قوم عيسى .
شخصيّة عيسى .
حياة عيسى .
ملاحظات عامة .
عيسى عليهالسلام هو ابن مريم ابنة عمران على ما ذكره القرآن الكريم ، وهو آخر
الأنبياء الذين ذكرهم القرآن الكريم بالاسم قبل نبيّنا محمّد صلىاللهعليهوآله ،
وهو رابع أنبياء اُوليالعزم الذين تحدثنا عنهم .
وقد جاءت قصته في الأناجيل الأربعة المعروفة ( متي ، ومرقس ، ولوقا ، ويوحنا ) التي
يعترف بها المسيحيون بشكل عام ، كما جاءت في الإنجيل الخامس ( إنجيل برنابا ) ،
ولكنّها جاءت في هذه الأناجيل مع اختلاف كبير بينها في التفاصيل بحيث لا يمكن الجمع
بينها كما سوف نعرف .
وهي فى الوقت نفسه مختلفة عمّا جاءت في القرآن الكريم في بعض الجهات .
ولم يرد ذكر هذه القصّة في التوراة بطبيعة الحال ؛ لأ نّها أقدم من وجوده ، إلاّ
أنّ الغريب أ نّه لم يرد ذكر لعيسى عليهالسلام في التاريخ اليهودي والإنساني العام
، ولا في تاريخ اليهود وجماعتهم إلاّ في وقت متأخر نسبيا الأمر الذي جعل بعض
المؤرخين يذهبون إلى إنكار وجوده ، وادعاء أنّ قصّته هي من الأساطير التاريخية التي
تشبه قصص بعض الأبطال الاُسطوريين ، مثل : كرشنا ، واوزديس ، واتيس ، واونيس ،
وديونش ، ومتراس(١) .
ولذلك يعتبر تأكيد القرآن الكريم لوجوده وذكر قصّته من أهمّ الادلة وأوضحها على
وجود هذا النبي العظيم .
وقد ورد ذكره في القرآن الكريم باسمه الشريف ( عيسى ) خمسا وعشرين مرّة ، كما ورد
اسمه باسم المسيح أحد عشر مرّة، ثلاثة منها مقرونة بإسمه الشريف ، وورد ذكره تحت
عنوان ( ابن مريم ) بشكل مستقل مرّتين ، فيكون مجموع الموارد التي ذكر فيها في
القرآن الكريم خمسا وثلاثين مرّة .
كما أنّ قصّته وردت في القرآن الكريم متفرقة ومتناثرة ـ أحيانا ـ ضمن قصّة والدته
مريم عليهاالسلام التي تعتبر من مقدمات وشؤون قصّته .
وأكثر الموارد تفصيلاً ما ورد في سورة آل عمران ، وسورة المائدة ، وسورة مريم(٢) ،
وبعد ذلك في سورتي النساء والصف(٣) .
ولم ترد القصّة كاملة ولو على نحو الإجمال إلاّ في موضع واحد ، وهو آل عمران ، كما
أ نّها جاءت في هذه المواضع مختلفة اللفظ والهدف بحسب السياق الذي جاءت فيه القصّة
، وإن كانت للقصّة أهداف خاصة كما سوف نشير إلى ذلك في الملاحظات العامة حول القصّة
إن شاء اللّه .
(١) راجع كتاب قصّة الحضارة ١١ : ٢٠٢ ـ ٢٠٦ .
(٢) آل عمران : ٣٢ ـ ٦٢ ، والمائدة : ٧٢ ـ ٨٦ ، و ١١٠ ـ ١١٩ ، ومريم : ١٦ ـ ٣٧ .
(٣) النساء : ١٥٥ ـ ١٥٩ ، و ١٧١ ـ ١٧٣ ، والصف : الآيات ٦ ـ ٨ ، و ١٤ .
وتتلخص قصّة عيسى عليهالسلام في الفصول الثلاثة الآتية :
قد يظهر من القرآن الكريم أنّ قوم عيسى عليهالسلام هم بنو إسرائيل ؛ لأ نّه جاء
الحديث في القرآن عن إرسال عيسى عليهالسلام إلى بني إسرائيل : «وَرَسُولاً إلَى
بَني إسْرَائِيلَ أنيّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أنيّ أخْلُقُ لَكُمْ
مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا بِإذْنِ
اللّهِ . . .»(١) .
كما أ نّه في سياق الحديث عن بني إسرائيل يقول اللّه تعالى : «وَلَقَدْ آتَيْنَا
مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أفَكُلّمَا جَاءَكُمْ
رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقا كَذّبْتُمْ
وَفَرِيقا تَقْتُلُونَ »(٢) . وهكذا نجد ذلك في الآيه ١٥٦ من سورة النساء .
وجاء في بعض الموارد حديث عيسى عليهالسلام مخاطبا بني إسرائيل : «وَإذْ قَالَ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَني إسْرَائِيلَ إنيّ رَسُولُ اللّهِ إلَيْكُمْ
مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ وَمُبَشِّرا بِرَسُولٍ يَأتي مِنْ
بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ
مُبِينٌ »(٣) . « . . . وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَني إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ
رَبيّ وَرَبّكُمْ إنّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهَُ عَلَيْهِ
الْجَنّةَ . . . »(٤) .
(١) آل عمران : ٤٩ .
(٢) البقرة : ٨٧ .
(٣) الصف : ٦ .
(٤) المائدة : ٧٢ .
كما يظهر ذلك ـ أيضا ـ ممّـا يذكره القرآن عن
نتائج الرسالة من موقف بني إسرائيل تجاه عيسى وموقفه تجاههم في قوله تعالى : «
لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَني إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى
ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ
يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ »(١) .
وقوله تعالى : « . . . وَإذْ كَفَفْتُ بَني إسْرَائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ
مُبِينٌ »(٢) .
وكلّ هذه الآياتالكريمة وما يشبهها يظهر منه أنّ قوم عيسى عليهالسلام هم بنو
إسرائيل .
بل قد يبدو ولأوّل وهلة أنّ عيسى عليهالسلام كانت دعوته مختصة ببني إسرائيل ، كما
قد يبدو ذلك في موسى عليهالسلام أيضا ، إلاّ أ نّنا سوف نذكر في الحديث عن مراحل
حياة عيسى عليهالسلام أنّ دعوته لم تكن مختصة ببني إسرائيل ، ولكنّ قومه الذين عاش
بينهم وتحدّث إليهم هم بنو إسرائيل .
(١) المائدة : ٧٨ ـ ٧٩ .
(٢) المائدة : ١١٠ .
وإنطلاقا من هذا الفهم يمكن أن نحدّد معالم هؤلاء القوم ممّا تحدّث عنه القرآن الكريم من مواصفات عامة لهذه الجماعة ، وكذلك ممّا أشار إليه من مواصفات لهم في إطار الحديث عن عيسى عليهالسلام في أيام حضوره معهم أو بعده ، حيث يلاحظ أنّ القرآن قد تحدّث عن قوم عيسى في أيام حضوره ببعض المواصفات ، وبعد وفاته ورفعه ببعض المواصفات الاُخرى تتناول عدّة أبعاد :
١ ـ كان الإسرائيليون يؤمنون باللّه والوحي الإلهي والرسالات ، ويؤمنون
بالتوراة والزبور ، ولكنّهم في الوقت نفسه كانوا قد حرفوا هذه العقائد ، فقالوا في
اللّه : إن له ولد «وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ
النّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأفْوَاهِهِمْ
يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللّهَُ أنّى
يُؤْفَكُونَ »(١) .
٢ ـ كما أ نّهم في الوقت نفسه كانوا قد اختلفوا في تفسير التوراة إلى حدّ كبير بحيث
أصبح يمثل ذلك مشكلة مستعصية انتهت بهم ـ أحيانا ـ إلى الكفر بآيات اللّه ؛ ولذا
كان من أهداف رسالة عيسى عليهالسلام هو حل مشكلة هذا الاختلاف وبيان الحقيقة
«وَلَمّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ
وَلاُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتّقُوا اللّهَ
وَأطِيعُونِي »(٢) .
٣ ـ وبسبب تحريف التوراة والاختلاف في تفسيرها والكفر بآيات اللّه التي يأتيهم بها
أنبياؤهم كانوا يقتلون هؤلاء الأنبياء أحيانا ، كما تشير إلى ذلك الآيات القرآنية
بشكل إ جمالي : « . . . أفَكُلّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أنفُسُكُمْ
اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقا تَقْتُلُونَ »(٣) . « . . .
فَلَمّا جَاءَهُمْ بِالبَيّنَاتِ قَالُوا هذَا سِحْرٌ مُبِين »(٤) . « . . . ذَلِكَ
بِأنّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيِّينَ
بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ »(٥) .
(١) التوبة : ٣٠ .
(٢) الزخرف : ٦٣ .
(٣) البقرة : ٨٧ .
(٤) الصف : ٦ .
(٥) البقرة : ٦١ ، وكذلك الآية ٢١ من سورة آل عمران .
« لَقَدْ سَمِعَ اللّهَُ قَوْلَ الّذِينَ قَالُوا إنّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ
أغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا
وَقَتْلَهُمْ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ
»(١) .
« فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمْ
الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهَُ
عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إلاَّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ
وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانا عَظِيما * وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنَا
الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ
وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ . . .»(٢) .
وقد جاء في النصوص أ نّهم قد قتلوا زكريا وابنه يحيى عليهماالسلام ، ويذكر القرآن
الكريم محاولتهم لقتل المسيح وادعاءَهم قتله(٣) .
لقد كانت العلاقات الاجتماعية بين الإسرائيلين عند ولادة عيسى عليهالسلام تدور على محور ( الهوى ) و( حب الدنيا وزينتها ): من الأولاد والنساء ، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة « وَلَتَجِدَنّهُمْ أحْرَصَ النّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أنْ يُعَمّرَ وَاللّهَُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ »(٤) .
(١) آل عمران : ١٨١ .
(٢) النساء : ١٥٥ ـ ١٥٧ .
(٣) البحار ١٤ : ١٨١ عن قصص الأنبياء للراوندي : ص ١٨٩ عن الكامل لإبن الأثير :
(إنّ يحيى عليهالسلام لمّا قتل وسمع أبوه بقتله فرّ هاربا ، فدخل بستانا عند بيت
المقدس فيه أشجار ، فأرسل الملك في طلبه ، فدخل في باطن شجرة ، وقطعوا الشجرة
وشقوها بالمنشار فمات زكريا عليهالسلام . . .) .
(٤) البقرة : ٩٦ .
ولذلك شاع بينهم الاختلاف إلى حدّ الاقتتال والاسر والاستعباد ، كما شاع بينهم
الأثم والعدوان ، والتمرد على الأحكام والقوانين ( العصيان ) ، والسكوت عن المنكرات
، واتباع الهوى في الاخذ من التوراة أو رفضها ، فيؤمنون بما تهواه أنفسهم منها ،
ويكفرون ببعضه الآخر الذي لايتفق مع هوى النفس والمصالح الخاصة ، والولاء للكافرين
دون المؤمنين «وَإذْ أخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ
تُخْرِجُونَ أنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمّ أقْرَرْتُمْ وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ *
ثُمّ أنْتُمْ هؤُلاَء تَقْتُلُونَ أنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقا مِنْكُمْ مِنْ
دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإنْ يَأتُوكُمْ
اُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرّمٌ عَلَيْكُمْ إخْرَاجُهُمْ أفَتُؤْمِنُونَ
بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ
مِنْكُمْ إلاَّ خِزْيٌ في الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدّونَ
إلَى أشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهَُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ * اُوْلَئِكَ
الّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُمْ
الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ
وَقَفّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
الْبَيِّنَاتِ وَأيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أفَكُلّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا
لاَ تَهْوَى أنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقا
تَقْتُلُونَ »(١) .
وبهذا يمكن أن نفهم صدور اللعن لهم على لسان داود وعيسى بن مريم « لُعِنَ الّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ بَني إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ
مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرا مِنْهُمْ
يَتَوَلّوْنَ الّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدّمَتْ لَهُمْ أنفُسُهُمْ أنْ
سَخِطَ اللّهَُ عَلَيْهِمْ وَفي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ »(٢) .
(١) البقرة : ٨٤ ـ ٨٧ .
(٢) المائدة : ٧٨ ـ ٨٠ .
كما يمكن بهذا أن نفسّر النتائج التي وصل إليها الاسرائيليون ، وأشار إليها القرآن
الكريم : من الذلّة والمسكنة والغضب الإلهي الذي باءوا به ، وقد أكّدت النصوص
التأريخية سيطرة الكفّار الرومان عليهم ثم ما تعرّضوا له من إبادة وتشـريد وتخريـب
على يـد ( بخت نصر ) الحـاكم البابلي عنـدما غزا الأرض المقدّسة(١) .
« ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلّةُ أيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللّهِ
وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ
الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأنّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ
الأنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ »(٢) .
وعلى مستوى العلاقات السياسية نجد بني إسرائيل كانوا قد وضعوا اُمور حياتهم وشؤونهم
الاجتماعية والسياسية بيد أحبارهم ورهبانهم الذين حرفوا التوراة والكتب الإلهيّة ،
فاتخذوا هؤلاء الأحبار أربابا لهم من دون اللّه يسمعون لهم ويطيعونهم ، ولا يسمعون
كلام اللّه ولا يطيعونه .
وكان هؤلاء الأحبار قد تحولوا إلى الدنيا والرئاسة ـ وأصبحوا يمثلون ( علماء السوء
) في المصطلح الإسلامي ـ حتى أصبحت الدنيا مبلغ همهم ، وتحولت هذه
المقامات من مواقع للهداية والاصلاح إلى مناصب لأكل أموال الناس بالباطل يجمعونها
ويكنزونها ، ولا ينفقونها في سبيل اللّه .
(١) وقد ورد في بعض النصوص عن أهل البيت عليهمالسلام : أنّ نتائج هذا اللعن هو : أ
نّهم مسخوا قردة في عهد عيسى عليهالسلام . راجع البحار ١٤ : ٢٣٥ عن العياشي في
تفسيره . وفي نص آخر عن إكمال الدين : أ نّهم مسخوا شياطين . البحار ١٤ : ٢٤٩ .
(٢) آل عمران : ١١٢ .
بل أخذوا من خلال هذه المواقع يصدون عن سبيل اللّه ، ويمنعون الناس من سماع كلمة
الحق والهدى أو اتباعه خوفا منهم على مواقعهم وسلطانهم(١) .
« اتّخَذُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَابا مِنْ دُونِ اللّهِ
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا اُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَها وَاحِدا لاَ
إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ »(٢) .
« يَا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إنّ كَثِيرا مِنْ الأحْبَارِ وَالرّهْبَانِ
لَيَأكُلُونَ أمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ
وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ
اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ
جَهَنّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا
كَنَزْتُمْ لاَِنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ »(٣) .
كلّ ذلك وهم يعيشون تحت سلطة الرومان ، وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة بذلك ، كما
ذكرنا .
وقد سرت هذه الحالة بعد ذلك في النصارى من اتباع عيسى عليهالسلام بعده ، كما يشير
القرآن الكريم إلى ذلك .
(١) تشبه هذه الحالة التي يصفها القرآن ما وصلت إليه حالة الكنيسة الكاثوليكية
والارثوذكسية في بلاد اُروبا في القرون الوسطى ؛ إذ كانت تقوم الكنيسة بهذا الدور
حتى وقعت الثورة في بريطانيا وفرنسا بعد ذلك ، وسقطت سلطة الكنيسة كليا أو جزئيا ،
ثم تحولت إلى جهاز تابع للسلطة الاستعمارية .
(٢) التوبة : ٣١ .
(٣) التوبة : ٣٤ ـ ٣٥ .
لقد تحدّث القرآن الكريم عن جوانب من البعد الأخلاقي لبني إسرائيل بشيء من التفصيل
لم يتحدّث به عن الأقوام الآخرين .
والسبب في ذلك :
أوّلاً : أنّ البعد الأخلاقي يمثل القاعدة الأساسية للمجتمع الإنساني بعد العقيدة
والإ يمان باللّه تعالى .
ثانيا : أنّ أصل المشكلة في جماعة بني إسرائيل ترتبط بهذا البعد الأخلاقي ، ويمكن
أن تكون بقية الأبعاد الاُخرى نتائج لهذا البعد الأخلاقي ، كما يفهم ذلك من القرآن
الكريم ـ كما شرحنا ذلك في أبحاث تفسير القرآن الكريم ـ وبقيت هذه المشكلة قائمة
ومؤثرة إلى حد كبير في هذه الجماعة حتى نزول القرآن الكريم .
ويمكن تلخيص أهم الجوانب الأخلاقية لهذه الجماعة التي أكّدها القرآن الكريم
بالاُمور التالية :
١ ـ قسوة القلب إلى حدّ الطبع والختم عليه ، وهذا ماكانوا يتحدّثون به عندما يقولون
: «وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللّه بِكُفْرِهِمْ فَقليلاً ما
يُؤمِنُونَ »(١) .
(١) البقرة : ٨٨ .
ثم « لَقَدْ أخَذْنَا مِيثَاقَ بَني إسْرَائِيلَ وَأرْسَلْنَا إلَيْهِمْ رُسُلاً كُلّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أنفُسُهُمْ فَرِيقا كَذّبُوا وَفَرِيقا يَقْتُلُونَ * وَحَسِبُوا ألاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمّوا ثُمّ تَابَ اللّهَُ عَلَيْهِمْ ثُمّ عَمُوا وَصَمّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللّهَُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَني إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبّكُمْ . . .»(١) .
« ثُمّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أوْ أشَدّ
قَسْوَةً وَإنّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإنّ
مِنْهَا لَمَا يَشّقّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإنّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ
مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهَُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ »(٢) .
٢ ـ نقض الميثاق والعهد ، وهي صفة عامة أكّدها القرآن في بني إسرائيل ، وهي أحد
الأسباب الأخلاقية والنفسية التي تنتهي إلى قسوة القلب ثمّ الطبع والختم وقتل
الأنبياء .
وقد تقدمت الآيات ( ١٥٥ ـ ١٥٧ ) من سورة النساء في البعد العقائدي التي تربط بين
نقض الميثاق وغلف القلوب وقتل الأنبياء .
٣ ـ العناد والجحود حيث أكّد القرآن هذه الصفة فيهم في عدّة موارد من خلال ما أشار
إليه من تكذيبهم لعيسى بن مريم عليهالسلام بعد أن جاءهم بالبينات ، وقولهم بشأنه :
إنّه « . . . هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ »(٣) .
٤ ـ المكر والخديعة ؛إذ صرح القرآن الكريم بذلك بشان قصّة عيسى عندما مكروا به في
محاولتهم لقتله وصلبه :
« وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهَُ وَاللّهَُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إذْ قَالَ
اللّهَُ يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ
الّذِينَ كَفَرُوا . . . »(٤) .
(١) المائدة : ٧٠ ـ ٧٢ .
(٢) البقرة : ٧٤ .
(٣) الصف : ٦ .
(٤) آل عمران : ٥٤ ـ ٥٥ .
٥ ـ البهتان والكذب والقول بغير علم ، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في بهتانهم
العظيم لمريم عليهاالسلام وادعائهم قتل المسيح مع أنّهم لم يعرفوا ذلك باليقين ،
وقد تقدّم ذلك :
« وَإنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ
مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ
وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ »(١) .
٦ ـ الغرور : الشعور بالامتياز من الآخرين والاختصاص باللّه تعالى ، وإنّهم أحباء
اللّه وأولياؤه ، وإنّ الدار الآخرة مختصة بهم من دون الناس ، وإنّ اللّه ـ تعالى ـ
إذا كان يعذّبهم بعصيانهم فإنّما هو لأيام معدودة .
« قُلْ يَا أيّهَا الّذِينَ هَادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنّكُمْ أوْلِيَاءُ للّهَِ
مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنّوْا الْمَوْتَ إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ »(٢) .
« قُلْ إنْ كَانَتْ لَكُمْ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ
النّاسِ فَتَمَنّوْا الْمَوْتَ إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ »(٣) .
« وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى نَحْنُ أبْنَاءُ اللّهِ وَأحِبّاوءُهُ قُلْ
فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ
لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ . . . »(٤) .
« وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَار إلاّ أيّامَا مَعْدُودَة . . . »(٥) .
(١) آل عمران : ٧٨ ، وكذلك الآيات ١٥٦ ـ ١٥٧ من سورة النساء .
(٢) الجمعة : ٦ .
(٣) البقرة : ٩٤ .
(٤) المائدة : ١٨ .
(٥) البقرة : ٨٠ .
