قوم إ براهيم .
شخصية إ براهيم .
حياة إ براهيم .
إ براهيم عليهالسلام بن آزر هو النبي السادس ممّـن ذكروا من الانبياء في القرآن
الكريم بعد آدم عليهالسلام وإدريس ونوح وهود وصالح ، وهو ثاني اُولي العزم الذين
تحدثنا عنهم .
وقد جاءت قصّته في التوراة مفصلة ، ولكنّها مختلفة عمّا جاءت في القرآن الكريم ،
شأنها شأن بقية قصص الأنبياء .
وقد ورد ذكر إ براهيم عليهالسلام في القرآن الكريم في تسع وستين موردا ، وهو بذلك
يكون أكثر ذكرا من نوح عليهالسلام ، بل أكثر الانبياء ذكرا بعد موسى عليهالسلام .
كما أنّ قصّته وردت بشيءٍ من التفصيل في كلّ من سورة البقرة ، والأنعام ، وإ براهيم
، والأنبياء ، والعنكبوت ، والصافات .
ولكنّها لم ترد كاملة ولو بنحو الإ جمال في أي موضع من مواضع القرآن الكريم ،
وإنّما جاءت متفرقة . وهي في الوقت نفسه مختلفة اللفظ والهدف بحسب السياق الذي جاءت
فيه القصّة .
وتتلخص قصّة إ براهيم كما جاءت في القرآن الكريم بالاُمور التالية :
لم يتحدّث القرآن الكريم عن قوم إ براهيم عليهالسلام الذي ولد بينهم ، وبدأ دعوته
ورسالته فيهم إلاّ قليلاً ، حيث أشار إلى عدة أبعاد في حياتهم :
أ ـ البعد العقائدي الذي كان يتمثل بعبادة الأوثان ، حيث كانوا يعبدونها ويعتقدون أ
نّها هي التي تمنحهم الرزق . وقد توارثوا هذه العبادة عن آبائهم الأقدمين ، حتى
إنّهم أخذوا يصنعون الأصنام ويتداولونها بينهم . « وَإ بْرَاهِيمَ إذْ قَالَ
لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاتّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ * إنّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أوْثَانا وَتَخْلُقُونَ إفْكا
إنّ الّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقا
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ
تُرْجَعُونَ »(١) .
كما أ نّهم لم يكونوا يعتقدوا بالمعاد والدار الآخرة ، كما يشير إلى ذلك استدلال إ
براهيم عليهالسلام بدعوته لهم على المعاد والنشأة الآخرة « أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ
يُبْدِءُ اللّهَُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ إنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ *
قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الْخَلْقَ ثُمّ اللّهَُ يُنشِئ
النّشْأةَ الآخِرَةَ إنّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ
يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أنْتُمْ
بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وَلاَ في السّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ
وَليٍّ وَلاَ نَصِيرٍ »(٢) .
(١) العنكبوت : ١٦ ـ ١٧ .
(٢) العنكبوت : ١٩ ـ ٢٢ .
وبهذه العقيدة الفاسدة كانوا قد تحولوا من عبادة اللّه ـ تعالى ـ إلى عبادة
الشيطان « يَا أبَتِ إنيّ أخَافُ أنْ يَمَسّكَ عَذَابٌ مِنْ الرّحْمنِ فَتَكُونَ
لِلشّيْطَانِ وَلِيّا * قَالَ أرَاغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتي يَا إ بْراهِيمُ لَئِنْ
لَمْ تَنتَهِ لأرْجُمَنّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّا »(١) .
وتشير بعض الروايات وبعض النصوص التاريخية إلى أ نّهم كانوا يعبدون الكواكب ، وحاول
بعض المفسرين أن يجد لذلك شاهدا من القرآن الكريم في قصّة نظر إ براهيم إلى الكواكب
الذي يقال : إنّها الزهرة ، ثم إلى القمر ، ومن بعد ذلك إلى الشمس التي وردت في
سورة الأنعام ، أو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله : « فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي
النُجُومِ * فَقَالَ إنّي سَقِيم »(٢) .
ولكن هذه الآيات الكريمة لا تدلّ على أكثر من تأملات لإ براهيم في طريقه لادراك
اللّه الواحد الاحد ، كما سوف نشير إلى ذلك.
كما أنّ لهؤلاء القوم مراسيم يؤدون فيها عبادتهم من تقديم الطعام لها والخروج إلى
خارج العمارة للعيد ، كما تشير إلى ذلك الآيات التي تتحدّث عن قضية تكسير إ براهيم
عليهالسلام للاصنام ، ومخاطبته لها وخروجهم عنها « فَقَالَ إنيّ سَقِيمٌ *
فَتَوَلّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ ألاَ
تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبا بِالَْيمِينِ
* فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفّونَ * قَالَ أتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ *
وَاللّهَُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ »(٣) .
وكذلك « فَجَعَلَهُمْ جُذَاذا إلاَّ كَبِيرا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إلَيْهِ
يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إنّهُ لَمِنْ الظّالِمِينَ
»(٤) .
(١) مريم : ٤٥ ـ ٤٦ .
