قصّة موسى في تسلسلها التاريخي .
مراحل حياة موسى .
الموضوعات التي تحدثت عنها القصة .
لقد عاش الإسرائيليون في المجتمع المصري ، وتكاثروا فيه منذ هجرة يوسف وأبيه يعقوب وبقية أولاده إلى مصر ، وقد اضطهد الفراعنة الإسرائيليين في الفترة السابقة على ولادة موسى ، وبلغ الاضطهاد درجة مريعة حين اتخذ الفراعنة قرارا بذبح أبناء الإسرائيليين ، واستحياء نسائهم من أجل الخدمة والعمل ، فأراد اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ أن يتفضل على هؤلاء المستضعفين ، وينقذهم من حالتهم هذه ، فهيّأ لهم نبيه موسى ، فعمل على إنقاذهم من الفراعنة(٢) وهدايتهم من المجتمع الوثني إلى المجتمع التوحيدي .
(١) نذكر من أحداث القصّة بمقدار ما تعرّض له القرآن الكريم .
(٢) الأعراف : ١٤١، إ براهيم : ٦، القصص : ٣ ـ ٦ .
وحين ولد موسى عليهالسلام أوحى اللّه ـ سبحانه ـ إلى اُمه أن ترضعه ، وحين
تخاف عليه من الذبح العام فعليها أن تضعه فيما يشبه الصندوق وتلقيه في اليم ، وهكذا
شاءت إرادة اللّه أن يلقيه اليم إلى الساحل ، وإذا بآل فرعون يلتقطونه ، فيعرفون أ
نّه من أولاد بني إسرائيل ، فتدخل امرأة فرعون في شأنه ، وتطلب أن يتركوه لها على
أن تتخذه خادما أو ولدا تأنس به مع فرعون .
وقد عاشت والدة موسى لحظات حرجة من حين إلقائه في اليم ، فأمرت اُخته أن تقصّ أثره
، وتتبع سير الصندوق ، فتتعرف على مصيره . ففعلت ، وحين عرض الطفل على المرضعات أبى
أن يقبل واحدة منها، فانتهزت أُخته هذه الفرصة ، فعرضت على آل فرعون أن تدلّهم على
امرأة مرضعة تتكفل رعايته وحضانته وإرضاعه ، وكانت هذه المرأة بطبيعة الحال هي اُم
موسى ، وهكذا رجع الطفل إلى اُمه ؛ ليطمئن قلبها ، وتعلم أنّ ما وعدها اللّه ـ
سبحانه ـ من حفظه وإرجاعه اليها حقّ لا شك فيه . ولقد شب موسى في البلاط الفرعوني
حتى إذا بلغ أشده وهبه اللّه ـ سبحانه ـ العلم والحكمة(١) .
ودخل موسى المدينة في يوم ما « على حين غفلة من أهلها » ( متنكرا ) فوجد فيها رجلاً من شيعته ( من الإسرائيليين ) يقاتل رجلاً آخر من اعدائه ( الفرعونيين ) ، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ، فوكزه موسى فقضى عليه ، ولم يكن ينتظر موسى أن تؤدي هذه الضربة إلى الموت ، ولذلك ندم على هذا العمل الخطير الذى انساق إليه بسبب مشاعره النبيلة في الإنتصار إلى المظلومين ، فاستغفر ربه عليه .
(١) القصص : ٧ ـ ١٤ ، طه : ٣٧ ـ ٤٠ .
وأصبح موسى في المدينة خائفا يترقب أن ينكشف أمره فيؤخذ بدم الفرعوني ، فينزل إلى
المدينة مرة اُخرى فاذا به يواجه قضية اُخرى متشابهة ، وإذا بالذي استنصره بالأمس
فنصره يستصرخه اليوم أيضا ، فعاتبه موسى على عمله ، ووصفه بأ نّه غوي مبين يريد
توريطه وإحراجه . ثم لمّا أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ( موسى والإسرائيلي ) ظن
الإسرائيلي أنّ موسى يقصد البطش به لا بالفرعوني ، فقال لموسى : « . . . أتَرِيدَ
أنْ تَقْتُلَني كَمَا قَتَلْتَ نَفْسَا بِالأمْسِ إن تُرِيد إلاّ أن تَكُونَ
جَبّارا فِي الأرْض . . . »(١) . وبذلك كشف الإسرائيلي عن هوية قاتل الفرعوني
الأوّل ، وفضح قتل موسى له ، فعمل الملأ وهمّ عليه القوم على قتله بدم الفرعوني .
وجاء رجل من أقصى المدينة وأعاليها مسرعا ؛ ليخبر موسى بالأمر ويقول له : « . . .
إنّ المَلأ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ . . . »(٢) وطلب منه المبادرة إلى
الخروج والهروب من الفرعونيين .
فخرج موسى من المدينة خائفا يترقب ان يوافيه الطلب أو تصل إليه ايدي الفرعونيين ،
فدعا ربّه أن ينجيه من القوم الظالمين .
(١) القصص : ٢٠ .
(٢) القصص : ٢٠ .
وانتهى السير بموسى إلى أرض مدين ، فلمّا وصلها أحسّ بالأمن ، وانتعش الأمل في نفسه
، فقال : « . . . عَسَى رَبيّ أنْ يَهْدِيَني سَوَاءَ السّبِيلِ * وَلَمّا وَرَدَ
مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ اُمّةً مِنْ النّاسِ . . . » وهم الرعاة « . . .
يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ
امْرَأتَيْنِ . . . » في حيرة من أمرهما تذودان الأغنام ، وتجمعانها ولا تسقيان.
فأخذه العطف عليهما ، فقال لهما : « . . . مَا خَطْبُكُمَا . . . » ولماذا لا
تسقيان ؟ قالتا له : « . . . لاَ نَسْقي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ . . . » وينتهوا
من السقي ؛ لأ نّنا امرأتان لا يمكننا أن نزاحم الرجال « . . . وأبُونَا شَيْخٌ
كَبِير . . . » لا يتمكن من القيام بهذه المهمة الشاقة . فتولى موسى عنهما هذه
المهمة ، فسقى لهما ، ثمّ انصرف إلى ناحية الظل وهو يشكو ألم الجوع والغربة والوحدة
، فقال : « . . . رَبِّ إنيّ لِمَا أنزَلْتَ إليّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ »(١).
ولما رجعت الامرأتان إلى أبيهما الشيخ ، وعرف منهما قصّة هذا الانسان الغريب الذي
سقى لهما ، بعث إلى موسى أحداهما لتدعوه ، فجاءته تمشي على استحياء فقالت « . . .
إنّ أبي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا . . . » فأجاب موسى
الدعوة ، وحين انتهى إلى الشيخ طلب منه أن يخبره عن حاله ، فقصّ موسى عليه قصّة
هربه وسببها ، وحينئذٍ آمنه الشيخ وقال له : « . . . لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ
الْقَوْمِ الظّالِمِينَ »(٢) .
وقد طلبت إحدى ابنتي الشيخ من أبيها أن يستأجر موسى للعمل عنده ، وليقوم عنهما ببعض
المهام الملقاة على عاتقهما نتيجة عجز الشيخ وضعفه ، وذلك نظرا لقوة موسى وقدرته
على القيام بالعمل مع أمانته وشرف نفسه.
(١) القصص : ٢٤ .
(٢) القصص : ٢٥ .
(٣) القصص : ٢٧ .
فقال له الشيخ : « . . . إنيّ اُرِيدُ أنْ اُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتيّ هَاتَيْنِ . . . »(٣) شريطة أن تأجرني نفسك ثماني حجج ( سنين ) ، فإذا اتممتها عشرا فذلك من عندك ، فوافق موسى على هذا الزواج وتمّ العقد بينهما .
وبعد أن قضى موسى الأجل ( السنوات العشر ) بينه وبين صهره سار بأهله ، فإذا به
يشاهد نارا من جانب الطور الأيمن ، وهو : جبل صغير ، وقد كان بحاجة إليها ، « . . .
فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنيّ آنَسْتُ نَارا لَعَليّ آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ
أوْ أجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً »(١) فلمّـا أتاها وجد شجرة ، وجاء نداء اللّه ـ
سبحانه ـ من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من جانب الشجرة : « إنيّ أنَا
رَبّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدّسِ طُوىً * وَأنَا
اخْتَرْتُكَ [ لوحيي ورسالتي ] فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى »(٢) إليك .