ووصل بهم الغرور والجرأة على اللّه ـ تعالى ـ حدا أن ادعوا أ نّهم هم الأغنياء
واللّه هو الفقير « لَقَدْ سَمِعَ اللّهَُ قَوْلَ الّذِينَ قَالُوا إنّ اللّهَ
فَقِيرٌ وَنَحْنُ أغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأنْبِيَاءَ
بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ »(١) .
ومن هذا المنطلق الأخلاقي المتردّي وجدوا لأنفسهم الحق في استباحة أموال ودماء
الناس الآخرين من غير بني إسرائيل كما تحدّث عنهم القرآن الكريم : « وَمِنْ أهْلِ
الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ
تَأمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِما
ذَلِكَ بِأ نَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »(٢) .
وقد تحدّث القرآن الكريم عن قوم عيسى عليهالسلام بعده أيضا ، فأشار إلى كثير من
الانحرافات التي كان عليها الإسرائيليون أيام عيسى عليهالسلام ، مضافا إلى نقطتين
مهمتين :
الاُولى : وجود الاختلاف بين المسيحيين في عيسى عليهالسلام حتى أصبحوا أحزابا
وجماعات بشأنه .
«فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِم فَوَيْلٌ لِلّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ
يَوْمِ ألِيمٍ »(٣) .
الثانية : وجود من يقول بالغلو في عيسى عليهالسلام بحيث يصعد به إلى درجة
الاُلوهية فيقول : إنّه ثالث ثلاثة أو إنّه هو اللّه تعالى ، وكذلك في اُمه .
(١) آل عمران : ١٨١ .
(٢) آل عمران : ٧٥ .
(٣) الزخرف : ٦٥ .
« يَا أهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ
إلاَّ الْحَقَّ إنَّمَا الْمَسِيحُ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ
وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا
خَيْرا لَكُمْ إنّمَا اللّهَُ إلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
لَهُ مَا في السّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً »(١) «
وَإذْ قَالَ اللّهَُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتّخِذُونِي
وَاُمِّي إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أنْ
أقُولَ مَا لَيْسَ لي بِحَقٍّ إنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا
في نَفْسِي وَلاَ أعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ إنّكَ أنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ »(٢) .
ومع كل ذلك فقد كانت لرسالة عيسى عليهالسلام ودعوته نتائج إ يجابية مهمة سوف نشير
إليها في الملاحظات العامة حول القصّة إن شاء اللّه .
(١) النساء : ١٧١ .
(٢) المائدة : ١١٦ .
لقد ذكر العلاّمة الطباطبائي تحت عنوان [منزلة عيسى عند اللّه تعالى وموقفه في
نفسه] : أنّ عيسى عليهالسلام كان عبدا للّه وكان نبيا ، ورسولاً إلى بني إسرائيل ،
وكان واحدا من الخمسة أُولي العزم صاحب شرع وكتاب ، وهو : الإنجيل .
كما أنّ اللّه ـ تعالى ـ سمّـاه بالمسيح عيسى ، وكان كلمة اللّه وروحامنه ، وكان
إماما ، ومن شهداء الأعمال ، وكان مبشرا برسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ،
وكان وجيها في الدنيا والآخرة ، ومن المقربين ، وكان من المصطفين ، وكان من
المجتبين ، وكان من الصالحين ، وكان مباركا أينما كان ، وكان زكيا ، وكان آية للناس
ورحمة من اللّه وبرا بوالدته ، وكان مسلّما عليه ، وكان ممّن علّمه اللّه الكتاب
والحكمة .
فهذه اثنتان وعشرون خصلة من مقامات الولاية ، هي جمل ما وصف اللّه ـ تعالى ـ به هذا
النبي المكرم ، ورفع بها قدره ، وهي على قسمين : اكتسابية كالعبودية والقرب والصلاح
، واختصاصية . . .(١) .
وهذه الصفات على الأكثر هي مشتركه بينه وبين سائر أنبياء أُولي العزم الذين سبقوه
وإن كان بعضها يختص به عليهالسلام .
وهنا نحاول أن نقسّم هذه الصفات على الأبعاد الأربعة التي قسّمنا بها صفات إبراهيم
عليهالسلام ، كما نضيف إليه خصال وخصائص اُخرى أشار إليها القرآن الكريم ، ونتحدّث
قليلاً عن الصفات التي اختص بها عيسى عليهالسلام :
(١) الميزان ٣ : ٢٨١ ـ ٢٨٢ وقد وضع أمام كلّ صفة رقم الآية التي يشير إليها .
وهي الصفات التي تشير إلى موقع عيسى عليهالسلام من الرسالة الإلهيّة :
أ ـ الإمامة : وهي وإن لم يصرّح بها القرآن الكريم كما في إبراهيم وموسى
عليهماالسلام ولكن يمكن أن نستنبطها من آية سورة الأحزاب التي تحدّثت عن أخذ
الميثاق الغليظ من الأنبياء ؛ إذ يُذكر عيسى عليهالسلام في سياق الخمسة اُولي
العزم : « وَإذْ أخَذْنَا مِنْ النّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
وَإ بْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقا
غَلِيظا »(١) .
كما أنّ القدر المتيقن من الذرية التي استجاب اللّه دعاء إبراهيم فيهم هو : عيسى
عليهالسلام فإنّه أفضل من إسحاق ويعقوب الذي يصرّح القرآن فيهما بعنوان الإمامة .
ب ـ النبوّة والرسالة على مستوى أُولي العزم ، كما أشرنا إلى ذلك في إبراهيم
عليهالسلام ، وهذا ما يؤكّده القرآن الكريم عند ما يذكر عن عيسى أن اللّه ـ تعالى
ـ قد آتاه الإنجيل ، وعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ؛ أءذ يفصل بذلك بيان
هذه الشريعة « وَيُعَلّمَهُ الكِتَابَ وَالحِكْمَة والتّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ »(٢)
؛
(١) الأحزاب : ٧ .
(٢) آل عمران : ٤٨ .
لأنّ القرآن يصرح في سياق آية سورة المائدة بوجود الشريعة والمنهاج
المستقل : « وَقَفّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقا لِمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ
وَمُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً
لِلْمُتّقِينَ »(١) .
ج ـ الاصطفاء والاجتباء كما في إبراهيم عليهالسلام وغيره من الأنبياء ، بل يبدو من
القرآن الكريم أن هذا الاصطفاء كان لجده واُمه أيضا :
« إنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحا وَآلَ إ بْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى
الْعَالَمِينَ * ذُرِّيّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللّهَُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(٢)
.
د ـ التصديق بالتوراة والتبشير برسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبهذا يكون
عيسى عليهالسلام صلة الوصل وحلقة التكامل للرسالة السابقة عليه والمُمهد للرسالة
الخاتمة لنبينا محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وهو بهذا وإن كان لا يختلف عن موسى عليهالسلام الذي كان مصدّقا لصحف إبراهيم
عليهالسلام ووصايا يعقوب ومبشرا برسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكنّ
القرآن الكريم يصرّح هنا في عيسى بكلا الأمرين بشكل يجعل ذلك صفة بارزة من صفاته
ولا سيما التصريح بالاسم الشريف للرسول ( أحمد ) :
« وَإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَني إسْرَائِيلَ إنيّ رَسُولُ اللّهِ
إلَيْكُمْ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ وَمُبَشِّرا بِرَسُولٍ
يَأتي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا
هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ »(٣) .
(١) المائدة : ٤٦ .
(٢) آل عمران : ٣٣ ـ ٣٤ .
(٣) الصف : ٦ .
ولعلّ هذا التأكيد منه عليهالسلام على هذا الدور ؛ لإنّه كان يواجه التكذيب والشك
بذلك في أوساط بني إسرائيل ، وهذا على خلاف موسى الذي لم يكن يواجه مشكلة
في هذا المجال .
ه ـ آية للناس « وَيُكَلّمُ النَاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً . . . »(١) ، فكان
وجوده الشريف بنفسه وولادة اُمّه له من دون أب وتكليمه للناس في المهد آيات إلهيّة
ومعاجز ربانية تثبت له هذا المقام الرسالي .
« وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَاُمّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ
قَرَارٍ وَمَعِينٍ »(٢) « . . . وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَاسِ وَرَحْمَةً مِنّا
وَكَانَ أمْرا مَقْضِيا »(٣) .
وهذه الصفة والخصلة من المقامات الرسالية التي اختص بها عيسى عليهالسلام « إنّ
مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ قَالَ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »(٤) .
وبذلك كان سلام اللّه عليه كلمة من اللّه ـ تعالى ـ وروح منه وآية للناس بنفس وجوده
الشريف وكلامه في المهد .
« . . . إنّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى
ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيها فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرّبِينَ *
وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصّالِحِينَ »(٥) .
(١) آل عمران : ٤٦ .
(٢) المؤمنون : ٥٠ .
(٣) مريم : ٢١ .
(٤) آل عمران : ٥٩ .
(٥) آل عمران : ٤٥ ـ ٤٦ .
و ـ نزول المعجزات الخاصة على يديه بحيث اختص بهذا النوع من المعجزات عن بقية
الأنبياء الذين سبقوه في ذكر القرآن لهم ، فهو يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص
، ويجعل لهم كهيئة الطير فينفخ فيه ، فيكون طيرا باذن اللّه تعالى ،
ويخبرهم بما يدخرون في بيوتهم من الطعام والشراب وغيرهما من المتاع .
ولذا جاء تأكيد القرآن الكريم لذلك أكثر من مرّة :
« . . . أنيّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أنيّ أخْلُقُ لَكُمْ مِنْ
الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا بِإذْنِ اللّهِ
وَاُبْرِءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَاُحْييِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ
وَاُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إنّ فِي
ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ »(١) .
وهي الصفات التي تتحدّث عن نوع ومستوى العلاقة بين اللّه تعالى وعيسى عليهالسلام ،
وهنا نلاحظ أنّ القرآن الكريم يتحدّث في هذا البعد عن الخصال التي تعبّر عن موقف
العناية والرحمة الإلهية بعيسى عليهالسلام في تصوير هذه العلاقة ، بدل الصفات التي
تعبّر عن موقف عيسى عليهالسلام من اللّه باستثناء صفة واحدة ، وهي صفة العبودية .
أ ـ عبد اللّه « قَال إنّي عَبْدُ اللّه آتَانِي الكِتَاب وجَعَلَني نَبِيّا »(٢) ،
والعبودية المطلقة تشتمل على كل صفات التسليم والقنوت والشكر للّه تعالى التي تحدث
عنها القرآن الكريم في وصف إ براهيم عليهالسلام .
ب ـ أنعم اللّه عليه بنعم كثيرة ، هي كل المقامات السابقة التي حصل عليها عيسى
عليهالسلام .
(١) آل عمران : ٤٩ .
(٢) مريم : ٣٠ .
« إذْ قَالَ اللّهَُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتي عَلَيْكَ وَعَلى
وَالِدَتِكَ إذْ أيّدتّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في الْمَهْدِ
وَكَهْلاً وَإذْ عَلّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ
وَإذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ بِإِذْني فَتَنفُخُ فِيهَا
فَتَكُونُ طَيْرا بِإذْني وَتُبْرِءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإذْني وَإذْ تُخْرِجُ
الْمَوْتَى بِإذْني وَإذْ كَفَفْتُ بَني إسْرَائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ
مُبِينٌ »(١) ، وهي نعم قد اختص بها عيسى عليهالسلام .
ج ـ وجيها عند اللّه ومن المقربين لديه ، وهي صفة اختص بها عيسى عليهالسلام وموسى
في القرآن الكريم .
د ـ مسلّما عليه من قبل اللّه تعالى «وَالسَلامُ عليّ يَوْمَ وُلِدتُ وَيَوْمَ
أمُوتُ وَيَوْمَ اُبْعَثُ حُيّا »(٢) ، وهي صيغة من السلام ذكرت ليحيى عليهالسلام
، كما أنّ السلام ذكر لنوح وإبراهيم وعلى موسى وهارون وعلى آل ياسين وعلى المرسلين
.
ه ـ كان عيسى عليهالسلام مؤيدا بروح القدس ؛ إذ ذُكر ذلك من جملة النعم التي أنعم
اللّه بها عليه ، وقد أكّد القرآن ذلك في عدّة مواضع :
« . . . وَآتَيْنَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيّنَاتِ وَأيْدنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ
. . . »(٣) ، وكذلك الآية ٢٥٣ من البقرة ، والآية ١١٠ من المائدة ولم تذكر هذه
الصفة والخصلة إلاّ له ولنبينا محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم في سورة النحل ١٠٢ .
(١) المائدة : ١١٠ .
(٢) مريم : ٣٣ .
(٣) البقرة : ٨٧ .
و ـ رفعه اللّه إليه بعد الوفاة ، وطهره من الكافرين ، وهي من الصفات التي
اختص بها اللّه ـ تعالى ـ رسوله عيسى عليهالسلام «إذْ قَالَ اللّهُ يا عِيسى إنيّ
مُتَوفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليّ وَمُطَهّرُكَ مِنْ الّذِينَ كَفَرُوا . . .»(١) .
« . . . وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإنّ الّذِينَ
اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ
الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا * بَلْ رَفَعَهُ اللّهَُ إلَيْهِ وَكَانَ
اللّهَُ عَزِيزا حَكِيما »(٢) .
لقد ذكر القرآن الكريم نوعا آخر من الصفات لعيسى عليهالسلام توضح فيه طبيعة
العلاقة بينه وبين الناس بصورة عامة ، أو مع والدته وقومه من بني إسرائيل بصورة
خاصة .
أ ـ رحمة من اللّه تعالى للناس ، فعلاقته مع الناس علاقة رأفة وخير وهدى وصلاح
ومحبة وإحسان « . . . وَلِنَجْعَلَهُ آيَة لِلِنَاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكَانَ
أمْرا مَقْضِيّا »(٣) .
كما أنّ القرآن الكريم يصوّر هذا الموقوف من الرأفة والرحمة في عيسى عليهالسلام
عندما يتحدّث عن عيسى عليهالسلام وموقف قومه منه في يوم القيامة : « وَإذْ قَالَ
اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتّخِذُوني وَاُمِّي
إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أنْ أقُولَ مَا
لَيْسَ لي بِحَقٍّ . . . »(٤) ،
(١) آل عمران : ٥٥ .
(٢) النساء : ١٥٧ ـ ١٥٨ .
(٣) مريم : ٢١ .
(٤) المائدة : ١١٦ .
ثم يعقب القرآن الكريم بعد ذلك فيذكر
موقف الرأفة والرحمة في عيسى في قوله : « إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنّهُمْ عِبَادُكَ
وَإنْ تَغْفِرْ لَـهُمْ فَإنّكَ أنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »(١) .
ب ـ الشاهد عند اللّه على أعمال الناس والرقيب على سلوكهم في أقوالهم وأفعالهم .
« وَإنْ مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ إلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا »(٢) .
« مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أمَرْتَني بِهِ أنْ اعْبُدُوا اللّهَ رَبيّ
وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفّيْتَني
كُنتَ أنْتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »(٣) .
ج ـ الوجيه في الدنيا ، فهو كان له الجاه عند اللّه في الآخرة ـ كما ذكرنا ـ ولكنّه
مع وجاهته عند اللّه فهو وجيه بين الناس ؛ لموقع بيته العظيم الذي اصطفاه اللّه ـ
تعالى ـ من بين الناس والآل ، ولولادته المتميزة ، وللآيات والمعاجز التي جاء بها ،
ثم لسلوكه وأخلاقه الخاصة التي جعلته وجيها عندهم مع تواضعه وزهده في هذه الدنيا ،
« . . . وَجِيهَا فِي الدُنْيا وَالآخِرَة وَمِنْ المُقَرّبِين »(٤) ، فهو يشبه من
هذه الصفة نبينا محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي كانت لديه هذه الوجاهة عند
الناس أيضا .
د ـ البر بوالدته والإحسان إليها والاحترام والوفاء والتقدير لها ، « وَبرّا
بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلَنِي جَبّارَا شَقِيّا »(٥) .
(١) المائدة : ١١٨ .
(٢) النساء : ١٥٩ .
(٣) المائدة : ١١٧ .
٤) آل عمران : ٤٥ .
(٥) مريم : ٣٢ .
معالم الشخصية :
فقد ذكر القرآن الكريم إلى جانب الصفات السابقة بُعدا رابعا في شخصية عيسى
عليهالسلام ترتبط بمعالم شخصيته الذاتية الرفيعة .
أ ـ كان عيسى عليهالسلام إنسانا ( مباركا ) من اللّه تعالى ، ولا يستعبد العلاّمة
الطباطبائي أنّ تسميته بالمسيح في البشارة الإلهية « . . . إنّ اللّه يُبَشّرُكِ
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسِيح عِيسى ابْنُ مَرْيَم . . . »(١) ، إنّما هو
بمعنى ( المبارك ) ؛ لأنّ الملك منهم إذا قام بأمر المُلك مسحته الكهنة بالدهن
المقدس ليبارك له في ملكه ، فكان يسمّى ( مشيحا ) ، ومعرب هذه الكلمة ( مسيح )
فمعناه المبارك(٢) .
« قَالَ إنيّ عَبْدُ اللّهِ آتَاني الْكِتَابَ وَجَعَلَني نَبِيّا * وَجَعَلَني
مُبَارَكا أَيْنَ مَا كُنتُ . . . »(٣) .
والمبارك ما يكون فيه الخير والنماء ، والمسيح كان كذلك ؛ إذ كان يصحبه الخير أينما
كان .
ب ـ وقد كان المسيح عليهالسلام ( صالحا ) شأنه شأن الأنبياء السابقين عليه «
وَزَكَرِيّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وإلْيَاسَ كُلٌ مِنْ الصَالِحِين »(٤) .
وقد كان هذا إخباره عن نفسه منذ ولادته عندما تحدّث في المهد مع بني إسرائيل عن
نفسه فقال : « وَبرّا بِوَالِدَتي وَلَمْ يَجْعَلَني جَبّارَا شَقِيّا »(٥) .
(١) آل عمران : ٤٥ .
(٢) الميزان ٣ : ١٩٤ والنقل كان بالمعنى .
(٣) مريم : ٣٠ ـ ٣١ .
(٤) الأنعام : ٨٥ .
(٥) مريم : ٣٢ .
ج ـ كما كان المسيح ( مطيعا ) للّه تعالى مسلّما لأمره يعمل بالعدل والإحسان ؛ إذ
لم يجعله « جَبّارا شَقِيّا » والجبار هو : المتمرد العاتي المفسد في الأرض بالظلم
والعدوان .
د ـ وكان المسيح عليهالسلام ( زكيا ) طاهرا نقيا في ولادته وفي نفسه وعمله ، وورد
وصفه بذلك في قوله تعالى : « قَالَ إنّما أنَا رَسُولُ رَبّكِ لاِءهَبَ لَكِ
غُلامَا زَكِيا »(١) . ولمزيد من الفائدة نذكر ما ورد على لسان أمير المؤمنين علي
عليهالسلام في وصف زهد المسيح عليهالسلام وسلوكه العام :
« وان شئت قلت في عيسى بن مريم عليهالسلام ، فلقد كان يتوسّد الحجر ، ويلبس الخشن
، ويأكل الجشب ، وكان إدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر ، وظلاله في الشتاء مشارق
الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ،
ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذله ، دابته رجلاه ، وخادمه يداه ! »(٢)
.
وقد ورد في وصفه عليهالسلام عن الرضا عليهالسلام أنّه قال :« كان عيسى
عليهالسلام يبكي ويضحك ، وكان يحيى عليهالسلام يبكي ولا يضحك ، وكان الذي يفعل
عيسى عليهالسلام أفضل(٣) .
(١) مريم : ١٩ .
(٢) نهج البلاغة : الخطبة ١٦٠ .
(٣) البحار ١٤ : ٢٤٩ عن قصص الراوندي .
يمكن تقسيم قصّة عيسى ومراحل حياته من خلال ما عرضه القرآن الكريم منها في مواضع متعدّدة إلى مراحل وهي :
١ ـ مرحلة الولادة والنبوة .
٢ ـ مرحلة الدعوة والرسالة .
٣ ـ مرحلة الانتشار والتنظيم .
٤ ـ مرحلة الوفاة والاختلاف .
أ ـ الإعداد للولادة :
لقد كانت ولادة عيسى عليهالسلام حالة استثنائية في تاريخ البشرية ، لم يعرف لها
مثيلاً إلاّ في خلق آدم عليهالسلام ، ومع ذلك فإنّ آدم خُلق من طين وتراب ابتداءً
بكلمة اللّه تعالى ومن دون أب واُم ، وأمّا المسيح فقد خُلق بهذه الكلمة ، لكن كان
خلقه في رحم امرأة صالحة مصطفاة ، هي : مريم ابنة عمران .
ولما كانت هذه الحالة استثنائية اقتضت الحكمة الإلهيّة أن يكون هناك إعداد نفسي
وروحي واجتماعي فى محيط هذه الولادة ؛ من أجل قبولها ودفع الشبهات عنها .
