء و راح معها ، فلما خرج النساء من عندها ، دخل الفطيون عليها، فشدٌ عليه مالك بن عجلان بالسيف وضربه حتىّ قتله ، وخرج هارباً حتىّ قدم الشام[83]. وأما ظاهرة الوأد ، فإنها لم تكن ظاهرة عامة تعمّ جميع القبائل ، وإنما كانت منحصرة في بعض قبائل العرب من بني تميم بن مر[84].

وضع المرأة في صدر الإسلام :
فهرست مطالب


يعتبر الإسلام الدين الوحيد الذي وضع المرأة في مكانها الطبيعي ، كما أنه يعتبر الدين الوحيد الذي أعطى الحقوق الكاملة للمرأة ، وهو الدين الوحيد الذي جعل من المرأة ملاكاً صعب المنال . كما أنه الدين الوحيد الذي تدخل في الشوؤن الحياتية لكافّة الناس . يقول الشهيد المطهّري ـ قدّس سرّه ـ : من بين جميع الأديان والمذاهب لا يوجد مذهب أو دين تدخّل في الشوؤن الحياتية للناس كما تدخّل الإسلام . إنّ الإسلام لم يكتف في مقرّراته بمجموعة من العبادات واذكار وأوراد ومجموعة أخلاقيات ، وإنما قام باضافة إلى بيان علاقات العباد بربهم ، بتوضيح الخطوط الرئيسية للعلاقات انسانية وحقوق وواجبات افراد تجاه بعضهم البعض[85] .

كما أنّ الإسلام قام بتقديم أعظم الخدمات للمرأة في مجاليها الحقوقية والإجتماعية ، فسلب الولاية المطلقة للأباء على بناتهم من قبل الإسلام لم يكن الخدمة الوحيدة التي قدّمها الإسلام في هذا الميدان ، بل : لقد منحها حرّيتها وشخصيتها وإستقلالها الفكري واعترف بحقوقها الطبيعية[86] . فقرّر الإسلام بضرورة أن تتعلّم المرأة وأن تحاول أن تكتسب التعليم ، كما أنه أعطاها الحق في أن تكسب المال وأن تستقّل في ذلك ، ولم يعطي مجالاً في أن يتدخّل الرجل في ذلك ، كما أن لها الحق في أن تكتسب الثروة ، لكن إكتسابها للثروة لا بدّ أن تكون بالشكل المطلوب ، بمعنى : أن لا يؤدّي ذلك إلى سلب جمالها وعفتها ، فإذا أدّىّ الأمر إلى ذلك ، فإنه يحرّم عليها ذلك . يقول الشهيد المطهري في هذا الصدد : والإسلام أعطى المرأة الحق في أن تملك وأن تكسب المال ، ولم يجعل للرجل حق التصرف بثرواتها ، بل اشترط على الرجل بنفس الوقت أن يؤمنّ مصرف العائلة ونفقات الزوجة والأولاد والخادم والسكن ومختلف التصاريف[87] . وفي موضع آخر يقول : إن الإسلام أعطى المرأة حقها في إكتساب الثروة وتنميتها كما تقتضيه الغريزة ، ولكن ليس بالشكل الذي يسمح لضرورات المعيشة أن تسلبها جمالها ولطافتها حيث ينبغي أن تتوّفر عليها دائماً[88] . وعندما حصلت المرأة على حقوقها الّتي فقدتها من قبل ، فإنها دخلت المجال الإجتماعي بقوّة ، يقول جرجي زيدان : وفي هذا العصر ـ أي العصر الإسلامي ـ أتجهت قوى المرأة إلى سداد الرأي ومزاولة الأدب والشعر مع بقاء العفة والأنفة ، فأشتهر منهنّ غير واحدة جرت بذكرهنّ امثال[89] . ولم يقتصر الأمر على هذا ، بل إندفعت تشارك الرجل في الحروب التي كان يخوضها المسلمون ضدّ لمشركين ، حيث قد قمن بمداواة الجرحى ، كما دخلن المجال العلمي ، حيث قد كان منهنّ راويات للحديث ، وخطيبات لاذعات ، وقد أكتسبن الحكمة ، كما هو الحال في فاطمة الزهراء (عليه السلام) التي لقبت بسيدة نساء العالمين[90] . وفيما يلي بعض النماذج من النساء تطبيقاً لما تقدم:

1)فاطمة الزهراء (عليه السلام) : ولدت الزهراء(عليه السلام) قبل المبعث النبوي بخمس سنين ، وقد كانت قريش تبني البيت ، أمّها خديجة بنت خويلد ، وأبوها النبي الأكرم (عليه السلام). تزّوجها الإمام علي (ع) بعد أن تقدّم لخطبتها الخليفتين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، فردّهما الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلّم) حيث قال لهما : أنتظر بها القضاء[91] . وقد ولدت للإمام علي (عليه السلام) : الإمام الحسن والإمام الحسين ( عليهما السلام ) وأمّ كلثوم وزينب ( سلام الله عليهما ) [92]. وعن عائشة ، قالت : كنت جالسة عند رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلّم) فجائت فاطمة تمشي ، كأنّ مشيتها مشية رسول الله (صلي الله عليه وآله و سلّم) فقال مرحباً يا بنتي ، فأجلسها عن يمينه أو عن يساره ، فأسر إليها شيئاً : فبكت ، ثم أسر إليها فضحكت . قال : قلت ما رأيت ضحكاً أقرب من بكاء ، أستخصك رسول الله بحديث ثم تبكين ، قلت : أي شئ أسر عليك رسول الله ، قالت : ما كنت لأفشي سرهّ . قالت : فلما قبض رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) سألتها ، فقالت : قال إت جبرائيل كان يأتيني كل عام فيعارضني بالقرآن مرّة ، وإنه أتاني العام فعارضني مرتين ولا أظنّ أجلي إلا قد حضر ونعم السلف أنا لك وقال أنت أسرع أهلي بي لحوقاً ، قالت : فبكيت لذلك ، ثم قال أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الأمة أو سيدّة نساء العالمين ، فضحكت[93] .

2)أروى : وهي أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، وأمّها أمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم ، تزوّجها عفّان بن أبي العاص ، فولدت له عثمان وأمنة إبني عفان ، ثم تزّوجها عقبة بن أبي معيط ، فولدت له الوليد وعمارة وخالداً وأمّ كلثوم وأمّ حكيم وهنداً ، أسلمت وهاجرت إلى المدينة بعد إبنتها أمّ كلثوم وبايعت رسول الله (صلي الله عليه و أله و سلّم) ولم تزل في المدينة حتىّ ماتت في خلافة عثمان بن عفان[94].

3)أمّ خالد : وهي أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص ، وأمّها همينة بنت خلف ، وولدت في الحبشة عند ما هاجر المسلمون إليها ، وقد روت عن رسول الله (صلي الله عليه و اله و سلم) أحاديث . عن إبراهيم بن عقبة قال : سمعت أمّ خالد بنت خالد بن سعيد ، وهي عجوز كبيرة ولدت في الحبشة ، فقلت : أسمعت من رسولله شيئاً ؟ فقالت : سمعت عن رسول الله (صلي الله عليه و اله و سلم) يستعيذ من عذاب القبر[95] .

4)أم قيس بنت محصن بن حرثاء وهي أخت عكاشة بن محصن من أهل بدر ، وقد روت عن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلّم) وأسلمت قديماً بمكة وهاجرت إلى المدينة مع أهل بيتها[96] . كان هذا فيما يرتبط بالنساء اللاتي روي عنهنّ أحاديث عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلّم) وأما اللاتي عملن في حقول أخرى كالطب والمشاركة في الحروب فهن كما يلي.

5) كعيبة بنت سعد الأسلمية بايعت بعد الهجرة ، وقد كانت لها خيمة في المسجد تداوي بها الجرحى والمرضى ، وكان سعد بن معاذ حين رمي يوم الخندق عندها تداوي جرحه حتّى مات ، وقد شهدت كعيبة يوم خيبر مع رسول الله (صليّ الله عليه و آله و سلّم)[97] .

6) أمّ سنان الأسلمية ، أسلمت وبايعت بعد الهجرة وروي عنها ، أنها قالت : لما أراد رسول الله (صليّ الله عليه و آله و سلّم) الخروج إلى خيبر ، جئته فقلت : يا رسول الله أخرج معك في وجهك هذا أخرز السقا وأداوي المريض والجريح إن كانت جراح ، فقال رسول الله (صلي الله عليه و آله وسلّم) : أخرجي على بركة الله ، فإن لك صواحب قد كلمنني وأذنت لهنّ من قومك ومن غيرهم ، فإن شئت فمع قومك وإن شئت فمعنا . قلت : معك . قال : تكوني مع أمّ سلمة زوجتي ، قالت : فكنت معها[98] .

7) أمّ عامر الأشهلية : وإسمها فكيهة ، ويقال أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع ، وأمّها أمّ سعد بنت خزيم بن مسعود بن قلع بن حريش ، أسلمت أمّ عامر ، وبايعت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلّم) وروت عنه أحاديث ، وشهدت معه بعض المشاهد ، وشهدت مع الرسول (صلي الله عليه و آله و سلّم) خيبر[99] .



نكتفي بهذا المقدار من ذكر النساء ، والتفصيل متروك لمجال آخر وبحث آخر . فإذن : النهضة الإسلامية للمرأة كانت نهضة بنّاءة تقوم على أساس رعاية الحقوق وبنحو عادل ، كما تقتضيه العدالة الإجتماعية . يقول الشهيد المطهّري : لقد كانت النهضة الاسلامية النسوية نهضة بيضاء ولم تكن نهضة سوداء ولا حمراء ولا زرقاء ولا بنفسجية، فلم يقض الإسلام على إحترام البنات بائهن والنساء لآزواجهن ، ولم يزعزع أسس البناء العائلي ، ولم يفسد نظرة المرأة إلى الحياة الزوجية والأمومة وتربية الطفل ، ولم يجعل المرأة متاعاً للعزاب الذين يبحثون عن صيد[100] .

وضع المرأة في العصر الاموي :


السمة البارزة في هذا العصر هي ما أتخذه الأمويون من شعار التعصّب العربي ، وتفضيل هذا الجنس على الآخرين ، وهذا الأمريمثّل طفرة لكنّها إلى الوراء لا إلى الأمام ، لأنّ الإسلام لم يخاطب أمّة خاصّة ، ولم يفضل أمّة على أخرى ، وإنما المقياس هو العدل والتقوى والورع . فبينما كان الناس في العصر الإسلامي منقسمين إلى مسلمين وغير مسلمين ، والمسلمين يشمل العرب وغير العرب ، وغير المسلمين يشمل أهل الذمّة من القبط والأنباط والروم والفرس وغيرهم . إلاّ أننا في هذا العصر نجد تباين في الطبقات ، فهناك مسلم عربي ومسلم غير عربي ، والمسلم العربي ـ أيضاً ـ على صنفين ، مسلم قحطاني ومسلم عدناني ، أي مسلم يمني ومسلم حجازي . ومن الواضح أنّ هذا التقسيم الطبقي كان يصب في صالح الطبقة الحاكمة من باب: «فرّق تسد» .

والسمة الأخرى التي نراها واضحة في هذا العصر هي : كثرة الجواري ، وهذه الجواري يشملن مناطق مختلفة ، وكثرة الجواري صاحبها كثرة الموالي . ولأجل منع الإختلاط النسبي ما بين العرب وغيرهم أصدر الأمويون قانوناً يمنع تزويج غير العربي بالعربية . وهذا النظام السياسي تبعه بطبيعة الحال تغيّراً في حياة المرأة الإجتماعية . فحصل هناك تغيّراً في طباعها ، لما شهده هذا العصر من إنحرافات بدت ظاهرة وواضحة للعيان . يقول جرجي زيدان : وبدأت المرأة بتبديل طباعها من أيام الأمويين ، لأن العفة والغيرة أصابهما في ذلك العصر صدمة قوية بتكاثر الجواري والغلمان وإنغماس بعض الخلفاء في الترف والقصف وإنتشار الغناء والمسكر ، فتجرأ الشعراء على التشبيب والتغزّل وتكاثر المخنثون في المدن وتوسطوا بين الرجال والنساء بالباطل . فأخذ الفساد يفشو بين الناس وضعفت غيرة الرجال ، وقلّت عفة الناس[101] .

ويقول الدكتور أحمد أمين : إنّ الخلفاء ـ كما روي عنهم ـ مالوا إلى الترف والنعيم ميلاً أزداد بالتدريج مع الأيّام ، فبعضهم في أول أمره أباح شرب الخمر في مجلسه ثم تطور الأمر إلى أن شربوها هم أنفسهم . كما أن الشعر الأموي كان سجلاً لما كان هناك من أحداث ، فالأحقاد القبلية قد عادت وأتخذت أشكالاً جديدة أكثر عنفاً ، وكان الصراع بين قيس وكلب قد أشتد طوال عشرات السنين ، فظهر ذلك في العصر الأموي . وبعد أن كان التشبيب بالنساء مقصوراً على مقدمات القصائد ، ظهر عمر بن ابي ربيعة في مكة في عهد عبد الملك يضع القصائد الطويلة في الغزل ، وجعلها وقفاً على التغزّل بمليحات النساء وخصوصاً الحاجات منهنّ ، من غير إعلان للجوى ولوعة الفراق كما كان الشأن عند الجاهليين ، وأمعن أهل مكة والمدينة في الترف لما نحّوحا عن السياسة[102] .

وبطبيعة الحال فإنّ الترف مؤذن بالهلاك ، كما أنه إشارة وعلامة إلى تبدل الطباع وإنتقالها من حال إلى حال ، وبالأخص إذا كان من أعمال السلطة الحاكمة . هذا بوجه عام عرض لمجمل الأوضاع الإجتماعية في العصر الأموي ، والآن فننظر إلى وضع المرأة بشكل خاص ، لأنّه محل البحث .

2) الهيئة الأجتماعية للمرأة

فهرست مطالب

الهيئة الإجتماعية لأيّ نظام تكون نتيجة لطبيعة النظام الإجتماعي بالنسبة للسلطة الحاكمة . فمثلاً الهيئة الإجتماعية لصدر الإسلام كانت عبارة عن إندماج للعنصر العربي مع غيره ، الأمر الذي شكّل الأخوة اليمانية ، وهذا من أحد مقررات الإسلام الحنيف . يقول الله تبارك وتعالى ( إنّما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم )[103] . فكان من المفروض أن يستمرّ هذا المنهج ، إلاّ أنّ الأمر قد انعكس ، فبدلاً من أن تمرّ السنون محدثةً معها وثبة إلى الأمام ، نرى على العكس تماماً ، إذ أصبحت عبارة عن وثبة لكنها إلى الخلف . وهذا الأمر واضح تمام الوضوح في الدولة الأموية ، حيث أن العصبية قد بلغت ذروتها ؛ فلهذا نجد أنّ الهيئة الإجتماعية للمرأة كانت عبارة عن النظام الطبقي ، وكما يلي :

1) الطبقة الأولى : النساء العربيات . وتعتبر هذه الطبقة من أعلى طبقة في المدينة في عهد الدولة الأموية ، ومن الطبيعي أن تحوز هذه الطبقة على العناية والإحترام وتقديم العون والمساعدة لهنّ . ولأجل حفظ النسل من الإختلاط بغيره قرر الأمويون قانوناً ينص على : منع تزويج المرأة العربية من الرجل غير العربي . يقول جرجي زيدان في هذا الصدد : فتزويج المولى بالعربية بالغ الأمويون في تقبيحه تعصّباً للعرب على سواهم وهو عندهم أقبح من زواج العربي من غير العربية[104] .

2) الطبقة الثانية : نساء الموالي . الموالي هم المسلمون من غير العرب ممٌن قبلوا دعوة الإسلام كوعاً أو كرهاً ، فأصبحوا يتمتعون ولو إسماً بحقوق الرعوية الأسلامية ، وقد قامت الأثرة العربية سدٌاً منيعاً في وجه تلك الحقوق المكتسبة ضمناً وحالت دون تطبيقها وتحقيقها[105] . وبالطبع فأن هؤلاء قد جاءوا إلى البلاد الأسلامية ، وبالأخص في منطقتي مكة والمدينة ، وذلك بإعتبارهما عاصمتا الخلافة الأسلامية ، وموطنا الصحابة ممٌن أدركوا النبي (ص) فكان الأقبال إليهما طبيعياً . وبطبيعة الحال فأن أكثرهم إن لم يكن جميعهم قد جاءوا مع نسائهم . وبما أن هناك قانوناً يمنع زواج غير العربي من العربية، فإتجه هؤلاء إلى التزويج من صنفهم . وبالأضافة إلى قانون المنع هذا ، فإنه شاع ما تفرع عليه من كراهية مصاهرة الموالي ، أي أن يتقدم العربي بالزواج من إمرأة غير عربية . يقول جرجي زيدان : فالإسلام يرفع منزلة المولى ، وأما الأمويون فرأوا تحقيره بأعتبار أنه غير عربي ، وشاع ذلك في أيامهم وأصبح الناس يعيرون بمصاهرة الموالي . وغرس هذا الأعتقاد في أذهان الناس حتى أن الموالي أنفسهم كانوا يستنكفون من تزويج المولى بالعربية[106] . ومع هذه الأوضاع المتأزمة والقوانين الصارمة ، كان هناك مجال للتزويج من الطرفين ، إلا أن الأمر يختلف ، وذلك أنه من المفترض أن رجلاً إذا أراد التزويج من إمرأة فإنه يذهب إلى أب الزوجة ، فأن لم يكن موجوداً فأخيها ، فأن لم يكن موجوداً فأخوالها وأعمامها ، هذا هو طبق المتعارف . إلا أنه في هذا العصر ـ أي العصر الأموي ـ يختلف الأمر تماماً ، فإذا الرجل أن يتزوج من بنت الموالي ، أو أن يخطب الموالي أمرأة لنفسه ، فعليه أن يذهب إلى مولاه ، فالمولى بيده كافة الأمور ، فأن رضا تزوجت ، وإن لم يرض أنفسخ عقد النكاح إن كان قد عقد . يقول زيدان : المولى لم يكن يخطب إمرأة لنفسه ولا يزوج إبنته لرجل ما لم يستشر مولاه . فإذا أحب رجل أن يخطب فتاة من بنات الموالي ، فإنه لا يذهب إلى أبيها ولا إلى أخيها وإنما يخطبها من مواليها ، فأن رضي مولاها زوجت وإلا فلا ، وأن زوجها الأب أو الأخ بغير رأي مواليه فسخ النكاح وإن كان قد دخل بها عدٌ ذلك سفاحاً[107] .