ثم قال اللّه له : « وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ
أتَوَكّاُ عَلَيْهَا وَأهُشّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ اُخْرَى »
قال اللّه له : « . . . أَلْقِهَا يَا مُوسَى » فإذا هي [ تتحول إلى ] « . . .
حَيّةٌ تَسْعَى »(٣) ، « . . . فَلَمّا رَآهَا تَهْتَزّ كَأ نّهَا جَانٌّ وَلّى [
هاربا ] وَلَمْ يُعَقِّبْ [ فناداه اللّه ] يَا مُوسَى أقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إنّكَ
مِنْ الآمِنِينَ »(٤) ، « . . . إنيّ لا يُخَاف لَدَي المُرْسَلُون »(٥) « . . .
سَنُعِيدهَا سِيرَتُها الاُولى »(٦) .
(١) طـه : ١٠ .
(٢) طـه : ١٢ ـ ١٣ .
(٣) طـه : ١٧ ـ ٢٠ .
(٤) القصص : ٣١ .
(٥) النمـل : ١٠ .
(٦) طـه : ٢١ .
ثم قال له : « . . . أدخِل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرجْ بَيْضَاء مِنْ غَير سوء . .
. »(١) ومرض ، فأدخل يده واذا بها تخرج بيضاء ، ثمّ ردها فعادت كما كانت .
وبعد ذلك أمره اللّه ـ سبحانه ـ أن يذهب بهاتين الآيتين المعجزتين إلى فرعون وقومه
؛ ليدعوهم إلى اللّه سبحانه ، فخاف موسى من تحمل هذه المهمة ، فقال : « . . .
رَبِّ إنيّ قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسا فَأخَافُ أنْ يَقْتُلُونِ * وَأخِي هَارُونُ
هُوَ أفْصَحُ مِنيّ لِسَانا فَأرْسِلْهُ مَعِي . . . » وذلك من أجل أن « . . .
يُصَدِّقُني إنيّ أخَافُ أنْ يُكَذِّبُونِ » .
قال اللّه له : « . . . سَنَشُدّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانا
فَلاَ يَصِلُونَ إلَيْكُمَا . . . »(٢) ، « فأتياه » ( فرعون ) « . . . فَقُولاَ
إنّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ
قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ . . . »(٣) .
وحينما عاد موسى إلى مصر توجه مع أخيه هارون إلى فرعون ، فقالا له : « . . . إنّا
رَسُولاَ رَبِّكَ . . . » رب العالمين ، ولا يمكن أن نقول على اللّه غير الحقّ
الذي أرسلنا به ، وقد جئناك ببينة من ربك « . . . فَأرْسِلْ مَعَنَا بَنِي
إسْرَائِيلَ . . . » وارفع عنهم العذاب الذي تنزله فيهم ، وقد قالا له ذلك بشكل لين
وباُسلوب استعطافي هادئ .
(١) النمـل : ١٢ .
(٢) القصص : ٣٣ ـ ٣٥ .
(٣) طـه : ٤٧ .
وكأنّ فرعون قد استغرب هذه الرسالة من موسى وأخيه ؛ لأ نّه كان يعرف أنّ موسى قد تربّى وعاش بينهم ، ولم يكن لديه شيء من هذه الأقوال والأحوال، فقال لموسى : « . . . ألَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ » ثم بعد ذلك « . . . فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الّتِي فَعَلْتَ . . . » بأن قتلت رجلاً من الفرعونيين ؟ فأجابه موسى : نعم لقد فعلت ذلك ، ولكنّي لمّا خفتكم على نفسي فررت منكم « . . . فَوَهَبَ لي رَبيّ حُكْما وَجَعَلَني مِنْ الْمُرْسَلِينَ »(١) .
وبعد أن رأى فرعون إصرار موسى وهارون على الرسالة « قَال فَمَنْ رَبّكُمَا . . . »
قال له موسى « رَبّنَا الّذي أعْطَى كُلّ شَيءٍ خَلَقَهُ ثُمّ هَدَى » وهو ربّ
السماوات والأرضين وَمَا بَيْنَهُما وَمَا تَحْتَ الثرى . قال فرعون : « . . .
فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الاُولَى » وما هو مصيرها ؟ فأجابه موسى « . . . عِلْمُهَا
عِنْدَ رَبيّ في كِتَابٍ لاَ يَضِلّ رَبيّ وَلاَ يَنسَى » ، وهو « الّذِي جَعَلَ
لَكُمْ الأرْضَ مَهْدا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأنزَلَ مِنْ السّمَاءِ
مَاءً فَأخْرَجْنَا بِهِ أزْوَاجا مِنْ نَبَاتٍ شَتّى »(٢) مختلف ألوانه وأشكاله .
وقد استنكر فرعون هذه الدعوة الجديدة وهو يعتقد بنفسه الإلوهية ، فتوجه لمن حوله
مستنكرا وقال : « . . . ألا تَسْتَمِعُونَ »(٣) ؟
(١) الشعراء : ١٨ ـ ٢١ .
(٢) طـه : ٤٩ ـ ٥٣ .
(٣) الشعراء : ٢٥ .
ولمّا رأى الإصرار من موسى وأخيه اتهم موسى بالجنون ، وهدده بالسجن إذا اتخذ إلها غيره . ولم يستسلم موسى وأخوه أمام هذه التهمة والتهديد ، وإنّما حاولا أن يسلكا إلى فرعون طريقا آخر ، وهو إقامة الحجّة عليه ؛ لاقناعه أو إحراجه ، وذلك من خلال استثمار السلاح الذي وضعه اللّه بيد موسى ( معجزة العصا واليد ) ، فقال موسى لفرعون : إنّي قد جئتك من ربي بآية تبين لك الحق الذي أنا عليه ؛ قال فرعون : إذا كنت صادقا فائت بهذه الآية والحجّة « فَألْقَى مُوسَى عَصَاهُ . . . »(١) ، « فَألْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنّاظِرِينَ »(٢) . ولم يتمالك فرعون وملؤه انفسهم أمام هذه الآية الواضحة والموقف المحرج إلاّ أنّ اتهموه بالسحر والشعوذة ، وأ نّه إنّما جاء بهذا السحر من أجل أن يخرجهم من أرضهم ويجلوهم عنها(٣).
وقد أشار قوم فرعون وخاصته عليه بأن يواجه السحر الذي اتهم به موسى بالسحرة من
بلاده ، فيجمعهم في يوم يشهده الناس جميعا ؛ ليتباروا ، وسوف يغلبونه وهم كثيرون ،
فيفتضح أمره ويترك دعوته ، وعمل فرعون بهذه النصيحة ، فطلب من موسى وأخيه أن يعطياه
مهلة إلى وقت معين ؛ لمواجهة السحرة .
وجمع فرعون كيده ، وحشد جميع السحرة من بلادهم ، وعرض عليهم الموقف ، وطلب منهم أن
يحرجوا موسى ويغلبوه ، وجمع الناس لهذه المباراة ظنا منه أ نّه سوف ينتصر ، وقد
شجعه على ذلك تأكيد السحرة أ نّهم سوف يغلبون موسى ، وما طلبه منه السحرة من أجر
واعطيات إذا كانوا هم الغالبين .
(١) الشعراء : ٤٥ .
(٢) الشعراء : ٣٢ ـ ٣٣ .
(٣) الاعراف : ١٠٦ ـ ١٠٩، الشعراء : ٣٠ ـ ٣٥، يونس : ٧٥ ـ ٧٨ .
وحين اجتمع موسى بالسحرة خيّروه بين أن يلقي قبلهم ، أو يكونوا هم الملقين قبله ،
فاختار أن يكونوا هم الملقين ، فألقى السحرة « حِبَالَهُم وَعَصِيهِم » وإذا بها
تبدو لأعين الناس ـ من سحرهم ـ كأ نّها تسعى كالحيات ، وعندئذٍ أوجس موسى في نفسه
خيفة إذ لم يكن ينتظر أن يواجه بالاُسلوب الذي اتبعه في معجزته مع فرعون ، فيكون
ذلك سببا لاضلال النّاس ، وعدم وضوح حجته أمامهم ، فأوحى اللّه ـ سبحانه ـ له أن
لا تخف ، فإنك أنت الذي سوف تنتصر عليهم ، وإنّما عليك أن تلقي عصاك ـ وحينئذٍ ـ
تتحول إلى حية حقيقية تلقف جميع ما صنعوا ؛ لأنّ ما صنعوه ليس إلاّ « . . . كَيْدُ
سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتَى »(١) .