(٢) الصافات : ٨٨ ـ ٨٩ .
(٣) الصافات : ٨٩ ـ ٩٦ .
(٤) الأنبياء : ٥٨ ـ ٥٩ .
ب ـ البعد الاجتماعي الذي كان يتمثل في اتخاذهم الأوثان محورا للعلاقات الاجتماعية
في الولاء والمودة بدل اللّه تعالى ، مع أنّ هذا المحور في الولاء والمودة لا أصل
له ، بل سوف يتحول بعد ذلك إلى عداوة وبراءة بعضهم من بعض في يوم القيامة .
« وَقَالَ إنّمَا اتّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ أوْثَانا مَوَدّةَ بَيْنِكُمْ في
الْحَيَاةِ الدّنْيَا ثُمّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ
وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضا وَمَأوَاكُمْ النّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
»(١) .
مضافا إلى وجود الحالة المدنية في حياتهم الاجتماعيه كالبناء والأعمال اليدوية .
ج ـ البعد السياسي الذي كان يتمثل في وجود نظام للحكم يرأسه ملك وفيه قوانين ، كما
تشير إلى ذلك المناقشة التي جرت بين إ براهيم ومن آتاه اللّه الملك : « ألَمْ تَرَ
إلَى الّذِي حَاجّ إ بْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أنْ آتَاهُ اللّهُ المُلكَ إذْ قَالَ
إ بْرَاهِيمُ رَبيّ الّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ
إ بْرَاهِيمُ فَإِنّ اللّهَ يَأتي بِالشّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأتِ بِهَا مِنْ
الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذِي كَفَرَ وَاللّهَُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ
»(٢) .
وكذلك محاكمة إ براهيم وقرار إلقائه في النار .
وتؤكّد ذلك النصوص التوراتية والتاريخية والروايات الكثيرة المروية عن الصحابة
والتابعين وعن أئمة أهل البيت عليهمالسلام حيث تذكر أنّ ملكا عظيما يسمى أو يكنى
بالنمرود كان يحكم بلاد بابل في العراق ، وأ نّه كان جبارا ، وهو الذي أمر
بإحراق إ براهيم عليهالسلام ، كما سوف يأتي في قصّته .
(١) العنكبوت : ٢٥ .
(٢) البقرة : ٢٥٨ .
د ـ ولم يتحدّث القرآن الكريم عن الحالة الاخلاقية لهم إلاّ بمقدار الإشارة إلى
نكوصهم عن الحق ، وتكذيبهم للرسالة ، والتزامهم بالتقليد الاعمى للآباء ، وانتكاسهم
على رؤوسهم ؛ إذ أخذتهم العزة بالاثم عندما وجدوا أصنامهم قد جعلها إ براهيم جذاذا
، فلم تغن عنهم ، ولم تدافع عن نفسها ، ولا ترجع لهم جوابا ، ولا تخبرهم عن حال ،
فعمدوا إلى إحراق إ براهيم .
كما لم يتحدّث عن الاوضاع السلوكية والممارسات الشخصية لهم في مجال الآثام والخطايا
، أو الظلم والفساد والطغيان وغيرها.
لقد تحدّث القرآن الكريم بعض الشيء عن شخصية إ براهيم عليهالسلام أثناء الحديث عن
قصّته أو بشكل مستقل ، وأكّد بشكل خاص صفاته الممتازة وأبعادها المتعددة بحيث يظهر
فيها إ براهيم عليهالسلام وكأ نّه أفضل الأنبياء جميعا عدا سيد الأنبياء وخاتمهم
نبينا محمّد صلىاللهعليهوآله .
ولعلّ هذا الجانب هو السبب المهم فيما ورد في الأحاديث الشريفة المتواترة عن رسول
اللّه صلىاللهعليهوآله من استحباب قرن الصلاة عليه وآله بالصلاة على إ براهيم
وآله والتمثيل بها(١) .
ويمكن إجمال الابعاد التي أشار إليها القرآن الكريم من صفات إ براهيم صراحة أو
تلميحا ببيان آثارها بالأبعاد الاُربعة التالية :
(١) قال حدّثنا الحكم ، قال : سمعت ابن أبي ليلى يقول : لقيت كعب بن عجرة ، فقال : ألا أهدي لك هدية : إنّ رسول اللّه ( ص ) خرج علينا ، فقلنا يا رسول اللّه قد علمتنا كيف السلام عليك ، فكيف الصلاة عليك ؟ قال : « قولوا اللّهمّ صل على محمّد كما صليت على إ براهيم إنّك حميد مجيد وبارك على آل محمّد كما باركت على آل إ براهيم انك حميد مجيد » قصص الانبياء لابن كثير : ١٦٨ عن الصحيحين ، ورواه ـ أيضا ـ في جامع أحاديث الشيعة ١٥ : ٤٧٥ عن أمالي ابن الطوسي ، وأكّدته أحاديث عديدة . راجع جامع أحاديث الشيعة ١٥ : ٤٧٦ ـ ٤٧٨ .