ومن هنا يقصّ علينا القرآن الكريم هذا الإعداد فى خطوات وحلقات مترابطة بعضها مع
بعض ؛ لتكوّن هذا الوضع النفسي والروحي في داخل الدائرة
الخاصة المحيطة بمريم عليهاالسلام ، ولإ يجاد الوضع الاجتماعي والحصانة المعنوية
والمادية التي تحقّق هذا الهدف الإلهي .
والخطوة الاُولى هي : القرار الإلهي باصطفاء آل عمران واجتبائهم من بين بني إسرائيل
؛ ليكونوا الشجرة الطيبة التي تؤتي هذه الثمرة الزكية .
« إنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحا وَآلَ إبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى
الْعَالَمِينَ * ذُرِيّة بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم »(١) .
وتؤكّد بعض النصوص ماتشير إليه هذه الآية الكريمة : من أنّ عمران كان نبيا من
أنبياء اللّه(٢) ؛ إذ أوحى اللّه ـ تعالى ـ إلى عمران أ نّي واهب لك ذكرا مباركا
يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذني ، وجاعله رسولاً إلى بنيإسرائيل ، فحدّث
امرأته ( حنّة ) بذلك ، وهي : اُم مريم ، فلمّا حملت بها كان حملها عند نفسها غلاما
، فنذرت أن يكون مولودها محررا إلى المسجد ومكان العبادة ؛ إذ يختص بالمسجد ليعبد
اللّه ويخدم فيه ، فلمّا وضعت مولودها اُنثى قالت : ربّ إنّي وضعتها اُنثى
وليسالذكر كالاُنثى ؛ لأنّ البنت لا تكون رسولاً ، وإنّي سميتها ( مريم ) ـ قيل :
إنّ معنى مريم : الخادمة ـ فكانت التسمية متناسبة مع النذر ، وقد استعاذت باللّه
فيها وفي ذريتها من الشيطان الرجيم ، فلما وهب اللّه لمريم عيسى عليهالسلام كان هو
الذى بشّر اللّه به عمران ووعده إ ياه(٣) .
(١) آل عمران : ٣٣ ـ ٣٤ .
(٢) البحار ١٤ : ٢٠٢ عن قصص الأنبياء للراوندي .
(٣) البحار ١٤ : ٢٠٠ ، عن تفسير علي بن إ براهيم بتصرف .
وكانت الخطوة الثانية في الإعداد هو : وضع مريم عليهاالسلام فيالمسجد ؛ لتنبت نباتا
حسنا في جوّ العبادة والصلاة ، والخدمة للعُبّاد والصالحين ، وفي رعاية زكريا النبى
عليهالسلام ؛ إذ كان يتنافس على رعايتها العبّاد والصالحون من الكهنة ، فساهموا
عليها بأقلامهم(١) ، فكانت من نصيب زكريا عليهالسلام في هذه الرعاية .
وكانت الخطوة الثالثة في الإعداد : الكرامات التي كان يشاهدها زكريا عند مريم مضافا
إلى عبادتها وصلاحها ؛ لأ نّه كان يرى عندها رزقا حسنا كلّما دخل عليها المحراب ،
فيسألها عن مصدره ؟ فتخبره أ نّه يأتيها من عند اللّه تعالى(٢) ، وهي كرامة إلهيّة
غيبية لمريم عليهاالسلام أثارت في نفس زكريا عليهالسلام مشاعر التقدير والتقديس
لها ، وفتحت في نفسه الأمل في شموله بهذه الكرامة ، فيدعو ربه أن يتفضل عليه بكرامة
اُخرى خارقة للعادة ، ويهب له ذُرية طيبة ؛ لأ نّه شيخ كبير وامرأته عاقر لا تلد .
(١) ورد في بعض النصوص : أنّ امرأة سوهم عليها بالأقلام كانت مريم ، وكانت السهام
ستة . البحار ١٤ : ١٩٨ ، عن الخصال ومن لا يحضره الفقيه مرسلاً ، كما ورد في بعض
النصوص : أنّ مريم ابنة اُخت زوجة زكريا يكون زوج خالتها .
(٢) البحار ١٤ : ٢٠٣ ، ورد في النصوص : أنّ هذا الرزق الحسن كان هو فاكهة الشتاء في
الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، الأمر الذي كان يثير السؤال .
« إذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إنيّ نَذَرْتُ لَكَ مَا في بَطْنِي مُحَرّرا فَتَقَبّلْ مِنيّ إنّكَ أنْتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إنيّ وَضَعْتُهَا اُنْثَى وَاللّهَُ أعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذّكَرُ كَالاُنْثَى وَإنيّ سَمّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإنيّ اُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيّتَهَا مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ * فَتَقَبّلَهَا رَبّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأنْبَتَهَا نَبَاتا حَسَنا وَكَفّلَهَا زَكَرِيّا كُلّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا الِْمحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقا قَالَ يَا مَرْيَمُ أ نّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إنّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيّا رَبّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيّةً طَيِّبَةً إنّكَ سَمِيعُ الدّعَاءِ »(١) .
« ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ
يُلْقُونَ أقْلاَمَهُمْ أ يّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ
يَخْتَصِمُونَ »(٢) .
وكانت الخطوة الرابعة في الإعداد هي : استجابة اللّه ـ تعالى ـ لدعاء زكريا ، وقد
كان يخاف الموالي من ورائه على وراثته ؛ لأ نّهم ربّمـا لا يحسنوا الصنع في إرثه
وخلافته ، فبشّره اللّه ـ تعالى ـ بمولود ذكر يكون سيدا وحصورا قد أحصن فرجه ونفسه
، ونبيا من الصالحين اسمه يحيى لم يجعل اللّه له من قبل سميا .
« كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا* إذْ نَادَى رَبّهُ نِدَاءً
خَفِيّا * قَالَ رَبِّ إنيّ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنيّ وَاشْتَعَلَ الرّأسُ شَيْبا
وَلَمْ أكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّا * وَإنيّ خِفْتُ الْمَوَاليَ مِنْ وَرَائي
وَكَانَتْ امْرَأَتي عَاقِرا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّا * يَرِثُني وَيَرِثُ
مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا * يَا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ
بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّا * قَالَ رَبِّ
أنّى يَكُونُ لي غُلاَمٌ وَكَانَتْ امْرَأَتي عَاقِرا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ
الْكِبَرِ عِتِيّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَليّ هَيِّنٌ وَقَدْ
خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُنْ شَيْئا * قَالَ رَبِّ اجْعَل لي آيَةً قَالَ
آيَتُكَ ألاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ
مِنْ الِْمحْرَابِ فَأوْحَى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا »(٣) .
(١) آل عمران : ٣٥ ـ ٣٨ .
(٢) آل عمران : ٤٤ .
(٣) مريم : ١ ـ ١١ .
« فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَليّ فِي الِْمحْرَابِ أنّ اللّهَ
يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقا
بِكَلِمَةٍ مِنْ اللّهِ وَسَيِّدا وَحَصُورا وَنَبِيّا مِنْ الصّالِحِينَ * قَالَ
رَبِّ أ نّى يَكُونُ لي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَني الْكِبَرُ وَامْرَأتي عَاقِرٌ
قَالَ كَذَلِكَ اللّهَُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لي آيَةً
قَالَ آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ إلاَّ رَمْزا وَاذْكُرْ
رَبَّكَ كَثِيرا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ »(١) .
وكانت الخطوة الخامسة في هذا الإعداد : أن آتى اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ يحيى الحكم
وهو النبوّة ـ على رأي بعض المفسرين ، أو الحكمة وفصل النزاعات على رأي آخر ـ في
صباه ، وكان مثالاً وقدوة للصفات التي أراد اللّه ـ تعالى ـ أن يتصف بها عيسى
عليهالسلام ؛ ليكون بوجوده الشريف حجّة ودليلاً على هذا النبي الجديد المصطفى(٢) .
« يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّا *
وَحَنَانا مِنْ لَدُنّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّا * وَبَرّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ
يَكُنْ جَبّارا عَصِيّا * وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ
وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّا »(٣) .
(١) آل عمران : ٣٩ ـ ٤١ .
(٢) بهذا يمكن تفسير هذا الاقتران ـ في سورة مريم ـ في عرض شخصية يحيى وعيسى
عليهماالسلام في سورةِ مريم ، ثمّ التشابه في الصفات بينهما في هذا العرض وذكر قصّة
ولادته وصفاته قبل ذكر قصّة عيسى عليهالسلام خصوصا أنّ القرآن الكريم هنا يقرن بين
الولادتين دون تمهيد ودون ربط بينهما في الحديث غير السياق ، ويختم كلاً من القصتين
بالسلام عليهما .
(٣) مريم : ١٢ ـ ١٥ .
وكانت الخطوة السادسة في هذا الإعداد هو : الإصطفاء والاجتباء لمريم لهذه المهمّة
الصعبة ، وهي : حمل وولادة عيسى عليهالسلام من غير أب ؛ لأ نّها تحتاج إلى طهارة
ونقاء وصبر وتحمل وارتقاء في درجات الكمالات الإلهيّة من خلال القنوت للّه تعالى
والصلاة والدعاء .
« وَإذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهّرَكِ
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتي لِرَبِّكِ
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ »(١) .
وبهذا تصبح البتول مريم عليهاالسلام قد اُعدّت إعدادا إلهيّا غيبيا وبشريا لهذه
الولادة الفريدة في تاريخ البشرية .
وقد تظافرت النصوص عن طريق أهل البيت عليهمالسلام وطريق الجمهور وبأسناد صحيحة
عندهم عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ أفضل نساء الجنّة أربع :
خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة
فرعون »(٢) . وفي رواية اُخرى تقديم اسم فاطمة على الجميع .
الخلوة :
١ ـ لقد اختَتَلَتْ مريم وانتبذت ـ في وقت من الاوقات ـ من أهلها إلى مكان شرقي
كانت قد اتخذت فيه حجابا من دونهم يسترها عنهم ، ولم يحدّد القرآن الكريم هذا
المكان الشرقيّ ، فقيل فيه : إنّه شرقيّ المعبد الذي كانت تتخذه للعبادة ، حيث كانت
قد اعتزلت فيه إلى مكان شرقيّ ، واتخذت فيه حجابا ، حيث كان لا يدخل عليها فيه إلاّ
زكريا عليهالسلام .
(١) آل عمران : ٤٢ ـ ٤٣ .
(٢) راجع البحار ١٤ : ٢٠١ عن الخصال ، وقصص القرآن لابن كثير : ٤٨٦ ـ ٤٨٧ .
وقيل فيه : إنّها كانت تقيم في المعبد إذا حاضت خرجت منه ، وأقامت في بيت
زكريا حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد ، فبينما هي في ( مشرقه ) لها في ناحية الدار
وقد ضربت بينها وبين أهلها حجابا تتستر به للغسل ، إذا أرسل اللّه جبرئيل
عليهالسلام (١) ، فدخل عليها ، فتمثل لها في حواسها أ نّه شاب سويّ الخَلق ، فكان
دخول هذا البشر السوي عليها في خلوتها مفاجأة لامرأة عذراء منقطعة إلى اللّه تعالى
هزّتها من الأعماق ، فقالت : « . . . إنيّ أعُوذُ بِالرَحْمْنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ
تَقِيّا »(٢) حيث تستنجد باللّه ، وتحاول أن تثير في هذا الغريب مشاعر التقوى الذي
تمنعه من ارتكاب المعصية والانسياق مع الشهوات .
فكان جوابه «إنّما أنَا رَسُولُ رَبّكِ لاِءهَبَ لَكِ غُلامَا زَكِيّا »(٣) يبشرك
اللّه بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم ، وسوف يكون وجيها في الدنيا والآخرة ومن
المقربين ، فتسأله مستنكرة مريم في صراحة المرأة التى تريد أن تدافع عن نفسها وهي
في حالة العجب والاستغراب من فكرة هذا الرسول الإلهي ؛ ذلك لأنّ الغلام في نظرها لا
يولد إلاّ من مس البشر المشروع ، وهو الزواج ، أو البغيّ غير المشروع « قَالَتْ أ
نّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أكُنْ بَغِيّا »(٤)
(١) يذكر العلاّمة الطباطبائي قرائن من الآيات القرآنية على أنّ المقصود من الروح
هنا هو : جبرئيل ، وإنّه ظهر فى حواس مريم عليهاالسلام في صورة البشر ؛ إذ إنّ
القرآن يعبّر عن جبرئيل بالروح المرسل من اللّه تعالى . راجع الميزان ١٤ : ٣٥ ،
ونسبة الحديث إلى الملائكة في سورة آل عمران من باب نسبة قول الواحد إلى الجماعة ،
وهو اُسلوب شائع و متبع فيالقرآن .
(٢) مريم : ١٨ .
(٣) مريم : ١٩ .
(٤) مريم : ٢٠ .
وهنا
أوضح لها الرسول أنّ الولادة وإن كانت خارقة للعادة ؛ لأ نّها لم تكن بمس بشر ولا
ببغي ، ولكنّها هي أمر هيّن على اللّه ـ تعالى ـ الذي خلق الناس من قبل أن يكونوا
شيئا ، وهو قادر على أن يخلق مايشاء ، واذا قضى أمرا فإنّما يقول له كن فيكون ، كلّ
ذلك من أجل أن يتحقّق هدف إلهي من هذه الولادة ، وهي : أن يكون هذا المولود آية
للناس ورحمة لهم من اللّه تعالى .
وسوف يعلّمه اللّه ـ تعالى ـ الحكمة والتوراة والإنجيل ، ويبعثه رسولاً إلى بني
إسرائيل ، وإنّ هذا قرار إلهي لا مردّ له من اللّه تعالى .
« وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إذْ انتَبَذَتْ مِنْ أهْلِهَا مَكَانا
شَرْقِيّا * فَاتّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابا فَأرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا
فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَرا سَوِيّا * قَالَتْ إنيّ أعُوذُ بِالرّحْمَنِ مِنْكَ إنْ
كُنتَ تَقِيّا * قَالَ إنّمَا أنَا رَسُولُ رَبِّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلاَما زَكِيّا
* قَالَتْ أ نّى يَكُونُ لي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ وَلَمْ أكُنْ بَغِيّا
* قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبّكِ هُوَ عَليّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ
وَرَحْمَةً مِنّا وَكَانَ أمْرا مَقْضِيّا »(١) .
« إذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ
مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيها فِي الدّنْيَا
وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً
وَمِنْ الصّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أ نّى يَكُونُ لي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي
بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهَُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إذَا قَضَى أمْرا فَإنّمَا
يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ »(٢) .
(١) مريم : ١٦ ـ ٢١ .
(٢) آل عمران : ٤٥ ـ ٤٨ .
النفخ :
٢ ـ وهنا نفخ اللّه ـ تعالى ـ بواسطة الرسول في مريم ، كما نفخ من روحه في
آدم ، فكان الحمل بعيسى عليهالسلام « وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الّتي
أحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدّقَتْ بِكَلِمَاتِ
رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ »(١) .
« إنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ
قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »(٢) .
ولا يحدّثنا القرآن الكريم عن كيفية الحمل ولا مدته ، ولكن تذكر بعض النصوص أنّ
الحمل كان لستة أشهر(٣) ، وبعضها الآخر يقول لتسع ساعات(٤) ولكن يذكر القرآن الكريم
أنّ مريم عليهاالسلام بعد الحمل اعتزلت قومها إلى مكان قصي بعيد عنهم ، ولا يذكر
القرآن الكريم هذا المكان بالتحديد ، وإنّما ورد في النصوص المعتبرة عن أهل البيت
عليهمالسلام (٥) إنّ مكان الولادة كان في بيت لحم ، وهو محل ولادتها المعروف عند
النصارى الآن(٦) .
(١) التحريم : ١٢ .
(٢) آل عمران : ٥٩ .
(٣) البحار ١٤ : ٢٠٧ عن الكافي والعلل . والحديثان ضعيفان سندا .
(٤) ذكر ذلك القمي في تفسيره دون إسناد . البحار ١٤ : ٢٠٨ وقد حاول بعضهم أن يستفيد
هذا المعنى من الآيات الكريمة في سورة مريم ؛ إذ استخدم القرآن في العطف حرف (
الفاء ) وهو يدل على الفوريّة .
(٥) البحار ١٤ : ٢٠٨ عن تفسير القمي .
(٦) ورد في عدة نصوص اُخرى عن أهل البيت عليهمالسلام : أنّ ولادتها كانت في العراق
على نهر الفرات في الكوفة . وفي بعضها الآخر في كربلاء أو براثا . راجع البحار ١٤ :
٢١١ ـ ٢١٢ و ٢١٦ ـ ٢١٧ .
فإذا كان مكان ولادتها هو مكان اعتزالها فذلك يعني : أنّ مريم عليهاالسلام
كانت قد رجعت إلى بيت لحم بعد الحمل ؛ لأ نّها تتعبد في بيت
المقدس ما هو المعروف ، ثمّ اعتزلت الناس في بلدها بسبب قلقها من هذا الحمل الغريب
، وخوفها من الإفك والبهتان من الناس بشأنه .
« فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانَا قَصِيّا »(١) .
ويمكن للخيال أن يتصور حال مريم فى هذا المكان المعزول عن الناس البعيد عنهم ،
المنبوذ منهم ، والمدة التي قضتها في هذا الحال من القلق والاضطراب والانتظار
والخوف .
المخاض :
٣ ـ ثمّ يفاجئها المخاض ، فيلجئها إلى جذع نخلة ؛ لتستند إليها في مخاضها ؛ إذ
اعتادت النساء في حالات الوضع والمخاض أن تستند إلى أذرع نساء الأهل والقابلات
المولدات ، وأن يجدن الرعاية والعطف والسلوة في خضم آلام المخاض العنيفة ، أمّا هذه
العذراء البتول التي لم يمسسها بشر ، ولم تعرف الحمل والولادة من قبل لا في نفسها
ولا في أهلها ، فليس لها من سند ولا معتمد تلجأ إليه إلاّ هذه النخلة التي وردت بعض
النصوص في أ نّها كانت نخلة يابسة ، وهو ممّا توحي به الآية الكريمة عندما تتحدّث
عن المكان القصي المنبوذ(٢) .
(١) مريم : ٢٢ .
(٢) مضافا إلى ما يذكره العلاّمة الطباطبائي : من أنّ نسبة الهز إلى الجذع
والمساقطة إلى النخلة لا تخلو من إشعار بأن النخلة كانت يابسة ، وإنّما اخضرّت
وأورقت وأثمرت رطبا جنيّا لساعتها ، الميزان ١٤ : ٤٢ .
عندئذٍ يبلغ الألم النفسي فيها مبلغه والمحنة غايتها ، وتشعر بالإنقطاع عن هذه
الدنيا وكل مافيها من حياة ؛ لأنّ الكرامة والسمعة الحسنة هي أعزّ ما لدى الإنسان
الصالح في هذه الحياة ، فتعبّر عن ألمها ومحنتها ومشاعرها بأن تتمنى أن تكون في هذه
الدنيا خرقة بالية متروكة لا يهتم بها أحد من الناس ، أو يلتفت إليها « فَأجَاءَهَا
الَْمخَاضُ إلَى جِذْعِ النّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَني مِتّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ
نَسْيا مَنْسِيّا »(١) .
وفي قمّة المحنة وشدّة الألم يأتيها اليسر بعد العسر ، والفرج بعد الكرب ، والرخاء
بعد الشدّة ، وهذا القانون الإلهي ، والسنة الربانية «فَإنّ مَعَ العُسْرِ يُسْرا *
إنّ مَعَ العُسْرِ يُسْرا »(٢) .
فتحقق الولادة الميسورة لآلامها ، وانفراج النفس لكربتها ، والطمأنينة والسكينة
لنفسها حيث تضع مولودها الموعود .
النداء :
٤ ـ ويأتيها النداء المطمئن من تحتها ـ وهل كان النداء من عيسى عليهالسلام مولودها
الموعود الجديد ؟ أو من الروح الذي أرسله اللّه إليها من تحت الأكمة ؟ ـ ويتحدّث
إليها حديث العارف بحالها ، ويقدّم لها العلاج والحل لكلّ آلامها ومشاكلها :
أـ فيطلب منها أن تتخلى عن الحزن والكرب ؛ لأنّ اللّه ـ تعالى ـ قد جعل تحتها ولدا
رفيعا في الشرف ( سريا )(٣) ووجيها في الدنيا والآخرة ، ومن المقربين ،
وهذه كرامة من اللّه ـ تعالى ـ لها ، ما بعدها كرامة .
(١) مريم : ٢٣ .
(٢) الشرح : ٥ ـ ٦ .