وعندما رأى السحرة هذا الصنع من موسى انكشفت لهم الحقيقة التي اُرسل بها ، وأنّ هذا
العمل ليس عمل ساحر ، وإنّما هو معجزة الءهية ، فآمنوا « . . . قَالُوا آمَنّا
بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى »(٢) .
وأمام هذا الموقف الرائع من السحرة في هذا المشهد العظيم من الناس وجد فرعون نفسه
في وضع مخز ومحرج ، الأمر الذي اضطره لأن يلجأ إلى أساليب الطغاة عند انقطاع حجتهم
، وهو الانذار والوعيد والتهديد باستخدام أساليب القمع والارهاب ، فقال للسحرة : «
. . . آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ إنّهُ لَكَبِيرُكُمْ الّذِي
عَلّمَكُمْ السِّحْرَ فَلاُقَطِّعَنّ أيْدِيَكُمْ وَأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
وَلاُصَلِّبَنّكُمْ فِي جُذُوعِ النّخْلِ وَلَتَعْلَمُنّ أ يّنَا أشَدّ عَذَابا
وَأَبْقَى »(٣) ،
(١) طـه : ٦٩ .
(٢) طـه : ٧٠
(٣) طـه : ٧١ .
ولم يكن موقف السحرة ـ بعد أن انكشفت لهم الحقيقة وهدى اللّه إليها ـ إلاّ ليزدادوا صلابة وثباتا واستسلاما للّه رجاء مغفرته ورحمته .
وقد أصر فرعون وقومه على الكفر ، وصممّوا على مواصلة خط اضطهاد بني إسرائيل
وتعذيبهم ؛ إذ « . . . قَالَ الْمَلاُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسَى
وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ . . . » فلا يخضعون
لك ولا يتعبدون لها ، « . . . قَالَ سَنُقَتِّلُ أبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ
نِسَاءَهُمْ وَإنّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ »(١) .
وازداد العذاب والبلاء والأذى على بني إسرائيل ، فاستغاثوا بموسى عليهالسلام ،
فأوصاهم أن يستعينوا باللّه ، ويصبروا على البلاء والمحنة ، فإنّ « . . . الأرْضَ
للّهَِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ *
قَالُوا اُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أنْ تَأتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ
عَسَى رَبّكُمْ أنْ يُهْلِكَ عَدُوّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ في الأرْضِ فَيَنظُرَ
كَيْفَ تَعْمَلُونَ »(٢) .
(١) الأعراف : ١٢٧ .
(٢) الأعراف : ١٢٨ ـ ١٢٩ .
وهكذا واجه موسى وبنو إسرائيل ذلك بالصبر والثبات انتظارا للوقت الذي يحقّق اللّه
ـ سبحانه ـ فيه وعده لهم بوراثة الأرض .
وقد أمر اللّه ـ سبحانه ـ موسى أن يخبر فرعون وقومه بأنّ العذاب سوف ينزل بهم عقابا
على تكذيبهم له ، وتعذيبهم لبني إسرائيل ، وامتناعهم عن إطلاقهم وإرسالهم ، فجاءت
الآيات السماوية يتلو بعضها بعضا ، فأصابهم اللّه بالجدب ،
ونقص الثمرات، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، وكانوا كلمّا وقع
عليهم العذاب والرجز « . . . قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبّكَ بِمَا عَهِدَ
عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنّ مَعَكَ
بَني إسْرَائِيلَ * فَلَمّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الرِّجْزَ إلَى أجَلٍ هُمْ
بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ »(١) .
وأمام هذه الآيات المتتاليات التي جاء بها موسى لم يجد فرعون وقومه اُسلوبا يعالج
به الموقف غير الائتمار بقتل موسى ، وادعاء القدرة على مواجهة آلهته ، فنجد فرعون
يأمر هامان بأن يتّخد له صرحا ، ليطلع منه على أسباب السماوات ، ويتعرف على حقيقة
إله موسى .
ولكنّ فرعون يفشل في كلا الجانبين ، فلم يتمكن من أن يحقّق غايته من وراء بناء
الصرح ، كما لم تصل يده إلى موسى ؛ لأنّ أحد المؤمنين من آل فرعون يقف فيعظهم
ويؤنبهم على موقفهم من موسى، ويبادر إلى إخبار موسى بنبأ المؤامرة ، فينجو موسى
منها(٢) .
(١) الأعراف : ١٣٤ ـ ١٣٥ .
(٢) القصص : ٣٨ ، غافر : ٢٨ ـ ٤٦ .
وحين واجه موسى محاولة اغتياله ، ورأى إصرار فرعون وقومه على اضطهاد بني إسرائيل
وتعذيبهم ، ووجد أ نّه لم تنفع بهم الآيات والمواعظ ، صمّم على
الخروج ببني إسرائيل من مصر والعبور بهم إلى جهة الأرض المقدسة ، وقد نفّذ موسى هذه
العملية ، وسار ببني إسرائيل متجها إلى سيناء .
ولم يقف فرعون وقومه معه أمام هذه الهجرة مكتوف اليدين ، بل جمع جنده من جميع
المدائن ، وقرر ملاحقة موسى وبني إسرائيل وإرجاعهم إلى عبوديته بالقوة .
ووجد موسى وبنو إسرائيل ـ نتيجة هذه المطاردة ـ أنفسهم محاصرين ، البحر من أمامهم
وفرعون وجنوده من خلفهم ، وارتاع بنو إسرائيل من هذا المشهد والموقف ، وكادوا أن
يكذبوا ما وعدهم به موسى من الخلاص ، ولكنّ موسى بايمانه الوطيد أخبرهم أنّ اللّه
ـ سبحانه ـ سوف يهديه طريق النجاة حيث لا يخلف اللّه وعده . وتحقّق ذلك ـ فعلاً ـ
اذ أوحى اللّه إلى موسى « . . . أنْ اضْرِب بِعَصَاكَ البَحْرَ . . . »(١) وإذا به
ينفلق كلّ فِرق كالطود العظيم، ويظهر بينهما طريق يبس يعبر من خلاله بنو إسرائيل،
ويحاول فرعون وجنوده أنّ يتبعوهم من هذا الطريق أيضا ، وإذا بجانبي البحر يلتقيان
فيغرق فرعون مع جنده .
موسى مع بني إسرائيل :
(١) الشعراء : ٦٣ .
وتتوالى بعد ذلك الأحداث على موسى ، وإذا به يواجه المشاكل الداخلية منفردا مع قومه
بني إسرائيل ، فيسمع طلبهم وهم يمرون على قوم يعبدون الأصنام بأن يتخذ لهم أصناما
يعبدونها كما أنّ لهؤلاء الأصنام ، فينكر عليهم ذلك ، ويسفّه عمل هؤلاء الوثنيين .
ثمّ بعد ذلك يتفضل اللّه ـ سبحانه ـ على بني إسرائيل عندما
استسقى موسى قومه ، فيأمره بضرب الحجر فتتفجر منه العيون بعدد الأسباط الاثني عشر،
كما ينزل عليهم المن والسلوى ، ثمّ يبدلهم عنه ببعض المآكل الاُخرى بعد أن يطلبوا
منه ذلك .
ويواجه موسى بعد ذلك أقسى وأشدّ حادثة في حياته ، وهي ردّة بني إسرائيل عند ذهابه
لميقات ربه ؛ لتلقي الشريعة في ألواح التوراة ، فيخبره اللّه ـ تعالى ـ بعبادتهم
للعجل الذي صنعه السامري ، فيرجع إلى قومه « . . . غضبانا أسِفا . . . »(١) ويعتب
بقسوة على أخيه هارون ؛ إذ كان قد استخلفه عليهم فترة ذهابه ، فيأخذ برأسه ولحيته
تعبيرا عن غضبه لهذا العمل الشنيع ، ويطرد السامري ، ويفرض عليه عقوبة المقاطعة ،
ويحرق العجل ، وينسفه ، ويرميه في اليم . ثمّ يتوب اللّه على بني إسرائيل بعد أن
فرض عليهم عقابا صارما ، وهو القتل لأنفسهم .
وعلى هذا المنوال يذكر لنا القرآن الكريم أحداثا مختلفة عن حياة موسى مع بني
إسرائيل ، كقضية البقرة ونتق الجبل ، وامتناعهم عن تلبية الدعوة للدخول إلى الأرض
المقدسة ، وما كتب اللّه عليهم من التيه مدّة أربعين سنة، وذهابهم للمواعدة من أجل
التوبة ، فإذا بهم يطلبون رؤية اللّه جهرة، فأخذتهم الرجفة ، وقصّة قارون وتآمره
على موسى . وفي بعض هذه الأحداث لا نجد القرآن الكريم يحدّد المتقدّم منها على
الأحداث الاُخرى بشكل واضح . وبهذا القدر نكتفي من سرد القصّة حسب تسلسلها
الزمني(٢) .