3) الطبقة الثالثة ، نساء أهل الذمة : أهل الذمة هم أصحاب الكتاب ، أي : أبناء الأديان المنزلة ، كاليهود والنصارى والصابئة ، وقد شمل هؤلاء الأمان الذي أقره الإسلام. وكان هؤلاء يعيشون نوعاً من الحرية ، وذلك لقاء ما يؤدونه من الجزية والخراج . والحصر في هذه الطبقات الثلاث من أهل الذمة كان في بداية الأمر ، ولكن قد لحق بهم بعد ذلك عبدة النار من المجوس وأتباع زرادشت والوثنيين من أهل حران والبربر، وقد حظوا هؤلاء ـ على الرغم من عدم وجود كتاب عندهم ـ بالحقوق التي تمتع بها أهل الكتاب ، وقد خيروا جميعاً ما بين : الإسلام ودفع الجزية والسيف . يقول الدكتور حتي : وقد تمتع أهل الذمة في هذه الوضعية بقسط وافر من الحرية لقاء تأديتهم الجزية والخراج ، وأرتبطت قضاياهم بالفعل في اأمور المدنية والجنائية والقضائية بروسائهم الروحيين ، إلا أذا كانت القضية تمس المسلمين . أما الشريعة الاسلامية فلم تطبق عليهم ، أنها لم توضع لهم[108] . ويقول في موضع آخر : وأنحصرت معاملة أهل الذمة لأول مرة في أهل الكتاب وحسب . إلا أنها سرت بعدئذٍ على عبدة النار من أتباع زرادشت والوثنيين من أهل حران والبربر ، وكانوا عبدة أصنام ، ولم يكن للفرس مع أتباع زرادشت دين منزل ، ولهذا كانوا خارج نطاق الأمان إلا أنهم حظوا مع معاشر البربر من سكان أفريقيا الشمالية بالحقوق نفسها التي منحها الإسلام لأهل الكتاب خاصةً ، وخيروا أسوة بهؤلاء بين الإسلام والسيف والجزية ، لا بين الإسلام أو السيف فقط[109] . المهم الذي ينبغي التنبيه عليه هو : أن اليهود كانوا متواجدين بكثرة في المدينة ، فلهذا نجد أن أكثر المعاهدات كانت مع اليهود ، وأما النصارى فكان أكثر تواجدهم في مكة والمناطق الأخرى من الحجاز ، ولم يكونوا متواجدين في المدينة إلا أفراد قلائل ، وذلك بسبب المشاحنات ما بين اليهود والنصارى في ذلك الوقت . وأما الفرس فقد كانوا متواجدين في الحجاز ، وبالأخص في جدة وعدن ، يقول المقدسي : وأكثر أهل عدن فرس إلا أن اللغة عربية[110] . ولأهل الذمة أحكام خاصة ، تعرض لها الفقهاء بشكل مفصل ، وليس هنا محل ذكرها . فمن هذه الأحكام : أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج من الذمية حتى تسلم ، وكذلك لا يجوز أن تتزوج المسلمة من الذمي حتى تسلم . وأما في الحروب فليس لهم الحق بأن يشاركوا ، أن الجزية كانت عوضاً عن هذا الأمر . وغير ذلك من الأحكام المفصلة في الكتب الفقهية ، والتي تعرض لها الفقهاء ـ جزاهم الله خيرا ـ في كتبهم في غاية التفصيل .

4) الطبقة الرابعة ، الرقيق : من إحدى تعاليم الإسلام السامية هي : حرمة أستعباد الآخرين ، وذلك على أعتبار أن الإسلام دين هداية يكفل بأن يأخذ بيد الأنسان من عبوديته إلى عبادة الواحد القهار . إلا أنه وبسبب عدم تولي الأصلح للخلافة ، ظهرت عادة الرقيق ، الأمر الذي دفع المسلمون بأزائه ثمناً باهظاً في القرون التي تلت . وكان الرقيق عبارة عن اسرى الحرب أو الغزو أو من الذين شروا بالمال ، إلا أن الذي غلب بعد ذلك هو شراؤهم بالمال أو بالأخص فيما يخص النساء ، حيث أصبحت هناك تجارة تسمى بتجارة الرقيق ، وقد كانت من بلاد مختلفة ، كأفريقية ، وفرغانة ، والصين ، والشرق الأدنى ، ومن شرق أوروبا . وكان الأرقاء أعضاء في الأسرة، وكانوا يطعمون ويكسون . إلا أن إستخدامهم بأعداد كبيرة أثٌر تأثيراً مباشراً أو غير مباشر على الحياة الأجتماعية . يقول أمير علي : ونهى النبي العربي عن إستعباد الناس والمتاجرة بهم ، وأمر بأن الأرقاء يجب أن يطعموا ويكسوا ، وبألاٌ تساء معاملتهم إطلاقاً ، وبأن يسمح لهم بأقتداء أنفسهم والعمل على تحرير رقابهم . وكان الأرقاء في الحقيقة أعضاء في الأسرة ، غير أنهم بالرغم من مركزهم المتفوق بالنسبة إلى سائر الانظمة، فأن إستخدامهم بأعداد كبيرة أثرٌ تأثيراً ضاراً في الحياة الأجتماعية العربية ، إذ أنه ساعد على الحط من مقاييس المثل العليا وعلى إرخاء الروابط الأخلاقية[111] . ويقول حتي : وكان معظم العبيد في فجر الإسلام من أسرى الحرب أو الغزو أو من الذين شروا بالمال ، وأصبحت تجارة الرقيق في العهود الأسلامية الأولى ذات موارد وأرباح في جميع البلدان الأسلامية . ، وكان العبيد أجناساً شتى منهم الزنجي الأسود من أفرقيقة ومنهم الأصفر من فرغانة أو تركمنستان الصينية والأبيض من الشرق الأدنى أو من شرقي أوروبا وجنوبيها[112] . والمرأة من الرقيق إذا تزوجت أطلق عليها أمةً ، ومن هنا ترتب عليها عدة الأحكام ، فمن هذه الأحكام : أنها إذا ولدت من غير سيدها ، فأن مولودها يبقى عبداً ، سواء أكان الوالد عبداً أم حراً . ولم يكن للأمة حق في أن تكون زوجةً شرعيةً لسيدها ، بل كان التسري هو المألوف ، وما يولد من البنين في مثل هذه الحالة فأنهم يعتبرون أبناء السيد ، فهم أحرار ، وتصبح أمهم أم ولد ، فترتفع عندئذٍ مكانتها الأجتماعية ، ولا يحق للزوج بعد ذلك بيعها أو إهداؤها إلى سواه . وإذا مات عنها سيدها ، أعتقت وأصبحت حرة . يقول حتي : ونصت الشريعة الأسلامية أن مولود الأمة من غير سيدها عبد سواء كان الوالد عبداً أم حراً ... ولم يكن للأمة حق أن تكون زوجة شرعية لسيدها ، وكان التسري هم المألوف وما يولد من البنين في مثل هذه الحالة هم أبناء السيد ولهذا فهم أحرار وتصبح أمهم أم ولد فترتفع بذلك مكانتها الأجتماعية ولا يحق للزوج بعد ذلك بيعها أو إهداؤها إلى سواه ، حتى إذا مات عنها أعتقت[113] . وتفصيل الأحكام في ذلك نحيله ألى الكتب الفقهية ، فإنها قد بحثت بشكل مفصٌل .

5) الطبقة الخامسة ، الجواري : للجارية أسماء متعددة وهي : جارية أو فتاة أو قينة . ويعود أصل الجواري إلى ما يسبيه الفاتحون في الحرب من النساء والبنات ، ويعتبرون ملكاً للفاتح ولو كنٌ من بنات الملوك أو الدهاقين . فالجواري بهذا اللحاظ يختلفن عن الرقيق . وقد كان تأثير الجواري كبيراً في التمدن الأسلامي ، بحيث لم يقفن عند حدهنٌ هذا ، بل دخلن في مجالات مختلفة من الحياة الأجتماعية ، فكان منهن الشاعرات والقارئات للقرآن مع حفظه ، والمغنّيات ، وغير ذلك من صنوف الأدب والفن. كما أنّ الفاتح الذي يستولي على الجارية تصبح ملكه ، ويتصرّف بها كما يتصرّف بملكه الشخصي . وقد كان هناك إعتناء بالجواري ، وتختلف أثمانهنّ بقدر ما يعتنى بهن فلهذا تختلف أثمانهنّ بحسب الصفات التي يحملنها ، كأن تكون شاعرة أو مغنية أو أي عمل آخر تتقنه ، إضافة إلى جمالها . وبلحاظ هذه الصفات كان يختلف ثمنها عند بيعها ، وكذلك إذا أراد شخص أن يتقرب إلى أحد الوجهاء ، فكان يختار الجارية التي تناسب الوجيه ، ليكون في موضع تقدير واحترام ، وعلى غرارها تقضى حاجته . يقول زيدان : وأصل الجواري ما يسبيه الفاتحون في الحرب من النساء والبنات فهنّ ملك الفاتحين ، ولو كنّ من بنات الملوك أو الدهاقين ، ليستخدموهنّ أو يستولدوهنّ أم يتصرّفون في بيعهنّ تصرف المالك بملكه . ولما أفضت أحوال المسلمين إلى الترف والقصف وتدفّقت الأموال من خزائن الخلفاء والأمراء ، جعلوا يتهادونهنّ كما يتهادون الحلي والجواهر . فمن أحبّ التقرب من كبير أهدى إليه جارية أتقنت صناعة يعلم أنه راغب فيها[114] . وقد كانت الجواري على أصناف ومن مناطق مختلفة ، وفيما يلي نعرض لذكر ذلك وبشكل مختصر .

1)‌ أصناف الجواري : لمّا كثرت الجواري في أكثر أغلب المدن الإسلامية ، وكنّ أكثر مايكون في المدينة ، بإعتبارها عاصمة الخلافة الدينية، بينما كانت دمشق عاصمة الخلافة السياسية . صحيح أن مركز الخلافة قد أنتقل إلى دمشق ، إلا أنّ هذا الإنتقال لم يصحبه إنتقال الفقه والفتيا إلى دمشق ، بل بقيت المدينة هي مركز الإستقطاب في طوال فترة الدولة الأموية . ونظراً لهذا الموقع الديني التي أحتلته المدينة ، كانت عملية إنتقال الجواري إليها أمر طبيعي . بالإضافة إلى ذلك ، كانت المدينة من أكثر المدن ترفاً ، بحيث أنّ الخلفاء الأمويين قد أغدقوا الأموال الطائلة على أهلها ، لكن هذا الإغداق لم يكن بنيّة حسنة ، بل كان بدوافع سياسية ، وذلك بسبب أن المدينة كانت تمثّل المعارضة الحقيقية للخلافة الأموية ، فوقعة الحرّة وحكومة ابن الزبير خير مثال على ذلك . ولأجل قتل هذه الروح المخالفة للعرش الأموي ، عمد الأمويون إلى جعل المدينة مركزاً للترف . يقول الدكتور أمين : وكانتا مدرستا الحجاز في مكة والمدينة من أكثر المصادر ، وخاصة فيما يتعلق بالحديث ، وما يبني عليه من فقه ، وما يتصل بذلك من أخبار وسير ، وذلك طبيعي ، لأنّ مكّة منشأ النبي والمدينة مهاجره ، وكلاهما منبت الصحابة من مهاجرين وأنصار ، عاشروا النبي وحدثوا عنه ، وحكوا ما رأوا عنه وما سمعوا من أقوال وأفعال ، وتناقل التابعين عنهم ما سمعوا ، وقد كانت حركة الحج الدائمة سبباً في إتصال العالم الإسلامي بعلماء مكة والمدينة ، ينتهزون فرصته ، فيجتمعون بعلمائها ، يروون عنهم ويروون ، ويرجعون إلى بلادهم يحملون ما أخذوا وينشرون ما تلّقوا منهم[115] . وفي موضع آخر يقول : إن الأمويين كانوا يعينون الحجاز ـ مكة والمدينة ـ بالمال ونحوه إتقاءاً لشرهم ، ورغبة في ألاّ يفكروا في السياسة وشوؤنها[116] . ونتيجة لإغداق الأموال ، فقد تعود أهل المدينة على إقتناء الجواري ، ونتيجة لهذا التعويد ، إشتغل النخاسون في إستجلابهنّ ، لأنّها أصبحت تجارة ذات أرباح كثيرة ، وهذا الإستجلاب كان من مناطق شتّى ، وعندئذٍ تنوّعت الجواري ، فهناك الجارية التركية والهندية والأرمينية ، والرومية والبربرية والنوبية والزنجية والحبشية ، صغيرات وكبيرات ، وعندئذٍ أنشأوا مكاناً خاصاً لبيع الجواري أطلق عليه ( دار الرقيق ) . يقول زيدان : فلما تعود الناس إقتناء الجواري أشتغل النخاسون في إستجلابهنّ من أقصى بلاد الترك والهند والكرج والخطا وأرمينيا والروم والبربر والنوبة والزنج والحبشة ، صغاراً وكباراً [117]. وقد كان هناك صنفاً خاصّاً من الجواري له اسم خاص لا يعرفه إلا الخلفاء والنخاسون وهو ( عكاك النيك ) وهذا الصنف كان يستهوي الخلفاء الأمويين خاصة ، وكان محل تواجده في المدينة ، وفي هذا الصدد يقول الجاحظ : كتب هشام بن عبد الملك إلى عامله على المدينة : «أما بعد فاشتر لي عكاك النيك ». قال : وكان له ـ أي لعامل المدينة ـ كاتب مديني ظريف ، فقال له : ويحك ما عكاك النيك ؟ قال : الوصائف . فوجّه إلى النخاسين فسألهم عن ذلك ، فقالوا : عكاك النيك : الوصائف البيض الطوال ، فاشترى منهنّ حاجته ، ووجّه بهنّ إليه[118].