وهي الصفات التي تشير إلى موقع إ براهيم من الرسالة الإلهيّة ، وهذه
الصفات هي :
أ ـ ( الامامة ) حيث تحدّث القرآن الكريم عن منح اللّه ـ تعالى ـ لإ براهيم مقام
الإمامة : « وَإذْ ابْتَلَى إ بْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأتَمّهُنّ قَالَ
إنيّ جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إمَاما قَالَ وَمِنْ ذُرِّيّتي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي
الظّالِمِينَ »(١) .
وقد استجاب اللّه ـ تعالى ـ لإ براهيم دعوته في أن تكون هذه الإمامة فيه وفي ذريته
، كما صرّح القرآن الكريم بذلك في عدة مواضع اُخرى أيضا . واستثنى من نيلها
الظالمين .
قال تعالى : « وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحا
هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيَْمانَ وَأ يّوبَ
وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ* وَزَكَرِيّا
وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصّالِحِينَ * وَإسْمَاعِيلَ
وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطا وَكُلاًّ فَضّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ
آبَائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ
إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »(٢) .
والإمامة على ما تشير إليه الآية الكريمة السابقة ، وتؤكده بعض الروايات التي وردت
عن أهل البيت عليهمالسلام أ نّها أعلى درجات النبوّة .
(١) البقرة : ١٢٤ .
(٢) الانعام : ٨٤ ـ ٨٧ .
فقد روى الكليني في الكافي بسنده عن جابر ، عن أبي جعفر عليهالسلام قال : سمعته
يقول : « إنّ إللّه اتخذ إ براهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا ، واتخذه نبيا قبل أن
يتخذه رسولاً ، واتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً ، واتخذه خليلاً قبل أن يتخذه
إماما ، فلمّا جمعت له هذه الاشياء ـ وقبض يده ـ قال له يا إبراهيم : « إنيّ
جَاعِلُكَ للناس
إماما » فمن عظمها في عين إ براهيم ، قال يا رب : « وَمِنْ ذُرّيَتي قَالَ لا
يَنَالَ عَهْدِي الظالِمِين »(١) » .
ويبدو من القرآن الكريم عند تتبع استخدام عنوان الإمامة أنّ البداية كانت من إ
براهيم عليهالسلام .
ب ـ ( اُولي العزم ) ، حيث إنّ إ براهيم عليهالسلام قد عدّه القرآن الكريم من
أنبياء اُولي العزم من الرسل ، كما ذكرنا ذلك في الحديث عن نوح عليهالسلام ، وقد
أشار القرآن الكريم إلى ذلك في سورتي الشورى ( ١٣ ) والاحزاب ( ٧ ) .
ويمتاز هؤلاء الأنبياء بإنزال الشرائع السماوية عليهم لتنظيم حياة الناس بها ،
ممّـا يؤشّر على وجود أقوام من الناس يؤمنون بهم ويتبعون مناهجهم ، وقد أكّد القرآن
الكريم وجود هذا النوع من الوحي الإلهي على إ براهيم عليهالسلام عندما تحدّث عن (
صحف إ براهيم وموسى ) « إنّ هذَا لَفيَ الصُحُف الاُولَى صُحُفِ إ بْرَاهِيم
وَمُوسى »(٢) .
(١) اُصول الكافي ١ : ١٧٥ .
(٢) الأعلى : ١٨ ـ ١٩ .
كما أنّ هؤلاء الأنبياء ممّن أخذ عليهم اللّه ـ تعالى ـ الميثاق الغليظ بسبب طبيعة
ثقل المسؤولية والرسالة التي يتحملونها ، كما أشارت إلى ذلك الآية ( ٧ ) من سورة
الأحزاب .
ج ـ ( الاصطفاء ) لقد كان إ براهيم عليهالسلام من جملة الأنبياء الذين ذكرهم
القرآن الكريم بالاصطفاء والاجتباء ، وتميّز بأ نّه كان أوّل من تم اصطفاؤه مع آله
وعترته .
« إنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحا وَآلَ إ بْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى
الْعَالَمِينَ * ذُرِّيّةً
بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللّهَُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(١) .
وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه الصفة في إ براهيم في مواضع عديدة ، وعبّر عنها
بأساليب مختلفة ؛ لتأكيد هذا الموقع الرسالي الخاص .
د ـ « وَآتَيْنَاه في الدُنْيَا حَسَنَةً وَإنّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَالِحِين
»(٢) تدل هذه الآية الكريمة إلى أنّ اللّه جمع لابراهيم عليهالسلام الدنيا والآخرة
، فهو في دنياه يعيش عيشة حسنة له مال وأولاد ، ومنعة وعزّة ، وكرامة ومروة ، وذرية
وبقاء في الذكر الحسن ، وقدوة للأنبياء حتى أفضلهم وخاتمهم ، وقبول من جميع الاُمم
والملل ، وصلوات دائمة عليه وعلى آله .
وهو في الآخرة من الصالحين الذين أنعم اللّه عليهم ، ورفع درجتهم ، واستجاب دعاءه
في أن يلحقه بمحمّد وآله عليهم الصلاة والسلام ، فيكون منهم(٣) .