(١) طـه : ٨٦ .
(٢) تراجع ( قصص الانبياء ) لعبد الوهاب النجار بصدد الأحداث التي وقعت لموسى مع
قومه بني إسرائيل ، وإن كنا ربما لا نتفق معه في بعض الخصوصيات التي يسردها .
بعد أن ذكرنا بحث قصة موسى بحسب ذكرها في القرآن الكريم(١) وعرضها بتسلسلها
التأريخي يجدر بنا أن ندرسها بحسب المنهج الاجتماعي ، وذلك من جانبين :
الجانب الأوّل : هو ملاحظة المراحل العامة التي مرّ بها موسى في حياته وميزاتها
وخصائصها .
الجانب الثاني : هو ملاحظة الموضوعات التي تحدّثت عنها القصّة بشكل عام .
(١) الفصل الرابع من القسم الأوّل .
وبصدد الجانب الأوّل نجد موسى عليهالسلام قد مرّ بمراحل ثلاث رئيسة خلال حياته ؛
إذ تبدأ المرحلة الاُولى بولادته وتنتهي ببعثته إلى فرعون وقومه ، وتبدأ الثـانية
من البعثـة وتنتهي بالعبـور ، وتبدأ الثـالثة بالخـروج وتنتهي بنهـاية حياته .
ويعتمد هذا التحديد في المراحل الثلاث على المقدار الذي تحدث القرآن الكريم فيه عن
حياة موسى عليهالسلام .
وتتمثل المرحلة الاُولى من حياة موسى في دورين :
الأوّل : ينتهي بخروجه من مصر خائفا .
الثاني : هو الذي ينتهي برؤيته النار عند بعثته .
وحين نلاحظ الظواهر العامة في هذين الدورين يبرز لنا موسى في شخصيته ذلك الإنسان
الذي يريد اللّه ـ سبحانه ـ أن يعدّه لأعباء مهمة تخليص بني إسرائيل من الظلم
الاجتماعي الذي حاق بهم ، وتخليص شعب مصر من عبودية الأوثان وهدايتهم لوحدانية
اللّه سبحانه .
وتتلخص هذه الظواهر بميزات ثلاث لها دور كبير في شخصية الإنسان القائد ، وهي
كالتالي :
الاُولى : المركز الاجتماعي الذي كان يتمتع به موسى دون بني إسرائيل نتيجة لتبني
العائلة المالكة في مصر تربيته ورعايته .
وهذا المركز الاجتماعي الفريد وإن كان قد فقد تأثيره ـ إلى حد كبير ـ بعد هروب موسى
من مصر بسبب قتله الفرعوني ، ولكنّنا يمكن أن نتصوره عاملاً مهما في إظهار موسى ـ
في المجتمع بشكل عام والإسرائيلي بشكل خاص ـ شخصيةً تتبنى قضية الدفاع عن بني
إسرائيل وتعمل من أجلها .
ولعل ضياع هذا المركز الاجتماعي المهم بسبب قتل الفرعوني هو الذي يفسر لنا نظرة
موسى إلى قتل الفرعوني ـ نظرته ـ إلى ذنب يستحق الاستغفار والتوبة منه إلى اللّه
تعالى ؛ إذ ضيّع موسى بهذا العمل الارتجالي ـ الذي صدر منه بدوافع نبيلة وصحيحة ـ
فرصة ثمينة كان من الممكن استثمارها في سبيل استنقاذ الشعب الإسرائيلي ، خصوصا إذا
أخذنا بنظر الاعتبار أنّ موسى كان يتصف بالعلم والحكمة في هذه المرحلة كما وصفه
القرآن الكريم .
الثانية : الشعور الإنساني والحس النبيل الذي كان يحس به موسى بوصفه إنسانا يتحلى
بالأخلاق الكاملة ، ويتمثل لنا هذا الخلق الإنساني في ثلاثة مواقف
لموسى جاءت ضمن هذه المرحلة من حياته ، وهي : قتله الفرعوني ، ومحاولته لضرب
الفرعوني الآخر ، وتبرعه بمعاونة ابنتي الشيخ الذي أصبح صهرا له بعد ذلك ، وما يشعر
به وصف ابنة الشيخ له بأنّه قوي أمين .
فان هذه المواقف تعبّر عن المحتوى الداخلي والشعور الإنساني الذي كان يعيشه موسى
عليهالسلام ، فهو يبادر لنجدة المظلوم بالرغم من تربيته في البيت الفرعوني المالك
، هذه التربية التي كان من الممكن أن تعطيه الشعور بالتميز الطبقي الذي يختلف عن
عمله الإنساني هذا ، ثمّ لا يكتفي بأن يرتكب ذلك مصادفة ، بل يندفع ليقوم بنفس
العمل حين يجد من يستصرخه إليه مع شعوره بحراجة موقفه الاجتماعي نتيجة لهذا العمل .
وفي موقفه من ابنتي الشيخ نجد موسى تدفعه ذاته الخيّرة النبيلة للسؤال عن تلكئهما
في السقاية ، ويعرض المعاونة عليهما في حالة الحاجة إليها ، ونجده يخفّ إلى تنفيذ
ذلك دون أن ينتظر منهما أجرا أو مثوبة مادية ، على الرغم من ظروفه الموضوعية الخاصة
الصعبة .
الثالثة : القوة البدنية والشجاعة التي كان يتمتع بها موسى ، ويكشف لنا عن ذلك
موقفه من الفرعوني وقضاؤه عليه بوكزة واحدة ، والالتزام الذي أخذه على نفسه بأن لا
يكون ظهيرا للمجرمين حتى بعد قتله الفرعوني الأوّل ، وشعوره بحراجة موقفه ، ووصف
ابنة الشيخ له بأنه ( قوي ) ، خصوصا إذا أخذنا بالتفسير الذي يقول : إنّ موسى حين
سقى لابنتي الشيخ طرد السقاة عن البئر من أجل أن يعجل بالسقاية لهما .
وهذه الميزات الثلاث تحقّق شروطا ضرورية لحمل أعباء الرسالة التي أراد اللّه ـ
سبحانه ـ لنبيه موسى القيام بها ، ولعلّ في الامداد الإلهي في قصّة مولده ونجاته
من الذبح عاملاً جديدا في خلق الأجواء النفسية والاجتماعية والروحية والظروف
المناسبة لتأهيل هذا الإنسان لقيادة شعبه المضطهد .
وتمثل المرحلة الثانية مسؤوليتين :
إحداهما : هداية قوم فرعون إلى وحدانية اللّه والإ يمان بربوبيته .
والاُخرى : دعوة بني إسرائيل للخلاص من الاضطهاد والظلم الذي كانوا يعانونه في مصر
.
وقد توسّل موسى من أجل تحقيق هذين الهدفين البارزين في حياة دعوته بأساليب مختلفة
ومتعدّدة : كانت تبتدئ بالمناقشة الهادئة ، والكلام اللين ، والحجة التي تعتمد على
المنطق والعقل ، وتنتهي بالعذاب والرجز الذي أنزله اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ عليهم
في آيات عديدة .
كما أ نّه من جانب آخر كان يدعو بني إسرائيل إلى الاستعانة باللّه ، والصبر على
المكاره ، ومواصلة الطريق من أجل الخلاص .
والقرآن الكريم وإن كان لا يتحدّث عن المدّة التي عاشها موسى من أجل تحقيق ذلك ،
ولكن من الممكن أن نتبين أنّ هذه المدّة كانت طويلة نسبيا ، خصوصا إذا لاحظنا
الآيات القرآنية التي تشير إلى المعجزات التي جاءت على يد موسى ، وأ نّها كانت في
سنين متعددة .
كما يؤيد ذلك ـ أيضا ـ أمر اللّه ـ سبحانه ـ لموسى بأن يتخذ بيوتا مع قومه ،
ويجعلها قبلة تنطلق منها الدعوة .
ويبدو أنّ موسى لم يصل إلى نتيجة واضحة بصدد تحقيق الهدف الأوّل مع فرعون وقومه ،
لذا قرر الهجرة ببني إسرائيل ، والعبور بهم إلى الجانب الآخر من البحر .