2)‌ تعليم الجواري : كان الغرض من تعليم الجواري هو الكسب ، بحيث أصبح تعليم الجواري وتربيتهن من أبواب الكسب الواسعة في مجتمع المدينة في العصر الأموي ، وذلك لأنه سيبيعها بضعف أو بأضعاف ما اشتراها . فلأجل هذا كان الرجل يذهب على دار الرقيق فيشتري جارية ، لكن ليس أية جارية ، بل جارية تتمتع بصفات خاصة ، كالذكاء ، وذلك عن طريق إختبارها ، وبعد ذلك يقوم بتعليمها وتثقيفها، فيعلمها الأدب أو النحو أو العروض أو أيّ فنٍ آخر مع تحفيظها القرآن وما يرويه لها من أشعار . وبما أن الغناء في هذا العصر قد راجت بضاعته وبالأخص في المدينة ـ كما سيأتي ـ فأن تعليم الجارية كان سيزيد من ثمنها . يقول زيدان : وكان تعليم الجواري وتربيتهنّ من أبواب الكسب الواسعة في ذلك العصر ، فيذهب أحدهم إلى دار الرقيق يبتاع جاريةً يتوسّم بها الذكاء ، فيثقفها ويرويها الأشعار أو يلقنها الغناء أو يحفظها القرآن أو يعلمها الأدب أو النحو أو العروض أو فنّاً ثم يبيعها[119] . وفي موضعٍ آخر يقول : والأستكثار من الجواري في أوائل الإسلام لم يكن يحتاج إلى نفقة كبيرة لكثرة السبايا ، فلما نضج التمدن صاروا يبتاعونهنّ ويغالون في رفع أثمانهنّ ، وكانت أسعارها تتضاعف إذا جمعت بين الجمال ورخامة الصوت وصناعة الغناء ، ويختلف ثمن الجارية من بضع مئات إلى بضعة آلاف أو مئة ألف دينار[120] . وكثرة الجواري كان يستتبعها التزويج منهنّ ، والتزويج يقتضي عادة الأنجاب ، وقد حصل هذا الأمر في المدينة ، إلاّ أنّ ابن الجارية كان لا يلاقي عادة إحتراماً أو معاملة من قبل محيط المدينة ، فعلى سبيل المثال ، يروي المبرد حادثة من هذا القبيل ، يقول : ويروى عن رجل من قريش لم يسم لنا ، قال : كنت أجالس سعيد بن المسيّب ، فقال لي يوماً : من أخوالك ؟ فقلت : أمي فتاة ( جارية ) فكأني نقصت في عينه . فأمهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فلما خرج من عنده ، قلت : يا عم من هذا ؟ فقال : يا سبحان الله الجهل مثل هذا من قومك ، هذا سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . فقلت : فمن أمه ؟ قال : فتاة . قال : ثم أتاه القاسم بن محمد بن ابي بكر الصّديق ، فجلس عنده ، ثم نهض ، فقلت : يا عم من هذا ؟ فقال : إنجيل من أهلك مثله ، ما أعجب هذا ، هذا القاسم بن محمد بن ابي بكر الصديق . قلت : فمن أمّه ؟ قال : فتاة . فأمهلت شيئاً حتّى جاءه عليّ بن الحسين (عليهما السلام) فسلّم عليه ، ثم نهض . فقلت : يا عم من هذا ؟ فقال : هذا الذي لا يسع مسلماً أن يجهله ، هذا علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) . قلت : فمن أمّه ؟ قال : فتاة . قال : قلت : يا عم رأيتني نقصت في عينك مما علّمت أنّي لأم ولد ، أفمالي في هؤلاء أسوة . قال : فجللت في عينه جداً [121]. وبغض النظر عن مدى صحة هذه الرواية ، إلا أنه ممّا لا شك فيه ، أن هذا النمط من التعامل كان معمولاً به في الجزيرة العربية ، وبالأخص في المدينة . إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ جميع أهل المدينة كانت معاملتهم لهؤلاء من هذا القبيل ، بل كان هناك من يعاملهم كبشر . ونلاحظ ذلك في سيرة الأمام السجاد (ع) ، حيث ينقل في هذا المجال : أنّ جارية جعلت لعلي بن الحسين (ع) تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة ، فتعبت فسقط الأبريق من يد الجارية فشجّه ، فرفع رأسه إليها ، فقالت له الجارية : إن الله تعالى يقول ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ قال : قد كظمت غيظي . قالت: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قال لها : عفى الله عنك . قالت ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ قال : فأذهبي فأنت حرة لوجه الله عزّوجلّ[122] . والذي يظهر من هذه الرواية ، أنّ الجارية كانت حافظة للقرآن الكريم بدليل ذكرها هذه الآيات بشكل مناسب ، كما يظهر منها حسن المعاملة من قبل الإمام (عليه السلام) . إلا أن هذا اللون من المعاملة بدء يخف عند العرب ، وذلك نتيجة لكثرة الجواري أوّلاً ، ولتعلّمهنّ أصناف العلوم ثانياً ، وثالثاً بما تمتعنّ به من جمال وظرافة . وقد تعد أمرهن بعد ذلك بحيث أصبحن ذات نفوذ كما يأتي .

3)‌ نفوذ الجواري : وبعد أن خفّ تعصّب العرب تجاه الجواري ، وبدئوا بتغيير أسلوبهم إتجاههنّ ، أستتبع ذلك نفوذ الجواري على الخلفاء والوزراء وأمراء الجيوش وغير ذلك؛ إلا أن هذا النفوذ كان مقتصراً على ضعيفي السياسة وممن أشتهروا باللهو والترف ، تاركين أمور العباد وأمور الدولة في خير كان . يقول زيدان : وطبيعي في ربات الحسن أن يكنّ نافذات الكلمة أن الجمال قوة والحب سلاح ، ولذلك كان أرباب الدهاء من الخلفاء والأمراء يتباعدون عن الجواري ، إذا أهدى إلى أحدهم جارية لم يلتفت إليها ولا سيّما مؤسّسي الدول كمعاوية والمنصور وعبد الرحمن الداخل . وعكس ذلك خلفاء أواسط الدولة إبّان الترف والقصف والرخاء ، فإنّهم كانوا يتمادون في حبّ الجواري حتّى يتسلطن على عقولهم كما فعلت حبابة بيزيد بن عبد الملك الأموي حتى كادت تذهب بعقله ، وشغلته عن مهامّ الخلافة[123] .

6)الطبقة السادسة ، مولدات المدينة : التوليد هو : أن يتزوّج رجل من أمةٍ أمرأةً من أمةٍ أخرى ، فينشأ بينهما نسل يجري في عروقه دمّ الأمتين . وكان هذا التوليد ظاهرة قوية أنتجت عن أختلاط الأجناس ، ومن نظام الرق والولاء الذي طبق عقب الفتح الإسلامي[124]. كما أنه يطلق على المتولد منهما أسم الهجين ، والهجين عند العرب هو : الذي يكون أبوه شريفاً وأمّه وضيعةً ، والأصل في ذلك أن تمون أمةً [125]. وبحسب الظاهر بأن أولاد هذا النوع قد كثروا ومن الصنفين ، يعني : من الذكر والأنثى ، الأمر الذي أدّى بالشعور بالنفرة من قبل بعض العرب أتجاههم ، وفي ذلك يقول أحد شعراؤهم ، وهو الرياشي[126] :

إنّ أولاد السراري كثروا يا ربٌّ فينا
ربّ أدخلني بلاداً لا أرى فيها هجينا

فهنا يشير الشاعر إلى كثرة أولاد السراري ، ممّا يعني أن هذا الأمر أصبح عبارة عن ظاهرة إجتماعية عامة ، كما أنّ الشاعر يتمنّى هنا بأن يترك بلاده ، ويهاجر إلى بلاد أخرى لا يرى فيها هذا الصنف . ممّا يعني : الشعور بالتنفّر من هذه الظاهرة . وأنجر هذا الأمر على النساء، فأطلق عليهنّ باسم ( المولدات ) والمولّدات يعني : نساء نتجن من آباء عرب وأمهات من غير العرب[127] . وبما أن أكثر هذه النساء كنّ في المدينة ، فقد أطلق عليهنّ ( مولدات المدينة ) على أعتبار أنهنّ قد نشأن بالمدينة وربينّ فيها . وقد شكلت هذه المولدات ظاهرة عامة في مجتمع المدينة ، بحيث كنٌ يتميزنٌ بالجمال والميل إلى السرور والفكاهة والمجون ، وبحسن الأستعداد للنبوغ في الغناء . فلذلك إشتهرن به ، والمغنيات في المدينة كان أكثرهنّ من المولدات ، أو من تلاميذهنّ . الأمر الذي أدّى إلى شيوع الغناء في المدينة ، وما كان يستتبع الغناء من اللهو والترف و إضعاف الروح الإيمانية في نفوس الناشئة الجديدة . يقول الدكتور أمين : وأشتهرن مولدات المدينة بالدلال والميل إلى السرور والفكاهة والمجون وبحسن الإستعداد للنبوغ في الغناء[128] . وفي موضع آخر يقول : إنّ أكثر من نبغ من المغنيّات في الحجاز من مولدات المدينة ، أو من تلاميذهنّ[129] . وإشتهار المولدات بالغناء لا يعني أن هذه هي المهنة الوحيدة التي يعملن بها. كما أن الغناء لم يقتصر عليهن ، بل قد كانت هناك نساء عربيات مدنيات الأصل مارسن هذه المهنة ، كما سيأتي .

هذه هي الطبقات الأجتماعية التي كانت بارزة في المجتمع المدني في العصر الأموي . وبألقاء نظرة فاحصة حول هذه الهيئة الإجتماعية نلاحظ أنّ هذا الأمر كان مدروس من قبل الأمويين ، على أعتبار أن المدينة كانت تمثّل العاصمة الدينية لكل البلاد الإسلامية في ذلك الوقت ، لما كان يتواجد بها من الصحابة والتابعين ، وكذلك الصحابيات والتابعات ، وقد كان بها من أئمة الفقه والفكر كالأمام زين العابدين (عليه السلام) ومن الفقهاء عبد الله بن عباس (رض ) ومحمد بن الحنفية (رض ) وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وغيرهم . ومن خلال ما تقدّم نصل إلى هذه النتيجة وهي :

إن وضع المرأة قد تحسن عند مجئ الإسلام ، بحيث نرى بأن الإسلام قد أعطى الحرّية الكاملة للمرأة ولكن تحت ضوابط معينة ، بحيث لا تخرجها عن مكانتها اللائقة بها. فلها الحق أن تعمل ولها الحق أن تتعلم وأن تشارك الرجل في هموم الحياة ومشاكلها وبحسب طاقتها وكفائتها في هذا المجال . فقد رأينا أنّ من النساء من كنّ يروين الحديث عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم ) ومنهنّ من حفظت القرآن الكريم ، ومنهنّ من إلتحقت بالجيش الإسلامي لتدامي الجرحى ، ومنهن من كنّ شاعرات ، وبعضهنّ قد دخلن في المجالات السياسية . إلا انه بعد أن تسلم البيت الأموي زمام الأمور ، نلاحظ أن الأمر قد تغيّر ، بحيث نجد في هذا العصر قد برز النظام الطبقي ، يضع المراة العربية على قمّة الهرم ـ طبعاً المرأة العربية الموالية لنظامهم ـ وتأتي بعد ذلك سائر الطبقات ، على أعتبار بما كان سائداً من تفضيل الجنس العربي على غيره من الأجناس . كما أنّ الملاحظ في هذا العصر وفي المدينة مركز الخلافة الدينية ، قد تحول نهجها من المعارضة ـ طبعاً بعد ابن الزبير ـ للحكم الأموي ، إلى مدينة هادئة لا يهمّها ما يحدث في غيرها من المدن ، وذلك بسبب الضغط والقسوة من قبل النظام المتسلط ، وكذلك ما استخدمه الأمويون من سياسة إغداق الأموال .

3) المكانة الأجتماعية للمرأة

فهرست مطالب

الوضع الأجتماعي ـ كما تقدّم فيما سبق ـ هو وليد النظام الإجتماعي ، ومن ضمن مباحث الوضع الأجتماعي هو مكانة المرأة . فكيف كانت مكانة المرأة عند المسلمين في أبّان الحكم الأموي ؟

1) حرّية المرأة : يختلف مفهوم حرّية المرأة في الإسلام عن مفهوم الحرّية عند الغرب . وذلك لأن مفهوم حرّية المرأة الذي يناشد به الغرب هو مساوٍ للإباحية ، بينما مفهوم الحرّية في الإسلام هو عبارة عن مفهوم منضبط تتحكمه القواعد الإخلاقية والخلقية . فالناحية الإخلاقية للمرأة تقتضي بأن تحافظ على عفّتها وعلى عرضها ، لأنه إذا فقدت المرأة هاتين الخصيصتين فأيّ معنى يبقى لها ؟ وأي إحترام وتقدير تنتظره من الرجل تجاهها ؟ وجمال المرأة يكمن في حفظ هاتين الخصيصتين ، وتأكيد الإسلام عليهما لم ينطلق من فراغ ، بل بأعتبارهما عمود الخيمة ، فإذا إنهدم العمود ، إنهدمت بقية أركانه . وأما من الناحية الخلقية فلتميّز المرأة عن الرجل في البنية الجسدية ، وما أعدت له من غرس النسل . ومن خلال مراجعتنا للعصر الأموي نجد أن المرأة كانت تتمتع بقسط وافر من الحرية . كما نلاحظ ذلك في حريتها في إختيار الزوج ، ومما لا شك فيه أنّ المرأة قبل الإسلام ، كانت لاتستطيع أن تختار زوجها بحرّية ، بل الأمر يتعلّق بالأب أو الأخ ، فإذا وافقا ، فلا يهمّهما أن توافق البنت أم لا . لكن عندما جاء الإسلام فأنه قد ألغى هذا القانون لما فيه من مضار إجتماعية ، لأن الإسلام جاء لكي يقوم بعملية علاج جذري للأمور ، حتّى تبنى الحياة الإجتماعية بشكل صحيح . وبإعطاء الإسلام الحرية الكاملة للمرأة في إختيار زوجهتا ، كان قد ضمن العش الزوجي الذي هو الأساس في خلق مجتمع حر وكريم ، كما قد ضمن دوامه . ومما يحكى في هذا المجال : أنّ عبد الملك بن مروان خطب إبنة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فأبت أن تتزوّجه، وقالت : والله لا تزوّجني أبو الذباب ، فتزوّجها يحيى بن الحكم[130] . فهذه الرواية تبين لنا القدر الذي كانت تتمتع به النساء بصورة عامة ، ونساء المدينة بصفة خاصة ، وهذا التحوّل لم يكن ليحدث لو لم يعط الإسلام الحرية للمرأة ، بإعتيارها عضو رئيسي في تشكيلة المجتمع لا أنها عضو مهمل . ومن حريتها [131]: أن جارية هجت الأخطل ، وهي من قومه ، فقال الأخطل لأبيها : يا أبا الدلماء إنٌ إبنتك تعرضت لي فأكففها . فقال له : هي أمرأة مالكة لأمرها ، فقال الأخطل :

ألا أبلغ أبا الدلماء عنّي بأن سنان شاعركم قصير

2) شجاعة المرأة : الشجاعة التي حصلت عليها المرأة كان نابعاً من الإسلام ، لا أنه كان نابعاً من سياسة بني أمية ، بل أن سياستهم كانت تهدف إلى إذابة هذا الشجاعة ومحاولة سلب حقوقها . والشجاعة التي نلاحظها هنا كانت متنوّعة ، فتارة تواجه الحاكم الظالم ، وأخرى تنقد الشعر والشعراء . فأمّا على صعيد المواجهة ، فقد واجهت المرأة الظالمين في ذلك العصر ، كما نلاحظ ذلك في موقف زينب الكبرى ( سلام الله عليها ) حيث أنها قد واجهت من أعتى طغاة عصرها ، كيزيد وابن زياد . يقول ابن مخنف : فلما دخلت أخوات الإمام الحسين ونساؤه وصبيانه ، لبست زينب إبنة فاطمة أرذل ثيابها ، وتنكرت وحفّت بها إماؤها وجلست . فقال عبيد الله بن زياد : من هذه الجالسة ؟ فلم تكلمه. فقال ذلك ثلاثاً ، كل ذلك لا تكلها . فقال بعض غماؤها : هذه زينب إبنة فاطمة . فقال لها : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب إحدوثتكم . فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد (صلي الله عليه و آله و سلم) وطهرنا تطهيرا ، لا كما تقول أنت ، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر . قال : فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ قالت : كتب الله لأهلهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّون إليه وتخاصمون عنده . فغضب ابن زياد وإستشاط ، فقال لها : قد أشفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك . فبكت ثم قالت : لعمري لقد قتلت كهلي ، وأبرت أهلي ، وقطعت فرعي ، وأجتثثت أصلي ، فإن يشفيك هذا فقد إشتفيت . فقال عبيد الله : هذه سجاعة ، ولعمري قد كان أبوك شاعراً سجاعاً . قالت : ما للمرأة والسجاعة ، إن لي عن السجاعة شغلاً ، ولكني نفثى بما أقول[132] .