وهي الصفات التي تتحدّث عن نوع ومستوى العلاقة بين اللّه تعالى وإ براهيم ، والتي يمكن أن نراها فيما أشار إليه القرآن الكريم من الصفات التالية : فقد كان إ براهيم عليهالسلام :
(١) آل عمران : ٣٣ ـ ٣٤ .
(٢) النحل : ١٢٢ .
(٣) راجع الميزان ١ : ٣٠٥ .
أ ـ حنيفا مسلما ؛ إذ وصف اللّه ـ تعالى ـ إ براهيم ودينه وملته بهذا الوصف في عدّة مواضع من القرآن الكريم :
« مَا كَانَ إ بْرَاهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفا
مُسْلِما وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(١) .
« قُلْ إنّني هَدَاني رَبيّ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينا قِيَما مِلّةَ إ
بْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(٢) .
والحنيف المسلم هو : الذي أخلص وأسلم لأمر اللّه تعالى ، فلم يلتو في شيءٍ من دينه
، أو هو المائل عن الضلالة إلى الاستقامة(٣) .
وقد جاء التأكيد في أغلب هذه الايات بأ نّه لم يكن من المشركين ؛ لأنّ بعض العرب
المشركين كانوا يدّعون أ نّهم على دين إ براهيم . كما أ نّه في الوقت نفسه تأكيد
للاستقامة في الدين .
ب ـ شاكرا لانعم اللّه ـ تعالى ـ عليه ؛ إذ هداه إلى الدين الحنيف ، وتفضل عليه
بالنبوّة والرسالة والإمامة ، وأنجاه من النار ، وأنقذه من الطغاة ، وآتاه في
الدنيا حسنة ، ورزقه الذرية الصالحة المصطفاة ، وجعل ذكره من الخالدين . . .
وكان في كلّ هذه المواقع يتصف بالشكر لهذه النعم ، وصفة الشكر للمنعم تمثل التعبير
الأصيل لعلاقة العبودية بين الانسان واللّه تعالى .
ج ـ قانتا ومطيعا للّه ـ تعالى ـ بخضوع وخشوع وتسليم ، فهي صفة من صفات اقتران
الطاعة للّه بالعبادة والخضوع والخشوع له .
د ـ خليلاً للّه تعالى « وَاتّخَذَ اللّهُ إ بْرَاهِيمَ خَلِيلاً »(٤) .
(١) آل عمران : ٦٧ .
(٢) الانعام : ١٦١ .
(٣) معجم ألفاظ القرآن ١ : ٣٠٤ ، ومفردات الراغب : ١٣٣ .
(٤) النساء : ١٢٥ .
والخليل هو : الذي أخلص في الحبّ حتى تخلل الحب والود نفسه وخالطها ، فهو
عليهالسلام قد اختلط حبّه للّه بنفسه الشريفة وتخلّلها ، كما خالط إحسان اللّه ـ
تعالى ـ له ولطفه به نفسه وتخللها . فهي علاقة التمازج والاختلاط في الحب والولاء
بينه وبين اللّه تعالى ، كل بما يناسب شأنه .
وهذا الوصف ممّـا اختص به إ براهيم عليهالسلام في القرآن الكريم(١) .
ه ـ الوفاء بالعهود والميثاق الغليظ الذي اخذه اللّه ـ تعالى ـ عليه « وَإ
بْرَاهِيمَ الّذِي وِفّى »(٢) .
فلم يقصّر في أداء مسؤوليته مهما كانت المصاعب والعقبات ، ومهما كانت التفاصيل
والمفردات ، وقد اختص اللّه ـ تعالى ـ في القرآن الكريم إ براهيم بهذا الوصف .
و ـ منيبا إلى اللّه تعالى « إنّ إ بْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أواه مُنِيب »(٣) فهو يرجع
إلى اللّه ـ تعالى ـ في اُموره كلّها « وَالّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ
يَعْبُدُوهَا وَأنَابُوا إلَى اللّهِ لَـهُمْ الْبُشْرَى . . . »(٤) .
(١) وقد ورد في روايات أهل البيت عليهمالسلام أنّ اللّه ـ تعالى ـ إنّما اتخذ إ
براهيم خليلاً ؛ لأ نّه لم يرد أحدا ، ولم يسأل أحدا قط غير اللّه تعالى . وفي
رواية اُخرى لكثرة سجوده على الارض . وفي رواية ثالثة لإطعامه وصلاته بالليل والناس
نيام . وفي رواية رابعة لكثرة صلواته على محمّد وأهل بيته صلوات اللّه عليه وآله .
البحار ١٢ : ٤ ، عن عيون أخبار الرضا وعلل الشرائع للصدوق .
(٢) النجم : ٣٧ .
(٣) هود : ٧٥
(٤) الزمر : ١٧ .
فقد ذكر القرآن الكريم في وصف أ براهيم عليهالسلام صفاتا توضح طبيعة العلاقة بينه
وبين قومه ، وأهل بيته والناس بشكل عام .أ ـ إنّ إ براهيم كان اُمّة وقد ورد في تفسير ذلك أ نّه كان قدوة ومعلّما للخير ،
فهو إمام هدى ، وأنّ قوام الاُمّة بوجوده ، وأنّ عمله كان عمل اُمّة ، أو أ نّه
مفرد في زمانه بالتوحيد ، فكان مؤمنا والناس كفار(١) .