ولا يشير القرآن بشكل قاطع إلى أنّ هذه الحركة في بدايتها كانت برضا فرعون بعد أن
شاهد هذه المعجزات وآيات العذاب ، أو أنّها كانت بدون رضاه ، ولكن قد يكون في قصّة
مطاردة فرعون بجنوده لموسى وبني إسرائيل دلالة على أنّ الحركة كانت رغما على فرعون
وبدون رضاه .
ونحن يمكن أن نلاحظ في هذه المرحلة اُمورا ثلاثة :
الأوّل : أنّ بني إسرائيل كانوا يلتفون حول موسى دون أن يكون هناك خلاف في صفوفهم ،
أو دون أن يبرز هذا الخلاف إلى السطح الاجتماعي ، والقرآن وإن كان لا يصرّح بشيءٍ
من ذلك ، ولكن تدعونا إلى هذا الحكم طبيعة الأشياء ؛ إذ كان الإسرائيليون بالأصل
أهل كتاب ونبوّات ، كما أ نّهم كانوا يتعرضون لأشدّ ألوان العذاب ، وبذلك هم ينشدون
الخلاص ، إضافة إلى سكوت القرآن عن إ براز أي خلاف بين بني إسرائيل وبين موسى في
هذه المرحلة ، واستجابة بني إسرائيل إلى متابعة موسى في هذه الهجرة من مصر .
نعم ، يشير القرآن إلى نقطتين قد يفهم الخلاف منهما ، هما : قلة الأشخاص
الذينآمنوا بموسى من قومه، واعتراضهمعليه بنزول الأذى فيهم قبل موسىوبعده.
الثاني : أنّ موسى كان يعمل بوسائل شتى من أجل إنجاح دعوته ، فكان يتوصل إلى ذلك
بالمناقشات الهادئة مرة ، وبالمعاجز والآيات ذات الطابع الانتقامي الشديد ثانية ،
وبالصبر والصمود والانتظار ثالثة .
وقد توصل نتيجة لذلك إلى تحقيق بعض أهدافه ، حيث نجد الدعوة تحقق نجاحا في صفوف بعض
الفرعونيين أيضا ، كإ يمان السحرة له ، ووجود ظاهرة مؤمن آل فرعون ، وإ يمان زوجة
فرعون .
الثالث : أنّ موسى كان يعتمد للحماية من الغضب والانتقام الفرعوني على
جهات متعدّدة يمكن أن نلحظ منها : التفاف بني إسرائيل حوله ، وهم يمثلون اُمة كبيرة
من الناس وإن كانت مضطهدة ، ومركزه الاجتماعي السابق في البيت الفرعوني المتميز ،
واستجابة بعض الفرعونيين لدعوته وخصوصا زوجة فرعون ؛ ولعلّ موقف مؤمن آل فرعون من
الائتمار بموسى لقتله يشير إلى العنصر الأخير من الحماية ؛ وكذلك قبول فرعون
بالدخول معه في مناقشة ومباراة تمثل العنصر الثاني ، إضافة إلى قضية الآيات
والمعاجز وإ يمان السحرة به .
وتمثل المرحلة الثالثة : جانب استقلال الجماعة والحكم وما يستتبعه من مضاعفات
وخلافات ؛ ذلك لأنّ الدعوة في مرحلتها الاُولى تعمل من أجل تحقيق أهداف عامة وترفع
شعارات معينة ، وفي هذه الأهداف والشعارات قد تلتقي آمال الشعب كلّه وتتجمع تدريجا
، وأمّا حين يأتي دور تحديد هذه الأهداف في صيغ معينة وطريقة خاصة ، وتطبيق هذه
الشعارات في نهج واُسلوب خاص ، وتجسيدها عمليا ، فقد نجد بعض الأعضاء في المجموعة
لا يلتقي مع هذا التحديد والتطبيق في مصالحه الخاصة ، أو أفكاره وعقليته الاجتماعية
، بل قد تتعارض المصالح الخاصة ، أو المنافع التي يحصل عليها الإنسان في مسيرة عمله
، أو المواقع التي ينتهي إليها مع هذه الأهداف والشعارات ؛ إذ إنّ الأهداف
والشعارات الإلهيّة الرسالية تنطلق من المبادئ ومتبنيات الفطرة الإنسانية التي
أودعها اللّه ـ تعالى ـ في الإنسان ، وهي في البداية لا تبدو أ نّها متناقضة مع
رغبات الإنسان وميوله ، بل هي محبوبة وحسنة في نظر الإنسان خصوصا المظلومين من
الناس . وأمّا في دور التطبيق والتجسيد حيث تتحول هذه المبادئ إلى واقع خارجي ،
وحدود وقيود لهذه الحركة ، أو ذلك الموقف ، أو لتلك المصلحة ، فعندئذٍ تتناقض مع
الهوى والشهوات والطموحات الذاتية للإنسان .
ولذلك نجد في هذه المرحلة بوادر الخلاف تبدو في الشعب الإسرائيلي ، وتطفو على السطح
اتجاهات شتى : فكرية ، ومصلحية ، ونفسية و . . . حتى إنّها تتحول ـ أحيانا ـ إلى
المروق عن الدين ، أو إلى التمرد على الجماعة والنظام .
ففي جانب الفكر والعقيدة ـ مثلاً ـ نجد تأثيرات المجتمع الوثني على الإسرائيليين
تظهر بشكل واضح ؛ لأ نّهم يطلبون من موسى ـ عندما مرّوا على جماعة يعبدون الأوثان ـ
أن يتخد لهم أصناما وآلهة كما لهؤلاء القوم آلهة ، مع أنّ الإسرائيليين بالأصل هم
ذرية إبراهيم وإسحاق ويعقوب الذين حملوا رسالة التوحيد ورفضوا الوثنية والأصنام ،
كما تبرز هذه الرواسب والمخلّفات مرة اُخرى عندما اتخذوا العجل إلها ؛ لمجرد أ نّهم
رأوا فيه ظاهرة غير طبيعية ، وفي موقفهم في الميقات عند الاستغفار أيضا حينما طلبوا
أن يروا اللّه جهرة .
وفي جانب المصالح نجد موقف قارون وجماعته ، وإ يذاءهم موسى وتمردهم على أوامره ،
وغير ذلك من الإشارات القرآنية التي تشير إلى عوامل النفاق والمعارضة .
وفي جانب الواقع الروحي والنفسي تشير قصّة الدخول إلى الأرض المقدسة وغيرها من
الإشارات القرآنية إلى رواسب الضعف والاستخذاء والخوف .
فالميزة الرئيسة لهذه المرحلة هي ظهور هذه الخلافات المتعدّدة ، ومعاناة النبي موسى
منها على اختلاف اتجاهاتها ودوافعها ، وهذه الظواهر هي من مستلزمات المجتمع الذي
تتحكم فيه عقيدة جديدة ونظام جديد .
ونجد موسى في كلّ هذه الخلافات مثال القائد الحكيم ، والنبيّ العطوف الذي يأخذ قومه
بالشدّة في مروقهم عن الدين ، كما في قضية العجل ، وباللين في جوانب اُخرى فيدعو
اللّه ـ سبحانه ـ لهم بالرحمة والمغفرة ، كما في قضية الميقات .
وبصدد الجانب الثاني من دراسة القصّة : نجد القصّة تحدّثت عن ستة موضوعات رئيسة ، وهي كالتالي :
١ ـ بعثة موسى ومعاجزه .
٢ ـ أساليب الدعوة وأدلتها .
٣ ـ مواجهة الكافرين له من فرعون وأتباعه .
٤ ـ التحريفية في العبادة .
٥ ـ الحياة الشخصية لموسى .
٦ ـ الأوضاع العامة للشعب الإسرائيلي .
وقد جاءت هذه الموضوعات الرئيسة المتعدّدة في مواضع من القرآن مختلفة ومتفرقة ،
ويجدر بنا أن نشير إلى الأهداف العامة التي توخاها القرآن الكريم من وراء الإشارة
إلى هذه الموضوعات أو التأكيد عليها مع بيان المهم منها .
١ ـ بعثة موسى ومعاجزه :
لا شك أنّ من الأهداف الرئيسة التي تواخاها القرآن الكريم هو ربط الإنسان بعالم
الغيب ، وتأكيد إ يمانه وتوجيه فطرته الأصيلة ـ التي فطره اللّه ـ تعالى ـ على الإ
يمان به ـ وجهة صحيحة ؛ لأنّ الإنسان بدأ من الغيب ـ كما أشارت إلى ذلك قصة آدم
عليهالسلام ـ وينتهي بعالم الآخرة الذي هو غيب ، فلا بدّ أن يبقى مرتبطا ومتفاعلاً
من الناحية الواقعية مع الغيب في كلّ أدوار حياته الدنيوية وشؤونها.