وعن فاطمة بنت علي (عليه السّلام) قالت : لما إجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية، قام رجل أحمر من أهل الشام إلى يزيد ، فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه وهو يعنيني ، فأرعدت ، وظننت أنّ ذلك جائز لهم ، وأخذت بثياب أختي زينب ، وكانت أكبر مني وأعقل وتعلم أن ذلك لا يمون ، فقالت له : كذبت ولؤمت ما ذلك لك ولا له . فغضب يزيد فقال : كذبت والله ، أن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلت . قالت : كلاّ والله ، ما جعل ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا ، وتدين بغير ديننا . فغضب يزيد وإستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا ، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك . فقالت زينب : بدين الله ودين أبي وأخي وجدي إهتديت أنت وأبوك وجدك . قال : كذبت يا عدوة الله . قالت : أنت أمير مسلط تشتم ظالماً، تقهر بسلطانك ، فسكت[133] . أي شجاعة كانت تمتلكها زينب (عليها السلام) ، لقد واجهت رجلين من أعتى العتاة في عصرها ؟ ومن اين أكتسبت هذه الشجاعة ؟ ومن الذي أعطاها لها ؟

من الطبيعي ، أنها اكتسبتها من الإسلام الذي كانت تعرف مضامينه ، وأهدافه ، وكانت تعرف ـ أيضاً ـ حقوق المرأة ، وما يجب لها وما عليها . فالإسلام هو الذي أعطى هذه الشجاعة لها ، وألا فلا تستطيع أي مدرسة فكرية أخرى أن تعطي هذا القدر من الشجاعة مثل ما يعطيه الإسلام ، تحت مبدأ لا خضوع ولا طاعة إلا لله ومن أفترض طاعته . وأجمل ما في كلامها هنا ـ وكل كلامها جميل ـ هو قولها : « أنت أمير مسلط »؛ إنه نوع من المواجهة الفكرية النادرة . فكأنها تريد أن تقول له : يا يزيد أنت لم تأت عن طريق الإختيار الشعبي ـ إن صح التعبير ـ وأنما أتيت إلى السلطة عن طريق القوة والبطش ، وما عبده إليك معاوية أبوك . ومن المعلوم أن زينب (عليها السلام) كانت من نساء المدينة ، كما أنها كانت من الصحابيات ، لأنها ولدت في عهد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وقد رأته ، كما أنها قد عاشت مع أبيها الإمام علي (عليه السلام) ومع أمّها فاطمة الزهراء (عليه السلام) وكذلك قد عاشت مع إخويها الإمام الحسن (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) وكذلك قد عاشت مع الإمام زين العابدين (عليه السلام) . يقول ابن الأثير : زينب بنت علي بن ابي طالب (عليه السلام) القرشية الهاشمية وأمها فاطمة بنت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) أدركت النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وولدت في حياته ، ولم تلد فاطمة بنت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) بعد وفاته شيئاً ، وكانت زينب أمرأة عاقلة لبيبة جزلة ، زوجها أبوها علي (عليه السلام) من عبد الله بن أخيه جعفر، فولدت له علياً وعوناً الأكبر وعباساً ومحمداً وأم كلثوم وكانت مع أخيها الحسين (عليه السلام) لما قتل[134] . ومن المواقف الأخرى التي تبيّن الشجاعة لدى المرأة ، هي : أنه عندما أعلن أهل المدينة خلعهم ليزيد ، بعث إليهم يزيد مسلم بن عقبة ، فوقعت الوقعة التي تسمّى بوقعة الحرّة ، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديداً ، إلا أنه بالنتيجة كان الظفر له ، وعندما ظفر بأهل المدينة ، قام بإباحة المدينة بمّدة ثلاثة أيّام ، فلم يبق بها من إحد ألا قتل أو بايع بعنوان أنه عبد ليزيد ، كما أنه قد أولدت الأبكار ولا يعرف من أولادهن ، ألا انه قد عاجلته المنية بعد ذلك ، حيث أنه قد مات ودفن بثنية المشلل ، وعندما انصرف الجيش إلى مكة لمواجهة ابن الزبير ، جائت أم ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة فنبشته وصلبته على المشلل وجاء الناس فرجموه [135]. فهذا الموقف من قبل هذه المرأة كان ينبع من شجاعتها ، بحيث أنه قد كان هناك عدة من الرجال لم يستطيعوا الأقدام على ذلك ، لكن هذه المرأة قامت بهذا العمل ، وعندئذٍ تشجع الرجال وقاموا برجمه . وعلى الرغم من كون هذه الحادثة صغيرة ، إلا أنها تبين حجم الشجاعة التي كانت تمتلكه المرأة . ومن المواقف الأخرى هي : أنٌ الحجاج قال امرأة من الخوارج : والله يعدنكم عدٌاً ، ولأحصدنكم حصداً . قالت له : الله يزرع وأنت تحصد . فأين قدرة المخلوق من قدرة الخالق[136]. وأيضاً قد أوتي للحجاج بأمراة من الخوارج : فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه . فقيل لها : الأمير يكلمك وأنت لا تنظرين إليه . قالت : إني استحيي أن أنظر من لا ينظر الله إليه ، فأمر بها فقتلت[137]. فبغضّ النظرعن المعتقد في هذين الموقفين إلاّ أنه يثبت أن المرأة كانت تمتلك الشجاعة وتعتبر أن هذا الأمر قد أعطاها الإسلام لها . بحيث وصل بها الأمر أن تواجه الطغاة في زمانها. كما أنّ المرأة كانت تعتبر هذه الموقف جزءاً من حرّيتها وحقّها ، ولا يستطيع أيّ أحد أن يسلب هذا الحق وهذه الحرّية منها ما دامت لم تخرج عن حدود الشريعة .

وأما من ناحية شجاعتها الأدبية فقد كانت تواجه بشعرها الطغاة وتستصغرهم ، إضافة إلى نقدها لأبرز شعراء عصرها . ويروى في هذا المجال ، أن ليلى الأخيلية الشاعرة المعروفة ـ وسيأتي الحديث عنها بعد ذلك ـ قدمت على الحجاج فأنشدته :

إذا ورد الحجاج أرضاً مريضة تتبع أقصي دائها فشفاها

شفاها من الداء العقام الذي بها غلام إذا هز القناة ثناها

فقال لها الحجاج : لا تقولي غلام ولكن قولي همام[138] . فعلى الرغم من أن ليلى الأخيلية قد مدحت الحجاج ، إلا أنها حاولت أن تنتقصه بقولها ( غلام ) لكن الحجاج إلتفت إلى ما تريده الشاعرة ، فأرشدها إلى أن تغيره . ومهما يكن من أمر فإن ليلى شاعرة بليغة وهي تعرف معنى الغلام ومعنى الهمام ، ولا يخفى عليها ذلك ، لكنها كانت شجاعة بحيث عبرت عن رأيها في الحجاج وهو كونه غلام وهو نوع من الإستصغار .

وأما من ناحية نقد المرأة للشعر والشعراء ، والذي يعتبر نوع من الشجاعة الأدبية ، ما قد جاء من نقد سكينة بنت الحسين (عليه السلام) للفرزدق شاعر أهل البيت المعروف . يذكر صاحب الأغاني في هذا المجال[139] : أنه خرج الفرزدق حاجّاً ، فلمّا قضى حجّه عدل إلى المدينة ، فدخل على سكينة بنت الحسين (عليه السلام) فسلّم . فقالت له : يا فرزدق من أشعر الناس ؟ قال : أنا . قالت : كذبت ، أشعر منك الذي يقول :

بنفسي من تجنبه عزيز عليٌ ومن زيارته لمام

ومن أمسى وأصبح لا أراه ويطرقني إذا هجع النيام

وكذلك قد إنتقدت سكينة ( سلام الله عليها ) الشاعر كثير عزة ، فعندما دخل كثير عزّة على سكينة بنت الحسين (عليه السلام) قالت له : يا بن ابي جمعة ، أخبرني عن قولك في عزة:

وما روضة بالحزن طيبة الثرى يمج الندى جثجاثها وعرارها

بأطيب من أردان عزّة موهناً وقد أوقد بالمندل الرطب نارها

ويحك ، وهل على الأرض زنجية منتنة الأبطين توقد بالمندل الرطب نارها إلا طاب ريحها ؟ ألا قلت كما قال عمك امرؤ القيس :

ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تتطيب[140]

فانتقاد سكينة لهذين الفطحلين ينبئ عن الشجاعة الأدبية التي كانت تمتلكها وكذلك مقدرتها العلمية وذوقها الأدبي الرفيع . وذلك أنه من المعروف من الناحية النفسية ، أنه عندما يشتهر أحد الأشخاص بعلم ما ، فإن الآخرين يتحاشونه ، لشهرته في هذا المجال ، لكن الإسلام وتعاليمه شئ، وما تعارف عليه الناس شئ آخر . وذلك لأن القرآن الكريم صرّح بأنّ أعلم من في الأرض والسماء هو الله تبارك وتعالى ، كما أنّه صرح بأنه يوجد عالم إلا ويوجد من هو أعلم منه ، يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه ﴿ وفوق كلّ ذي علمٍ عليم﴾[141] . فاشتهار الشخص من كونه أعلم بهذا الفن ، لا يعني أنه لا يوجد هناك من أقدر منه ، وخير دليل ما تقدّم .

3)إستشارة المرأة :

بلغ الحدّ من إحترام المرأة وعلوّ مكانتها الإجتماعية ، أن أصبحت في موضع الإستشارة ، الأمر الّذي لم يكن موجوداً قبل الإسلام . إلاّ أنه بعد أن جاء الإسلام وأعطى حقوق المرأة الّتي كانت مسلوبة ، أنطلقت المرأة لكي تحافظ على هذه الحقوق وبقدر قوتها . وفي هذا العصر ـ أي عصر بني أمية ـ نرى أنه من جملة الأمور التي كانت تتمتّع به المرأة وبالأخص في المدينة ، هو استشارتها وعدم تغييب رأيها ، ومع غضّ النظر بما يحكى في هذا المجال من أنّ المرأة ناقصة العقل وغير ذلك . فإنّ لهذا مجال آخر ، ويتوّقف على مدى صحّة هذا النقل وثبوته . لأنّه ليس غرضنا هنا التحقيق في أنّ هذا ثابت أم غير ثابت ، وإنما البحث في أنّ هذا وقع وحدث أم لا . ومن ناحية تاريخية نجد بأن هذا اللون من التعامل مع المرأة كان موجوداً فيما بين المسلمين . فممّا ينقل في هذا المجال هو : ما جرى من الحوار فيما بين ابن الزبير وبين أمّه أسماء بنت أبي بكر . يقول اليعقوبي : ولما علم ابن الزبير أنه لا طاقة له بالحرب ، دخل على أمّه أسماء بنت ابي بكر ، فقال : كيف أصبحت يا أمّه ، قالت : إني في الموت لراحة ، وما أحبّ أن أموت إلا بعد خلتين : إما أن قتلت فأحتسبك ، أو ظفرت فقرّت عيني . قال : يا أمّه ، إنّ هؤلاء قد أعطوني الأمان ، فماذا تقولين ؟ قالت : يا بنيّ أنت أعلم بنفسك ، إن كنت على حق وإليه تدعو ، فلا تمكن عبيد بني أمية منك يتلاعبون بك ، وإن كنت على غير حق ، فشأنك وما تريد . قال : يا أمّه ، إن الله ليعلم أني ما أردت إلا الحق ، ولا طلبت غيره ، ولا سعيت في ريبة قطّ ، اللّهمّ إنّي لا أقول ذلك تزكية لنفسي ، ولكن لأطيب نفس أمّي , ثمّ قال : يا أمّه ، إني أخاف إن قتلني هؤلاء القوم أن يمثّلوا بي . قالت : يا بني إنّ الشاة لا تألّم للسلخ إذا ذبحت . قال : الحمد لله الذي وفّقك وربط على قلبك[142] . يقول ابن الأثير : وأسماء هذه هي بنت ابي بكر الصديق ، وقد تزوّجت من الزبير بن العوام ، ودخلت الإسلام بعد سبعة عشر إنساناً ، ولقبت بذات النطاقين ، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بإبنها عبد الله ، فوضعته بقباء . وكان سبب تلّقبها بذات النطاقين هو : أنه لما أراد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وأبوها أبو بكر الهجرة إلى المدينة ، وضعت لهما سفرة ، فلم تجد ما تشدها ، فشقت نطاقها إلى نصفين ، نصف بقي لها والنصف الآخر شدّت به السفرة ، فسماها الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ذات النطاقين . وأسماء هي أخت عائشة من أبيها ، وخبرها مع إبنها لما إستشارها في قبول الآمان لمّا حصره الحجّاج يدلّ على عقل كبير ودين متين وقلب صبور قوي على إحتمال الشدائد ، وقد روى عنها ابنها عروة[143] . وقد توفّيت أسماء في سنة 73 ق[144] . فاستشارة عبد الله بن الزبير لأمّه لم يكن ناتجاً من فراغ ، بل كان يعرف بأنّ المرأة يمكن إستشارتها في جميع الأمور وبالأخص في الأمور الصعبة ، كهذا الموقف ؛ كما أن إستشارة المرأة لا يعني أنه يجب أستشارة أيّ إمرأة ، بل إنما يجب إستشارة المرأة العاقلة اللبيبة الحكيمة التي تعرف كيف تضع الأمور عند نصابها . كما أنه لا يجب إستشارة أيّ رجل ، بل إستشارة الرجل العاقل اللبيب .

وممّا ينقل في هذا المجال ـ أيضاً ـ ما جرى من الحوار فيما بين نصيب الشاعر وبين أخته أمامة ، وكما يلي : في البدء نصيب، هو نصيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان، وكانت أمه سوداء فوقع عليها سيّدها فحبلت بنصيب . وكان شاعرأً فحلاً فصيحاً مقدماً في النسيب والمديح ، ولم يكن له حظّ في الهجاء ، وكان عفيفاً ، وكان يقال : أنه لم ينسب قطّ إلاّ في إمرأته . وعند ما بان له قريحة شعرية جاء لأخته إمامة ، وكانت عاقلة جلدة، فقال لها : أي أخية ، إني قد قلت شعراً ، وأنا أريد عبد العزيز بن مروان ، وأرجو أن يعتقك الله عزّ وجلّ به وأمّك ، ومن كان مرقوقاً من أهل قرابتي . قالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يابن أم أتجتمع عليك الخصلتان : السواد ، وأن تكون ضحكة للناس . قال : قلت ، فأسمعي : فأنشدها فسمعت ، فقالت : بأبي أنت أحسنت والله في هذا ، والله رجاء عظيم ، فأخرج على بركة الله[145] .

فلو لم تكن أخته عالمة بالشعر ، بالإضافة إلى عقلانيتها لما إستشارها . كما نلاحظ هنا أنّه يوجد شيئان ، وهما : الإستشارة والتأثير ، فإستشارة ابن الزبير لأمّه كانت مؤثّرة بحيث دفعته إلى أن يذهب إلى القتال مع علمه بأنه سوف يقتل . وإستشارة نصيب لأخته ، كانت مؤثّرة أيضاً ، بحيث قد زادته يقيناً وطمأنينةً في شاعريته . ومن تأثيرات النساء على الرجال الأخرى ما ينقل في هذا المجال ، من تأثير عائشة بنت طلحة على مصعب بن الزبير ، بإعتباره زوجها وذلك : عندما أسر مصعب جماعة من أصحاب المختار ، فإن مصعباً قد إحتار في أمرهم ، فإما أن يطلقهم وإما أن يقتلهم ، فأنقسم أصحابه بين مؤيد لأطلاق سراحهم ، وبين مؤيّد لقتلهم ، إلا أنه قد رجّحت كفة المؤيّدين للقتل فقتلوا . وقد علمت عائشة بالخبر وحيرة مصعب في ذلك ، فبعثت إليه في إطلاق سراحهم ، إلاّ أنّ رسولها عند ما وصل إلى مصعب وجد أنه قد قتلهم[146] . فنلاحظ هنا أنه لو كان جميع أصحاب مصعب يؤيّدون القتل ، وكانت عائشة ترفض ذلك، لأخذ بقول عائشة ، وذلك لهيامه بها ـ كما سيأتي توضيح ذلك ـ . ولو أن رسولها قد وجدهم أحياءاً وأخبره بما تريده عائشة لما قتلهم .

4)المجالات والمظاهر الأجتماعية للمرأة

فهرست مطالب

ونقصد بالمجالات الإجتماعية الحقول التي كانت تمارسها المرأة في أثناء حياتها ، والتي كانت تعبر عن ثقافتها ، كرواية الحديث والأدب من شعر ومن نقد للشعر . ونقصد بالمظاهر الإجتماعية : الأمور التي كانت تمثّل ظاهرة عامة في مجتمع المدينة ، كالغناء والعشق . وسوف نستعرض كلا الأمرين من المجالات والمظاهر . طبعاً مع غض النظر بأن هذا جائز من الناحية الشرعية أم أنه غير جائز .

1)‌ رواية الحديث :
الحديث له أهميّة كبيرة عند المسلمين ، وذلك بإعتباره المصدر الثاني من بعد القرآن الكريم ، وكذلك بإعتباره مفصّل لما أجمل في القرآن الكريم ، من أحكام شرعية تتعلّق في العبادات والمعاملات ، ألاّ أنّه لما منع من تدوين الحديث ، فأنّ الناس في تلك الأعصار كانوا يتناقلونه من قلب إلى قلب . وقد كانت تعقد حلقات ومجالس في المساجد ، لأنّ المسجد كان يعتبر مكاناً ومحلاًّ للعبادة وللتعليم والتعلّم في آن واحد ، وقد كان هناك عدد من الصحابة والتابعين ممّن رأوا الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) وسمعوا قوله ، وكذلك ممّن أدرك الصحابة وسمعوا منهم ، ومن هؤلاء الصحابة : عبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وسهل الساعدي ، وأنس بن مالك . ومن التابعين : الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وغيرهم . وقد تعرّض قسم من هؤلاء للضغوطات من قبل الأمويين ، بل : إن بعضهم قد تعرض الأهانة . يقول السيوطي : وفي سنة 74 ق سار الحجاج إلى المدينة ، وأخذ يتعنّت على أهلها ويستخفّ ببقايا من قيها من صحابة رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وختم في أعناقهم وأيديهم يذلّهم بذلك ، كأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي [147]. وبالإضافة إلى وجود الصحابة كان يوجد هناك صحابيات كأسماء بنت أبي بكر ، وزينب الكبرى (عليها السلام) وأمّ سلمة زوج النبي (ص) الّتي توّفيت في سنة 63 ق[148] . وقد كنّ الصحابيات يعقدن المجالس يتذاكرن به أحاديث النبي (ص) من تفسير القرآن أو من أحكام تتعلق بالعبادات . وقد تخرّجن من هذه المجالس عدّة نساء روين الحديث ، كما قد روى عنهنّ الرجال . وفيما يلي ذكر لبعض النساء في هذا المجال :

1)‌ أسماء بنت ابي بكر الصديق ـ وقد مرّت ترجمتها ـ روى عنها إبنها عروة [149].

2)‌ بريرة مولاة عائشة بنت ابي بكر الصديق (رض) روى عنها عبد الملك بن مروان ، حيث قال : كنت أجالس بريرة بالمدينة ، فكانت تقول لي : يا عبد الملك إني أرى فيك خصالاً وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر ، فإن وليته فأحذر الدماء ، فأني سمعت رسول الله (ص) يقول : «إن الرجل ليدفع عنه بباب الجنّة بعد أن ينظر إليها يملئ محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق»[150].