(٣) ورد في تفسير ( السري ) : أ نّه الشريف الرفيع ، فهو صفة للمولود الذي أصبح من
خلال الوضع والولادة . كما ورد في تفسير ( السري ) ـ أيضا ـ أ نّه النهر الجاري ،
فيكون إشارة إلى ما منحها اللّه ـ تعالى ـ ورزقها من شراب وغذاء تسدّ به حاجاتها
الفعلية المادية ، وهو يناسب ما ورد في الآية ٢٦ من السورة .
ب ـ كما طلب منها أن تهزّ جذع النخلة إليها ؛ ليتساقط عليها الرطب الجني ، فيسدّ
جوعها وحاجتها إلى الغذاء الجيد الذي يدرّ عليها ـ أيضا ـ باللبن والغذاء لولدها .
ج ـ ثمّ يطلب منها أن تداري نفسها بالاّكل والشراب ، وتطمئن إلى حالها ، وتستقر من
القلق والاضطراب ، وتقر عينها ، فتسرّ لهذه الولادة الكريمة .
د ـ ثم يذكر لها ما تعالج به المشكلة الرئيسة ، وهو : خوفها من حديث الناس وإفكهم
وبهتانهم ؛ ـ إذ يكون التفسير البدوي لظاهرة هذه الولادة في نظر هؤلاء العامة هو :
إتهامها بالزنى والإثم ـ وذلك بأن تمتنع عن الحديث مع الناس ، وتقول لهم بالإشارة
إلى أ نّها قد نذرت للرحمن صوما عن الحديث والكلام(١) بأن تنوي لساعتها وتنذره للّه
على نفسها .
« فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ألاّ تَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا *
وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبا جَنِيّا * فَكُلي
وَاشْرَبي وَقَرِّي عَيْنا فَإمّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أحَدا فَقُولِي إنيّ
نَذَرْتُ لِلرّحْمنِ صَوْما فَلَنْ اُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنسِيّا »(٢) .
(١) هذا الصوم يعرف بصوم زكريا حيث يشير القرآن الكريم في سورة مريم فى سياق قصّة
مريم وعيسى عليهماالسلام إلى هذا الصوم الذي جعل آية لزكريا عليهالسلام : « قَالَ
آيَتُكَ أنْ لا تُكَلّمَ النَاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّا » حيث قد أصبح هذا الصوم
عبادة معروفة بينهم .
(٢) مريم : ٢٤ ـ ٢٦ .
المواجهة :
٥ ـ بعد هذا النداء والحديث المطمئن للنفس والمطيّب للخاطر المقرون بالعناية
والكرامات الإلهيّة الواضحة ، جاءت مريم بولدها الذي كان اللّه ـ سبحانه ـ قد
سمّـاه بالمسيح عيسى تحمله إلى قومها ، فكان التعجب والاستغراب والاستنكار من قومها
: امرأة لها سابقة الزهد والعبادة ، والالتزام بالمسجد ، والاحتجاب عن الناس ،
والرعاية الصالحة من زكريا ، وابنة البيت المصطفى من اللّه ( آل عمران ) لم يكن
أبوها امرأ سوءٍ ، ولا كانت أمّها بغيا إذا بها تأتي بمولود لها تحمله على يدها دون
زواج أو سابقة سوءٍ في تاريخها ، ولا بغي وإثم في سلوكها !! فهذا شيءٌ فري عظيم
الابتداع، ومنكر قبيح لا ينسجم ، ومخالف للواقع الذي كانت تعيشه هذه المرأة .
« فَأتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ [ أ نّى لَكِ هذا ؟ ! ]
لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا * يَا اُخْتَ هَارُونَ(١) مَا كَانَ أبُوكِ امْرَأَ
سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ اُمّكِ بَغِيّا »(٢) .
«إنّ اللّه اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحَا وَآل إ بْرَاهِيمَ وَآل عِمْرَانَ عَلَى
العَالَمِين »(٣) .
(١) ورد في تفسير تسمية قومها لها بـ ( اُخت هارون ) احتمالات أربع :
أحداها : أنّ هارون هذا كان رجلاً صالحا في بني إسرائيل يُنسب إليه كلّ من عرف
بالصلاح ، وقيل : إنّه لمّا مات شيع جنازته أربعون ألفا كلّهم يُسمّى هارون ،
فقولهم : يا اُخت هارون معناه : يا شبيهة هارون في الصلاح ما كان هذا معروفا منك .
ثانيها : أنّ هارون أخو موسى عليهالسلام ، فنسبت إليه ؛ لأ نّها من ولده كما يقال
: يا أخا تميم .
ثالثها : أنّ هارون كان أخاها لأبيها ليس من أمها ، وكان معروفا بحسن الطريقة .
رابعها : أ نّه كان رجلاً فاسقا مشهورا بالعهر والفساد ، فنسبت إليه ، وقيل لها :
يا شبيهته في قبح فعله . مجمع البيان ٣ : ٥١٢ .
(٢) مريم : ٢٧ ـ ٢٨ .
(٣) آل عمران : ٣٣ .
لقد كانت حجّة قومها في ظاهر الحال قوية لاسبيل لمريم في الدفاع عن
النفس ، فكيف يمكن توضيح هذه الحقيقة الغيبية بالبيانات الإنسانية العادية ؟! لذا
كان السكوت هو الموقف الطبيعي لمريم عليهاالسلام ، ولا بدّ لتوضيح هذه الحقيقة من
معجزة إلهية وحجّة غيبية .
النبوّة :
٦ ـ وقد كان الملك والروح قد أخبرها عند بشارتها بالمسيح عيسى عليهالسلام : أ نّه
« . . . يُكَلّمُ النْاسَ في المَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَالِحِين »(١) ، ومن هنا
أشارت مريم عليهاالسلام إلى وليدها وهي ملتزمة بنذرها ، فكان ذلك سببا آخر للإثارة
والاستغراب والاستنكار .
« فَأشَارَتْ إلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّا
»(٢) ؟!
وعند ما بلغ الإستنكار مداه ، وظواهر الاستغراب أقصاها ، كانت المفاجأة ، وكانت
الآية ، وكانت المعجزة الإلهيّة التي يجسدها القرآن الكريم :
« قَالَ إنيّ عَبْدُ اللّهِ آتَاني الْكِتَابَ وَجَعَلَني نَبِيّا * وَجَعَلَني
مُبَارَكا أيْنَ مَا كُنتُ وَأوْصَاني بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّا *
وَبَرّا بِوَالِدَتي وَلَمْ يَجْعَلْني جَبّارا شَقِيّا * وَالسّلامُ عَليّ يَوْمَ
وُلِدْتُ وَيَوْمَ أمُوتُ وَيَوْمَ اُبْعَثُ حَيّا »(٣) .
(١) آل عمران : ٤٦ .
(٢) مريم : ٢٩ .
(٣) مريم : ٣٠ ـ ٣٣ .
كلام كلّه غيب وأخبار عن الكمالات الإلهيّة التي أودعها اللّه ـ تعالى ـ في عيسى عليهالسلام ، تتحدث عن صفات وأعمال ومقامات لا يمكن لهؤلاء الناس أن يدركوها بحواسهم ، أو يعرفوا حقيقتها في وقت سماعها ، ولكنّه في الوقت نفسه كلام مقرون بأبلغ حجّة على صحته ، وأوضح آية ودليل وبرهان على واقعيته هو : أنّ الذى ينطق بهذا الكلام هو هذا الصبي الصغير حديث الولادة الذي لا زال يلازم المهد ، إذن فوجوده ـ بغير أب ـ من اُم طاهرة زكية مصطفاة ، وفي بيت طاهر ، هو أمر غيبي وبتدخل إلهي مباشر ، وهذا ما فهمه الناس والقوم ، فعرفوا طهارة الولادة وحقيقتها ونبوّة المولود الجديد ، فانقطعت الحجة الظاهرة لهؤلاء القوم ، ولم يكن أمامهم إلاّ الخضوع لقبول هذه الحقيقة(١) .
خصائص هذه المرحلة :
تتميز هذه المرحلة من حياة عيسى عليهالسلام بعدة ميّزات :
الاُولى : هي تصوير قضية الاصطفاء لعيسى عليهالسلام في اُصولها وجذورها الإنسانية
المعنوية من خلال ربط هذا الاصطفاء بسلسلة الاصطفاء الإلهي للإنسان : في آدم ،
والاصطفاء الإلهي للأنبياء من بني الإنسان فى نوح ، والاصطفاء للآل ، والبيوتات من
الناس في آل ابراهيم ، ومن ثمّ آل عمران .
(١) في الحديث ورد أنّ السّلام في هذه المواطن لأ نّها أشد المواطن على الانسان ، عن ياسر الخادم قال : سمعت الرضا عليهالسلام يقول : « إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن : يوم يولد فيخرج من بطن اُمّه فيرى الدنيا ، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها ، ويوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا ، وقد سلّم اللّه على يحيى عليهالسلام في هذه الثلاثة المواطن ، وآمن روعته فقال : « وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا » وقد سلّم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة فقال : « والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيّا » » . البحار ١٤ : ٢٤٦ ، حديث ٢٦ .
فالاصطفاء قانون إلهي يسير وفق نظام غيبي في هذا الكون ، وقد يكون
للنوع وقد يكون للفرد ، وقد يكون للآل والبيت ، وقد تكون للإرادة الانسانية ـ أيضا
ـ دور في تهيئة واعداد مقدماته ، ولكنّه يبقى الاصطفاء قرارا وتوفيقا إلهيّا .
وكذلك من خلال بيان الاصطفاء في مسيرته الأرضية من خلال رؤيا عمران ونذر امرأته
للّه ـ تعالى ـ في إخلاصها ، ورعاية زكريا عليهالسلام في حبه وصفائه وعبادة وطهارة
مريم ، وخلوصها لباريها ، واحتجابها عن الأهل والخلق ، وانصرافها عن الدنيا ،
وصبرها وتحملها لهذه الآلام ، والامتحان العسير .
الثانية : أنّ القرآن يفصّل أحداث هذه المرحلة ، كما لم يفصّل أحداث أي مرحلة اُخرى
من مراحل حياة عيسى عليهالسلام ؛ لأنّ الهدف ( الرئيس ) من قصّة عيسى عليهالسلام
ـ كما سوف نعرف ـ يرتبط بهذا التفصيل ، وهذا الهدف هو : معالجة الفكرة العقائدية
المركزية في انحراف النصارى .
ولذلك نجد القرآن الكريم يختم كلاًّ من المقطعين الرئيسين اللذين يتحدثان عن هذه
المرحلة ، وهما : مقطع سورة آل عمران وسورة مريم بتأكيد هذه الحقيقة :
« إنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ
قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنْ
الْمُمْتَرِينَ »(١) .
« ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا
كَانَ للّهَِ أنْ يَتّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إذَا قَضَى أمْرا فَإنّمَا
يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »(٢) .
(١) آل عمران : ٥٩ ـ ٦٠ .
(٢) مريم : ٣٤ ـ ٣٥ .
الثالثة : أنّ الإسرائيليّين لم يتناولوا مريم عليهاالسلام بالإتهام بعد أن تكلّم
عيسى في المهد حيث لا ينسب القرآن الكريم لهم في الحديث عن قصّة عيسى الإصرار على
ذلك ، بل يكتفى بالإشارة إلى البهتان عليها ، وتسرعهم بذلك قبل حديث عيسى
عليهالسلام « . . . وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانَا عَظِيمَا »(١) ، ويؤكد
ذلك ما تحدّث عنه القرآن الكريم ، ويشير إليه الواقع التاريخي الذي تحدّث عنه
القرآن في وصف عيسى عليهالسلام : من أ نّه كان وجيها في الدنيا ، الأمر الذى يؤكد
فكرة عصمة الأنبياء فى جميع خصائصهم ومواصفاتهم ، ومنها أن يكونوا على طهارة المولد
في الواقع والظاهر ؛ ليتمكنوا من أداء رسالتهم ومسؤوليتهم بشكل طبيعي .
والأناجيل لا تشير من قريب ولا بعيد إلى هذه التهمة أو المواجهة مع بني إسرائيل ،
وإنّما تكتفي بذكر قصّة يوسف النجار ( عشيرها ) ، الأمر الذي يعطي تفسيرا للسكوت
عنها وعدم تهمتها . وبهذا نعرف كذب الرواية الإنجيلية عن قصّة يوسف النجار(٢).
الرابعة : وجود الارتباط بين قصّة زكريا ويحيى عليهماالسلام ، بل ومريم عليهاالسلام
وقصّة عيسى عليهالسلام في هذه المرحلة بالذات ، ولذا جاءت قصتهما في القرآن الكريم
مقرونة بهذة المرحلة ، وإن كان ذكرهما أوسع من ذلك ، الأمر الذي يعني: أنّ الهدف
من قصّتهما هو : التمهيد لهذه المرحلة وتوضيح الهدف منها .
(١) النساء : ١٥٦ .
(٢) قارن ما ذكرنا ما ورد في قصص الأنبياء للنجار : ٥١٣ ـ ٥١٧ ، فإنّه حاول أن
يكتفي بادعاء سكوت القرآن عن هذه القصّة ، مع أنّ حديث القرآن واضح في تكذيب هذه
القصّة ، أوّلاً : بما ذكره من أنّ مريم كانت محررة للمسجد بنذرها أمها ، وإنّها
كانت تتعبد فيه ، وثانيا : الاتهام الذي واجهها به قومها ، وكذلك شعورها بالحرج
والخوف من التهمة ، مع أنّ قصّة يوسف لو صحت لكانت كافية في أن تدفع عنها التهمة .
الخامسة : أنّ الظاهر من القرآن الكريم : أنّ هذه المرحلة كانت تتصف ـ أيضا ـ وتتميّز بالنبوة والكتاب ، وهو ممّا يتميّز به عيسى عليهالسلام من بقية الاّنبياء ، فإنّه سلام اللّه عليه كما امتاز من بقية البشر بهذه الولادة الفريدة كذلك امتاز من بقية الأنبياء : بأن كانت نبوته وإتيانه الكتاب عند ولادته ؛ لأنّ ظاهر قوله تعالى على لسان عيسى وهو يتكلم في المهد : « . . . إنيّ عَبْدُ اللّه آتَاني الكِتَابَ وَجَعَلَني نَبِيّا . . . » أنّ هذه الصفات كانت ثابتة له في الحال لا في الاستقبال ، ومن الواضح : أنّ ثبوت النبوة لهذا المولود ليس عزيزا على اللّه ـ تعالى ـ وعلى قدرته ، كما أنّ المصلحة والهدف من ذلك واضح منالقرآن الكريم ؛ إذ جعله مثلاً لبني إسرائيل كما جعله واُمه آية لهم(١) .
(١) « عن يزيد الكناسي قال : سألت أبا جعفر عليهالسلام أكان عيسى بن مريم
عليهماالسلام حين تكلم في المهد حجّة [ا]للّه على أهل زمانه ؟ فقال : « كان ـ
يومئذٍ ـ نبيا حجّة [ا]للّه غير مرسل . أما تسمع لقوله حين قال : « إنى عبداللّه
آتانى الكتاب وجعلنى نبيّا وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما
دمت حيّا » » ؟! قلت : فكان ـ يومئذٍ ـ حجّة للّه على زكريّا في تلك الحال وهو في
المهد ؟ فقال : « كان عيسى في تلك الحال آية للنّاس ورحمة من اللّه لمريم حين تكلّم
فعبّر عنها ، وكان نبيّا حجّة على من سمع كلامه في تلك الحال ، ثمّ صمت فلم يتكلّم
حتّى مضت له سنتان ، وكان زكريّا الحجّة للّه ـ عزّوجلّ ـ على الناس بعد صمت عيسى
بسنتين ، ثمّ مات زكريّا ، فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبّي صغيرُ . أما
تسمع لقوله عزّوجلّ : « يا يحيى خذ الكتاب بقوّة وآتيناه الحكم صبيّا » ؟! فلمّا
بلغ عيسى عليهالسلام سبع سنين تكلّم بالنبوة والرسالة حين أوحى اللّه ـ تعالى ـ
إليه ، فكان عيسى الحجّة على يحيى وعلى الناس أجمعين ، وليس تبقى الأرض يا أبا خالد
يوما واحدا بغير حجّة للّه على الناس منذ يوم خلق اللّه آدم عليهالسلام وأسكنه
الأرض » . فقلت : جعلت فداك أكان عليٌ عليهالسلام حجّة من اللّه ورسوله على هذه
الاُمّة في حياة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ؟ فقال : « نعم ، يوم أقامه للناس
ونصّبه علما ، ودعاهم إلى ولايته ، وأمرهم بطاعته » . قلت : وكانت طاعة عليّ
عليهالسلام واجبة على الناس في حياة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وبعد وفاته ؟
فقال : « نعم ، ولكنّه صمت فلم يتكلّم مع رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وكانت
الطاعة لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله على اُمته وعلى علي عليهالسلام في حياة
رسول اللّه ، وكانت الطاعة مناللّه ومن رسوله على الناس كلّهم لعلي عليهالسلام
بعد وفاة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، وكان عليٌ عليهالسلام حكيما عالما » .
عن صفوان بن يحيى قال : قلت للرّضا عليهالسلام : قد كنّا نسألك قبل أن يهب اللّه
لك أبا جعفر عليهالسلام فكنت تقول : « يهب اللّه لي غلاما » فقد وهب اللّه لك فقرّ
عيوننا ، فلا أرانا اللّه يومك ، فإن كان كونٌ فإلى من ؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر
عليهالسلام وهو قائمٌ بين يديه ، فقلت جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين ؟! قال : « وما
يضره من ذلك شيءٌ ، قد قام عيسى عليهالسلام بالحجّة وهو ابن ثلاث سنين » . اُصول
الكافي ١ : ٣٨٢ ـ ٣٨٣ ، والرواية الثانية معتبرة ، وتفسّرها الرواية الاُولى عن
البحار ١٤ : ٢٥٥ ـ ٢٥٦ .
١ ـ لم يحدّد القرآن الكريم الوقت الذي بدأ عيسى عليهالسلام بإ بلاغ دعوته ورسالته
إلى بني إسرائيل ، وإن كان عليهالسلام قد أخبرهم بهذه ( الحقيقة ) عندما كان في
المهد .
ولكن بعض النصوص عن أهل البيت عليهمالسلام التي سبقت الإشارة إليها ذكرت بأنّ ذلك
كان بعد سبع سنين من ولادته أو ثلاث سنين منها(١) .
(١) راجع هامش الخصيصة الخامسة من المرحلة الاُولى ، كما يؤكد ذلك ـ أيضا ـ خبر الخيراني عن أبيه الذي رواه الكليني في الكافي ١ : ٣٨٤ ، البحار ١٤ : ٢٥٦ .
وقد علّمه اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ في هذه النبوة والرسالة : الكتاب ، والحكمة ،
والتوراة ، والانجيل ؛ إذ تُشعر بعض الآيات الكريمة بوجود التسلسل بين هذه الاُمور
في التعليم ، وتذكر بهذا التسلسل في آيتين مختلفتي السياق : إحداهما تتحدّث عن
المستقبل ، والاُخرى تتحدّث عن الماضي :
« وَيُعَلّمُهُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ »(١) .
« . . . وَإذْ عَلّمْتُكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَوْرَاةَ وَالإنْجِيل . . .
»(٢) .
٢ ـ ويبدو من القرآن الكريم أنّ المضمون الرسالي الذي طرحه عيسى عليهالسلام في
رسالته ودعوته لبني إسرائيل كان بهذا التسلسل :
أ ـ الآيات والمعجزات التي كانت تثبت نبوته ورسالته وارتباطه الوثيق باللّه تعالى ،
مثل : خلق الطير باذن اللّه تعالى بعد أن يتخذ منه مثالاً من الطين ، فينفخ فيه
فيكون طيرا باذن اللّه .
وكذلك إبراء الأكمه والأبرص بإذن اللّه .
وإحياء الموتى وإخراجهم من قبور هم بإذن اللّه .
وإخبار الناس بما كانوا يأكلون ويدّخرون في بيوتهم .
إلى غير ذلك من الآيات والمعجزات التي يذكر بعض تفاصيلها ماورد في الإنجيل أو
النصوص الدينية الاُخرى .
(١) آل عمران : ٤٨ .
(٢) المائدة : ١١٠ .
ب ـ التصديق لما جاء قبله في التوراة من شريعة وأحكام ومفاهيم وعقائد ، وهذا يفسر
لنا عدم تفصيل القرآن لشريعة عيسى عليهالسلام ، وإنّما اكتفى بالإشارة إلى
التوصية بالصلاة والزكاة وبر الوالدين ، والجهاد في سبيل اللّه وتقوى اللّه .