ومن أجل هذا الهدف الرئيس نجد القرآن يتحدّث في مواضع كثيرة عن عالم الغيب وجوانبه
المتعدّدة ، وبعض القوانين العامة التي تتحكم فيه ، والعلاقات التي
تسوده ، بالإضافة إلى طرحه لمفاهيم معينة عن هذا العالم ربّمـا لا يكون لها أثر
كبير في حياته الدنيوية غير هذا الربط الذي يهدف إليه القرآن الكريم، كما هو الحال
في طرح مفاهيم اللوح والقلم والكرسي والعرش(١) ، وعلى هذا الأساس يمكن أن نرى أنّ
هذا الهدف مما استهدفه القران من قصة موسى عندما تعرض إلى ذكر هذا القدر من المعاجز
والتأكيد عليها .
ولعلّ في هذا ما يبرّر الاهتمام القرآني في تكرار هذا الموضوع وإعطاء تفصيلات كثيرة
عنه في القصّة . وإذا أردنا أن نقارن بين الآيات التي جاءت تتحدّث عن هذا الموضوع
والآيات التي تحدّثت عن بقية الموضوعات الاُخرى في القصّة لوجدنا هذا الموضوع يكاد
يطغى على بقية الموضوعات ، من حيث ما ذكر فيه من تفصيلات .
فقد وجدنا أنّ هذا الموضوع يشار إليه في مواطن عديدة منها : كيفية نجاة موسى من
الذبح عند ولادته ، وكيفية بعثة موسى وخطابه من وراء الشجرة التي تشتعل نارا ، وفي
معجزة العصا واليد ، وفي توالي الآيات على الفرعونيين : من الدم ، والجراد ، والقمل
، والطوفان ، ونقص السنين والثمرات ، وفي انفلاق البحر لبني إسرائيل ، وفي موت
الأشخاص الذين اختارهم موسى لميقات ربه ثمّ بعثهم ، وفي قضية قارون وخسف الأرض به ،
وفي نتق الجبل في قصّة البقرة ، وغيرها من الآيات الاُخرى ، ويكاد أن تستوعب هذه
الاُمور أكثر قصّة موسى .
(١) تناولنا هذا الموضوع بشيء من التوضيح في بحث المحكم والمتشابه ، وبحث التفسير في علوم القرآن عندما تعرضنا لبيان الحكمة من المتشابه . راجع علوم القرآن : ١٨٩ ، وكذلك : ٢٢٠ .
مضافا إلى هذا الهدف القرآني العام لاحظنا في دراستنا في القسم الأوّل
وجود أهداف ثانوية اُخرى لهذا الموضوع فرضها السياق القرآني، وكان من أهمّها إ يضاح
فكرة أنّ صدود الكافرين عن الدعوة وعدم انخراطهم فيها.. لم يكن نتيجة سبب موضوعي
مرتبط بالدعوة نفسها ، مثل : عدم استكمالها للحج والرافضين ، والمعاجز الغيبية ، أو
شخصية النبي وعدم لياقته ، أو بذله للجهد الكافي، وإنّما يكون بسبب الظروف النفسية
والاجتماعية التي يعيشها الكافرون أنفسهم ، حيث تتحول المواقف السلبية اليومية من
خلال الصراع ، أو العادات والتقاليد الموروثة ، أو الانحرافات الجزئية ، إلى حالة
نفسية تغلف القلب والعقل وتختم عليه ، فيصبح الجحود هو الموقف العام دون أن يستخدم
الإنسان عقله أو فطرته ، بل قد يتمسّك بالجحود حتى مع تعيينه بالحقيقة من خلال
أدلّتها ، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك.
وبذلك يكون طرح هذا الموضوع له تأثير كبير في تربية الإنسان المسلم على الإ يمان
بالغيب من ناحية ، كما أن إ يضاح هذا القانون الاجتماعي له علاقة بالدعوة والموقف
منها من ناحية ثانية ، كما يكون له تأثير كبير على فهم المواجهة بين المسلمين
والكافرين أيام النبي محمّد صلىاللهعليهوآله وما بعدها من ناحية ثالثة .
ويمكن أن نضيف إلى ذلك ـ أيضا ـ هدفا آخر ، وهو : أنّ الإشارة إلى تفاصيل الآيات
بشكل خاص في عصر موسى وغيره يبين بوضوح المبرر لعدم مجيء الآيات في عهد رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله التي كان يطالب المشركون بنزولها أحيانا ، أو يتوقع المسلمون
نزولاً بالمشركين أحيانا اُخرى، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا الهدف ؛ إذ يصبح من
الواضحات أنّ الأنبياء السابقين بالرغم من أ نّهم جاؤا بالآيات العديدة ولكنهم لم
يتمكنوا من خلالها أن يكسروا هذا الحاجز النفسي ، ويرفعوا هذا الغلاف القلبي ، وإنّ
هذه الآيات إنّما جاءت للعذاب والانتقام ، وهذا لا يتناسب مع الرسالة الخاتمة
والتطور الإنساني لها « وَمَا كَانَ اللّهَُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ
وَمَا كَانَ اللّهَُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ »(١) .
٢ ـ أساليب الدعوة وأدلتها :
لا شك أنّ العقيدة في الدعوة الإلهيّة تمثل جانبين :
الجانب الإلهي فيها ، وهو الإ يمان بوجود اللّه تعالى ووحدانيته وصفاته ، وهذا
جانب يمكن أن يعتمد في معرفته على العقل والدليل والبرهان .
والجانب الآخر الذي يعبّر عن ارتباط الداعية ( الرسول ) باللّه سبحانه وصدوره عن
أمره تعالى ، وهذا الجانب ربّمـا لا يمكن إثباته مبدئيا إلا عن طريق المعجزة(٢) ،
فالمعجزة تعبير عن الاستجابة إلى الحاجة في هذا الجانب من الدعوة ـ كما شرحنا ذلك
في بحث المعجزة ـ بخلاف الجانب الأوّل الذي يمكن فيه الاعتماد على اُسلوب الأدلة
والبراهين المنطقية والوجدانية .
وعلى هذا الأساس من الفهم نجد الأنبياء لم يكتفوا في دعوتهم ورسالتهم بالادلة
المنطقية وحدها، كما لم يكتفوا بالمعجزة وحدها، فلم يترك الأنبياء هذه الأدلة
المنطقية والوجدانية في مخاطبتهم للناس بالدعوة إلى اللّه وتوحيد الاله ، ولم
يكتفوا بالاتيان بالمعجزات على أساس أنّها الدليل الوحيد لاثبات ذلك ، وإن كنا لا
ننكر ما للمعجزة من تأثير كبير في الجانب الأوّل من العقيدة أيضا .
(١) الأنفال : ٣٣ .
(٢) قد يكون إخبار النبي بالوحي والرسالة ـ وهو انسان عاقل معروف بالصدق والأمانة،
وعلى مستوى عالٍ من الكمالات النفسية والاخلاقية ـ كافيا في تصديقه والإ يمان به ،
ولكن هذا الأمر لا يمكن أن يكون عاما لجميع النّاس الذين يدعوهم النبي إلى الإ يمان
برسالته ، وإنّما هو لمن يعرف ذلك فيه، وأمّا الآخرون فقد يتهمونه عنادا أو جهلاً
بشخصيته ، فيحتاج النبي إلى المعجزة عندئذٍ .
وفي قصّة موسى نجد في الموضوعات التي تحدّثت عنها القصّة هذه الأساليب والأدلة ،
وأكّدتها في مواضع عديدة ، حيث تناولت بعض الأدلة والبراهين التي اعتمدها موسى في
مخاطبة فرعون بالإضافة إلى المعجزات .
بل نجد أنّ هذه المخاطبة ( مخاطبة العقل والوجدان ) جاءت قبل أن يستند موسى إلى
دليل آخر من الآيات والمعجزات ؛ لأنّ التسلسل المنطقي للتفكير والانفعال كان يفرض
ذلك ، فإنّ النبي يخاطب العقل والوجدان في بداية الأمر ، ثمّ يعمل بعد ذلك على كسر
الحواجز النفسية والروحية التي تمنع العقل والوجدان من الإدراك والفهم .