3)‌ سبرة بنت صفوان بن نوفل القرشية الأسدية ، وقد كانت سبرة عند المغيرة بن أبي العيص ، فولدت له معاوية وعائشة ، فكانت عائشة أمّ عبد الملك بن مروان بن الحكم . روت عنها أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط و روى عنها مروان بن الحكم وسعيد بن المسيّب وغيرهم[151] .

4)‌ رزينة خادم رسول الله وهي مولاة صفيّة زوج النبي روت عنها إبنتها أمة الله ولها أيضاً صحبة . روت عليلة بنت الكميت العتكية عن أمّها أمينة عن أمة الله بنت رزينة ، قالت : سألت أمّي رزينة ما كان رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يقول في صوم عاشوراء ؟ قالت : إن كان ليصومه ويأمر بصيامه[152] .

5)‌ عقيلة بنت عبيد بن الحارث العتوارية ، وقد كانت من المهاجرات والمبايعات ، وهي مدنية ، روت عنها إبنتها حجة بنت قريط ، وقيل حجية بنت قرطة ، وروى عن إبنتها حجية زيد بن عبد الرحمن بن ابي سلامة ، وقيل ابن سلامة وهي أمّه .

6)‌ زينب بنت ابي سلمة بن عبد الأسد ، وأمّها أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ، تزوّجها عبد الله بن زمعة . فولدت له عبد الرحمن ويزيد وأبا سلمة ، وقد أرضعتها أسماء بنت أبي بكر الصديق ، وقد كان إسمها برة ، فسمّاها رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) زينب ، و روت زينب عن أمّها وروى عروة بن الزبير عن زينب وهي أخته من الرضاعة[153] . عن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة ، فقالت لي زينب بنت ابي سلمة : إن رسول الله نهى عن هذا الأسم ، وقد سميت برة ، فقال رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) : (( لا تزكّوا أنفسكم فالله أعلم بأهدى البر منكم ، قالوا ما نسميها ، قال : سمّوها زينب )) [154].

7)‌ فاطمة بنت علي بن ابي طالب (ع) ، وأمّها أمّ ولد تزوّجها محمد بن ابي سعيد بن عقيل بن أبي طالب، فولدت له حميدة ، ثم خلف عليها سعيد بن الأسود بن أبي البختري فولدت له برزة وخالداً ابني سعيد ، وقد روى عنها[155] . عن عبد الرحمن بن ابي نعم، قال : حدّثتني فاطمة بنت علي بن ابي طالب ، قالت : (( قال ابي عن رسول الله (ص) من أعتق نسمة مسلمة أو مؤمنة وقى الله بكل عضو منه عضواً منه من النار ))[156] .

8)‌ أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق ، وأمّها أمّ ولد ، تزوّجها القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، فولدت له عبد الرحمن وأمّ فروة وهي أمّ جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين (ع) وأمّ حكيم وعبدة ، وقد روت أسماء عن عائشة أم المؤمنين[157] .

9)‌ فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) وأمّها أمّ أسحاق بنت طلحة بن عبيد الله ، تزوّجها بن عمها حسن بن حسن بن علي بن ابي طالب (ع) فولدت له عبد الله وإبراهيم وحسناً وزينب ، ثم مات عنها ، فخلّف عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان زوجها، غياه أبنها عبد الله بن الحسن بأمرها، فولدت له القاسم ومحمداً وهو الديباج سمي بذلك لجماله ، و رقية . وعن جابر عن إمرأة حدثته عن فاطمة بنت حسين أنها كانت تسبح بخيوط معقود فيها . قال وقد روى عن فاطمة غير حديث[158] . وقد ذكرنا حديثها في مجلس يزيد قبل ذلك فليراجع .

2)‌ الشعر :
الشعر ليس جديداً على البيئة العربية ، إنه كان يمثّل سجلّ مآثرهم وديوان مجالسهم، حتّي قيل : من أراد أن يعرف تاريخ العرب ، فلا بدّ من مراجعة شعرهم في هذا المجال . كما أن الشاعر لا يعرف إلا بإبداعه ومدى سعة خياله إلا أنّ الشعر في العصر الأموي وبالخصوص في مكة والمدينة ، قد إتّخذ لوناً آخر وموضوعاً آخر ، فالملاحظ أنه في هذا العصر إشتهر بما يعرف ( بالتشبيب) أو ( النسيب ) وهذا الصنف من الشعر يعني : أن يصف الشاعر محاسن المرأة من جميع الوجوه . وأوّل من شبّب بالنساء هو ( عمر بن ابي ربيعة ) حتّى قيل : ما دخل على العواتق في حجالهنّ شئ أضر عليهنّ من شعر عمر بن ابي ربيعة[159] . ومما ينقل بهذا الخصوص هو : أن عمر بن ابي ربيعة لقي ليلى بنت الحارث بن عمرو البكرية وهي تسير على بغلة لها ، وقد كان نسب بها ، فقال : جعلني الله فداك، عرجي هاهنا أسمعك بعض ما قلته فيك . قالت : أو قد فعلت ، قال : نعم . فوقفت وقالت هات ، فأنشدها :

ألا ليلى إنّ شفاء نفسي نوالك إن بخلت فنوليّنا

وقد حضر الرحيل وحان منا فراقك فانظري ما تأمرينا

قالت : آمرك بتقوى الله وإيثار طاعته وترك ما أنت عليه ، ثم صاحت ببغلتها ومضت [160].

وقد كانت بعض النساء يحبنّ هذا الشعر ويرغبن في التشبيب بهنّ ، ولعلّ مرجع ذلك إلى إسماع الرجال بذلك ، حتى يأتوا لزواجهنّ . ينقل بهذا الخصوص : أنّ نصيب الشاعر وقف على أبيات فإستسقى ماءاً ، فخرجت إليه جارية بلبن أدماء فسقته ، وقالت : شبٌب بي . فقال : وما أسمك ؟ فقالت : هند . ونظر إلى جبل وقال : ما اسم هذا العلم ؟ قالت : قنا . فأنشأ يقول :

أحبّ قنا من حبّ هند ولم أكن أبالي أقرباً زاده الله أم بعداً

فشاعت هذه الأبيات ، وخطبت هذه الجارية من أجلها[161] .

إلا أنّ هذا لا يعني أن الشعر كان مقتصراً على الرجال فقط ، بل قد كانت هناك نساء شاعرات قد قلن الشعر ، وبعضهنّ كنّ يستذوقن الشعر ويعرفن الجيّد منه والحسن، بل وقد كنّ يتناقشن في أمر الشعر والشعراء ، مع حفظهنّ للشعر . فمن الشاعرات:

1) ليلى الأخيلية : وهي ليلى بنت عبد الله بن الرحال بن شداد بن كعب بن معاوية ، وهي من النساء المتقدمات في الشعر من شعراء الإسلام ، وتوفيت في سنة 80 ق [162]. وقد كانت هي والخنساء بأثنتين في أشعارهما متقدمين أكثر الفحول[163] . ومن شعرها:

كأن فتى الفتيان لم ينخ بنجد ولم يطلع من الثغور

ولم يقدح الخصم إلا لد ويملأ الله جفان سديفاً يوم نكباء صرصر [164]

كما أنها قد عشقت رجلاً يقال له توبة ـ وسيأتي ذكر ذلك ـ إلا أن أهل زوجها قد قتلوه ، ولما سمعت بالخبر رثته بشعر لها ، تقول :

نظرت وركن من ذقانين دونه مفارز حوضى أي نظرة ناظر

فوارس أجلى شأوها عن عقيرة لعاقرها فيها عقيرة عاقر [165]

2) الخنساء : وهي بنت عمرو الأسلمية ، وقيل أسمها تماضر ، الشاعرة ، قدمت على رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) مع قومها فأسلمت معهم فذكروا أن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) كان يستنشدها ويعجبه شعرها فكانت تنشده ويقول هيه يا خناس[166] . وقد أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن إمرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها . وذكر الزبير بن بكار عن أبي وجرة عن أبيه ، أن الخنساء شهدت القادسية ومعها أربعة بنين لها ، فقالت لهم أول الليل : يا بنيّ إنّكم أسلمتم وهاجرتم مختارين ووالله الذي لا إله غيره إنّكم بنو رجل واحد ، كما أنكم بنو إمرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت جالكم، ولا مجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في ضرب الكافرين ، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية[167] .

3) عائشة بنت طلحة:وهي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم . وأمّها أمّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق ، توفّيت في سنة 101ق[168] . وقد كانت عائشة ذات جمال معجبة بجمالها ، ولشدّة إعجابها بنفسها أنها كانت لا تستر وجهها من أحد . ينقل في هذا المجال : انها كانت تطوف بالبيت ، فنظر إليها ابن أبي ذؤيب ، فقال لها : من أنت ؟ فقالت :

من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البرئ المغفلا

فقال لها : صان الله ذلك الوجه من النار . فقيل له : أفتنتك أبا عبد الله ؟ قال : لا ، ولكن الحسن مرحوم[169] . ولأجل عدم ستر وجهها ، فإن مصعباً زوجها قد عاتبها في ذلك . فقالت له : إن الله تبارك وتعالى : وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم ، فما كنت لأشره ، ووالله ما فيّ وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد[170] . وكانت عائشة هذه تشبه بعائشة أمّ المؤمنين خالتها ، فزوّجتها عائشة عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر و هو ابن أخيها وابن خال عائشة بنت طلحة ، وهو أبو عذرها . فلم تلد من أحد من أزواجها سواه ، ولدت له : عمران و به كانت تكّنى ، وعبد الرحمن وأبا بكر وطلحة ونفيسة ، وتزوّجها الوليد بن عبد الملك[171] . وقد كانت عائشة كثيرة الزواج [172] . وتزوّجها بعد ذلك مصعباً ، وقد كان من أشدّ الناس إعجاباً بها ، ولم يكن لها شبه في زمانها حسناً ودماثة وجمالاً وهيئة وعفّة[173] . وقد كانت عائشة تستمع إلى الغناء ، وكانت تجلب المغنيات إلى بيتها ، كما سيأتي بيان ذلك .

4) سكينة بنت الحسين (ع) :

وأمّها الرباب بنت أمرؤ القيس بن عدي كلبية معدية ، والرباب أمّ عبد الله بن الحسين [174] . وقد كانت سكينة محبّة للشعر ، حافظة له وتنشده ، كما أنها قد كانت ناقدة للشعر وللشعراء ، وقد ذكرنا فيما سبق نقدها للشاعرين : كثير عزّة والفرزدق . يقول الدكتور حتّي : وقد كانت سكينة من ألمع نساء عصرها ، وكانت مكانتها الإجتماعية وعلمها وحبّها للأدب والشعر وما اتصفت به من جمال وحسن ذوق وسرعة خاطر من الأمور التي يسّرت لها أن تكون زعيمة نساء الحجاز ، تستشار وتحكم في أمور الزيّ والجمال والأدب [175]. وقد كانت متزوّجة من مصعب بن الزبير ، كما ذكر ذلك ابن الأثير في تاريخه وابن عبد ربّه في عقده . يقول ابن الأثير : وكانت عند مصعب عقيلتا قريش : سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة[176] . ويقول ابن عبد ربّه : ولما أرادت سكينة بنت الحسين بن علي الرحيل من الكوفة إلى المدينة بعد قتل زوجها مصعبّ ، حفّ بها أهل الكوفة ، وقالوا : أحسن الله محابّتك يا إبنة رسول الله . فقالت : لا جزاكم الله خيراً من قوم ، ولا أحسن الخلافة عليكم ، قتلتم أبي و جدّي و أخي و عمي و زوجي ، أيتمتموني صغيرة وأيمتموني كبيرة [177]. وقد بعثت سكينة بأحد مواليها يقال له «عبد الملك» إلى ابن سريج ، وأمرته بأن يعلّمه النياحة ، فلم يزل يعلمه مدّة طويلة . وقد توفّي عمّها أبو القاسم محمد بن الحنفية (رض) فأرادت سكينة أن يناح عليه ، فنظمت سكينة شعراً و بعثت به إلى ابن سريج تأمره أن يصوغ فيه لحناً يناح به ـ لا أنه يغنى به ـ فصاغ فيه ، إلا إن ابن سريج كان عليلاً علّة صعبة فلم يقدر على النياحة ، فقال لها عبدها عبد الملك : أنا أنوح لك نوحاً أنسيك به نوح ابن سريج . قالت: أو تحسن ذلك ؟ قال : نعم . فأمرته فناح ، فكان نوحه في الغاية من الجودة . وقالت النساء : هذا نوح غريض ، والغريض هو كل غناءٍ محدثٍ طري ، فعندئذٍ لقب بعبد الملك الغريض . والشعر هو :

يا أرض ويحك أكرمي أمواتي فلقد ظفرتي بسادتي وحماتي[178]

ولعلّه لأجل أن هذا اللون من النياح يطلق عليه غناء ، شيّع بأنّ سكينة تحبّ الغناء، وإلا فإن هذا النوع من الغناء الذي يطلق عليه النياح ممّا لا حرمة فيه . وقد توفّيت سكينة في المدينة ، وعلى المدينة يومئذٍ خالد بن عبد الملك ، وقد كان من جملة الأمور في ذلك العصر ، هي : أن يكون الوالي على المدينة هو الذي يصلّي على الجنائز أو يأذن ممّن يقوم مقامه ، فبعثوا إليه ، فأمرهم بأن لا يحدثوا حدثاً حتّى أجئ فأصلّي عليها ، إلا أنه لم يجئ إلى اليوم التالي ، حتّى ظنّ بعض القوم بأنّ خالداً أراد للجنازة أن تنتن ، فبادر الإمام زين العابدين فقال : من أعان بطيب رحمه الله ، فأتي بالمجامر، فوضعت حول النعش ، ونهض ابن أختها محمد بن عبد الله العثماني ، فأتى عطاراً وأشترى منه عوداً بأربعمائة دينار ، فأتى به فسجر حول السرير ، حتى أصبح وقد فرغ منه ، فلما صلّيت الصبح ، أرسل إليهم الوالي ، أن صلوا عليها وأدفنوها ، فصلّى عليها شيبة [179].

5)أم لقمان : وهي بنت عقيل بن أبي طالب ( رحمه الله ) وقد كانت تقول الشعر، فلما أتى أهل المدينة مقتل الحسين خرجت حاسرة ومعها أخواتها : أم هاني وأسماء ، و رملة وزينب بنات عقيل بن أبي طالب (رحمه الله ) تبكي قتلاها بالطف وهي تقول :

ماذا تقولون إن قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى وقتلى خرجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلّفوني بسوءٍ في ذوي رحمي[180]

نكتفي بهذا المقدار من الشعر والشاعرات . وأما من ناحية مناقشة الشعر من قبل المرأة ومحاولة معرفة أجوده من أرذله ، فممّا لا ينكر في هذا العصر . ينقل أبو الفرج بهذا الصدد : أن نصيب الشاعر أتى مكة فأتى المسجد الحرام ليلاً ، فبينما هو كذلك ، غذ طلع ثلاث نسوة فجلسن قريباً منه ، وجعلن يتحدّثن ويتذاكرن الشعر والشعراء ، وإذا هنّ من أفصح النساء وأدبهنّ ، فقالت إحداهنّ : قاتل الله جميلاً حيث يقول :

بين الصفا والمروتين ذكرتكم بمختلف ما بين ساعٍ وموجفٍ

وعند طوافي قد ذكرتك ذكرة هي الموت بل كادت على الموت تضعف

فقالت الأخرى : بل قاتل الله كثير عزة حيث يقول :

طلعن علينا بين مروة والصفا يمرن على البطحاء مور السحائب

فكدن لعمر الله يحدثن فتنة لمختشعٍ من خشية الله تائب

فقالت الأخرى : بل قاتل الله ابن الزانية نصيباً حيث يقول :

ألام على ليلى ولو أستطيعا وحرمة ما بين البنية والسر

لملت على ليلى بنفسي ميلة ولو كان في يوم التحالق والنحر

فقام نصيب إليهنّ فسلّم عليهنّ ، فرددن عليه السلام ، فقال لهنّ : إنّي رأيتكنّ تتحادثن شيئاً عندي منه علم . فقلن : من أنت ؟ فقال : غسمعن أولاً . فقلن : هات

فأنشدهنّ قصيدته التي مطلعها :

ويوم ذي سلم شاقتك نائمة ورقاء في طنن والريح تضطرب

فقلن له : نسألك بالله وبحق هذه البنية من أنت ؟

فقال : أنا ابن المظلومة المقذوفة بغير جرم نصيب . فقمن إليه فسلّمن عليه ورحبن به ، وأعتذرت إليه القائلة . وقالت : والله ما أردت سوءاً وإنما حملني لإستحسانٍ لقولك على ما سمعت . فضحك وجلس إليهنّ فحادثهنّ إلى أن إنصرفن [181] .