وقد ورد في سورة الممتحنة وضع إ براهيم في موضع القدوة للمسلمين في قوله تعالى : «
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللّهَ
وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلّ فَإنّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ »(٢)
.
كما ورد فيه الأمر لرسول اللّه باتباع ملة إ براهيم عليهالسلام : « ثُمّ
أوْحَيْنَا إلَيْكَ أنْ اتّبِعْ مِلّةَ إ بْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنْ
الْمُشْرِكِينَ »(٣) ، كما ورد فيه : « وَمَنْ أحْسَنُ دِينا مِمّنْ أسْلَمَ
وَجْهَهُ للّهَِِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتّبَعَ مِلّةَ إ بْرَاهِيمَ حَنِيفا . . .
»(٤) .
ب ـ وكان حليما ؛ إذ وصفه القرآن الكريم بذلك عندما أخذه العطف والشفقة على لوط
وقومه بسبب ما أخبره به رسل اللّه بالقرار اللإلهي في نزول العذاب عليهم ، فهؤلاء
القوم بالرغم من انحرافهم وشذوذهم ، وكذلك إ يذائهم لابن أخيه
لوط وأسائتهم لمعاملته ، فإن إ براهيم أخذ يجادل المرسل فيهم ـ كما سوف نعرف ـ بأمل
دفع نزول العذاب عنهم .
(١) البحار ١٢ : ٢ عن مجمع البيان .
(٢) الممتحنة : ٦ .
(٣) النحل : ١٢٣ .
(٤) النساء : ١٢٥ .
وهذا يعني : أنّ حالة العطف والشفقة والرأفة بالناس عموما من الصفات المميزة التي
تميز هذا النوع من الناس الذي اصطفاهم اللّه لرسالته « فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إ
بْرَاهِيمَ الرّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا في قَوْمِ لُوطٍ * إنّ إ
بْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ »(١) .
وهذا الوصف ذكره القرآن الكريم بشأن نبينا محمّد صلىاللهعليهوآله في قوله تعالى
: « لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ »(٢) .
كما يذكر هذه الصفة ( الحلم ) لإ براهيم في عطفه على أبيه وموعدته إ ياه بالاستغفار
له ، وإن كان قد تبرأ منه عندما تبين له أ نّه عدو للّه .
« وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إ بْرَاهِيمَ لأبِيهِ إلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا
إ يَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أ نَّهُ عَدُوٌّ للّهِِ تَبَرّأ مِنْهُ إنّ إ
بْرَاهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ »(٣) .
ومن هنا يمكن أن نفهم أنّ الحلم هو الصبر المقرون بالعطف والرأفة على فعل السوء
رجاء إصلاح الحال حبا بالآخرين وطلبا لمنفعتهم .
ج ـ وكان بريئا من أعداء اللّه الذين يصرون على موقفهم في العداوة ، ويلحّون على
التمرد والعصيان .
(١) هود : ٧٤ ـ ٧٥ .
(٢) التوبة : ١٢٨ .
(٣) التوبة : ١١٤ .
وقد ذكر القرآن الكريم هذا الوصف لابراهيم في علاقته مع المشركين عندما تبين له هذا
الإصرار وهذا الموقف دون الفرق بين الأباعد منها والأقارب .
وجعل هذا الوصف موضع لإ براهيم ؛ ليكون الاُسوة والقدوة للآخرين .
فقد سبق أن أشرنا إلى موقفه من البراءة من أبيه عندما تبين له أ نّه عدو للّه : «
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إ بْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إذْ
قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمّـا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أبَدا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إ
بْرَاهِيمَ لاِءبِيهِ لاَءسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أمْلِكُ لَكَ مِنْ اللّهِ مِنْ
شَيْءٍ رَبّنَا عَلَيْكَ تَوَكّلْنَا وَإلَيْكَ أنَبْنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ *
رَبّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبّنَا
إنّكَ أنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »(١) .
وبذلك نعرف أنّ هذه الصفة تكمّل صفة الحلم التي تحدثنا عنها في الفقرة السابقة في
علاقة إ براهيم بالناس .
د ـ كان يدعو إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة ؛ إذ كان يتبع اُسلوب مخاطبة العقل
والوجدان ، والتدرج في الخطاب والموقف ، واستخدام مختلف الأساليب والوسائل المشروعة
للوصول إلى هدفه مع الالتزام بالخلق الإنساني الرفيع .
وسوف يتضح ذلك عندما نستعرض مراحل حياته ودعوته ، والأساليب التي كان يتبعها في ذلك
.
الرابع ـ معالم الشخصية :
فقد ذكر القرآن الكريم إلى جانب جميع الصفات السابقة بعدا رابعا من شخصية إ براهيم ، وهو : البعد الذي يرتبط بمعالم شخصيته الذاتية .
(١) الممتحنة : ٤ ـ ٥ .