كما نجد موسى في هذه المخاطبة يتبع الأساليب المختلفة التي كانت تتصف باللين والرفق
تنفيذا لأمر ربه ، فكان يتوسل إلى فرعون أحيانا ، ويتحدّث إليه بالقول ( اللين )
ويذكره بآيات اللّه أحيانا اُخرى ، كما قد يشير إلى عذاب الآخرة وعاقبة الإصرار
على الكفر والطغيان ثالثة، كلّ ذلك من أجل أن يحقّق النبيّ غاياته التي يرمي إليها
، وهي : هداية الناس إلى اللّه سبحانه وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
ويهدف القرآن الكريم من تناول هذا الموضوع في القصّة وغيرها إلى هدف من أهدافه
الرئيسة ، وهو : تأكيد أنّ مسألة الإ يمان باللّه ـ سبحانه ـ ليست مسألة غريبة في
حياة الانسان غرابة المعاجز والآيات ، وإنّما هي شيء فطري ينبع من ذات الإنسان
ويهديه إليها عقله وحسه ووجدانه ، ولذلك اعتمد الأنبياء مخاطبة الناس عن هذا الطريق
قبل أن يخاطبوهم عن طريق المعجزة والآية .
كما أ نّه يهدف ـ أيضا ـ إلى أن الرسول صلىاللهعليهوآله حين يدعو الناس إلى
اللّه لا يكتفي بطرح الفكرة فحسب ، ويطلب منهم الإ يمان المقلد الساذج نتيجة لوجود
المعجزة ، وإنّما يحاول أن يصل إليهم ويتوسل إلى إ يمانهم عن طريق الدليل والبرهان
العقلي والمخاطبة الوجدانية ؛ لتحقّق القناعة والاطمئنان بذلك .
مضافا إلى الأدلة والبراهين نجد في القصّة إشارات إلى عدّة قضايا مهمة ترتبط بنجاح
الدعوة الإلهيّة وتحقيق أهدافها :
الاُولى : قضية أخلاق الحركة والرسالة ، مثل : الصبر ، والصمود ، والأمل بالمستقبل
، والثقة باللّه ، والتوكل عليه .
الثانية : قضية الطاعة للقيادة والنظم في العمل.
الثالثة : قضية الاطلاع على مواقف الأعداء وحركتهم ، كما يظهر ذلك من قضية مؤمن آل
فرعون، ومجيء الرجل من أقصى المدينة .
٣ ـ مواجهة الكافرين والمنافقين :
يعطينا القرآن الكريم صورا وألوانا من المواجهة التي تحصل بين النبي وجماعته من
جانب ، والكافرين بدعوته أو اُولئك المنافقين المتظاهرين بقبولها ولكنّهم يعادونها
في مواقفهم وأعمالهم من جانب آخر .
وتتخذ هذه المواجهة صورا وألوانا مختلفة متفاوتة على اختلاف مدى نجاح النبي في
الدعوة ، وسعة أهدافه ، ومقدار معارضته للمفاهيم الاجتماعية السائدة ، والتحوّل
الذي يسعى لايجاده. وتكاد أن تكون هذه المواجهة شيئا طبيعيا نتيجة الصراع الذي يدور
بين الفكرة الجديدة وأنصارها والفكرة السائدة في المجتمع وحماتها .
والقرآن الكريم حين يعرض هذا الموضوع في قصّة موسى يريد أن يؤكّد هذا المفهوم
الاجتماعي والسنة التأريخية في الصراع ، ولا سيّما إذا كان صراعا شاملاً وإخراجا
للنّاس من الظلمات إلى النور وأن هذه المعارضة القوية من المشركين وغيرهم التي حصلت
للنبي محمّد صلىاللهعليهوآله ليست بدعا في التاريخ ، وإنّما هي النتيجة
الطبيعية للصراع الفكري والاخلاقي والسياسي والاجتماعي ، كما أ نّنا نجد في هذا
العرض للموضوع في القصّة إ يضاحا للأعباء التي يتحملها النبي في سبيل الدعوة ، وأ
نّها ليست أعباء عادية يتمكن كلّ واحد من الناس أن يتحملها ، وإنّما هي تحتاج إلى
إرادة قوية وعزم شديد وتصميم عميق الجذور على السير في خط الدعوة حتى في أشدّ
الظروف الموضوعية قسوة وأبعدها ملائمة ، ويتعرض فيها الرسول إلى ألوان من العذاب
النفسي والجسدي والأخطار التي ترتبط بحياته وسمعته وشخصيته ، بل قد ينتهي الأمر بأن
يتعرض النبي إلى القتل والاغتيال نتيجة لذلك .
وهذه الآلام قد تكون بسبب الموقف الخارجي للاعداء الظاهرين العلنيين ، وقد تكون من
مرضى القلوب والنفوس ، والاعداء الداخليين المنافقين ، وقد تكون من ضعفاء الايمان
والبسطاء والجهال من الناس .
وحين يشير القرآن إلى ألوان المواجهة وأساليبها في هذه القصّة نجد أنفسنا أمام
الواقع الاجتماعي الذي كان يواجه به النبي صلىاللهعليهوآله في دعوته وأمام
الأساليب والألوان نفسها ، فكأنّ قصّة موسى عليهالسلام إنّما هي تعبير عن مسيرة
دعوة النبي وآلامه ، ولعلّ هذا هو أحد الأسباب المهمة الذي يفسر لنا مجيء قصّة موسى
بهذا القدر من التفصيل في القرآن الكريم .
٤ ـ الجانب التحريفي في العبادة :
من الموضوعات الهامة التي تعرضت لها القصّة هو الجانب التحريفي في العبادة ، فإنّ
بني إسرائيل وغيرهم ـ كما يبدو من انقيادهم لموسى ـ آمنوا به وبدعوته ، ولكن هذا
الإ يمان بالشعارات العامة التي كان يرفعها موسى لا يعني أ نّهم كانوا يعرفون
محتواها الأصيل بأدق معانيه وجميع أبعاده. الأمر الذي لو حصل كان من الممكن أن
يصدهم عن الانسياق وراء أفكار وثنية اُخرى . لذلك نجدهم ـ وهم قد خلصوا من عذاب
فرعون ومطاردته ، وتحرّروا من طغيانه ـ تطفوا على
أفكارهم ومشاعرهم الكثير من الرواسب الوثنية ذات المدلول المنحرف ، هذه الرواسب
التي كانوا قد تأثروا فيها بالمجتمع الفرعوني الذي كانوا يعيشون فيه .
وهي حين تطفو على السطح لا يعني أ نّهم كانوا قد تنازلوا عن شعاراتهم السابقة
ومدلولاتها أو تخلّوا عن عقيدة التوحيد . . . وإنّما يعني ذلك : أ نّهم كانوا
يفهمون مدلول الشعارات بصورة سطحية وساذجة من حيث ينسجم مع هذا العمل المنحرف ،
فالعجل في نظرهم هو تجسيد للإله الذي دعا إليه موسى ، والأصنام ـ أن يتخذها لهم
موسى للعبادة ـ هي الوسائط المادية للتعبير عن العبادة للإله الذي دعا إليه موسى .
. . وهكذا .
ولعلّ القرآن الكريم يهدف في هذه الإشارة إلى ناحيتين :
الاُولى : مناقشة أفكار الجاهليين المعاصرين لنزول القرآن حين كانوا يقولون في
أصنامهم ويبرّرون عبادتهم لها : إنّهم اتخذوها واسطة وزلفى إلى اللّه .
« ألاَ للّهَِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالّذِينَ اتّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِيَاءَ
مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللّهِ زُلْفَى إنّ اللّهَ يَحْكُمُ
بَيْنَهُمْ في مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . . . »(١) .
(١) الزمر : ٣ .
الثانية : أنّ الإنسان حين يؤمن باللّه وبالرسول ويحظى بصحبته ويستمع إليه لا يعني
أ نّه قد تجرد دفعة واحدة عن جميع محتوياته الداخلية ، وقضى على كلّ الرواسب التي
لا تلتقي في واقعها مع أصالة الرسالة والدعوة التي يدعو إليها الرسول ، وإنّما غاية
ما يدل عليه ذلك هو الإ يمان بالمدلول الحرفي للشعار والفكرة ، الأمر الذي قد يؤدي
إلى التحريف والخطأ فى التطبيق. والوصول إلى الدرجة العالية من الإ يمان يحتاج إلى
ممارسة واقعية وعملية فى الالتزام والطاعة، وإلى فهم وتدبّر في المفاهيم والافكار،
وهذا ممّا أشار إليه القرآن في بعض الموارد حين ميز بين ادعاء
الإسلام والإ يمان :
« قَالَتْ الأعْرَابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنَا
وَلَمّا يَدْخُلْ الإ يمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . . »(١) .