فهذا يدلّ على أنّ المرأة كانت شغوفة بالأدب ، تحفظ الشعر وتختار أجوده مع محاولة معرفة أفضل الشعراء . بالإضافة إلى ذلك ، يظهر أنّ مجالسة الرجال للنساء كانت تجري بشكل طبيعي ، ولم تكن فيه من ريبة . لكن لم يقتصر الأمر على المجالسة الأتفاقية ، بل قد كان هناك ضرب موعد ، يذكر الإصفهاني في هذا المجال[182] : أنّ عمر بن أبي ربيعة ، واعد نسوة من قريش إلى العقيق ، ليتحدّثن معه ، فخرج إليهن ومعه الغريض ، فتحدّثوا ملياً ومطروا . فقام عمر والغريض وجاريتان للنسوة ، فأظلّوا عليهنّ بمطرفة وبردين له ، حتى أستترن من المطر إلى أن سكن ، ثم إنصرفن . فقال له الغريض : قل في هذا شعراً حتى أغني فيه . فقال عمر :

ألم تسأل المنزل المقفرا بياناً فيكتم أو يخبرا

ذكرت به بعض ما قد شجاك وحق لذي الشجو أن يذكرا

وكما كانت نساء المدينة يقولن ّالشعر ، فقد حظيت الجاريات بالشعر ، وقد أشتهرت غير واحدة بهذا الفن ، ولكن بما أن شعرهنّ كان مخلوطاً بالغناء ، فلهذا نؤجّله إلى موضوع الغناء . وبالإضافة إلى إستماع النساء للشعر وحفظهنّ له ، ونقدهنّ له ، كانت هناك بعض النسوة يعدن من الحكيمات ، وممّا يذكر في هذا المجال ، أنه قيل لمدينّة :

ما الجرح الذي لا يندمل ؟ قالت : حاجة الكريم إلى اللئيم ثمّ يرده .

قيل لها : فما الذلّ ؟ قالت : وقوف الشريف بباب الدنئ ثمّ لا يؤذن له .

قيل لها : فما الشرف ؟ قالت : إتخاذ المنن في رقاب الرجال [183].

ما تقدّم كان مرتبط بالمجالات الإجتماعية والثقافية للمرأة ، ننتقل الآن إلى المظاهر الإجتماعية التي ساهمت المرأة فيه ، وهي كما يلي :

3) العشق :
من الظواهر الإجتماعية التي أنتشرت في المدينة في هذا العصر هي : العشق والموسيقى والغناء . والعشق هو : أن يعشق رجلاً فتاة وبالعكس ، إما لجمال في المنظر ، أو لخصلة أخرى فيها ، أو الأمران معاً ، بحيث يصل بهما إلى حدّ الموت إن لم يجتمعا ، وغالباً ما يكون على عفةٍّ من الطرفين ـ كما سنلاحظ ـ . وقد شاع هذا اللون في هذا العصر ، بحيث شمل الشاعر والمتعبد والخليفة . كما حصل لتوبة بن الحمير الذي تعشق ليلى الأخيلية ، وعبد الرحمن بن عامر الملقّب بالقس ، تعشق سلامة ولقّبت به ، فسمّيت سلامة القس ، وجميل الذي تعشق بثينة ، والخليفة يزيد بن عبد الملك الذي تعشق بحبابة.

وفيما يلي عرض لبعض العاشقات والعاشقين .

1) ليلى الأخيلية وتوبة :

وقد تقدّمت ترجمة ليلى الأخيلية . وقد كان توبة يهواها ويتعشّقها ويقول فيها الشعر ، وتوفّي توبة في سنة 75 ق[184] . وقد تقدّم توبة لخطبتها من أبيها، فأبى أن يزوّجها إياها ، وزوجها في بني الأدلع ، إلا أنه ظلّ يلتقي بها بعد زواجها ، إلى أن شاع أمره وأمرها بين الناس ووصل أمره إلى السلطان[185] . ومن شعره فيها [186]:

ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت عليّ و دوني جندل و صفائح

سلّمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح

وجائت ليلى إلى الحجاج يوماً ، فلمّا دخلت نسبها ، فأنتسبت له ، فقال : ما أتى بك يا ليلى ؟

قالت : إخلاف النجوم ، وقلّة الغيوم ، وكلب البرد ، وشدّة الجهد ، وكنت لنا بعد الله الرد . قال : فأخبريني عن الأرض ؟

قالت : الأرض مقشعرة ، والفجاج مغبرة ، وذو الغنى مختل ، وذو الحد منفل . قال : وما سبب ذلك ؟

قالت : أصابتنا سنون مجحفة وظلمة ، لم تدع لنا فصيلاً ولا ربعاً ، ولم تبق عافطة ولا نافطة ، فقد أهلكت الرجال ومزّقت العيال ، وأفسدت الأموال . ثم قال لها : يا ليلى أنشدينا بعض شعرك في توبة ، فأنشدته قولها:

لعمرك ما بالموت عار على الفتى إذا لم تصبه في الحياة المعابر

وما أحد حيٌ وإن عاش مسالماً بأخلد ممٌن غيبته المقابر

فلا الحي مما أحدث الدهر معتب ولا الميت إن لم يصير الحي ناثر

وكل جديد أو شباب إلى بلى وكل أمرئ يوماً إلى الموت صائر [187]

2) جميل و بثينة : كان اللقاء ما بين جميل و بثينة في يوم عيد ، يقول الإصفهاني : خرج جميل بن معمر في يوم عيد ، والنساء إذ ذاك يتزيّن ويبدو بعضهنّ لبعض ويبدون للرجال [188]. ممّا يعني إنّ عدم إبراز الوجوه ، لم يكن عاماً في مجتمع المدينة ، بل كانت بعض النساء يبرزن وجوههنّ ، كما مرّ في عائشة بنت طلحة ، كما أنّ البعض الآخر منهنّ لم يبرزن وجوههنّ ، وعلى ما يبدو أنه في يوم العيد كان أكثر النساء يبرزن وجوههنّ. فوقف جميل على بثينة وأختها أمّ الجسّير في نساء من بني الأحب ، وهنّ بنات عمّ عبيد الله بن قطبة أخي أبيه لحا . فرأى منهنّ منظراً ، و اعجبعه وعشق بثينة ، وقعد معهنّ ، وقد كان معه فتيان من بني الأحب ، فعلم أن القوم قد عرفوا في نظره حبّ بثينة ووجدوا عليه ، فراح يقول :

عجّل الفراق وليته لم يعجل وجرت بوادر ومعك المتهلل

إلى أن يقول :

لن تستطيع إلى بثينة رجعة بعد التفرّق دون عام مقبل

فلمّا أخبرت بثينة أم جميلاً قد نسب بها ، حلفت بالله لا يأتيها على خلاء إلا خرجت إليه ولا تتوارى منه ، فكان يأتيها عند غفلات الرجال، فيتحدّث إليها مع أخواتها.[189]

3) بين عبد الرحمن الملقب بالقس وسلامة : وهو عبد الرحمن بن أبي عمّار ، وكان منزله بمكة ، وهو تابعي ، ويعدّ من قرّاء أهل مكة ، وقد كان من أعبد الناس ، بحيث يشبه بعطاء بن أبي رباح [190]. وأما سلامة فقد كانت من مولدات المدينة ، نشأت بها ، وقد كانت مغنية وشاعرة ، وأخذت الغناء عن معبد وطبقته ، فمهرت في الغناء ، وحذقت الضرب على الأوتار ، وقالت الشعر الكثير[191] . وأما سبب إفتتان القس بها ، فهو[192]: أنه سمع غناء سلامة على غير تعمّد منه لذلك ، فبلغ غناؤها منه كل مبلغ ، فرآه مولاها ، فقال له : هل لك أن أخرجها إليك أو تدخل فتسمع ، فأبى . فقال مولاها : أنا أقعدها في موضع تسمع غناؤها ولا تراها ، فأبى . فلم يزل به حتّى دخل فأسمعه غناؤها فأعجبه . فقال له : هل لك في أن أخرجها إليك . فأبى . فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه ، فتغنّت ، فشغف بها ، وشغفت به ، وقال لها :

إنّ التي طرقتك بين ركائب تمشي بمزهرها وأنت حرام

وقد كانت لسلامة أخت يقال لها ريّا ، فلهذا يقول ابن قيس الرقيات [193]:

لقد فتنت ريّا وسلامة القسا فلم تتركا للقس عقلاً ولا نفساً

ومن شعر سلامة ، أنها لما سمعت بموت معبد المغني ، بكت وأنشدت شعراً فيه ، فقالت[194] :

قد لعمري بت ليلي كأخي الداء الوجيع

ونجي الهمّ منّي بات أدنى من ضجيعي

4) ابن أبي ربيعة والثريّا وأسماء : وابن أبي ربيعة هو : عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة ، ويكنّى بأبي الخطاب . ويقول ابن ابي ربيعة عن نفسه : لقد كنت وأنا شابّ اُعشِق ـ بكسر الشين وضمّ الهمزة ـ ولاأُعشَق ـ بضّم الهمزة وفتح الشين ـ فاليوم صرت إلى مداراة الحسان إلى الممات . وقد كان يهوى النساء ، إلا أنه تأثّر بإثنين منهنّ ، وهنّ : أسماء والثريّا . فبالنسبة إلى أسماء ، فإنه قد وعدته أن تزوره ، فتأهّب لذلك وأنتظرها ، فأبطأت عنه حتّى غلبته عينه فنام ، وكانت عنده جارية تخدمه . فلم تلبث أن جائت أسماء ومعها جارية لها ، فأمرت الجارية أن تضرب الباب ، فضربته فلم يستيقظ ، فقالت لها : تطلعي فأنظري ما الخبر ؟ فقالت لها : هو مضطجع وإلى جنبه أمرأة . فحلفت لا تزوره حولاً . فقال في ذلك :

طال ليلي وتعناني الطرب

وعند ذلك بعث عمر إليها بإمرأة جزلة من النساء ، فصدقتها عن قصّته وحلفت لها أنه لم يكن عنده إلا جاريته فعند ذلك رضيت عنه[195] .

وأمّا بالنسبة إلى الثريّا ، فهي بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصفر ، وكانت عرضة ذلك جمالاً وتماماً ، وكانت تصيف بالطائف . فكان عمر يغدو عليها كل غداة إذا كانت بالطائف . وذات يوم وقف يسأل عنها ، فقال له بعض الركبان : ما إستطرقنا خبراً ، غير أنني سمعت عند رحيلنا صوتاً وصياحاً عالياً على إمرأة من قريش إسمها إسم نجم في السماء ، وقد سقط عني إسمه ، فقال له عمر : الثريّا . فقال : نعم . وقد كان قد بلغ عمر قبل ذلك أنّها عليلة ، وعندما سمع هذا الخبر ، فإنه وجه فرسه على وجهه إلى الطائف يركضه ، وسلك طريقاً كدائ ـ وهي أخشن الطرق وأقربها ـ حتى إنتهى إليها . وقد توّقعته وهي تتشوق له وتشرّف ، فوجدها سليمة ومعها أختاها رضيا وأمّ عثمان ، فأخبرها الخبر . فضحكت وقالت : أنا والله أمرتهم لأختبر ما لي عندك[196] .

نكتفي بهذا المقدار ، وسيأتي ذكر بقيّة ذلك كعشق يزيد بن عبد الملك بحبابة ، وقد أجلّنا ذكر ذلك في موضوع الغناء لمناسبته فيه . ولمعرفة مدى شيوع ظاهرة العشق بشكل مفصّل فليراجع كتاب الأغاني .

5)‌ الغناء : فهرست مطالب
من الظواهر الإجتماعية التي ميوت العصر الأموي هو إنتشار ظاهرة الغناء ، وبالأخص في المدينة ، بحيث كانت البداية في إنتشارها في بقيّة البلدان ومن ثم تطوّرها في العصر العباسي . وقد كانت المدينة مصدرة للمغنّيات وللمغنّيين . لكن ما هي الدوافع والأسباب التي أدّت إلى إنتشار هذه الظاهرة في المدينة ، على الرغم من أنها كانت مركزاً لتجمّع الصحابة والتابعين ؟

1) أسباب إنتشار الغناء :
في الحقيقة أنّ إنتشار هذه الظاهرة يرجع إلى عدة عوامل ، لا أنه يرجع إلى عامل واحد فقط ، الذي هو العامل السياسي ، كما قد يصرّ عليه البعض. نعم العامل له التأثير في خلق هذا اللون ، إلا أنه ليس الوحيد . وعليه فيمكن أن نرجع ذلك إلى الأسباب التالية :

1)‌ العامل السياسي : نقصد بالعامل السياسي هنا ما يشمل السلطة الحاكمة ، وما يشمل التيّارات المضادّة للسلطة الحاكمة . فكلا هذين النحوين يدفعان بالبلاد إما إلى الخراب والزوال وإما إلى الرقي والتقدّم . فإذا كان هناك توافقاً ما بين هذين التّيارين تقدّمت البلاد وإزدهرت ، وأما إذا لم يكن هناك توافقاً ، فأنّ عقرّب الساعة يرجع إلى الوراء . والملاحظ أنّه في هذه الفترة المبحوث عنها ، نجد عدم التوافق فيما بين التيّار السياسي للسلطة وما بين التيارات المضادّة لها . بل قد وصل الأمر إلى الإعلان عن عدم شرعيّتها من قبل أهل المدينة بالذات . وذلك على إعتبار أنّ بيعة أهل المدينة للخليفة تكفي في أن يقبلها سائر البلدان من أرجاء المملكة الإسلامية. يقول السيد أمير علي : في أيام الجمهورية كان الخليفة ينتخب بإجماع أهل المدينة ، وكان العرب في الخارج يقبلون هذا الإنتخاب ولا يعترضون عليه . وكانت مراسيم البيعة تتمّ في المسجد الجامع حيث كان المسلمون يجتمعون ليبايعوا الخليفة . غير أن الخلفاء منذ عهد معاوية أخذوا في تعيين ولاة عهودهم وكان الأشراف ورجال الجيش يحلفون يمين الولاء لهم في حضرة الخليفة نفسه ، بينما كان الحكّام يأخذون البيعة لهم في الأمصار التي يحكمونها ، وكان هذا النظام يجمع ما بين مساوئ الديمقراطية والأوتوقراطية دون الإفادة من حسنات أي منهما[197] . وتجاهل بني أمية لأهل المدينة جعلهم أن يدفعوا الثمن غالياً . فحدثت عدة ثورات ضدهم ، وكادت أن تكسب النجاح ، إلا أنه بسبب ضعف النفوس وميلانها إلى الدنيا ، ~أدت غلى أن تنتكس . إلا أن هذه الثورات صحيح أنها لم تحقق إنتصارات آنية ، وهذا مما لا شك فيه . إلا أنه على صعيد المستقبل قد حققت نتائجها وثمراتها . فثورة الطف التي قادها الأمام الحسين والتي حدثت في سنة 61 ق[198] . أنتكست آنياً ، لكنها أنتصرت مستقبلياً وعلى إمتداد عمود الزمان ، بحيث أصبحت مشعلاً لكل الأحرار وفي كل مكان .

2)‌ الأضطراب السياسي : والمقصود بالأضطراب السياسي هنا هو : التعدد بالمناهج السياسية ، ومن الطبيعي أنّ الدولة التي تتوالى عليها الحكومات في فترات قصيرة تشل المجتمع وتجعلهم في حيرة من أمرهم . وهذا ما حصل في المدينة ، حيث نلاحظ أنه كان في البدء معاوية الذي كانت لديه رؤية سياسية تختلف عن الذين أتوا من بعده ، إلا أن الأمر قد إنقلب عندما جاء يزيد إلى السلطة ، لأنه كان لا يراعي النظم والقوانين والأخلاق الأسلامية . حيث أنّ في عهده إنتشرت عادة شرب الخمر والغناء والرقص وغير ذلك . يقول المسعودي : وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب ، وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق ، وفي أيامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة ، وأستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب[199] . ويقول السيد أمير علي : وكان الخلفاء الأمويون الأوّلون يقضون أوقات فراغهم في الإستماع إلى أخبار الحروب والمغامرات وإلى قصص أبطال العرب قبل الإسلام . وفي أيّام يزيد الأوّل إنتشرت عادة شرب الخمر في القصور الملكية ، وكان هو نفسه يسرف في الشراب ، وكانت مجالسه كمجالس يزيد الثاني ، مجالس معاقرة أكثر منها مجالس أنس وطرب ، ولم يمض زمن طويل حتّى دخلت الموسيقى والغناء مجالس الخلفاء وأخذ أشهر المغنّين يتدفّقون على دمشق من مكّة والمدينة[200] . ولأجل حال يزيد هذه كانت وقعة الحرة ، والتي حدثت في سنة 63ق[201] . يقول الطبري : و بعث عامل يزيد وفداً من أهل المدينة فيهم : عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري ، وعبد الله بن أبي عمر بن حفص بن المغيرة المخزومي ، والمنذر بن الزبير ، ورجالاً كثيراً من أشراف أهل المدينة فقدموا على يزيد بن معاوية ، فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم ، ثم أنصرفوا من عنده وقدموا كلهم إلا المنذر بن الزبير، فإنه قدم على عبيد الله بن زياد بابصرة ، فلما قدم أولئك النفر المدينة قاموا فيهم، فأظهروا شتم يزيد وعتبه ، وقالوا : إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر ويعزف بالطنابير ويضرب عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسامر الخراب والفتيان ، وإنا نشهدكم إنا قد خلعناه فتابعهم الناس[202] . فالصورة التي حملها هؤلاء عن خليفتهم لم تكن مرسومة في أذهانهم ، فلما أطلعوا عن حاله ، أعلنوا رفضه ، فعند ذلك بعث إليهم يزيد : مسلم بن عقبة ، ووقعت وقعة الحرّة في المدينة ، وقد كانت من إحدى الكوارث التي أصيبت بها المدينة . يقول المسعودي : فسير إلهم بالجيوش من اهل الشام، عليهم مسلم بن عقبة المري ، الذي اخاف المدينة ونهبها وقتل أهلها ، وبايعه أهلها على أنهم عبيد ليزيد ، وسمّاها نتنة ، وقد سمّاها رسول الله طيبة[203] . ويقول السيوطي : ذكر الحسن واقعة الحرة مرّة ، فقال : والله ما كاد ينجو منهم أحد ، قتل فيها خلق من الصحابة (رض) ومن غيرهم ، ونهبت المدينة ، وإفتضّ فيها ألف عذراء[204] . ومن طبيعة الحروب أن تولد الدمار وتيتّم الأطفال وترمّل النساء ، ولا أبالغ عند ما أقول : أنّ السبب وراء إنتشار الفساد واللهو وغيرهما هو من جرّاء الحروب ، وبالأخص إذا كان المبادر بالحروب رجل صاحب لهو وشرب خمر كيزيد وأمثاله . ومن بعد وقعة الحرّة ، ومن بعد موت يزيد في سنة : 64 ق[205] . إنقسمت المملكة الإسلامية ، فإقليم الحجاز والعراق إستقطعه ابن الزبير ، وإقليم الشام بيد مروان، ثم أستقطع العراق المختار ، وبعد ذلك عاد للزبير عن طريق مصعب بن الزبير ، وبقي اين الزبير على إقليمي الحجاز والعراق إلى سنة 73 ق ، حيث قد قتله الحجاج وصلبه[206] . وقد ولي الحجاج مكة والمدينة والحجاز واليمن واليمامة ثلاث سنين ، ومن المعلوم أنّ الحجّاج كان مولعاً بسفك الدماء كما حدّث هو عن نفسه[207] . أي أهوال قد مرّت على أهل المدينة في ذلك العصر ، وإذا ما أضفنا إلى ذلك نظرية الخوارج وما كانوا يحملون من عقائد ، فإن الصورة تكون واضحة . فبسبب إيمان بني أميّة بنظرية البطش والقسوة، وبسبب عدم تمتّع أهل المدينة بالحسّ السياسي والعسكري ، وبسبب عدم تمتّع ابن الزبير بالرؤية السياسية ، أدّت بشكل مباشر أو غير مباشر ، على إضطراب الوضع الفكري والنفسي عند أهل المدينة بصورة خاصة ، وفي بقيّة المدن الحجازية بصورة عامة .