ج ـ التخفيف من الإصر والأغلال والالتزامات والمحرمات التي كانت مفروضة عليهم ،
أمّا من قبل الشريعة السابقة ، أو من قبل الأحبار الذين كانوا يفرضون الضرائب ،
ويلزمون بالنذور لجمع الأموال ، كما تشير إليه الآيات الكريمة ، وتنصّ عليه
الروايات . . . أو غير ذلك من الفروض .
د ـ بيان الحق والحكم به فيما كانوا يختلفون فيه من الدين والشريعة ؛ إذ كانوا قد
تفرقوا أحزابا وشيعا .
ه ـ الدعوة إلى الإخلاص في العبودية للّه تعالى وعبادته ، وتنزيهها من الشرك أو
عبادة الدنيا وشهواتها وزينتها ، أو عبادة الأحبار والرهبان من دون اللّه ،
والاستماع لهم والأخذ عنهم دون اللّه تعالى .
« وَرَسُولاً إلَى بَني إسْرَائِيلَ أ نيّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
أ نيّ أخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ فَأنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ
طَيْرا بِإذْنِ اللّهِ وَاُبْرِءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَاُحْييِ الْمَوْتَى
بِإذْنِ اللّهِ وَاُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأكُلُونَ وَمَا تَدّخِرُونَ فِي
بُيُوتِكُمْ إنّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ * وَمُصَدِّقا
لِمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنْ التّوْرَاةِ وَلاُحِلّ لَكُمْ بَعْضَ الّذِي حُرِّمَ
عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتّقُوا اللّهَ وَأطِيعُوني *
إنّ اللّهَ رَبيّ وَرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ »(١) .
« . . . وَإذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ بِإذْني فَتَنفُخُ
فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرا بِإذْني وَتُبْرِئ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإذْني وَإذْ
تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإذْني . . . »(٢) .
(١) آل عمران : ٤٩ ـ ٥١ .
(٢) المائده : ١١٠ .
« مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أمَرْتَني بِهِ أنْ اعْبُدُوا اللّهَ رَبيّ
وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفّيْتَني
كُنتَ أنْتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »(١) .
« وَمَاتَفَرّقَ الّذِينَ اُوتُوا الْكِتَابَ إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ
الْبَيِّنَةُ * وَمَا اُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوااللّهَ
مُخْلِصِينَلَهُالدِّينَحُنَفَاءَ وَيُقِيمُواالصَّلاَةَ
وَيُؤْتُواالزَّكَاةَوَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ»(٢).
« . . . قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلاُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الّذِي
تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتّقُوا اللّهَ وَأطِيعُوني * إنّ اللّهَ هُوَ رَبيّ
وَرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ »(٣) .
و ـ البشارة برسول يأتي من بعده اسمه ( أحمد ) وهو الرسول النبي الاُميّ الذي
يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .
وقد ورد في القرآن الكريم أنّ هذه البشارة باقية في التوراة والإنجيل المتداول بين
اليهود والنصارى :
« . . . وَمُبَشّرا بِرَسُولٍ يَأتي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحمد . . . »(٤) .
« الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبيّ الاُمِّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا
عِنْدَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ يَأمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ
عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلّ لَهُمْ الطّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ
آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي اُنزِلَ مَعَهُ
اُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ »(٥) .
(١) المائدة : ١١٧ .
(٢) البيّنة : ٤ ـ ٥ .
(٣) الزخرف : ٦٣ ـ ٦٤ .
(٤) الصف : ٦ .
(٥) الأعراف : ١٥٧ .
وقد اختص رسول اللّه ( محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ) بالجمع بين هذه الصفات
الثلاث والأوائل ، وورد ذكرها بهذه الخصوصيات في التوراة والإنجيل ، كما أنّ بقيّة
الصفات في دعوته ورسالته وإن كانت موجودة في الجملة وفي بعض مراتبها في الشرائع
الاُخرى ، ولكنّها موجودة بأعلى مراتبها وبأوسع تفاصيلها في الرسالة الخاتمة
الإسلامية(١) .
٣ ـ ومن أحداث هذه المرحلة ما قيل من هجرة عيسى عليهالسلام على مايذكره بعض
المفسرين في تفسير قوله تعالى : «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَاُمّهُ آيَةً
وَآوَيْنَاهُمَا إلى رَبْوَةٍ ذَاتَ قَرارٍ وَمَعِينٍ »(٢) .
(١) لقد وردت البشارة برسول اللّه صلىاللهعليهوآله في ( العهد القديم ) في عدّة
مواضع ، منها ماجاء في الباب الثامن عشر من سفر التثنية : « فقال الرب لي نعم جميع
ماقالوا . وسوف اُقيم لهم ( نبيا ) ( مثلك ) من بين إخوتهم ، وأجعل كلامي في فمه
ويكلمهم بكلّ شيءٍ أمره به » وهذه الصفات لا تنطبق على المسيح كما حاول المسيحيون
أن يفسّروها ، وإنّما تنطبق على النبي محمد صلىاللهعليهوآله .
كما جاءت البشارة به في الإنجيل في عدّة مواضع خصوصا إنجيل يوحنا ، حيث عبّر عنه
عدّة مرات بـ ( بارقليط ) ومعناه : ( الذي له الحمد الكثير ) وهو مطابق لـ ( أحمد )
، راجع قصص الأنبياء للنجار : ٥٣٣ .
كما ورد تأكيد وتفصيل ذلك في روايات أهلالبيت ، ولا سيّما احتجاج الإمام الرضا
عليهالسلام الذي رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا . والطبرسي في كتاب الاحتجاج ٢ :
٤١٥ ، وقد تناول علماء الإسلام هذا الموضوع بالبحث كالعلاّمة البلاغي ( الهدى إلى
دين المصطفى ) والشيخ رحمة اللّه أفندي الهندي ( اظهار الحق ) ، ويحسن مراجعة بشائر
الأسفار بمحمّد وآله الأطهار الذي يذكر البشائر بالنبي والأ ئمة المعصومين .
(٢) المؤمنون : ٥٠ .
حيث إنّ عيسى عليهالسلام كان يرى العجائب في صباه إلهاما من اللّه ، فنشأ ذلك في
اليهود وترعرع عيسى عليهالسلام ، فهمّت به بنو إسرائيل ، فخافت اُمّه عليه ، فأوحى
اللّه إلى اُمّه أن تنطلق به إلى أرض مصر(١) .
وقيل في ( الربوة ) : إنّها المكان التي ولد فيها المسيح عليهالسلام . وقيل فيها :
إنّها دمشق . وقيل : بيت المقدس ، وقيل : الرملة(٢) .
وروى الصدوق في معاني الأخبار أن ( الربوة ) هي : الكوفة ، و ( القرار ) هو :
المسجد فيها ، و ( المعين ) هو : الفرات ، ولكن هذه النصوص والأقوال لا يمكن
الاعتماد عليها ، ولذا فلا دليل على وجود هذه الهجرة .
٤ ـ ومن أحداث هذه المرحلة هو نزول الإنجيل على عيسى عليهالسلام .
وقد تحدّث القرآن الكريم في عدّة مواضع عن نزول هذا الكتاب المقدس ، سواءٌ في قصّة
عيسى عليهالسلام أو في مواضع اُخرى حتى بلغت موارد ذكره اثني عشر مرة ، وقد جاء
ذكره في أكثرها مقرونا بالتوراة ، وفي بعضها مقرونا بالقرآن أيضا :
« نَزّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
وَأنْزَلَ التّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأنْزَلَ
الْفُرْقَانَ . . . »(٣) .
« . . . وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ مِنْ التّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتّقِينَ »(٤) .
(١) قصص الانبياء لابن كثير : ٥٠٩ عن ابن عباس .
(٢) التبيان ٧ : ٣٧٣ .
(٣) آل عمران : ٣ ـ ٤ .
(٤) المائدة : ٤٦ .
ويظهر من القرآن الكريم : أنّ الإنجيل كانت فيه : شريعة ومنهاج وأحكام لو طبقت
لتحقق العدل والخير والبركة ، وشأنه في ذلك شأن نفسها ، ولكنّهم حرفوه في العمل ،
فلم يطبّقوه ، كما حرّفوه عن مواضعه في القول :
« وَلْيَحْكُمْ أهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أنزَلَ اللّهَُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ
بِمَا أنزَلَ اللّهَُ فَاُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ * وَأنزَلْنَا إلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ
وَمُهَيْمِنا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنزَلَ اللّهَُ وَلاَ تَتّبِعْ
أهْوَاءَهُمْ عَمّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً
وَمِنْهَاجا وَلَوْ شَاءَ اللّهَُ لَجَعَلَكُمْ اُمّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ
لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إلَى اللّهِ
مَرْجِعُكُمْ جَمِيعا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ »(١) .
وفي موضع آخر يتحدث القرآن عن انحراف اليهود والنصارى ، ويقول في سياق ذلك : «
وَلَوْ أ نّهُمْ أقَامُوا التّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَمَا اُنزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ
رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ اُمّةٌ
مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ »(٢) .
« قُلْ يَا أهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التّوْرَاةَ
وَالإنجِيلَ وَمَا اُنزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنّ كَثِيرا
مِنْهُمْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانا وَكُفْرا فَلاَ تَأسَ عَلَى
الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ »(٣) .
ويبدو أنّ الإنجيل اُنزل على المسيح عليهالسلام جملة كما اُنزل التوراة ، ولكن
القرآن الكريم لا يصرح بذلك ، وإنّما تذكره بعض الروايات المروية عن أهل البيت
عليهمالسلام (٤)
(١) المائدة : ٤٧ ـ ٤٨ .
(٢) المائدة : ٦٦ .
(٣) المائدة : ٦٨ .
(٤) البحار ١٤ : ٢٨٤ ، عن الصدوق في علل الشرائع ، عن يزيد بن سلام إنّه سأل رسول
اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لم سُمّي الفرقان فرقانا ؟ قال : « لأ نّه متفرق
الآيات ، والسور اُنزلت في غير الألواح وغير الصحف ، والتوراة والإنجيل والزبور
اُنزلت كلها جملة في الألواح والورق » .
وتذكر أنّ وقت نزوله كان في رمضان في ثلاث عشر ليلة خلت منه أو اثني عشر ليلة(١) .
وقد وردت في النصوص المروية عن أهل البيت عليهمالسلام تفاصيل عن المواعظ التي
تحدّث بها عيسى عليهالسلام ، أو تضمنها الإنجيل ، كما ورد في أحاديثهم الإشارة إلى
بعض تفاصيل شريعة عيسى عليهالسلام ، ومنها : السياحة في البلاد ، وحرمة معاونة
الظالمين ، والقتال في سبيلاللّه(٢) .
٥ ـ وقد كان موقف بني إسرائيل العام من عيسى عليهالسلام تجاه دعوته هو : تكذيب هذه
الرسالة ، واتهام عيسى عليهالسلام بأ نّه ساحر ، وبذلك يكونوا قد ارتكبوا أشدّ
ألوان الظلم والعدوان .
« وَإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَني إسْرَائِيلَ إنيّ رَسُولُ اللّهِ
إلَيْكُمْ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيّ مِنَ التّوْرَاةِ وَمُبَشِّرا بِرَسُولٍ
يَأتي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا
هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ افْتَرَى عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ
وَهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلاَمِ وَاللّهَُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ
»(٣) .
(١) المصدر السابق : ٢٨٣ عن الكافي .
(٢) فقد نقل في البحار ١٤ : ٢٨٨ ـ ٢٩٩ عن الكافي وأمالي الصدوق مواعظ عديدة
بإسنادها عن الصادق عليهالسلام تتحدّث عن مواعظ وعظ اللّه بها عيسى عليهالسلام .
كما نقل ـ أيضا ـ عن تحف العقول مواعظ المسيح في الإنجيل وغيره : ٣٠٤ ـ ٣١٧ .
وروايات اُخرى تجدها في الباب الذي كان قد عقده لهذا الموضوع .
(٣) الصف : ٦ ـ ٧ .
خصائص المرحلة الثانية :
في نهاية الحديث عن المرحلة الثانية يحسن بنا أن نشير إلى خصائصها وميّزاتها وبعض
الملاحظات حولها :
الاُولى : أنّ المرحلة الثانية تميّزت بكثرة المعاجز والكرامات التي أشار القرآن
الكريم اليها حتى أصبحت عنوانا بارزا في شخصية عيسى عليهالسلام ، يشبه العنوان
البارز الذى اتسمت به شخصية موسى عليهالسلام في العصا واليد البيضاء وبقية الايات
التسع .
ولا شك أنّ طبيعة المرحلة تفرض ذلك ؛ من أجل إقامة الحجّة البالغة على
الإسرائيليّين الذين كانوا قد تحولوا إلى مجتمع يتحكم الأحبار والرهبان في شؤونهم
الدينية والاجتماعية ، بما أوتوا من هيبة وقوة دينية بسبب موقعهم الديني ومعرفتهم
بالكتب السماوية ، فكان عيسى عليهالسلام بحاجة إلى هذه المعاجز ذات البعد النافذ
والقوي ؛ لإقامة الحجّة على الخاصة والتأثير على الوسط العام .
وهنا قد يثار هذا السؤال ، وهو : أنّ القرآن الكريم لماذا لم يتناول بهذا القدر من
التفصيل أو أكثر منه تفاصيل الشريعة ، مع أنّ طبيعة المرحلة كانت هي مرحلة بيان
الأحكام ؟
والجواب عن هذا السؤال واضح عند الالتفات إلى أن عيسى عليهالسلام جاء مصدقا
للتوراة ، ومؤكدا لشريعة موسى عليهالسلام ، وإنّ مشكلته الرئيسة مع الإسرائيليّين
لم تكن حول تفاصيل الشريعة ، بقدر ما هي مشكلة حول مهمته في تصحيح الانحراف
الأخلاقي الذي كان يتصف به الأحبار من الإسرائيليّين .
الثانية : أنّ الدعوة في هذه المرحلة كانت مختصة بالإسرائيليّين ، ولذلك نلاحظ أنّ
الخطاب القرآني كان موجها لهم بالذات كما ذكرنا سابقا ، وهذا
الاختصاص لا يعني اختصاص الرسالة بهم ، كما سوف نذكره في المرحلة الثالثة ، وإنّما
كان يعني : أنّ عيسى عليهالسلام كان يعمل على إ يجاد قاعدة في هذه المرحلة تنطلق
منها الرسالة الإلهيّة إلى الناس جميعا ، كما هو الشأن فيما صنعه رسول اللّه
صلىاللهعليهوآلهوسلم والقرآن الكريم في مخاطبة أهل المدينة والعرب الجاهليين ،
ومواكبة حركتهم وأوضاعهم السياسية والاجتماعية ؛ لغرض إيجاد هذه القاعدة على ما
أوضحناه في كتاب ( الهدف من نزول القرآن ) .
الثالثة : أ نّنا ذكرنا أنّ هذه المرحلة تميّزت بنزول الإنجيل فيها ، والقرآن
الكريم لم يحدّد الوقت لنزول الإنجيل ، ويمكن أن نفترض نزوله في المرحلة الآتية ،
ولكن تسلسل عرض القرآن الكريم للنعم الإلهية التي تفضل اللّه بها على عيسى
عليهالسلام ـ « إذْ قَالَ اللّهَُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتي
عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إذْ أيّدتّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي
الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإذْ عَلّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ
وَالإنجِيلَ وَإذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ بِإذْني فَتَنفُخُ
فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرا بِإذْني وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْني وَإذْ
تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإذْني وَإذْ كَفَفْتُ بَني إسْرَائِيلَ عَنْكَ إذْ
جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إنْ هَذَا إلاَّ
سِحْرٌ مُبِينٌ »(١) ـ قد يفهم منه التسلسل الزماني لها ، أو في الأقل أ نّها كانت
في مرحلة واحدة .
كما أن مقتضى هذه الرسالة أن تكون للناس جميعا ، وإنّ المكلف بإبلاغها لهم هو عيسى
عليهالسلام ، فهذا يفرض أن يكون الإنجيل قد اُنزل في هذه المرحلة ؛ ليقوم عيسى
عليهالسلام بإبلاغه للناس الذين كان يواجههم ويتحرك فيهم ، وهم جماعة بني إسرائيل
.
(١) المائدة : ١١٠ .
الرابعة : أنّ هذه المرحلة اتصفت بقلة الاستجابة لعيسى عليهالسلام في دعوته
ورسالته ، بالرغم من الحركة الواسعة التي قام بها عيسى عليهالسلام في التجوال
والسيح بين الناس ؛ إذ كان من شريعته ذلك ، كما نصت عليه بعض الروايات ، وأكّدته
النصوص التاريخية والإنجيلية ، وكذلك رغما على هذا القدر الواسع منالكرامات
والمعجزات التي جاء بها عيسى عليهالسلام .
وهذه النتيجة تؤشّر على قانون وسنة اجتماعية ، وهي : أن الجماعة كلّما زاد تعقيدها
العقائدي والفكري والمدني ، كانت استجابتها للإصلاح الديني أقل .
وهذا ما يفسّر لنا نزول الرسالة الخاتمة في اُمّة العرب الجاهليين ، وتقبلهم لهذه
الرسالة مع رفض اليهود والإسرائيليّون لها في الوقت نفسه .
الخامسة : أنّ القرآن الكريم لا يحدّثنا عن تفاصيل المواجهة بين عيسى عليهالسلام
وقومه ، ولكنّه يشير إلى أ نّها كانت تتسم بالشدّة والعنف ، سواءٌ من خلال التكذيب
له بعد مجيئه بالبيّنات والآيات ، أو من خلال وصفهم بأشدّ أنواع الظلم ـ « . . .
فَلَمّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أظْلَمُ
مِمّنْ افْتَرَى عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلاَمِ
وَاللّهَُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ »(١) ـ أو من خلال وصفهم بالمكر «
وَمَكَرُوا وَمَكَر اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ المَاكِرينَ »(٢) ـ أو من خلال ما وصفهم
بنقض المواثيق بقتل الأنبياء ، أو أ نّهم كانوا لا يتناهون عن المنكر ، وأ نّهم
كانوا في موضع اللعن من عيسى عليهالسلام (٣) .
(١) الصف : ٦ ـ ٧ .
(٢) آل عمران : ٥٤ .
(٣) النساء : ١٥٥ ، والمائدة : ٧٨ ـ ٧٩ .
١ ـ في المرحلة السابقة عرفنا بأنّ الإسرائيليّين ( بصورة عامة ) لم يؤمنوا بعيسى
عليهالسلام ، بل كذّبوه وكفروا به واتهموه بالسحر .
وبذلك عرف عيسى منهم الكفر بصورة واضحة محسوسة لا شكّ فيها ولا ريب .
فأراد عيسى عليهالسلام أن يعرف من بين هؤلاء الناس من آمن به منهم على قلتهم ،
ويختارهم ؛ لمواصلة رسالته ودعوته بطريقة اُخرى ، هي : تربية هذه النخبة وإعدادهم ؛
ليتمّ التركيز في العمل عليهم ، وليتحملوا هذه المسؤولية معه ، ويقوموا مقامه إذا
ألمّت به النوائب ، وتعرض إلى القتل أو الوفاة ، فأطلق نداءه بين الإسرائيليّين «من
أنصاري إلى اللّه» أي : من أنصاري في طريقي إلى اللّه تعالى .
(١) والحواريون : هم خاصة الإنسان وخالصته ، وأصل الكلمة : من ( الحور ) ، وهو
البياض الناصع ، ويطلق ( الحواريون ) في اللغة على ( قصارى الثياب ) ؛ لأ نّهم
يبيضونها وينظفونها من الأوساخ . واُطلق على الخاصة من الاصحاب ؛ لمكان الطهارة
والصفاء والبياض في علاقتهم وإخلاصهم .
وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم خمس مرات ، وفي ثلاث مواضع منه ، هي : في سورة آل
عمران ، والمائدة ، والصف . كما أنّ القرآن الكريم لم يذكر هذا الوصف في خاصة أحد
من الأنبياء أو غيرهم باستثناء عيسى عليهالسلام ، فكان من الأوصاف الخاصة بخالصته
.
وقد روى الصدوق في علل الشرائع وعيون أخبار الرضا عن علي بن الحسن بن فضال ، عن
أبيه قال : قلت للرضا عليهالسلام : لِمَ سُمّى الحواريون الحواريين ؟ قال : « أمّا
عند الناس فإنّهم سموا حواريين ؛ لأ نّهم كانوا قصّارين يخلّصون الثياب من الوسخ
بالغسل ، وهو اسم مشتق من الخبز الحواري ( الذي نخل مرّة بعد اُخرى ) ، وأمّا عندنا
فسمّي الحواريون حواريين ؛ لأ نّهم كانوا مخلّصين في أنفسهم ، ومخلّصين لغيرهم من
أوساخ الذنوب بالوعظ والتذكير » . البحار ١٤ : ٢٧٣ .