وهذه المظاهر من أخطر الظواهر التي واجهت الأديان الإلهيّة حين تعرضت للتحريف في
العبادة والعلاقة مع اللّه تعالى مع الاحتفاظ بنفس المفاهيم والشعارات الأصلية ،
ووجد المحرفون دائما المبررات والذرائع والعناوين التي يوجهون فيها هذه الانحرافات
.
ومن أجل ذلك تبنى الاسلام مبدأ التوقيفية في العبادة والتزم بأ نّها منهج معين يضعه
اللّه ـ سبحانه ـ للانسان ليصوغ به غريزة التدين واحساسه بالدين ، ويحدد فيه شكل
العلاقة باللّه تعالى وصيغتها ، ولا يصح للإنسان أن يتصرف في هذا الأمر بحسب ميوله
أو اجتهاده للتعبير عن هذه العلاقة ، والسر في ذلك كله هو : أنّ طبيعة العلاقة بين
اللّه ـ تعالى ـ والإنسان إنّما هي علاقة غيبية ، لأنّ طرفها الآخر هو اللّه
تعالى ، ولا يمكن للإنسان ـ وهو موجود مادي ـ أن يدرك الطريق الذي يوصله للتقرب إلى
اللّه تعالى بنفسه ، فلا بدّ له من أجل تحقيق ذلك أن يشخص اللّه ـ تعالى ـ له هذا
الطريق ، فقد يكون ما يتصوره الإنسان مقربا نحو اللّه مبعدا عنه ، كما جاء ذلك في
بعض النصوص التي وردت عن أهل البيت عليهمالسلام (٢) .
(١) الحجرات : ١٤ .
(٢) وقد ورد عن الإمام الصادق لمّا سئل عن العبادة : أ نّه قال : « حسن النية
بالطاعة من الوجوه التي يطاع اللّه منها » . كما ورد عن أبي جعفر عليهالسلام قال :
قال رسول اللّه « ألا إنّ لكلّ عبادة شرة [ الرغبة الشديدة ] ثمّ تصير إلى فترة ،
فمن صارت شرة عبادته إلى سنتي فقد اهتدى ، ومن خالف سنتي فقد ضلّ ، وكان عمله إلى
تبار » . الكافي ٢ : ٨٣ و ٨٥ .
٥ ـ الحياة الشخصية لموسى :
لقد تناولت المواضع السابقة من قصّة موسى بعض التفاصيل عن الحياة والسيرة الشخصية
لموسى خصوصا فترة ما قبل بعثته عليهالسلام .
ولعلّ القرآن الكريم استهدف من وراء عرض هذا الموضوع في قصّة موسى هدفين :
الأوّل : ما أشرنا إليه سابقا في تحليلنا لمقاطع القصّة من سورة القصص : من أنّ هذه
التفصيلات قد تدلّ على جانب من إعجاز القرآن ؛ إذ يدل الاطلاع عليها على مدلول
يختلف عن مدلول الاطلاع على أحوال موسى ( الرسول ) ؛ لأنّ أحوال موسى ( الرسول )
كانت تتحرك في المجتمع العام ، وبذلك تكون معروفة بشكل طبيعي ويتناقلها التأريخ ،
على خلاف أحوال موسى ( الرسول ) قبل البعثة خصوصا إذا كانت هذه التفاصيل ممّـا
ينفرد به القرآن الكريم عن الكتب السماوية الاُخرى .
الثاني : ما أشرنا إليه في بحث مراحل الدعوة : من أنّ هذا الجانب يبرز لنا موسى في
صورة الانسان الذي قد أعده اللّه ـ تعالى ـ للقيام بأعباء الرسالة ، وأ نّه يتمكن
بما يتمتع به من خلق وعاطفة وجرأة ومكانة على تحمل أعباء الدعوة .
ويمكن أن نضيف إلى ذلك ـ أيضا ـ أمرا ثالثا هو : أ نّه من خلال التعرّف على حياة
موسى الشخصية سوف تتكشف لنا بعض الأوضاع الاجتماعية السائدة حينذاك في المجتمع
الفرعوني ، ومستوى الظلم الذي كان يعاني منه الإسرائيليون واستسلامهم لهذا الواقع
المرير ، وما أنعم اللّه به ـ سبحانه ـ على بني إسرائيل عامة وموسى بشكل خاص من
نعم وألطاف .
٦ ـ الأوضاع العامة للشعب الإسرائيلي :
لقد تناول القرآن الكريم بعض الأوضاع والصفات العامة للشعب
الإسرائيلي ، وأشرنا إلى بعضها عند دراستنا للمرحلة الثالثة من دعوة موسى ، ويمكن
أن نلخص ما تكشف عنه هذه الأوضاع والصفات التي تناولها القرآن وهي :
أوّلاً : في أنّ الشعب الإسرائيلي كان يتصف بازدواجية فضيعة نتيجة لمختلف الظروف
التأريخية والاجتماعية التي مرّ بها ، والتي تراكمت آثارها المتنوعة والعميقة في
سلوكه الاجتماعي ومحتواه النفسي والروحي .
وكانت تتمثل هذه الازدواجية في الشعور بالعظمة والامتياز والقربى من اللّه بوحي من
تأريخه المجيد الذي عاشه أباؤه وأجداده، كتأريخ النبوّات والمقام الاجتماعي
المتميز الذي كان ليوسف عليهالسلام وانقاذه للمجتمع من الكوارث الطبيعية ،
والتخطيط الاقتصادي الرائع الذي قام به من ناحية ، ونجد هذا الشعب في الوقت نفسه قد
قاسى حياة طويلة من الاضطهاد والاستعباد ورزح في ظل مستلزماتها من جهل وفقر وانحطاط
خلقي ونفسي واجتماعي من ناحية اُخرى .
ولعلّ هذه الازدواجية هي التي تفسر لنا تململ الإسرائيليين ، وعدم تحملهم لأعباء
الرسالة وعملية الخلاص والانقاذ من ناحية، وتمادي الإسرائيليين في الطلبات ، وكثرة
تمنياتهم على موسى ، وعدم استجابتهم للخط الذي رسمه لهم لانقاذهم ، وهو خط الجهاد
لتحرير الأرض المقدسة من ناحية اُخرى ، وقد صنعوا كلّ ذلك على الرغم ممّـا يتمتع به
موسى من مكانة عظيمة عندهم ، لأ نّه كان مخلصهم ومنقذهم من الظلم الفرعوني وضحى من
أجلهم بموقعه الاجتماعي وحياته الهنيئة .
وقد استهدف القرآن من وراء إعطاء هذه الصورة للشعب الإسرائيلي تسليط الأضواء على
واقع اليهود الذين كانوا يعايشون المسلمين ، وكان ينظر إليهم العرب قبل ظهور
الاسلام على أ نّهم أهل الكتاب والمعرفة بالأديان وبكلّ ما يتصل بعالم الغيب . وحيث
تتكشف هذه الصورة الواقعية لهذا الشعب ( الازدواجية )
وتتضح معالمها سوف يظهر للمسلمين مدى إمكان الثقة باليهود وعدم صحة نظرتهم للأشياء،
ويتضح تفسير موقفهم السلبي من الرسالة والنبي صلىاللهعليهوآله ، وأنّه موقف
نفسي واخلاقي فاسد .
كما يمكن أن نلاحظ ـ أيضا ـ مدى الأثر الذي تركته سنوات الاضطهاد والظلم على
الأوضاع النفسية والروحية للإسرائيليين، والشعور بالضعف والحذر، ومعاناة موسى
عليهالسلام في محاولة التغلّب على ذلك . حيث يظهر هذا الأمر بصورة واضحة في قضية
دعوة موسى قومه للدخول إلى الأرض المقدسة التي كانت هدفهم وأملهم ، خصوصا أنّ هذه
الدعوة جاءت بعد الانتصارات العظيمة التي حققها لهم موسى والاستقلال والعزة
والكرامة الإنسانية ، ومع ذلك رفضوا هذهالدعوة بسبب الخوف .
ويبدو هذا الأمر واضحا ـ بالمقارنة ـ مع دعوة النبي محمّد صلىاللهعليهوآله
للمسلمين إلى قتال الروم في معركة ( تبوك ) ؛ إذ استجاب عامة المسلمين لذلك
باستثناء نفر منهم كانوا يشعرون بهذا اللون من الخوف والضعف .