3)‌ العامل النفسي ونظرية الترف : من المعلوم أنّ النفس تنقبض عند فقد أحبّتها وأعزّتها ، ولأجل أنها تريد أن بهذا الأنقباض فأنها تبحث عمّن ينسبها هذا الألم . ومن هنا كان للغناء مجالاً في ذلك ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، أنه وبحسب الظاهر أنّ الأمويين قد أدركوا خطأ نظريتهم السياسية التي تعتمد على البطش والقسوة ، حيث أنهم قد أدركوا ان هذه السياسة لم تعد تجدي نفعاً مع أهل المدينة ، فلهذا عمدوا إلى سياسة الترف حتّى يسكتوا أهل المدينة ، وبالتالي يشغلوهم عن الأمور السياسية ، طبعاً مع التلويح بإستخدام القوة . ومن جهة ثالثة قامت الدولة الأموية بإبعاد العناصر المؤثّرة في المدينة أو مضايقتها . وبحسب الظاهر فإن هذه السياسة قد نجحت إلى حدٍّ ما بحيث لم نجد بعد ذلك أيّ عامل إضطراب في المدينة وإلى زوالها . يقول الدكتور طقوش: وكان هذا الإقليم ـ أي إقليم الحجاز ـ بعد أن أنصرفت عنه العناصر السياسية إلى الشام والعراق ، مأوى الطبقة الأرستقراطية التي مالت إلى حياة اللهو، نظراً لتدّفق الثروة عليها[208] . ويقول الدكتور سالم : ولقد أغرم العرب في العصر الأموي بفنّي الغناء والموسيقى ، بعد أن أثروا بسبب تدفّق الأموال عليهم بعد الفتوحات ، ولما كان الفراغ والجاه من مقّومات حياة الترف ، فقد أنصرفوا على سماع الغناء وإقتناء الجواري والقيان لملأ فراغهم[209]. ويقول زيدان : وشاع الغناء في المملكة الإسلامية و راجت بضاعته بإتساع أسباب الحضارة والرخاء وتكاثر المعنون لما شاهدوه من رغبة الخاصة بالغناء، فنبغ جماعة من مهرة الموسيقيين أتقنوا هذه الصناعة وآلاتها إتقاناً حسناً [210]. ويقول ابن خلدون : فالغناء يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حدّ الضروري إلى الحاجي ، ثم إلى الكمالي ، وتفنّنوا فيه ، فتحدّث هذه الصناعة ، لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجاته الضرورية والمهمّة من المعاش والمنزل وغيره، فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفنّناً في مذاهب الملذوذات [211].

4)‌ كثرة الوافدين : والعامل الآخر الذي نعزي إليه إنتشار الغناء هو كثرة الوافدين من الموالي والجواري ، حيث نجد أن المدينة قد كثر فيها هذا الوفود . ومن الطبيعي أنّ هؤلاء كانت لديهم خبرة بفني الغناء والموسيقى ، أنهم كانوا أهل حضارة راقية ، وكان هذا النوع منتشراً فيما بينهم ولا يرون به بأساً ، لأنه لا يوجد هناك ما يمنعهم منه . يقول ابن خلدون : وأفترق المغنّون من الفرس والروم، فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب ، وغنّوا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير ، وسمع العرب تلحينهم للأصوات، فلحنوا عليها أشعارهم . وظهر بالمدينة : نشيط الفارسي وسائب بن جابر مولى عبيد الله بن جعفر ، فسمعوا شعر العرب ولحنوه وأجادوا فيه وطار لهم ذكر . ثم أخذ عنهم معبد وطبقته وابن سريج وأنظاره . وما زالت صناعة الغناء تتدرج إلى أن كملت أيّام بني العباس[212] . وفي البدء كان أهل المدينة يكرهون الإماء ؛ يقول ابن عبد ربّه : قال الأصمعي : وكان اكثر أهل المدينة يكرهون الإماء ، حتى نشأ منهم علي بن الحسين والقائم بن محمد بن أبي بكر ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، ففاقوا أهل المدينة فقهاً وعلماً وورعاً، فرغب الناس في السراري [213]. وبعد أن كثرت الجواري في المدينة و في غيرها من المدن ، قام العرب بوصف الجارية ، فمن ذلك قولهم فيها : جميلة من بعيد ، مليحة من قريب ، فالجميلة التي تأخذ بصرك جملة على بعد ، فإذا دنت لم تكن كذلك ، والمليحة التي كلما كررت فيها بصرك زادتك حسناً ، وقال بعضهم : الجميلة السمينة ، من الجميل الشحم ، والمليحة أيضاً من الملحة وهو البياض ، والصبيحة مثل ذلك ، يشّبهونها بالصبح في بياضه[214] . وقد شتهرن الجواري بالغناء ونبغن فيه ، وطبيعي أن الغناء يستتبع تعلّم الأدب العربي ، فأخذن الجواري في تعلّم الشعر والغناء ، للحصول على المال وليكون ثمنهنّ عالياً . يقول الدكتور أمين : إنّ أكثر من نبغ من المغنيات في الحجاز من مولّدات المدينة أو من تلاميذهنّ[215] . ويقول أيضاً : دعاهم ـ أي العرب ـ الشغف بالغناء إلى تعليمه الجواري للتمتّع بغنائهنّ ومنظرهنّ معاً ، وتعلّم الغناء إستتبع تعلّم الأدب ، لأن الناس في ذلك العصر كانوا يتغنّون بالشعر العربي الفصيح ، مثل : شعر ابن ابي ربيعة ، وبشار ، ومسلم بن الوليد ، وأبو العتاهية . والمغنية لا تستطيع أن تغني هذه الأشعار إلا إذا حفظت كثيراً من الشعر وأجادت مخارج الحروف وأطلعت على كثير من الأدب[216] . فكثرة الوافدين على المدينة أدّى بصورة مباشرة أم غير مباشرة إلى إقتباس أهل المدينة فنّ الغناء وإنتشاره فيما بينهم .

5)‌ العامل الإقتصادي :

من المعلوم أنّ الأقتصاد من بين الأسباب التي تؤدّي إلى إنهيار المجتمع ، لأنه من دون إقتصاد لا يستطيع المجتمع من أن يسير ، نعم يسير إلا أنّ سيره نحو الزوال . كما أنّ كثرة الأموال وعدم توزيعها بالعدل والتساوي، يؤدّي أيضاً نحو نكو فساد المجتمع وإنحطاطه . والإسلام قد دعى إلى الإعتدال من الناحية الإقتصادية ، فلا إسراف ولا تقتير ، يقول الله تبارك وتعالى )والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً [217]( . وبما أن الدّولة الأموية لم تراع هذا الجانب ولم تقم بالعدالة في التوزيع ، الأمر الذي أدّى إلى صعود طبقة وإنحطاط أخرى . ولا يتبادر إلى الأذهان : من أنّ هذا يتناقض مع ما تقدّم منكم من أن الأمويين قد أغدقوا بالأموال على أهل المدينة ، فكيف يحل هذا التناقض ؟ نقول : أنهم قد أغدقوا بالأموال لكن هذا الإغداق لم يكن بنحوٍ عادل ومتساوٍ ، وذلك لأن الإنسان غير العربي الذي دخل وآمن بالإسلام له نصيبه من بيت المال ، لا أن يبقى تحت رحمة الآخرين ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، إن الإغداق بالأموال كان يشمل من يرتضونهم . ومن هنا ندرك الإهتمام بالغناء وبتعليم الجواري ، لأنه سوف يحصل على أرباح مضاعفة . وينقل في هذا المجال : أنّ الأصمعي قال : قدم عراقي بعدلٍ من خُمُر ـ بضم الخاء والميم ـ العراق إلى المدينة ، فباعها كلها إلا الأسود ، فشكا بذلك إلى الدارمي وكان قد تنسك وترك الشعر ولزم المسجد . فقال : ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة حتّى تبيعها كلّها على حكمك ؟ قال : ما شئت . قال : فعمد الدارمي إلى ثياب نسكه فألقاها عنه وعاد إلى مثل شأنه الأوّل ، وقال شعراً ورفعه إلى صديق له من المغنّين ، فغنى به ، وكان الشعر :

قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بزاهدٍ متعبّد

فشاع هذا الغناء في المدينة ، وقالوا : قد رجع الدارمي وتعشق صاحبة الخمار الأسود ، فلم تبق مليحة بالمدينة إلا اشترت خماراً أسود وباع التاجر جميع ما كان معه[218] . كما أن معبد المغني قد علم جارية من جواري الحجاز الغناء تدعى ( ظبية ) وعنى بتخريجها ، فاشتراها رجل من أهل العراق[219] . وقد بلغ ثمن بعض الجواري (000/000/1درهم ) وهي ثمن الجارية التي كانت تعرف بالذلفاء[220]. يقول الإصفهاني[221] : الذلفاء وهي التي فتن بها أهل المدينة ، وقال بعض من كانت عنده ، بعد ما طلّقها :

لا بارك الله في دار عددت بها طلاق الذلفاء من دارٍ ومن بلد

فلا يقولنّ ثلاثاً قائل أبداً إنّي وجدت ثلاثاً أنكد العدد

ويقول زيدان : وأصبح العمّال لا همّ لهم إلاّ حشد الأموال والإستكثار من الصنائع والموالي ولم يعد أهل العدالة يرضون بولاية الأعمال، مخافة أن يقصروا بالمال الذي يطلبه الخلفاء[222] .
فإذن لم يكن لإنتشار الغناء في المدينة عامل واحد فقط ، بل كانت هناك عدّة عوامل إجتمعت وأدّت إلى شيوع الغناء في ذلك العصر . وقبل أن ندخل في تعريف الغناء وأنواعه والمغنّيات اللاّتي إشتهرن بالغناء ، نتحدّث قليلاً عن الموسيقى ، ثم نعود نكمل الحديث عن الغناء .

6)‌ الموسيقى :
وقد تبع إنتشار الغناء تطوّراً في الآلات الموسيقية؛ وذلك أنّ العرب كانوا يستخدمون الدّف والمزمار ، ولكن بعد أن اختلطوا بالأمم الأخرى ، عزفوا بألات موسيقية متنوّعة : كالعيدان والطنابير والمعازف والأوتار . يقول ابن خلدون : فلمّا جائهم الترف وغلب عليهم الرّفه بما حصل لهم من غنائم الأمم صاروا إلى نضارة العيش و رقة الحاشية وأستحلاء الفراغ . وأفترق المغنّون من الفرس والروم، فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنّوا جميعاً بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم[223] . ويقول زيدان : وكان العرب في جاهليتهم لا يعرفون من هذه الآلات غير الطبل ، وكان المسلمون في صدر الإسلام يتجافون عن إتّخاذ الأبواق والطبول تنّزهاً عن غلظة الملك ورفضاً لأحواله . فلما إنقلبت الخلافة ملكاً ولابسهم الموالي من الفرس والروم أهل الدول السالفة وآروهم ما كان أولئك يتحلّون به من مذاهب البذخ والترف ، كان من جملة ما إقتبسوه منهم الموسيقى ، وأذنوا لعمّالهم في إتخاذها تنويهاً بالملك وأهله ثم جعلوا يستكثرون منها[224] . وفي موضع آخر يقول [225]: أمّا آلات الموسيقى عندهم فأشهرها الدف وهو أشكال منها المستدير والمربّع والكبير والصغير . والمزمار على أبسط أنواعه . ولا يظهر أنهم كانوا يعرفون غير الدّف والمزمار وما يتفرّع عنهما من آلات النفخ والقرع . وأما آلات الأوتار كالعيدان والطنابير والمعازف ونحوها فهي من صناعة الفرس والروم لم يعرفها العرب إلا بعد الإسلام.

2) تعريف الغناء :
يقول ابن خلدون في تعريف الغناء : هذه الصناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة ، يوقع كل صوت منها توقيعاً عند قطعه فيكون نغمة . ثم تؤلّف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متعارضة، فيلذّ سماعها لأجل ذلك التناسب وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات[226] . أي أنّ الغناء يتألّف من ركنين وهما : الأشعر والصوت ، ومن ثم تلحين هذه الأشعار عن طريق تقطيع الأصوات ، وبما أن العرب سواء كانوا قبل الإسلام أم بعده ، كانوا يجيّدون الشعر الموزون حتّى أنهم جعلوا له أبحراً قد بلغت ( 16 بحراً ) كما أنهم كانوا يعرفون الشعر الجيّد من الردئ ، عن طريق وزن الشعر ، بالإضافة إلى إستخدام الخيال والحس؛ إلا أنه لم يختص العرب بوحدهم بهذا اللون من الشعر ، بل أن الشعر الموزون كان موجوداً لدى سائر الأمم ، إلا أنّ العرب كانوا يختلفون عنهم بحسب طبيعة وجغرافية بلادهم ومحيطهم . وذلك لأنه كلّما كانت الحياة أشدّ صعوبةً ومعاناةً كان الشعر أكثر جمالاً ، لأّنه يعبّر عن معاناة حقيقية وواقعية . بخلاف ما إذا كانت الحياة مليئة بالترف ، فإن الشعر يكون أقلّ واقعية . وبطبيعة الحال ، أستتبع هذا الشعر طريقة في التغني به ، لأن النفس ميّالة له . يقول زيدان : الغناء طبيعي في الأمم، لأنه لغة النفوس وترجمان العواطف ، وكل أمّةٍ غنائها يناسب طبائعها وعاداتها ، فالعرب في الجاهلية كانوا أهل ماشية وأنعام وخيام فلم ينتبهوا إلى شئ من الفنون الجميلة غير الشعر ، وكانوا يلهجون به ويطربون بتلاوته بلا ترنيم ولا غناء ، وتلك أوّل خطوة خطوها نحو الموسيقى أنها بنت الشعر أو أخته[227] . وبغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الأمر واقعياً أم لا ؛ إلاّ أن النفس بعادتها تميل إلى الصوت الحسن . يقول المسعودي : وكان من شريف ما تركته المعرفة بعلم الموسيقى ، أنه غذاء النفوس ، ومطرب لها وملهيها ، تبتهج عند سماعه ، وتحن إلى تأليف أوضاعه ، وقد نطقت الحكماء بشرفه ، ونبّهت على نفاسة محله ، فقال الإسكندر : من فهم الألحان أستغنى عن سائر اللذات. وقد قالت الفلاسفة : إن النغم والأغاني فضيلة شريفة كانت تعذرت عن المنطق ، ليست في قدرته ، فلم يقدر على إخراجها ، فأخرجتها النفس ألحاناً ، فلما سرّت أظهرتها ، سرّت بها وعشقتها وطربت إليها[228] .

3) أنواع الغناء :
وقد كان الغناء على أنواع ، وكان المشهور عند العرب نوعان ، وهما :

1)‌ الحداء : والحداة ، هو نوع من الغناء، كانوا يقولونه مع حدو وسوق إبلهم [229].