ولم يحدد القرآن الكريم عددهم ، ولكن ورد في بعض النصوص : أنّ عددهم اثنا عشر رجلاً
، وكان أفضلهم وأعلمهم الوقا ( لوقا ). المصدر السابق : ٢٧٩ عن التوحيد وعيون
أخبار الرضا للصدوق و ( الوقا ) هو المسمّى عند النصارى بـ ( لوقا ) وإليه يُنسب أحد الأناجيل .
٢ ـ وهنا كانت استجابة الحواريين(١) وإيمانهم المطلق بعيسى بعد اللّه
ورسالته ، واستعدادهم لتحمل هذه المسؤولية ، فعبّروا عن ذلك :
أوّلاً : بالتعبير عن تلبية هذا النداء بالاستعداد لتحمل المسؤولية « قال
الحواريّون نحن أنصار اللّه » .
وثانيا : الإيمان المطلق الكامل باللّه تعالى .
وثالثا : الالتزام أمام عيسى عليهالسلام والتعهد له بالتسليم للّه تعالى والإيمان
بوحيه والاتباع لرسوله .
ورابعا : الطلب مناللّه ـ تعالى ـ أن يوفقهم ويعينهم على هذه المسؤولية : بأن
يكتبهم من الشاهدين على أعمال الناس وحياتهم .
« فَلَمّا أحَسّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أنْصَارِي إلَى اللّهِ
قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ أنْصَارُ اللّهِ آمَنّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأنّا
مُسْلِمُونَ * رَبّنَا آمَنّا بِمَا أنْزَلْتَ وَاتّبَعْنَا الرّسُولَ فَاكْتُبْنَا
مَعَ الشّاهِدِينَ »(١) .
(١) آل عمران : ٥٢ ـ ٥٣ .
ويشير القرآن الكريم إلى أن هذا الموقف الرسالي من الحواريين إنّما كان وحيا إلهيا
لهم ، ولعلّه لإخلاصهم ولبلوغهم الدرجة العالية من الإ يمان والكمالات
الإلهيّة . ويحتمل العلاّمة الطباطبائي أن يكون هؤلاء الحواريون أنبياء(١) ، على
أنّ هذا الوحي يمكن أن يكون إلهاما من قبيل ما ذكره القرآن الكريم في اُم موسى
عليهالسلام ، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات عن أهلالبيت عليهمالسلام (٢) :
« وَإذْ أوْحَيْتُ إلَى الْحَوَارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بي وَبِرَسُولي قَالُوا
آمَنّا وَاشْهَدْ بِأ نّنَا مُسْلِمُونَ »(٣) .
٣ ـ ولا يتحدّث القرآن الكريم عمّا قام به عيسى عليهالسلام تجاه الحواريين بعد
انتخابهم واستجابتهم لنصرته في سبيل اللّه والطريق إليه ، ولكن مقتضى الحال الذي
تؤكّده النصوص والروايات الواردة عن أهلالبيت عليهمالسلام والأناجيل المتداولة
عند النصارى : أنّ عيسى عليهالسلام كان يعقد ( الاجتماعات ) مع الحواريين ،
ويصحبهم في ( الأسفار ) و ( الحركة ) العامة التي كان يقوم بها ؛ لتربيتهم وتزكيتهم
والارتقاء بهم إلى مسـتوى المسـؤولية التي تعهدوا بها ، وكذلك تعليمـهم الكتـاب
والحكـمة والإنجيل .
(١) الميزان ٣ : ٢٠٤ .
(٢) البحار ١٤ : ٢٧٤ ، عن العياشي بسنده عن أبي جعفر الباقر عليهالسلام .
(٣) المائدة : ١١١ .
ومن هنا نجد كثيرا من النصوص المروية عن أحوال عيسى عليهالسلام يختص الخطاب فيها
بالحواريين أنفسهم .
ولعلّ الكثير ممّا هو في الأناجيل الموجودة هو من بقايا ما تلاه عيسى عليهالسلام
عليهم في هذه الاجتماعات ، ومن ثمّ حفظوها ، وتناقلوها بينهم وإلى المؤمنين
بالرسالة الجديدة ، ولكنّها لم تحفظ أو تدون بشكل متقن ، أو تعرضت إلى التحريف
المتعمد بعد ذلك ، أو كليهما(١) .
٤ ـ نعم ، يذكر القرآن الكريم من شؤون عيسى عليهالسلام مع الحواريين قصّة طلبهم من
عيسى عليهالسلام في أن يسأل اللّه ـ تعالى ـ أن ينزل عليهم مائدة من السماء ؛ إذ
جاء السؤال بصفة الاستفهام تأدبا منهم في الطلب ، وفي سياق اختيارهم واصطفائهم
بالوحي الإلهي للإ يمان باللّه وبالرسول من بين بني إسرائيل ، والشهادة على أنفسهم
بالإ يمان والتسليم ، وكان التعبير بالاستطاعة ، هل « يستطيع ربك ؟ » إنّما هو
للسؤال عن وجود المصلحة الإلهية في ذلك ، لا الشك في قدرة اللّه على ذلك .
(١) وهذا يشبه ما تعرضت له ( السُنّة ) من أقوال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ،
وفعله ، وتقريره ، والأ ئمة المعصومين عليهمالسلام ، مع اختلاف في أنّ الظروف التي
تعرض لها عيسى عليهالسلام من حادثة الصلب ، والوفاة ، وإ يمان العدد القليل من
الاشخاص ، وعدم وجود أهل البيت الذين يمثلون امتدادا لرسول اللّه وغير ذلك ، هذه
الظروف كانت أشد أثرا في ضياع أو تحريف الإنجيل .
وبهذا نعرف أهمية الدور الذي قام به أهل البيت ـ سلام اللّه عليهم ـ في حفظ السنة
الشريفة وإدامتها ، وكذلك أهميته في حفظ القرآن . وسوف نتعرف على مزيد من الوضوح
تجاه الأناجيل الفعلية فى المرحلة الآتية من البحث .
وقد طلب منهم عيسى عليهالسلام أن يتقوا اللّه في طلبهم هذا إن كانوا مؤمنين به كما
يذكرون ؛ حذرا ممّا قد يوهمه مثل هذا الطلب من شكّ في قدرة اللّه تعالى ، أو ريب في
رسالته ؛ لأ نّهم كانوا قد رأوا الآيات العظيمة طيلة المدة السابقة ، ومنها وجوده
الشريف الذي هو من أعظم الآيات ، فيكون الطلب ممّن رأى هذه الآيات أشبه بما يقترحه
أرباب الهوى للتفكه والاُنس ، أو يكون اقتراحهم آية اُخرى اختاروها لأنفسهم بعد تلك
الآيات على كثرتها من قبيل اقتراح الآية بعد الآيات ، فيكونوا
بذلك قد ركبوا أمرا عظيما ؛ ولذلك نبههم وحذّرهم سلام اللّه عليه من هذا النوع من
الاقتراحات بقوله : « . . . واتّقُوا اللّه إنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ »(١) .
ويجيب الحواريون بما يوجه طلبهم ويفسره ، وبما يوضح قصدهم ، ويدفع الاحتمالات
الاُخرى فيه ، فذكروا أنّ هذا الطلب لاُمور أربعة :
أ ـ الأكل من المائدة السماوية ؛ إذ يكون بركة وجائزة ومفخرة لهم من بين الاُمم
يختصون بها ، وسببا لليقين والاطمئنان .
ب ـ اطمئنان القلب بالإ يمان به تعالى ، وبرسالته ، وبالعلاقة التي لهم معه سبحانه
وتعالى في اختيارهم واصطفائهم ؛ لتحمل المسؤوليات العظيمة وبالطريق الذي هم عليه .
ج ـ العلم اليقيني بأ نّه قد صدقهم فيما بلغهم عن ربه من مسؤوليتهم واختيارهم بما
يدفع خطرات القلوب ووساوس النفوس .
د ـ ان يشهدوا على هذه الآية العظيمة التي تحققت باقتراحهم ، فتكون أبلغ في الإ
يمان والاحتجاج عند المنكرين وعند اللّه في يوم القيامة ، ويكونوا قد شهدوها
بحواسهم جميعا ، فقد رأوها بأعينهم ، وسمعوا الدعاء والاستجابة بآذانهم ، ولمسوها
بأيديهم ، وأكلوا منها واستذاقوا طعمها بأفواههم ، وشمّوا رائحتها باُنوفهم .
ولما فسّر الحواريون طلبهم سأل عيسى ربه أن يكرمهم بها ، ويجعل نزولها عيدا لأولهم
وآخرهم ، وجائزة ومفخرة وكرامة لهذه الاُمّة من الحواريين ، أو من يلحق بهم من
الناس ، ويختصون بها من بين الناس جميعا .
(١) المائدة : ٥٧ .
كما طلب عيسى عليهالسلام مناللّه في الوقت نفسه أن يجعلها آية اُخرى على
رسالته ، والمهمة الجديدة التي يراد للحواريين أن يقوموا بها ، وأن يرزقهم اللّه من
فضله . وهو خير الرازقين .
وقد استجاب اللّه ـ تعالى ـ لعيسى عليهالسلام دعاءه ومسألته ، ووعد سبحانه
بإنزالها مؤكدا ذلك ، واللّه لا يخلف وعده ، فأنزلها عليهم سبحانه ، وقرن هذه
الاستجابة بإنذار شديد يعبّر عن سنة إلهيّة في العدل والحكمة ، وهو : أنّ اختصاصهم
بهذه الكرامة يجعلهم أمام مسؤولية تتناسب مع هذهالكرامة والاختصاص ، وهذا الإنذار
هو : أنّ الكفر بهذه الآية بعد نزولها يؤدي إلى عذاب إلهي لا يماثله عذاب أحد من
العالمين(١) .
« وَإذْ أوْحَيْتُ إلَى الْحَوَارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بي وَبِرَسُولي قَالُوا
آمَنّا وَاشْهَدْ بِأ نّنَا مُسْلِمُونَ * إذْ قَالَ الْحَوَارِيّونَ يَا عِيسَى
ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ
السّمَاءِ قَالَ اتّقُوا اللّهَ إنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أنْ
نَأكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنَا
وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهُمّ
رَبّنَا أنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدا
لاَِوّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ *
قَالَ اللّهَُ إنيّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ
فَإنيّ اُعَذِّبُهُ عَذَابا لاَ اُعَذِّبُهُ أحَدا مِنْ الْعَالَمِينَ »(٢) .
(١) يحسن هنا مراجعة بحث العلاّمة الطباطبائي في الميزان ٦ : ٢٢٧ ـ
٢٣٨ حيث تثار
أسئلة وإشكالات وتذكر احتمالات عديدة ، وقد اخترنا منها ما يوافق ظهور الآيات أو
ينسجم مع ظهورها من الاحتمالات .
(٢) المائده : ١١١ ـ ١١٥ .
٥ ـ وتذكر بعض الروايات عن أهل البيت : أنّ عيسى عليهالسلام قام بإرسال بعض
الحواريين إلى بعض الأقطار كأنطاكية ؛ لدعوة الناس إلى اللّه تعالى وإبلاغ الرسالة
الإلهية ، وإنّ القرآن الكريم في سورة ( يس ) عندما تحدّث عن إرسال اللّه ـ تعالى ـ
الرسل إلى القرية أراد بهم الحواريين « وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أصْحَابَ
الْقَرْيَةِ إذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إذْ أرْسَلْنَا إلَيْهِمْ اثْنَيْنِ
فَكَذّبُوهُمَا فَعَزّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إنّا إلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ »(١) ،
كما أنّ بعض هذه الروايات تتحدّث عن هذا الإرسال دون ربط لذلك بهذه الآيات
الكريمة(٢) .
٦ ـ ثمّ إنّ الكافرين من بني إسرائيل لمّا كذّبوا عيسى عليهالسلام أخذوا يتآمرون
عليه وعلى إيذائه وقتله ، ويمكرون به ، ويحرّضون عليه الحكام والسلاطين ، فكان أن
أعد عيسى نفسه للوفاة والقتل ، ولكن اللّه ـ تعالى ـ كفّ عنه أذى بني إسرائيل
ومكرهم بعد أن كانوا قد مكروا بعيسى عليهالسلام .
«وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ »(٣) .
وقد أوصى عيسى عليهالسلام ـ كما تذكر بعض الروايات(٤) ـ إلى شمعون الصفا ، بأن
يتحمل مسؤولية الرسالة وإبلاغها من بعده ، وسلّمه الإنجيل من أجل ذلك .
خصائص المرحلة الثالثة :
في نهاية الحديث عن المرحلة الثالثة يحسن بنا ـ أيضا ـ أن نشير إلى بعض خصائصها
المهمة وبعض الملاحظات حولها :
(١) يس : ١٣ ـ ١٤ .
(٢) راجع مجمع البيان ٤ : ٤١٨ ـ ٤٢٠ ، وكذلك البحار ١٤ : ٢٥٢ و ٢٥٦ ـ ٢٦٧ .
(٣) آل عمران : ٥٤ .
(٤) البحار ١٤ : ٢٥ عن إكمال الدين للصدوق .
الاُولى : أنّ هذه المرحلة تميّزت بظاهرة الحواريين ، هذه الظاهرة التي لم يذكر
القرآن الكريم لها مثيلاً فيالأنبياء السابقين كما أشرنا ، ومن هنا فإنّ هذه
الظاهرة تستحق الدراسة والوقوف عندها ؛ لمعرفة دور الحواريين هؤلاء ، وللمقارنة
بينها وبين نظائرها فيالتاريخ الإسلامي .
وهذا البحث وإن كان يخرج بنا عن إطار الاختصار فيه ، ولكن يحسن أن نشير إلى رواية
معتبرة رواها الكلينيفيالكافي ، يعقد فيها الإمام الصادق عليهالسلام المقارنة بين
خاصتهم من شيعتهم والحواريين ، ويشخّص طبيعة الدور الرسالي الذي قام به حواري عيسى
عليهالسلام .
عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « إنّ حواريّ عيسى عليهالسلام كانوا ( شيعته
) ، وإنّ شيعتنا حواريونا ، وما كان حواري عيسى عليهالسلام بأطوع له من حوارينا
لنا ، وإنّما قال عيسى عليهالسلام للحواريين : « . . . مَنْ أنْصَارِي إلى اللّه
قَالَ الحَواريّونَ نَحْنُ أنْصَار اللّه . . .»(١) ، فلا واللّه ما نصروه من
اليهود ولا قاتلوهم دونه ، وشيعتنا واللّه لا يزالون منذ قبض اللّه ـ عزّ ذكره ـ
رسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ينصرونا ، ويقاتلون دوننا ، ويحرقون ، ويعذبون ،
ويشرّدون في البلدان ، جزاهم اللّه عنّا خيرا » .
وقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام : « واللّه لو ضربت خيشوم محبينا بالسيف ما
أبغضونا ، وواللّه لو أدنيت إلى مبغضنا وحثوت لهم من المال ما أحبونا »(٢) .
(١) الصف : ١٤ .
(٢) الكافي ٨ : ٢٦٨ ، ح ٣٩٦ .
الثانية : ذكرنا في النقطة الرابعة أنّ عيسى عليهالسلام قد قام بإرسال بعض
الحواريين إلى مناطق خارج المنطقة التي يسكنها الإسرائيليّون ، الأمر الذي يعني :
أنّ دعوة عيسى عليهالسلام لم تكن خاصة بالإسرائيليين . ولكن هذا الأمر لم يذكر في
القرآن الكريم صراحة ، وإنّما جاء ذكره في بعض الروايات تفسيرا لآيات سورة ( يس ) .
ومع قطع النظر عن هذه الروايات ، فهل هناك ما يدل على عموم رسالة عيسى عليهالسلام
؟
قد يقال : إنّ رسالة عيسى عليهالسلام كانت خاصة ببني اسرائيل ؛ لما ذكره القرآن
الكريم من قوله تعالى : « وَرَسُولاً ألى بَني إسْرَائِيلَ أ نيّ قَدْ جِئْتَكُمْ
بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ . . . »(١) .
كما أ نّه قد تكرّرت مخاطبته لخصوص بني إسرائيل كما في سورة الصف ، كما ذكرنا سابقا
.
ويؤكّد ذلك ـ أيضا ـ ما ورد في بعض الروايات من اختصاص رسالة عيسى بخصوص بني
إسرائيل(٢) .
ولكن الصحيح : أنّ رسالة عيسى عليهالسلام كانت عامة ؛ لوجود قرائن على ذلك ، سواءٌ
في القرآن الكريم أو غيره :
الاُولى : ما ورد من قوله تعالى : « وَإذْ قَالَ اللّهَُ يَا عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ أأنتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتّخِذُوني وَاُميّ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ .
. . »(٣) .
(١) آل عمران : ٤٩ .
(٢) البحار ١٤ : ٢٥٠ ، عن إكمال الدين للصدوق .
(٣) المائدة : ١١٦ .
نجد أنّ الخطاب والحديث عن الناس جميعا كان هنا عامّا وشاملاً لجميع الناس ، وليس
لبني إسرائيل .
الثانية : الآيات التي تتحدث عن عيسى عليهالسلام في سياق اُولي العزم ، وهم رسل
اللّه ـ تعالى ـ إلى الناس جميعا .
الثالثة : ما ذكره القرآن في أكثر من موضع : من أنّ عيسى جاء مصدّقا للتوراة ،
ورسالة موسى عليهالسلام كانت رسالة عامة لجميع الناس ، كما ذكرنا ذلك في قصّة موسى
عليهالسلام .
الرابعة : الواقع التاريخي لرسالة عيسى عليهالسلام وعدم اقتصارها على الإسرائيليين
أنفسهم ، بل شملت شعوبا كثيرة اُخرى .
ولذا فتكون الرواية عن إكمال الدين مردودة ؛ لمخالفتها للقرآن ، أو مؤوّلة بأنّ
عيسى عليهالسلام كانت دعوته في حياته قد اختصّت ببني إسرائيل خارجا ، ولم تتسع في
زمانه لغيرهم ، كما هو الحال بالنسبة إلى نبيّنا محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم
التي شملت غير العرب من الأقوام .
الثالثة : أنّ هذه المرحلة اختصّت بمعجزة استثنائية لعيسى عليهالسلام ، وهي : نزول
المائدة التي كانت تختلف عن المعاجز الاُخرى التي كانت تتحقق لعيسى في المرحلة
السابقة : من حيث شكلها ومضمونها ، وكذلك من حيث إنّها كانت بطلب من الخاصة الذين
اصطفاهم اللّه ـ تعالى ـ لهذه المهمة ، وهم الحواريون ، ومن حيث هدفها الرسالي
الذي أشرنا إليه في الحديث عنها .
ولا يبعد ـ واللّه أعلم ـ أن تكون هذه المعجزة والآية الإلهية هي كالشاهد والدليل
الذي يؤكّد الميثاق الذي أخذه اللّه ـ تعالى ـ من الحواريّين على أن يقوموا
بمسؤوليتهم . فيكون شبيها بما أشار إليه القرآن الكريم من رفع الطور عند أخذه
للميثاق من تقبله بني إسرائيل الاثنى عشر .
كما ورد في سورة النساء من قوله تعالى : « وَلَقَدْ أخَذَ اللّهَُ مِيثَاقَ بَني
إسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبا وَقَالَ اللّهَُ إنيّ
مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمْ الصّلاَةَ وَآتَيْتُمْ الزّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلي .
. . »(١) .
حيث جاء من سياقها قوله تعالى : «وَمِنْ الّذِينَ قَالُوا إنّا نَصَارَى أخَذْنَا
مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ
اللّهَُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون »(٢) .
ولا يبعد أن يكون الميثاق الذي اُخذ من النقباء هو الميثاق الذي اُخذ مع رفع الطور
الذي يشير إليه قوله تعالى : « وَإذْ أخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ
الطّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلّكُمْ
تَتّقُونَ »(٣) .
واللّه أعلم بحقائق الاُمور .
الرابعة : أنّ عيسى عليهالسلام قد اختصّ الحواريين في هذه المرحلة : بالتعليم ،
والتربية ، والصحبة في الحِل والترحال ، كما تؤكّد ذلك الروايات والنصوص التاريخية
، واقترن ذلك مجموع من النصائح والمواعظ الأخلاقية المهمة ، يحسن الإشارة إلى بعضها
كما وردت في تراث أهل البيت عليهمالسلام ، وهي مواعظ تنفع الخاصة من أهل العلم :
(١) المائدة : ١٢ .
(٢) المائدة : ١٤ .
(٣) البقرة : ٦٣ .