أ ـ التفكير والتأمل والتدبر في الخلق والكون وظواهر الطبيعة من أجل الوصول إلى
الحقيقة ؛ إذ يذكر له القرآن الكريم عدّة مواقف تعبّر عن ذلك ، لعلّ أحسنها ما ذكره
في سورة الأنعام من تفكيره وتدبره في التفتيش عن ربه الخالق وهو في صغره عندما رأى
الكوكب واُفوله ، ثم انتقاله إلى القمر والشمس ، ثم إلى معرفته باللّه تعالى :
« فَلَمّا جَنّ عَلَيْهِ اللّيْلُ رَأى كَوْكَبا قَالَ هَذَا رَبيّ فَلَمّا أفَلَ
قَالَ لاَ أُحِبّ الآفِلِينَ * فَلَمّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغا قَالَ هَذَا رَبيّ
فَلَمّا أفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبيّ لأكُونَنّ مِنْ الْقَوْمِ
الضّالِّينَ * فَلَمّا رَأى الشّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبيّ هَذَا أكْبَرُ
فَلَمّا أفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إنيّ بَريءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ »(١) .
كما سوف نشير إلى ذلك في المرحلة الاُولى من حياته .
وكذلك طلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى للوصول إلى درجة اليقين في معرفة النشأة
الاخرة « وَإذْ قَالَ إ بْرَاهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْييِ الْمَوْتَى قَالَ
أوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ
أرْبَعَةً مِنْ الطّيْرِ فَصُرْهُنّ إلَيْكَ ثُمّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ
مِنْهُنّ جُزْءا ثُمّ ادْعُهُنّ يَأتِينَكَ سَعْيا وَاعْلَمْ أنّ اللّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ »(٢) .
(١) الأنعام : ٧٦ ـ ٧٨ .
(٢) البقرة : ٢٦٠ .
كما سوف نعرف ذلك في المرحلة الثالثة من حياته .
ب ـ إنّه كان واسع المعرفة بالحقائق الإلهية بسبب طلبه لها بالتأمل والتفكير من
ناحية ، وبسبب اللطف الإلهي والعناية الربانية به الذى فتح له هذا الباب الواسع من
المعرفة من ناحية اُخرى ، والذي عبّر عنه القرآن الكريم بـ ( اراءته لملكوت
السماوات والارض ) « وَكَذَلِكَ نُرِي إ بْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ »(١) . حيث كان يرى الحقائق الإلهية الغيبية والمشهودة في السماوات والأرض(٢) .
(١) الأنعام : ٧٥ .
(٢) وقد قال العلاّمة المجلسي بعد ذكره لمجموعة من الاخبار : إنّ إراءته ملكوت
السماوات والأرض يحتمل :
١ ـ أن يكون ببصر العين : بأن يكون اللّه ـ تعالى ـ قد قوى بصره ، ورفع له كلّ
منخفض ، وكشط له عن أطباقالسماء والأرض حتى رأى فيهما ببصره .
٢ ـ أن يكون المراد منه رؤية القلب : بأن أنار قلبه حتى أحاط بها علما .
والأوّل أظهر نقلاً ، والثاني عقلاً .
والظاهر على التقديرين : أ نّه أحاط علما بكلّ ما فيهما من الحوادث والكائنات .
٣ ـ وأمّا حمله على أ نّه رأى الكواكب وما خلقه اللّه في الأرض على وجه الاعتبار
والاستبصار ، واستدلّ بهاعلى اثبات الصانع، فلا يخفى بعده عمّا يظهر من الأخبار .
انتهى كلامه . البحار ١٢ : ٦١ ـ ٦٢ .
ولكنّ الظاهر من الآية الكريمة في سورة الأنعام ـ بعد جمعها مع الاخبار وما استظهره
فيه من العقل كما في الاحتمال الأوّل والثاني ـ أنّ ما ذكره الاحتمال الثالث هو
الصحيح ، وكان ذلك مقدّمة لحصول مضمون كل من الاحتمالين الآخرين الأوّل والثاني .
واللّه أعلم .
ج ـ إنّ إ براهيم عليهالسلام كان قوي الحجّة والبرهان ، ويبدو ذلك واضحا من القرآن
الكريم في عرضه لاحتجاج إ براهيم مع أبيه، ومع قومه في المرحلة الاُولى من حياته ،
كما تذكره آيات سورة الأنعام ؛ ولذلك وصفة القرآن الكريم بعدها بقوله : « وَتِلْكَ
حُجّتُنَا آتَيْنَاهَا إ بْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ
نَشَاءُ إنّ رَبّكَ
حَكِيمٌ عَلِيمٌ »(١) . وكذلك موقفه في الاحتجاج على قومه بعد ذلك في المرحلة
الثانية من حياته ، وتكسيره الأصنام بهدف إقامة الحجّة وكاُسلوب لتوضيح الحقيقة كما
هو الظاهر ، ولم يكن الغرض هو مجرد الانتقام واللّه أعلم ، ولذلك اضطروا في البداية
إلى التسليم بالحجّة ثم نكسوا على رؤسهم .