2)‌ الترنيم : وهو إرجاع الصوت ، وهو على نوعين :

أ.‌ الغناء ، وهو ما كان في الشعر خاصة .

ب.‌ التغيير ، وهو ما يكون بالتهليل أو ترنم القرآءة من دون شعر[230] .

وبعد ذلك تنوّع الغناء عندهم ، نتيجة للإختلاط بغيرهم من الأمم ، على ثلاثة أنواع أو ألحان وهي :

1) النصب : وهو غناء الركبان وغناء الفتيان وهو الذي يقال في المراثي ويسمّى ( الغناء الجابي ) نسبة إلى رجل من قبيلة كلب إسمه جناب بن عبد الله ، يزعمون أن أصل الحداء منه ، وهو يخرج من الطويل إلى العريض[231] ، كما أنه غناء القينات [232].

2) السناد : وهو إعمال مناسبة بسيطة بين النغمات[233] . أو أنه اللحن الثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات ، وهو على ستّة طرق ، منها : الثقيل الأول وخفيفه ، والثقيل الثاني وخفيفه [234].

3) الهزج : وهو الخفيف الذي يرقص عليه ، ويمشى بالدف والمزمار فيطرب ويستخفّ الحلوم[235] . أو هو الخفيف كله الذي يثير القلوب ويهيج الحليم[236].

هذه هي أنواع الغناء التي كانت منتشرة فيما بين العرب المسلمين في أيّام بني أمية .

4) المغنيات :
بعد أن أوضحنا أسباب ظهور الغناء في العصر المبحوث عنه ، وكذلك تعريفه وأنواعه ، حان الوقت لكي نوضّح النساء اللاّتي إشتهرن بالغناء . وفي البدء نقول : بأنّ أصل الغناء في الحجاز أربعة نفر وهم : مكيّان ومدنيان ، فأما المكيّان فهما : ابن سريج ، وابن محرز . والمدنيان هما : معبد ومالك . وبعد ذلك أصبحت الحجاز تصدر المغنّين والمغنّيات لقصور الخلفاء ، وقد مرّ ذكر ذلك . يقول الدكتور أمين : وكانت الحجاز تصدر المغنّين والمغنّيات لقصور الخلفاء ، ومن أوّلهم معاوية كان يهوى سماع حكمة الشعر تصدر مع جمال الألحان[237] . وقد كانت هناك عدّة مغنّيات مشهورات في المدينة ، إلا أنّنا سنقتصر على ذكر بعضهنّ ، وأما الآخريات فإنها تراجع في الكتب المفصلة لها ، وفيما يلي ذكر ذلك :

1) جميلة : وكانت جميلة مولاة لبني سليم ثمّ مولاة لبطن منهم يقال لهم : بنو بهز . وقد كانت متزوّجة من موالي من بني الحارث بن الخزرج ، وقد كانت تنزل فيهم وقد غلب عليها ولاء زوجها . وكانت تعدّ جميلة أصل من أصول الغناء، وعنها أخذ معبد وابن عائشة وحبابة وسلامة وعقيلة العقيقية والشماسيتان . يقول معبد : أصل الغناء جميلة وفرعه نحن ، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنّين[238] .وبحسب الظاهر كان يزورها عدد من الرجال ، كما أنها كانت تعلم جارياتها الغناء . فقد زارها ابن سريج يوماً يسمع منها ويأخذ عنها ، فلمّا قدم عليها أنزلته وأكرمته وسألته عن أخبار مكة فأخبرها . وكانت عندها جارية محسنة لبقة ظريفة ، فأبتدأت تطارحها . فقال ابن سريج : سبحان الله نحن كنا أحق بالإبتداء . قالت جميلة : كل إنسانٍ في بيته أمير وليس للداخل أن يتأمّر . فقال ابن سريج : صدقت جعلت فداك ، وما أدري أيّهما أحسن، أدبك أم غناؤك . فقالت له : كف يا عبيد ، فأنّ النبي قال : « أحثوا في وجوه المداحين التراب »[239] . ومن هنا يظهر أنها كانت تحفظ الحديث ، والله أعلم . وقد كان يحضر مجلسها الغنائي كثير من الناس . يقول معبد : أتيت جميلة يوماً وكان لي موعد ظننت أني سبقت الناس إليه، فإذا المجلس غواص[240] .

2) عزة الميلاء : وكانت عزة مولاة للأنصار ، ومسكنها المدينة ، وهي من أقدم من غنّى الغناء الوقع في الحجاز ، وقد كانت من أجمل النساء وجهاً وأحسنهنّ جسماً ، وسمّيت الميلاء لتمايلها في مشيتها ، وقيل غير ذلك[241] . وقد كان يألفها الأشراف وغيرهم من المرؤات ، كما أنّها كانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء[242] . وقد كانت قد أحسنت الضرب بالعود ، وطبعت على الغناء ، لا يعيبها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه[243] . وقد كانت ذات ذكاء وفطنة ، وذلك أنه عند ما قدم نشيط وسائب خاثر أو جابر المدينة وغنيا بالفارسية ، فإنها قد لقنّت عنهما نغماً وألفت عليها ألحاناً عجيبة ، فهي أول من فتن أهل المدينة بالغناء وصرفه نسائهم ورجالهم عليه[244] . وينقل في هذا المجال : أن ابن ابي عتيق كان معجباً بها ، فأتى يوماً عند عبد الله بن جعفر ، فقال له : بأبي أنت وأبي هل لك في عزّة ، فقد أشتقت إليها . فقال : لا ، أنا اليوم مشغول . وبعد إلحاح منه ، نزل عند طلبه وذهبا إليها، فطلبا منها أن تغنّي ، فغنت بشعر القطامي الذي هو :

إنّا محبوك فأسلم أيها الطلل وإن بليت وإن طالت بك الطيل

فأهتز ابن أبي عتيق طرباً ، فقال عبد الله بن جعفر : ما أراني أدرك ركابك بعد أن سمعت هذا الصوت من عزة[245] . وقد طلبت منها عائشة بنت طلحة أن تغنّيها ، وكان سبب ذلك : أن مصعباً بن الزبير كان معجباً بها ، فطلب من عزة أن تراها له لكي يخطبها ، فذهبت عزة إلى عائشة وعندما رأتها أعجبت بها . فقالت لها عاءشة : قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتي . قالت عزة : وما هي بنفسي أنت ؟ قالت : تغنيني صوتاً . فأندفعت تغني لحنها :

خليلي وأترابها بين الأصيفر والخيل

فقامت عائشة فقبلت ما بين عينيها ودعت لها بعشرة أثواب وبطرائف من أنواع الفضّة وغير ذلك ، فدفعته إلى مولاتها فحملته[246] .

3) سلامة الزرقاء : وقد كانت سلامة الزرقاء من إحدى المغنّيات الشهيرات في المدينة ، وقد كان ابن ابي عتيق من المعجبين بها . فعندما أصبح عثمان بن حيان المري والياً على المدينة من قبل الخليفة الأموي ، جاءه الأشراف من قريش والأنصار ، فقالوا له : إنك لا تعمل عملاً أجدى ولا أولى من تحريم الغناء والرثاء ، ففعل وأجّلهم ـ أي أجّل المغنين ـ إلى ثلاثة أيّام[247] . وهذا يؤيّد ممّا ذهبنا إليه سابقاً ، من أنّ الغناء لم يكن جميع أهل المدينة يحبّون الغناء ، بل أنّ هناك رفض له من قبل أشراف المدينة . ويظهر من هذا أيضاً كثرة الغناء في المدينة ؛ إلا أنه هل وفّي الوالي بما أصدره من قانون تحريم الغناء والرثاء ؟ بحسب الظاهر لو يوفّ به ، بل قد تراجع عنه ، وذلك : أن ابن ابي عتيق قد جاء في الليلة الثالثة من المهلة المحددة من قبل والي المدينة ، وحط رحله بباب سلامة الزرقاء ، وقال لها : بدأت بك قبل أن أصير إلى منزلي ، فقالت : أو ما تدري ما حدث؟ فأخبرته الخبر . فقال لها : أقيمي إلى السحر حتّى ألقاه . فقالت : إنا نخاف أن لا نغنّي شيئاً وننكط . فقال : إنه لا بأس عليك . وبعد ذلك مضى إلى والي المدينة . فقال ابن أبي عتيق للوالي : إنّ من أفضل ما عملت به تحريم الغناء والرثاء . قال : إنّ أهلك أشاروا عليّ بذلك . قال : فإنك قد وفّقت ولكني رسول إمرأة إليك تقول : قد كانت هذه صناعتي ، فتبت إلى الله منها . وأنا أسألك أيّها الأمير أن لا تحول بينها وبين قبر النبي. فقال عثمان : إذن أدعها لك . قال : إذن لا يدعها الناس . ولكن تدعو بها فتنظر إليها، فإن كانت ممّن يترك تركتها . قال : فأدع بها . قال : فأمرها ابن ابي عتيق، فتقشفت وأخذت سبحة في يدها ، وصارت إليه وحدّثته عن وآثر آبائه ففكّه لها . فقال لها ابن ابي عتيق : أقرئي للأمير ، ففعلت ، فأعجب بذلك . فقال لها : فأحدي للأمير ، فحرّكه حداؤها . ثمّ قال لها : غيري على الأمير . فجعل بذلك عثمان . فقال له ابن ابي عتيق : فكيف لو سمعته في صناعتها . فقال : قل لها فلتقل : فأمرها ، فتغنت :

سددن خصاص الخيم لما دخلته بكل ليان واضح وجبين

فنزل عثمان بن حيّان عن سريره ، حتّى جلس بين يديها ثم قال : لا والله ما مثلك يخرج عن المدينة . فقال له ابن ابي عتيق : إذن يقول الناس: إذن لسلامة في المقام ومنع غيرها . فقال له عثمان : قد أذنت لهم جميعاً [248]. فمن خلال هذا يتّضح أنّ والي المدينة لم يكن مقتنعاً بتحريمه للغناء ومنعه ، وإنما كان تنازلاً منه للأشراف الذين أتوه ، وذلك من أجل تسهيل مهمّته ومحاولة البقاء في منصبه .

4) رقطاء الحبطية : وقد كانت أيضاً من المّغنيات المشهورات في المدينة ، وقد كانت من أضرب الناس ، إلاّ أنها كانت تغني بالتّرنم[249] . وحدث أن إلتقى قنديل الجصاص بأبي الجديد بشعب الصفراء ، فقال قنديل لأبي الجديد : من أين وإلى أين ؟ قال : مررت برقطاء الحبطية رائحةً ـ أي مرسلة بالغناء ـ تترنم برمل ابن سريج ، في شعر ابن عمارة السلمي :

سقى مأزمي نجد إلى بئر خالد فوادي نصاع فالقرون إلى عمد

فزففت خلفها زفيف النعامة فما أنجلت غشاوتي إلا وأنا بأعشاش حسير ، فأودعتها قلبي وخلفته لديها . وأقبلت أحدي كالرخمة بغير قلب . فقال

قنديل : ما دفع أحد من المزدلفة أسعد منك ، سمعت شعر ابن عمارة في غناء ابن سريج من رقطاء الحبطية ، لقد أوتيت جزاءً من النبوة !!! [250].

5) سلامة وحبابة : وقد كانت حبابة وسلامة من قيان أهل المدينة ، وكانتا حاذقتين ظريفتين ، وكانت سلامة أحسنهما غناءاً ، وحبابة أحسنهما وجهاً ، وكانت سلامة تقول الشعر ، وكانت حبابة تتعاطاه فلا تحسن. ورئاها رجل فقال : ما رأيت من قيان المدينة فتاة ولا عجوزاً أحسن غناءاً من سلامة . وأخذت سلامة الغناء عن جميلة[251] . وقد مرّ الحديث عن قصّتها مع القس . وأشتراها يزيد بن عبد الملك من سهيل بن عبد الرحمن الزهري ، بثلاثة آلاف دينار[252] . إلا أنه وبحسب الظاهر كانت جدة يزيد لا ترغب بسلامة . فأشترت له حبابة ، وقد كان يزيد يهواها من قبل ، ووهب سلامة لأم سعيد الّتي هي جدّته . إلا أنه قد حصل إنقطاع ما بين يزيد وحبابة . وذلك بسبب ما قاله مسلمة بن عبد الملك ليزيد ، وعتبه عليه من إنشغاله باللهو والشرب ، وتركه لأمور الخلافة . وقد إنزعجت حبابة من هذا الفعل والإنقطاع . فبعثت إلى الأحوص الشاعر ومعبد المغنّي : أنظرا ما أنتما صانعان . فقال الأحوص في أبيات له :

ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا فقد غلب المحزون أن يتجلّدا

إذا كنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجراً من يابس الصلد جلمدا

فما العيش إلاّ ما تلذّ وتشتهي وإن لام فيه ذو الشنان وفندا

وغناه معبد وأخذته حبابة . فلما دخل عليها يزيد ، قالت : يا أمير المؤمنين أسمع مني صوتاً واحداً ثم أفعل ما بدا لك ، وغنته ، فلما فرغت منه جعل يردد قولها :

فما العيش إلا ما تلذّ وتشتهي وأن لام فيه ذو الشنان وفندا

وعاد بعد ذلك إلى لهوه وقصفه ورفض ما كان عليه[253] . فإذا كان راعي الأمة هكذا فكيف ستكون حال رعيته !!! .

6) القينات : وبعد أن كثر الغناء والمغنّيات في المدينة ، تبع ذلك زيادة عدد المستمعين له ، إلاّ أنهم لم يقتصروا على المغنّيات المشهورات ، بل عمدوا على الذهاب إلى بيوت القينات والجواري ، فمن ذلك :

1) أن الفرزدق قدم المدينة ونزل على الأحوص ، فقال له الأحوص : ما تشتهي ؟ قال : شواء وطلاء وغثاء . قال : ذلك لك . ومضى به إلى قينة من قينات المدينة ، فغنته :

ألا حيّ الديار بسعدٍ إني أحبّ لحبّ فاطمة الديارا [254]

2) وقد كان الأشعب يختلف إلى قينة بالمدينة ، فجلس عندها يوماً يطارحها الغناء ، فلما أراد الخروج ، قال لها : نوليني خاتمك أذكرك به .

قالت : إنه ذهب ، وأخاف أن تذهب . ولكن خذ العود لعلك تعود ، فناولته عوداً من الأرض .

إلىهنا نكتفي بهذا القدر من ذكر المغنّيات ، والتفصيل متروك إلى محلّه . وبإنتهاء هذا البحث نكون قد أنتهينا من البحث ولم تبق سوى نتيجة البحث ، وهي كما يلي .

نتيجة البحث

فهرست مطالب

ومن خلال هذا البحث نصل إلى عدّة نتائج وهي :
1) أنّ الإسلام أعطى للمرأة حرّيتها الحقيقية وحقوقها الواقعية ، فلهذا إندفعت بقوّة لتظهر قابلياتها وقدراتها في كافة المجالات ، وفي ضمن الحدود التي حددها الدين الإسلامي الحنيف .
2) وقد تمسّكت المرأة بهذه الحقوق وتلك الحرّية ، فدخلت المجالات العلمية ، فأصبحت : حافظة للقرآن الكريم ، راوية للحديث ، قائلة للشعر والحكمة ، ووقفت بجنب الرجل في الحروب ، ولتداوي الجرحى إضافة إلى رفع معنوياتهم ، وقد كنّ يفتخرن بذلك ، كما أن الرسول لم يمنع بذلك ، بل قد رحب به .
3) وبما أنّ المدينة أصبحت موطن النبي بعد هجرته إليها ، تمسّكت الصحابيات بهذا الموقع والمكان ، لما يحمله من ذكريات حرّياتهّن وحقوقهّن، ونضالهنّ في سبيل تحقيق ذلك .
4) وقد ظلّت المرأة في المدينة ، متمسّكة بمقامها ومكانتها إلى أن جائت الدولة الأموية ، فحاولت إبعاد هذه النظرة عن المدينة . فقامت بسياسة البطش والقسوة ، إلا أنها وبحسب الظاهر لم تنجح ، بفعل وجود الصحابيات والصحابة ، والتابعيات والتابعين ، فلهذا عدلوا عن سياسة البطش إلى سياسة الترف ، ولم يكتب لهذه السياسة أن تنجح لولا ما قاموا به من عملية إبعادٍ للعناصر المؤثّرة عنها ، وإذا لم تنجح عملية الإبعاد ، فإنهم قاموا بمضايقتهم .
5) أنّ ظواهر من قبيل الغناء والموسيقى والعشق ، كلها كانت تجري عن طريق مدروس من قبل المدينة ، لأنها كانت تمثّل الشوكة والعقبة الكأداء أمام بني أمية ، من أجل محو الإسلام ، ومحاولة إرجاع المرأة إلى سابق عهدها قبل الإسلام . كما إنّ هذه الظواهر لم تكن لتبرز لولا إجتماع عدّة عوامل ، ساعدت ومهّدت لأنتشار هذه الظواهر في المدينة ، ولم تكن تابعة لعامل واحدٍ فقط . وهذه العوامل : العامل السياسي ، والإضطراب السياسي ، والعامل النفسي ، والعامل الأقتصادي ، بالأضافة إلى من دخلها من الوافدين الجدد ، على إعتبار أنها كانت تمثل آنذاك الخلافة الدينية ، لما فيها من وجوه الصحابة والصحابيات ، والفقهاء .
هذا وآخر دعوانا أن الح