١ ـ عن عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « قال الحواريّون
لعيسى بن مريم عليهماالسلام : يا معلّم الخير علّمنا أيّ الأشياء أشدّ ؟ فقال :
أشدّ الأشياء غضب اللّه عزّ وجل ، قالوا : فبم يتّقى غضب اللّه ؟ قال : بأن لا
تغضبوا ، قالوا: وما بدء الغضب ؟ قال : الكبر ، والتجبّر ، ومحقرة الناس »(١) .
٢ ـ ابن الوليد ، عن ابن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن الحسن بن علي الخزّاز قال :
سمعت أبا الحسن الرضا عليهالسلام يقول : « قال عيسى بن مريم عليهماالسلام : يا بني
إسرائيل لا تأسوا على مافاتكم من دنياكم إذا سلم دينكم ، كما لا يأسى أهل الدنيا
على مافاتهم من دينهم إذا سلمت دنياهم »(٢) .
٣ ـ أحمد بن الوليد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن ابن المعروف ، عن ابن مهزيار ، عن
رجل ، عن واصل بن سليمان ، عن ابن سنان قال : سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول
: « كان المسيح عليهالسلام يقول لأصحابه : إن كنتم أحبّائي وإخواني فوطّنوا أنفسكم
على العداوة والبغضاء من الناس ، فإن لم تفعلوا فلستم بإخواني ، إنّما أُعلّمكم
لتعملوا ، ولا أُعلّمكم لتعجبوا ، إنّكم لن تنالوا ما تريدون إلاّ بترك ما تشتهون ،
وبصبركم على ما تكرهون ، وإيّاكم والنظرة فإنّها تزرع في قلب صاحبها الشهوة ، وكفى
بها لصاحبها فتنة »(٣) .
٤ ـ وكان عليهالسلام يقول : « يا معشر الحواريين تحبّبوا إلى اللّه ببغض أهل
المعاصي ، وتقرّبوا إلى اللّه بالتباعد منهم ، والتمسوا رضاه بسخطهم »(٤) .
(١) الخصال ١ : ٨ ، ح ١٧ .
(٢) أمالي الصدوق : ٥٨٥ ، ح ٨٠٥ ، والحديث معتبر . ط . مؤسسة البعثة .
(٣) البحار ١٤ : ٣٢٤ ، ح ٣٨ .
(٤) البحار ١٤ : ٣٣٠ ، ح ٦٥ .
٥ ـ عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد البرقي ، عن شريف بن سابق ، عن الفضل بن أبي قرّة ، عن أبي عبد اللّه عليهالسلام قال : « قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم : قالت الحواريّون لعيسى : يا روح اللّه من نجالس ؟ قال : من يذكّركم اللّه رؤيته ، ويزيد في علمكم منطقه ، ويرغّبكم في الآخرة عمله »(١) .
الوفاة والرفع :
١ ـ بعد أن تآمر الإسرائيليون على عيسى عليهالسلام ومكروا به ، اقتضت العناية
الإلهية أن يرفع اللّه أذى الإسرائيليين عنه ، ويرد مكرهم إلى نحورهم ؛ لأ نّهم
كانوا يريدون قتله ، وتحقيره ، وتوهينه من خلال تعذيبه وصلبه ، شبهه اللّه ـ
سبحانه وتعالى ـ عليهم ، ثمّ توفاه ورفعه إليه ، فقتلوا شبيهه ، وصلبوه ظنا منهم أ
نّه عيسى عليهالسلام .
وتذكر بعض الروايات(٢) ، أنّ الشخص الذي اشتبه به ، وقتل وصلب عن عيسى عليهالسلام
كان هو ( هوذا ) الذي كان قد فدى نفسه لعيسى عليهالسلام ، فاُخذ وقتل ، ويذهب بعض
المفسرين إلى أنّ المقتول هو الذي وشى بعيسى لدى الرومان ، وحرّضهم عليه(٣) . وهذا
التفسير يتناسب مع ما ورد في بعض الأناجيل(٤) .
(١) الكافي ١ : ٣٩ ، ح ٣ .
(٢) يأتي نص الرواية في هامش النقطة الثالثة .
(٣) مجمع البيان ٢ : ١٣٦ ، عن السدي وبعث النصارى .
(٤) ذكرت الأناجيل : أنّ تلميذ المسيح يهوذا الأسخرلوطي هو الذي شبه بالمسيح ،
وإنّه كان قد خان المسيح ، فاُخذ وصلب وقتل .
« وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهَُ وَاللّهَُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إذْ قَالَ
اللّهَُ يَا عِيسَى إنيّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ
الّذِينَ كَفَرُوا . . . »(١) .
« وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ
وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإنّ الّذِينَ
اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ
الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا * بَلْ رَفَعَهُ اللّهَُ إلَيْهِ وَكَانَ
اللّهَُ عَزِيزا حَكِيما »(٢) .
ولم ينسب الرفع في القرآن الكريم إلى نبي من الأنبياء غير عيسى عليهالسلام ،
وعندما نسب إلى إدريس عليهالسلام فإنّه خصص بالمكان أيضا ، على أنّ إدريس
عليهالسلام يقال فيه : إنّه رفع إلى السماء أيضا ، واللّه أعلم .
الصراع والمواجهة :
٢ ـ وقد كانت هذه الحادثة وهي : محاولة قتل المسيح وصلبه والتشبيه فيه سببا في حدوث
المواجهة والصراع والمطاردة بين الإسرائيليين من المؤمنين بعيسى عليهالسلام من جهة
، والكافرين به الذين كانوا يلقون دعما وإسنادا من الحكام الظالمين من جهة اُخرى .
ولا يحدّثنا القرآن الكريم عن تفاصيل هذه المواجهة وأحداثها ولو على نحو الاختصار ،
وإنّما يحدّثنا عنها وعن نتائجها تارة بلسان الوعد الإلهي بتحقّق الغلبة للمؤمنين
برسالته وتمكنهم من الكافرين إلى يوم القيامة ، واُخرى بلسان الاخبار عن تأييد
اللّه ـ تعالى ـ للمؤمنين في معركتهم مع الكافرين بحيث تحقّق لهم النصر والتسلّط
على الكافرين .
(١) آل عمران : ٥٤ ـ ٥٥ .
(٢) النساء : ١٥٧ ـ ١٥٨ .
« . . . وَجَاعِلُ الّذِينَ اتّبَعُوكَ فَوْقَ الّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ ثُمّ إلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيَما كُنْتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ * فَأمّا الّذِينَ كَفَرُوا فَاُعَذِّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا فِي
الدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأمّا الّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ اُجُورَهُمْ وَاللّهَُ لاَ يُحِبّ
الظّالِمِينَ »(١) .
« يَا أ يّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونوا أنصَارَ اللّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصَارِي إلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ
نَحْنُ أنصَارُ اللّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَني إسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ
طَائِفَةٌ فَأيّدْنَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظَاهِرِينَ
»(٢) .
الاختلاف في عيسى عليهالسلام :
٣ ـ كما أنّ الرفع والصلب كان سببا لوقوع الاختلاف بين الإسرائيليين ، سواءٌ
الكافرون منهم أو المؤمنون ؛ إذ كان الكافرون يدّعون قتل المسيح وصلبه ، ووافقهم
على ذلك جماعة من المسيحيين ؛ إذ كان قد شبّه لهم أمره ، وكذلك بعض المتأخرين منهم
زمنا عن هذه الحادثة ؛ لأ نّهم لم يعيشوا ظروفها ، واستقروا فيها على النقل الذي
تعرّض إلى التحريف ، أو كان يعتمد على ظاهر الاُمور ، وهم عامة المسيحيين واليهود
في نزول القرآن الكريم وإلى يومنا الحاضر(٣) .
(١) آل عمران : ٥٥ ـ ٥٧ .
(٢) الصف : ١٤ .
(٣) فقد روى الصدوق في إكمال الدين عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « إنّ في القائم
من أهل بيت محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم شبها من خمسة من الرسل ـ وساق الحديث
إلى أن قال ـ وأمّا شبه من عيسى عليهالسلام فاختلاف من اختلف فيه : قالت طائفة
منهم : ما ولد ، وقالت طائفة : مات ، وطائفة قالت : قتل وصلب » . البحار ١٤ : ٣٣٩ ،
ح ١٣ .
« . . . وَإنّ الّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفيَ شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاّ اتّبَاعَ الظّنِّ . . . »(١) ، ولكن جماعة اُخرى منهم كانوا قد عرفوا الحقيقة بطبيعة الحال ، ولا سيّما الحواريين منهم الذين أخبرهم عيسى عليهالسلام بذلك ، على ما تشير إليه بعض النصوص والروايات وتقتضيه طبيعة الأشياء(٢) .
(١) النساء : ١٥٧ .
(٢) فقد ورد في تفسير علي بن ابراهيم القمي بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر
عليهالسلام في تفسر قوله تعالى : «إذ قَالَ اللّه يَا عِيسى إنّي مُتَوَفِيكَ . .
. » ، حدثني أبي ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي جعفر عليهالسلام قال : « إنّ عيسى
عليهالسلام وعد أصحابه ليلة رفعه اللّه إليه ، فاجتمعوا إليه عند المساء ، وهم
اثنا عشر رجلاً ، فأدخلهم بيتا ، ثمّ خرج عليهم من عين في زاوية البيت وهو ينفض
رأسه من الماء ، فقال : إنّ اللّه أوحى إليّ أ نّه رافعي إليه الساعة ومطهّري من
اليهود ، فأ يّكم يلقى عليه شبحي فيقتل ويصلب ، ويكون معي في درجتي ؟ فقال شاب منهم
: أنا يا روح اللّه ، قال : فأنت هوذا ، فقال لهم عيسى : أمّا إنّ منكم لمن يكفر
بي قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة ، فقال له رجل منهم : أنا هو يا نبي اللّه ؟ فقال
له عيسى : أتحس بذلك في نفسك ؟ فلتكن هو ، ثمّ قال لهم عيسى عليهالسلام : أما
إنّكم ستفترقون بعدي على ثلاث فرق : فرقتين مفتريتين على اللّه في النار ، وفرقة
تتّبع شمعون صادقة على اللّه في الجنة . ثمّ رفع اللّه عيسى إليه من زاوية البيت
وهم ينظرون إليه » .
ثمّ قال أبو جعفر عليهالسلام : « إنّ اليهود جاءت في طلب عيسى من ليلتهم ، فأخذوا
الرجل الذي قال له عيسى عليهالسلام : إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح اثنتي عشرة
كفرة ، وأخذوا الشابّ الّذي اُلقي عليه شبح عيسى فقتل وصلب ، وكفر الّذي قال له
عيسى : تكفر قبل أن تصبح اثنتي عشرة كفرة » . تفسير القمي ١ : ١٠٣ .
شخصية عيسى عليهالسلام ؛ إذ حاول بعض المسيحيّين الغلاة والمنحرفين أن يهربوا من
الآثار السلبية الاجتماعية والنفسية للقتل والصلب : بأن يدّعوا أنّ المسيح هو
اللّه الذي حل في روح القدس فجاء مريم عليهاالسلام فحملته ثمّ تحول إلى صورة بشر ،
وهو عيسى المسيح ؛ ليفدي البشرية من خطيئتها بتعرضه للقتل والصلب والعذاب والآلام
البدنية والروحية ، ثمّ ليرتفع مرة اُخرى إلى السماء ومحلّه الأول ، ويرجع إلى حاله
الاُولى . فكانت عقيدة التثليث .
وبذلك حاولوا ـ أيضا ـ أن يفسروا ولادة المسيح بدون أب ؛ إذ وصفوا المسيح
بالاُلوهية والربوبية ، وأخرجوه من الإنسانية ، فهو غير بشر ؛ لذا كانت ولادته
استثنائية .
وإلى هذا الإختلاف يشير القرآن الكريم بعد ذكر ولادة عيسى عليهالسلام في سورة مريم
بقوله تعالى : «فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنَهِمْ فَوَيْلٌ لِلّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ »(١) .
(١) مريم : ٣٧ .
كما تشير إليه الآية (٦٥) من سورة الزخرف :
« لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَني إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبيّ وَرَبّكُمْ إنّهُ
مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهَُ عَلَيْهِ الْجَنّةَ وَمَأوَاهُ
النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إنّ
اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ إلَهٌ وَاحِدٌ وَإنْ لَمْ
يَنتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لََيمَسّنّ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ
* أفَلاَ يَتُوبُونَ إلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهَُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
* مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ
وَاُمّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأكُلاَنِ الطّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ
الآيَاتِ ثُمّ انظُرْ أ نّى
يُؤْفَكُونَ * قُلْ أتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّا
وَلاَ نَفْعا وَاللّهَُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أهْلَ الْكِتَابِ
لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتّبِعُوا أهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ
ضَلّوا مِنْ قَبْلُ وَأضَلّوا كَثِيرا وَضَلّوا عَنْ سَوَاءِ السّبِيلِ »(١) .
« وَإذْ قَالَ اللّهَُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنتَ قُلْتَ لِلنّاسِ
اتّخِذُوني وَاُمِّي إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ
لي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لي بِحَقٍّ إنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
تَعْلَمُ مَا في نَفْسي وَلاَ أعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ إنّكَ أنْتَ عَلاّمُ
الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أمَرْتَني بِهِ أنْ اعْبُدُوا اللّهَ
رَبيّ وَرَبّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا
تَوَفّيْتَنِي كُنتَ أنْتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
شَهِيدٌ * إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنّهُمْ عِبَادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنّكَ
أنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللّهَُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصّادِقِينَ
صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
أبَدا رَضِيَ اللّهَُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »(٢)
.
« إنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ
قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنْ
الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ
فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَاءَنَا وَأبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ
وَأنْفُسَنَا وَأنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى
الْكَاذِبِينَ * إنّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقّ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ
اللّهَُ وَإنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »(٣) .
(١) المائدة : ٧٢ ـ ٧٧ .
(٢) المائدة : ١١٦ ـ ١١٩ .
(٣) آل عمران : ٥٩ ـ ٦٢ .
الرهبانية وعبادة الرهبان :
٤ ـ إنّ المسيحيين اختلفوا بعد ذلك في مجال السلوك الاجتماعي والأخلاقي ؛ إذ أشار
القرآن الكريم إلى نوعين من هذا الاختلاف :
الأوّل : هو الاختلاف في الرهبانية التي كتبها اللّه ـ تعالى ـ عليهم : من الزهد
في الدنيا ، والإعراض عن زخارفها وشهواتها المحرمة إلى الابتداع فيها ؛ إذ تحوّلت
إلى الانعزال عن المجتمع الإنساني ، والتخلي عن المسؤوليات ، وتحريم ما أحل اللّه
ـ تعالى ـ من الزواج والمعاشرة .
« ثُمّ قَفّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ وَ جَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ
رَأفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ
إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا
الّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ »(١) .
(١) الحديد : ٢٧ . ورد في تفسر هذه الآية الكريمة عن ابن مسعود قال : كنت رديف رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم على حمار ، فقال : « يا ابن أمّ عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية ؟ » فقلت : اللّه ورسوله أعلم فقال : « ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي اللّه ، فغضب أهل الإيمان ، فقاتلوهم ، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات ، فلم يبق منهم إلاّ القليل فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ، ولم يبق للدين أحد يدعو إليه ، فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث اللّه النبي الذي وعدنا به عيسى عليهالسلام ، يعنون محمّدا صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فتفرقوا في غيران الجبال ، وأحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسك بدينه ، ومنهم من كفر » ثم تلا هذه الآية : « ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم » إلى آخرها ، ثمّ قال : « يا ابن أمّ عبد أتدري ما رهبانية اُمّتي ؟ » قلت : اللّه ورسوله أعلم قال : « الهجرة ، والجهاد ، والصلاة ، والصوم ، والحج ، والعمرة » . مجمع البيان ٥ : ٢٤٣ .
الثاني : في اتخاذهم الرهبان أربابا من دون اللّه ، يقدسونهم ، ويبذلون لهم
الأموال ، ويعتقدون فيهم أ نّهم يعاقبون ويثيبون ، وأ نّه لا يغفر لهم إلاّ
بواسطتهم ، وبذلك تأثروا بسلوك الأحبار المنحرفين من اليهود ، والقياصرة من ملوك
الرومان .
« يَا أ يّها الّذِينَ آمَنُوا إنّ كَثِيرا مِنْ الأحْبَارِ وَالرُهْبَانِ
ليَأكُلُونَ أمْوَالَ النّاسِ بِالبَاطِل . . . »(١) .
وفي بيان قصّة عيسى عليهالسلام من آل عمران :
« قُلْ يَا أهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ ألاّ نَعْبُدَ إلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا وَلاَ
يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضا أرْبَابا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإنْ تَوَلّوْا فَقُولُوا
اشْهَدُوا بِأ نّا مُسْلِمُونَ »(٢) .
(١) التوبة : ٣٤ .
(٢) آل عمران : ٦٤ . جاءت هذه الآية في سياق آية المباهلة ، وهي قوله تعالى : « فمن
حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم ونساءنا
ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكافرين » ، وقد ورد في
تفسير هذه الآية : أ نّها ( قيل نزلت الآيات في وفد نجران : العاقب ، والسيد ، ومن
معهما ، قالوا لرسول اللّه : هل رأيت ولدا من غير ذكر ؟ فنزل « إنّ مثل عيسى عند
اللّه كمثل آدم . . . » الآيات ، فقرأها عليهم . عن ابن عباس وقتادة والحسن ،
فلمّا دعاهم رسول اللّه إلى المباهلة استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك ، فلمّا
رجعوا إلى رحالهم قال لهم الأسقف : انظروا محمّدا في غد ، فإن غدا بولده وأهله
فاحذروا مباهلته ، وإن غدا بأصحابه فباهلوه ، فإنّه على غير شيءٍ ، فلمّا كان الغد
جاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم آخذا بيد علي بن أبي طالب عليهالسلام ، والحسن
عليهالسلام والحسين عليهالسلام بين يديه يمشيان ، وفاطمة عليهاالسلام تمشي خلفه ،
وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم ، فلمّا رأى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قد أقبل
بمن معه سأل عنهم ، فقيل له : هذا ابن عمه ، وزوج ابنته ، وأحب الخلق إليه ، وهذان
ابنا بنته من علي عليهالسلام ، وهذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه ، وأقربهم
إلى قلبه ، وتقدّم رسول اللّه فجثا على ركبتيه ، قال أبو حارثة الأسقف : جثى
واللّه كماجثا الأنبياء للمباهلة ، فكعّ ولم يقدم على المباهلة ، فقال السيد : ادن
يا أبا حارثة للمباهلة ، فقال : لا ، إنّي لأرى رجلاً جريئا على المباهلة ، وأنا
أخاف أن يكون صادقا ، ولئن كان صادقا لم يَحُل ـ واللّه ـ علينا الحول وفي الدنيا
نصراني يطعم الماء ، فقال الأسقف : يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك ، ولكن نصالحك ،
فصالحنا على ما ينهض به ، فصالحهم رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم على ألفي
حلة من حلل الأواقي ، قسمة كل حلة أربعون درهما ، فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك ،
وعلى عارية : ثلاثين درعا ، وثلاثين رمحا ، وثلاثين فرسا ، إن كان باليمن كيد ،
ورسول اللّه ضامن حتى يؤدّيها ، وكتب لهم بذلك كتابا . وروي أن الاسقف قال لهم :
إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا
، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة . وقال النبي : « والذي نفسي بيده
لو لا عَنُوني لمسخوا قردة وخنازير ، ولا ظطرم الوادي عليهم نارا » . ولمّا حال
الحول على النصارى حتى يهلكوا كلّهم قالوا : فلمّا رجع وفد نجران لم يلبث السيد
والعاقب ألاّ يسيرا حتى رجعا إلى النبي ، وأهدى العاقب له : حلة ، وعصا ، وقدحا ،
ونعلين وأسلما . مجمع البيان ١ : ٤٥١ ـ ٤٥٢ .
وفي ختام حديث القرآن عن النصارى وأهل الكتاب من هذه السورة والآية يذكر القرآن
الكريم المؤمن منهم بقوله تعالى : «ليسوا سواءً مّن أهل الكتاب أمّة قائمة يتلون
آيات اللّه آناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون باللّه واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واُولئك من الصّالحين * وما يفعلوا من خير
فلن يكفروه واللّه عليم بالمتّقين» . آل عمران : ١١٣ ـ ١١٥ .
تحريف الإنجيل :
٥ ـ وقد كان السبب في هذه الاختلافات وغيرها ضياع الإنجيل أو تحريفه ـ في اللفظ أو
التطبيق والعمل ـ من قبل بعض الإسرائيليين الذين آمنوا بالمسيحية ،
أو أظهروا الإ يمان بها في عصر متأخّر عن وفاة المسيح ورفعه .