وكذلك موقفه في الاحتجاج مع الملك في موضوع ربه اللّه تعالى الذي عرفه بالاحياء
والاماتة ، ثم بالتصرف في هذا الكون « أَلَمْ تَرَ إلَى الّذِي حَاجّ إ بْرَاهِيمَ
في رَبِّهِ أنْ آتَاهُ اللّهَُ الْمُلْكَ إذْ قَالَ إ بْرَاهِيمُ رَبيّ الّذِي
يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أنَا اُحْيِي وَاُمِيتُ قَالَ إ بْرَاهِيمُ فَإنّ اللّهَ
يَأتي بِالشّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الّذِي
كَفَرَ وَاللّهَُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ »(٢) .
د ـ الشجاعة الفائقة في المواقف والاستقامة عليها ، كما يبدو ذلك واضحا في كلّ
مواقفه العامة والخاصة : في دعوته لابيه وقومه ، وفي تكسيره للأصنام ، ووقوفه في
مواجهة قومه وهو واحد منفرد ، وفي صبره على الإحراق بالنار ، وفي مجادلته للملك ،
وفي هجرته إلى الأرض المباركة ، وفي إسكانه لذريته في واد غير ذي زرع ، وفي بنائه
البيت ، وفي إقدامه على ذبح ولده إسماعيل ، إلى غير ذلك ممّـا يعبّر عن هذا البعد
في شخصيته(٣) .
(١) الأنعام : ٨٣ .
(٢) البقرة : ٢٥٨ .
(٣) لمزيد الفائدة وازن ما ذكرناه هنا عن أبعاد شخصية إ براهيم بما ذكره العلاّمة
الطباطبائي في الميزان ٧ : ٢١٧ ـ ٢١٨ ، وكذلك ما ورد في البحار عن كتاب الخصال
للصدوق ١٢ : ٦٧ ـ ٧٠ .
يمكن تقسيم حياة إ براهيم وقصّته من خلال ما عرضه القرآن الكريم في مواضع متعدّدة إلى أربع مراحل ، وهي :
١ ـ مرحلة الفتوة .
٢ ـ مرحلة الدعوة والمواجهة .
٣ ـ مرحلة الهجرة وإ بلاغ رسالة التوحيد .
٤ ـ مرحلة الإمامة وبناء الكعبة .
كان إ براهيم عليهالسلام قد ولد في ( فدان آرام ) من أرض العراق كما تذكر التوراة أو بابل كما تذكر بعض النصوص التاريخية والروايات ، وفي بيت وثني ؛ إذ كان أبوه الذي سمّـاه القرآن الكريم ( آزر ) نجّارا ينحت الأصنام ، ويبيعها لمن يعبدها كما نصّ على ذلك إنجيل برنابا(١) ، وورد أ نّه كان منجّما لنمرود ، ويمكن أن يكون قد جمع بين الأمرين .
(١) قصص الانبياء للنجار : ١١٨ .
ولكن إ براهيم عليهالسلام منذ طفولته وحتى وصوله إلى مرحلة التمييز والفتوة كان يعيش في معزل عن قومه كما تشير إلى ذلك بعض النصوص التاريخية ، وبعض الروايات المروية المعتبرة عن أهل البيت عليهمالسلام (١)
(١) اُبي وابن الوليد معا ، عن سعد ، عن ابن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن
سالم ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال : « كان أبو إ براهيم منجّما
لنمرود بن كنعان ، وكان نمرود لا يصدر إلاّ عن رأيه ، فنظر في النجوم ليلة من
الليالي فأصبح ، فقال : لقد رأيت في ليلتي هذه عجبا ، فقال له نمرود : وما هو ؟
فقال : رأيت مولودا يولد في أرضنا هذه يكون هلاكنا على يديه ، ولا يلبث إلاّ قليلاً
حتى يحمل به ، فعجب من ذلك نمرود ، وقال : هل حمل به النساء ؟ فقال : لا . وكان
فيما اُوتي من العلم أ نّه سيحرق بالنار ، ولم يكن اُوتي أنّ اللّه سينجيه ، قال :
فحجب النساء عن الرجال ، فلم يترك امرأة إلاّ جعلت بالمدينة حتى لا يخلص إليهن
الرجال ، قال : وباشر أبو إ براهيم امرأته فحملت به ، فظنّ أ نّه صاحبه ، فأرسل إلى
نساء من القوابل لا يكون في البطن شيء إلاّ علمن به ، فنظرن إلى أم إ براهيم فألزم
اللّه ـ تبارك وتعالى ـ ذكره ما في الرحم الظهر فقلن : ما نرى شيئا في بطنها ،
فلمّا وضعت اُمّ إ براهيم أراد أبوه أن يذهب به إلى نمرود ، فقالت له امرأته : لا
تذهب بابنك إلى نمورد فيقتله ، دعني أذهب به إلى بعض الغيران أجعله فيه حتى يأتي
عليه أجله ، ولا تكون أنت تقتل ابنك ، فقال لها : فاذهبي ، فذهبت به إلى غار ، ثم
أرضعته ، ثمّ جعلت على باب الغار صخرة ، ثمّ انصرفت عنه ، فجعل اللّه رزقه في إ
بهامه فجعل يمصّها ، فيشرب لبنا ، وجعل يشبّ في اليوم كما يشب غيره في الجمعة ،
ويشبّ في الجمعة كما يشبّ غيره في الشهر ، ويشبّ في الشهر كما يشبّ غيره في السنة ،
فمكث ما شاء اللّه أن يمكث ، ثمّ إنّ اُمه قالت لأبيه : لو أذنت لي أن أذهب إلى ذلك
الصبي فأراه ، فعلت ، قال : فافعلي ، فأتت الغار فإذا هي بإ براهيم ( ع ) ، وءاذا
عيناه تزهران كأ نّهما سراجان ، فأخذته ، وضمته إلى صدرها ، وأرضعته ، ثمّ انصرفت
عنه ، فسألها أبوه عن الصبي ؟ فقالت : قد واريته فى التراب ، فمكثت تعتل ، فتخرج في
الحاجة ، وتذهب إلى إ براهيم ( ع ) فتضمّه إليها وترضعه ، ثمّ تنصرف ، فلمّا تحرّك
أتته اُمّه كما كانت تأتيه ، وصنعت كما كانت تصنع ، فلما أرادت الانصراف أخذ ثوبها
، فقالت له : ما لك ؟ فقال : اذهبي بي معك ، فقالت له : حتى استأمر أباك ، فلم يزل
إ براهيم في الغيبة مخفيّا لشخصه كاتما لأمره حتى ظهر ، فصدع بأمر اللّه ـ تعالى ـ
ذكره ، وأظهر اللّه قدرته فيه » . البحار ١٢ : ٤١ عن كمال الدين للصدوق .