والقرآن الكريم وإن كان لا يحدّثنا عن زمان وظروف تحريف الإنجيل ، ولكنّه يحدّثنا
عن هذا التحريف في عدّة مواضع :
منها : ما يذكره من معلومات دقيقة يختلف فيها عن الإنجيل مثل : ولادة عيسى
عليهالسلام وبشريّته ، وقضية وفاته ورفعه ، إلى غير ذلك من النقاط التي أشرنا إلى
بعضها في سرد القصّة .
ومنها : ما أشار إليه القرآن الكريم : من عدم التزامهم بتطبيق التوراة والإنجيل في
مقام العمل ، وتحريفه في الالتزام والسلوك:
« قُلْ يَا أهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التّوْرَاةَ
وَالإنجِيلَ وَمَا اُنزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنّ كَثِيرا
مِنْهُمْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانا وَكُفْرا فَلاَ تَأسَ عَلَى
الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ »(١) .
ومنها : ما أشار إليه القرآن الكريم في سياق الحديث عن اليهود والنصارى : من
تحريفهم للكتاب بتفسيره وتأويله بالرأي والهوى ، والأغراض الخاصة ، أو نسبته إلى
اللّه كذبا وزورا .
« وَإنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ
مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ
وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ »(٢) .
(١) المائدة : ٦٨ .
(٢) آل عمران : ٧٨ .
مضافا إلى ذلك كلّه أنّ واقع الأناجيل الفعلية هو أفضل شاهد على هذا
الضياع والتحريف ، وهذا ما سوف نشير إليه في خصائص هذه المرحلة .
خصائص المرحلة الرابعة :
فى ختام الحديث عن هذه المرحلة يحسن بنا أن نشير إلى خصائصها وبعض الملاحظات عليها
:
الاُولى : أنّ الوفاة والرفع لعيسى عليهالسلام كان من خصائص هذه المرحلة ، ولكن هل
كانت الوفاة حسب السنّة العامة الجارية في الناس عندما يتوفّاهم اللّه تعالى ـ «
اللّهَُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا
فَيُمْسِكُ الّتي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُالأخْرَى إلَى أجَلٍ
مُسَمّى إنّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ »(١) ـ ثم كان الرفع بعد
الوفاة ، فيكون رفعا معنويا في مقابل الأذى والإهانة التي كان يريد أن يلحقها بعيسى
عليهالسلام الكافرون ؟ أو كانت الوفاة هنا وفاة خاصة بعيسى عليهالسلام تميّز بها
( سلام اللّه عليه ) من سائر الأنبياء والناس ، كما تميّز بولادته ، وإنّ الرفع
كان حقيقيا ، كما رفع اللّه ـ سبحانه ـ نبيه محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم بصورة
مؤقتة في الإسراء والمعراج ؟
هنا يوجد احتمالان ، وحديث واسع للمفسرين أشار إلى جانب منه الشيخ الطبرسي في مجمع
البيان(٢) .
(١) الزمر : ٤٢ .
(٢) مجمع البيان ٢ : ١٣٥ ـ ١٣٧ ، وكذلك النجار في قصص الأنبياء : ٥٦٦ ـ ٥٦٩ حيث ذكر
الاحتمالات العديدة ، واختار الوفاة العادية والرفع المادي ، ونسبه إلى محمّد عبده
.
ولا شكّ أنّ ظاهر الآيات الكريمة وسياقها : أنّ الوفاة والرفع كان امتيازين خاصين
بعيسى عليهالسلام ، استحقا خطابا خاصا ونعمة إلهيّة متميّزة ، ولذا فهو رفع مادي
لعيسى بجسمه . ولذا اختص نسبة الرفع إلى اللّه ـ تعالى ـ في القران الكريم بعيسى
عليهالسلام .
وهذا مافهمه عامة المفسرين والمخاطبين في القرآن الكريم ، وإن كان بعضهم ولا سيّما
المتأخرين يحاول أن يحتمل فيه احتمالات اُخرى(١) .
وتؤكّد هذا الفهم للرفع الروايات التي وردت في شرح هذا الموضوع(٢) .
الثانية : أنّ هذه المرحلة كانت تتسم بالصراع والمواجهة بين الإسرائيليين أنفسهم
بشأن عيسى عليهالسلام ، فهل كان هذا الصراع مجرّد صراع سياسي ، ومن ثمّ غلبةً
وعلوا في الأوضاع السياسية والاجتماعية للمؤمنين على الكافرين بعيسى أو أ نّه كان
صراعا دمويا ـ أيضا ـ فيه قتال واستخدام للسلاح ؟
(١) راجع الميزان ٥ : ١٦٩ ـ ١٧٠ .
(٢) روى الصدوق في عيون الاخبار ، عن الرضا عليهالسلام : أ نّه قال في حديث طويل
في وصف الأ ئمة عليهمالسلام « . . . وإنّهم يُقتلون بالسيف أو بالسمّ » وساق
الحديث إلى أن قال عليهالسلام : « ما شبّه أمر أحد من أنبياء اللّه وحججه
عليهمالسلام للناس إلاّ أمر عيسى بن مريم وحده ؛ لأ نّه رفع من الأرض حيّا ، وقبض
روحه بين السماء والأرض ، ثمّ رفع إلى السماء وردّ عليه روحه ، وذلك قوله عزّ وجلّ
: « إذ قال اللّه يا عيسى إني متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الّذين كفروا » ،
وقال عزّ وجلّ حكاية لقول عيسى عليهالسلام : «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلمّا
توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد » » الخبر . البحار ١٤ : ٣٣٨ ،
ح ١١ .
ويبدو من سياق الآية الكريمة في سورة ( الصف ) التي تحدّثت عن هذا الصراع ـ أيضا ـ
أنّ هذا الصراع كان فيه قتال وجهاد بالنفس ؛ وذلك لأنّ الآيات التي سبقتها تحدّثت
عن دعوة المؤمنين إلى الجهاد بالنفس والمال ، كما تحدّثت عن
النصر والفتح في هذا الجهاد ، وجاء الحديث عن الصراع الإسرائيلي كمصداق ومثلٍ
لتوضيح نتيجة هذا الصراع مع الكافرين في اُمة محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما
أنّ طبيعة الأشياء تقتضي أن يكون هذا الصراع متسما بالقتال وبذل النفس .
ويؤيد ذلك ماورد في تفسير هذه الآية عن علي بن إ براهيم القميّ الذي نصّ على حدوث
القتال بين الإسرائيليين(١) .
وهذا الظهور القرآني الذي تؤيده الروايات يدل على مشروعية القتال في شريعة عيسى
عليهالسلام ، على خلاف مايفهم من الإنجيل الموجود فعلاً من التسليم للطغاة وعدم
التصدي لهم ، فيكون ذلك أحد موارد التحريف .
الثالثة : ومن خصائص هذه المرحلة هي : وقوع حادثة محاولة قتل المسيح عليهالسلام ،
ونلاحظ هنا : أنّ القرآن الكريم الذي أكّد في جانب من القصة بشرية عيسى عليهالسلام
نزّهه عن القتل والصلب والتعرض لإهانة الصلب من خلال ما ذكره من حقيقة الرفع إلى
اللّه تعالى ، وهو مقام قدسيّ اختصّ به المسيح من بين الأنبياء .
(١) ( « يا أيّها الّذين آمنوا كونوا أنصار اللّه كما قال عيسي بن مريم للحواريّين من أنصاري إلى اللّه قال الحواريّون نحن أنصار اللّه فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة » قال : الّتي كفرت هي الّتي قتلت شبيه عيسى وصلبته ، والّتي آمنت هي الّتي قبلت شبيه عيسى حتّى يقتل « فأيّدنا الّذين آمنوا » هي الّتي لم تقتل شبيه عيسى على الاُخرى ، فقتلوهم « على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين » ) ، البحار ١٤ : ٣٤٥ عن تفسير على بن إ براهيم ، ح ٧ . ويؤيده ما ورد فى البحار ١٤ : ٣٤٥ عن إكمال الدين ، ح ١ ، من مجاهدة شمعون الصفا للكفار ، وما ورد في المصدر السابق : ٢٧٩ ، ح ١١ ، عن مقاتلة الكفار لعيسى عليهالسلام في تكريت ، إلاّ أنّ هذه الرواية تذكر القتال في أيام عيسى عليهالسلام ، أي : في المرحلة السابقة .
وهذا بخلاف عقيدة النصارى فيه التي أعطته صفة الربوبية والاُلوهية ، ولكنّها
في الوقت نفسه لم تنزهه من هذه الإهانة والإذلال التي هي شأن الجناة والمشعوذين .
وهنا يبدو واضحا الرؤية ( الوسطية ) و ( المتزنة ) في العقيدة الإسلامية ، على خلاف
الإفراط في الغلو عند النصارى ، والتفريط في عقيدة اليهود فيه .
ومن هنا نجد النصارى يتورطون في قبول الصلب والقتل ، فيدّعون خروجه من قبره
وارتفاعه إلى السماء بعد ذلك ، ليتستروا على المدلول السلبي للصلب .
الرابعة : أنّ القرآن الكريم كان قد نزّه المسيح من الصلب ، واليهود والنصارى
ألصقوها به ـ كما عرفنا ـ ولكنّ النصارى لم يكتفوا بذلك حتى حوّلوا قضية الصلب إلى
فكرة عقائدية أساسية في العقيدة النصرانية ؛ إمعانا منهم في الغلوّ وتبريرا غير
منطقي لوقوع هذه الحادثة المشينة للمسيح ، حيث لم يعرف تاريخ الأنبياء المنظور أن
تعرّض أحدهم إلى هذا النوع من الإذلال والامتهان والإهانة(١) . فمن أين جاء النصارى
بهذه العقيدة ؟ وهل هي اختراع منهم أو أ نّهم أخذوها من غيرهم ؟ ليبرروا بها هذه
الحادثة المزوّرة .
وقد ذكر ( السيد رشيد رضا ) وغيره من الباحثين عن علماء تاريخ الأديان والآثار :
أنّ هذه العقيدة قد اُخذت بتفاصيلها عن الوثنيين الهنود ، وعن البوذيين بصورة أدق .
وهو ممّا يدل على تأثر المسيحية الموجودة بالوثنية(٢) .
(١) راجع في بيان عقيدة الصلب ما ذكره في المنار ٦ : ٢٤ ـ ٢٥ .
(٢) راجع المصدر السابق : ٣١ ـ ٣٣ ونقل عنه النجار في قصصه : ٤٧٩ ـ ٥٨٠ .
الخامسة : أنّ هذه المرحلة اتصفت بوضع الأناجيل فيها . وهناك قرائن عديدة واضحة على
تحريف هذه الأناجيل أو وضعها بمجرد مراجعتها على رغم ما
تشتمل عليه من أخلاق ومعارف إلهيّة ومواعظ راقية ، بحيث يمكن أن نقول : إنّها خليط
من الموروث الأخلاقي والسلوكي لعيسى عليهالسلام ، والقصص والاشاعات وما كان
يتداوله الناس عن حياته ، وما اُضيف إلى ذلك من أفكار وبدع وعقائد على يد الرهبان
والكهنة والدعاة إلى المسيحية في العصور المتأخّرة حتى استقر الأمر على هذه
الأناجيل الأربعة المعروفة .
وهذا الموضوع وإن كان من الأبحاث المهمة التي تداولها الباحثون الاوروبيون من أصل
مسيحي ، والباحثون المسلمون منذ القرن الثاني الإسلامي وحتى يومنا الحاضر . واُ
لّفت فيه الرسائل والكتب(١) ، ولكن هنا نشير إلى بعض الأدلة المهمة الواضحة:
الأول : هو الاختلاف الواضح بين هذه الأناجيل في المعلومات والعقائد والأفكار ،
فإذا كانت وحيا أو إلهاما إلهيا فلا يصح فيها الاختلاف « أفَلاَ يَتَدَبّرُونَ
الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافا
كَثِيرا »(٢) .
(١) من أوائل النصوص المدونة في هذا المجال الاحتجاج المعروف للامام الرضا
عليهالسلام الذي رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا ، ورواه الطبرسي في الاحتجاج .
كما أنّ من جملة الكتب التي اُ لّفت في هذا المجال كتاب ( إظهار الحق ) للشيخ رحمة
اللّه الهندي ، وكتاب الهُدى إلى دين المصطفى للعلاّمة الشيخ محمّد جواد البلاغي ،
وبحث السيد رشيد رضا في تفسير المنار ٦ : ٣٦ ، وبحث النجار في قصص القرآن ، وبحث
قصّة الحضارة في وجود المسيح ١١ : ٢٠٢ ـ ٢٠٦ وما بعدها عليهالسلام .
(٢) النساء : ٨٢ .
الثاني : هو وجود الأناجيل العديدة تاريخيا غير الأناجيل الأربعة المعروفة
فعلاً ، والتي تمّ اتلافها من قبل المجامع الكنيسية أو القياصرة الحاكمين ، وهذا
ممّا يجمع عليه المؤرخون حتى المسيحيّون منهم ، ووجود نموذج لذلك ، وهو : انجيل
برنابا ، وهو يختلف في قضايا مهمة وأساسية مع الأناجيل الموجودة ، منها قضية
التثليث والصلب .
الثالث : أنّ هذه الأناجيل قد تمّ كتابتها في عصر متأخّر عن المسيح عليهالسلام
بمقدار لا يقلّ عن سبعين عاما ، ويكاد يجمع المؤرخون على ذلك ، الأمر الذي يسقطها
عن التواتر والوثوق .
الرابع : وجود عقائد باطلة في هذه الأناجيل لا يقبلها العقل ولا الفطرة السليمة ،
مثل : عقيدة التثليث ، وتأليه عيسى عليهالسلام ، وعقيدة الصلب والفداء ، كما أنكره
القرآن الكريم عليهم أيضا .
الخامس : هو اختلاف هذه الأناجيل في تفاصيل عديدة مع القرآن الكريم الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهذا الدليل يصلح دليلاً للمسلمين .
في نهاية المطاف يحسن بنا أن نسجّل بعض الملاحظات العامة حول قصّة عيسى عليهالسلام .
إنّ قصّة عيسى عليهالسلام شأنها شأن بقية قصص الأنبياء في القرآن الكريم ، لها
أهداف متعدّدة ، ولكن بعض هذه الأهداف يأتي في سياق أهداف تشترك بقصص الأنبياء
وبعضها الآخر أهداف رئيسة تكاد أن تكون مختصة بالقصّة ذاتها ، وقد أشرنا إلى بعض
هذه الأهداف عند الحديث عن أنبياء اُولي العزم .
وهنا يمكن أن نؤكّد وجود عدّة أهداف تكاد أن تكون أهدافا مركزية لقصّة عيسى
عليهالسلام في القرآن الكريم .
الأول : مناقشة وإ بطال عقيدة النصارى في إلوهية المسيح وعقيدة الصلب ، فإنّ
النصارى يعتقدون أنّ المسيح هو اللّه أو ابنه ، وأ نّه ثالث ثلاثة ، كما يفسّرون
الصلب بالفداء عن الخطيئة كما ذكرنا ، وقد قدّم القرآن التفسير المنطقي لولادة
المسيح وأنّ مثله كمثل آدم خلقه من تراب ، ثم قال له كن فيكون . وكذلك أكّد وفاته
ورفعه ، وهذا الهدف يقصد به النصارى منالناس بشكل خاص ؛ وذلك لأنّ ولادة عيسى
عليهالسلام من غير أبٍ هي منالقصص الذي لا يؤمن بها إلاّ النصارى من الناس في ذلك
الوقت، وآمن بها المسلمون لتأكيد القرآن لها ؛ لأنّ اليهود وغيرهم منالاُمم لا
يقرّون ـ بصورة عامة ـ بوجود المسيح تاريخيا ، ومن أقرّ منهم بالمسيح فهو يتهم مريم
عليهاالسلام في ولادته ، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك .
وهذا هو الهدف الرئيس للقصّة ولا سيّما في سورة آل عمران ومريم والنساء والمائدة .
الثاني : بيان انتصار الرسالة الإلهية في النهاية عندما تتوفر عناصر : الإخلاص في
العمل ، والصبر ، والجهد ، والتضحية ، ولو كان ذلك النصر بعد حين من الزمن وانتقال
صاحب الرسالة إلىاللّه تعالى .
وهذا هو الهدف الرئيس للقصّة في سورة ( الصف ) ، وهو ما يفهم منها كهدف ثانوي في
سورة آل عمران ( الآيات ٥٤ ـ ٥٧ ) .
وهذا الهدف وإن كان من الأهداف القرآنية المشتركة ، ولكن تحقّق الانتصار بعد انتقال
صاحب الرسالة إلى اللّه تعالى الذي قد يقترن عادة باليأس من النصر بعد وقوع حادثة
الصلب المؤلمة ، فإنّ ذلك من خصائص قصّة عيسى عليهالسلام .
وفي التاريخ الإسلامي نجد مثيلاً لذلك النصر الذي حقّقه الإمام الحسين عليهالسلام
في معركته مع يزيد ؛ إذ كان ذلك النصر بعد شهادته المروعة .
وهذا الهدف يرتبط بسنن التاريخ وحركته .
الثالث : تفسير ظاهرة تاريخية دينية قد تثير تساؤلات واستغراب في تحولات التاريخ ،
وهي : ظاهرة أن يأتي النبيّ قومه الأقربين بما يصلح مجتمعهم وحياتهم ، ويقيم الحجّة
على ذلك بالأدلّة والبراهين والمعاجز العديدة ، ثم يواجه الجحود والرفض من قبل قومه
وشعبه وعشيرته ، وهذا ما حدث للرسالة الإسلامية . فكانت قصّة عيسى عليهالسلام
مثلاً لهذه الظاهرة التاريخية التي يقترن فيها الجحود بكل عوامل وعناصر اليقين «
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنْتَها أنْفُسُهُمْ ظُلْما وَعُلُوّا . . . »(١) .
(١) النمل : ١٤ .
وقصّة موسى عليهالسلام وإن كانت تشبه في جانب منها قصّة عيسى عليهالسلام ؛ لكثرة
الآيات والمعاجز والأدلة ، إلاّ أنّ الرفض العام كان من فرعون وقومه الذين يمثلون
قوما وشعبا آخر لا ينتمي إليه موسى عليهالسلام ، وهذا بخلاف قصّة عيسى عليهالسلام
التي هي أوضح في بيان هذه الحقيقة لانتماء عيسى إلى بني إسرائيل .
وهذا هو هدف الإشارة إلى القصّة في سورة ( الزخرف ) حسب الظاهر ، واللّه أعلم : «
وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدّونَ * وَقَالُوا
أآلِـهَتُنَا خَيْرٌ أمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ
خَصِمُونَ »(١) .
كما أنّ هذا هو الهدف الثانوي للإشارة إلى القصّة في سورة ( الصف ) :
« . . . فَلَمّا جَآءَهُمْ بِالبَيّناتِ قَالُوا هذَا سِحْرٌ مُبِيّن »(٢) .
(١) الزخرف : ٥٧ ـ ٥٨ .
(٢) الصف : ٦ . ذكر السيد قطب في تفسيره ( في ظلال القرآن ) هدفا رابعا ، خلاصته :
أنّ قصّة عيسى عليهالسلام تمثل قصّة ولادة فريدة في تاريخ الإنسانية ، تصور
للإنسان كيفية الخلق الأوّل له . والإنسان لم يشهد هذا الخلق الأوّل فتكون ولادة
عيسى بهذا الشكل شاهدا آخر على هذه الحقيقة ، ولكن ولادة عيسى وإن كانت فريدة في
التاريخ ، وهي شاهد على حقيقة خلق الإنسان إلاّ أنّ خلقه لم يتم كخلق آدم الذي خلقه
اللّه من تراب وبدون أب وأم ، كما أنّ نفس الولادة لها هذا المدلول . وأمّا القصّة
فهي إنّما تذكر بهذه الولادة ، فلا يكون لها دور أكثر من قصّة آدم نفسه ، وإخبار
اللّه عن خلق الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون .
لقد ذكرنا في القصّة أنّ عيسى عليهالسلام لم يحصل في دعوته للإسرائيليين إلاّ
التكذيب ، باستثناء استجابة الحواريين لدعوته « فَلَمّا أحَسّ عِيسى مِنْهُمُ
الكُفْرَ قَالَ
مَنْ أنْصَارِي إلى اللّه . . . »(١) « . . . فلمّا جَآءَهُمْ بِالبَيّنَاتِ
قَالُوا هذَا سِحْرٌ مُبِينٌ »(٢) ، فهل توقفت الدعوة عند هذا الحد ، أو كان لها
نتائج وآثار في الإسرائيليين وفي التاريخ الإنساني ؟
وهنا يمكن أن نلاحظ مجموعة منالآثار والنتائج المهمة على مستوى الدعوة والرسالة :
الأول : انتشار الدعوة والرسالة ،