ولكن الشيخ الراوندي ذكر في قصص الأنبياء هذه الرواية عن الصدوق مع فارق مهم ، وهو
: أنّ آزر كان عمّ إ براهيم ، وأنّ ( تارخ ) كان قد وقع على اُم إ براهيم فحملت به
.
وقد أدرك في هذه العزلة الحقائق
الإلهيّة حيث إنّه خرج يوما من مكانه متأمّلاً في هذا الكون والوجود يفتّش عن ربّه
في السماء ، وقد غابت الشمس ، فنظر إلى أحد الكواكب الذي يقال : إنّه الزهرة ، فقال
: « هذَا رَبيّ » ـ على الفرض والاحتمال ـ فلما غاب وأفل ، قال : « لا اُحبّ
الآفِلِينَ » ثم نظر إلى الشرق وقد رأى القمر قد طلع ، فقال : « هذا رَبيّ » هذا
أكبر وأحسن ، فلما تحرك وزال قال : « لِئَنْ لَمْ يَهْدِني رَبيّ لأكُونَنّ مِنْ
القُوْمِ الظَالّين »فلمّا أصبح وطلعت الشمس ، ورأى ضوءها وقد أضاءت الدنيا لطلوعها
، قال : « هذا رَبيّ هذَا أكْبَر » وأحسن ، فلمّا تحركت وزالت كشف اللّه عن
السماوات حتى رأى ملكوت السماوات والارض ، فعند ذلك قال : « . . . يَا قَوْم إنيّ
بَرِيءٌ ممّـا تُشْرِكُونَ إنيّ وَجّهْتُ وَجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَمَاوَات
وَالأرْض حَنِيفَا وَمَا أنَا مِنْ المُشْرِكِينَ »(١) .
وقد كانت فطرة إ براهيم طاهرة زكية ، وقلبه سليم لم يتلوث بالأدناس والأرجاس وعبادة
الاوثان ، أو ممّـا كان قومه عليه من الفساد والانحراف ، فشاهد الحقّ ، ووصل إليه
بتوفيق اللّه تعالى .
(١) تفسير علي بن إ براهيم القمي : ١٩٤ ، ١٩٥ ، والآية ٧٨ ـ ٧٩ من سورة الأنعام .
وعندما دخل إ براهيم بيت أبيه آزر أخذ يحاجّه في عبادته للأصنام ، ويدعوه إلى رفضها
وتوحيد اللّه تعالى ، واتباعه حتى يهديه اللّه إلى الصراط المستقيم ، ويبعد عن
ولاية الشيطان وعبادته ، ولم يزل يلحّ عليه بذلك حتى نهره وطرده
وأبعده عن نفسه ، وأخذ يهدّده ويوعّده بالرجم والعذاب إن لم ينته عن ذكر آلهته بسوء
أو الرغبة عنها .
فتلطّف إ براهيم بأبيه إرفاقا به وحنانا عليه ، وقد كان ذا خُلق كريم ، فسلّم عليه
، ووعده بأن يستغفر له اللّه تعالى ، ويشاركه الحديث ويعتزله وعبادة الآلهة ليتوجه
إلى عبادة اللّه وحده .
وقد كان إ براهيم ـ من جانب آخر ـ يحاج قومه في أمر الأصنام حتى الزمهم الحقّ ،
وشاع خبره بين الناس في الانحراف عن الأصنام والآلهة .
وقد كان قومه يخوفونه من انتقام الآلهة ونزول العذاب به بسبب رفضه لعبادتها ، ودعوة
الناس لاجتنابها ، ولكنّه عليهالسلام كان يجيبهم بأ نّهم أحقّ بالخوف ؛ لأ نّهم
مشركون ، وهو أحقّ بالأمن ؛ لأ نّه آمن باللّه وحده لا شريك له :
« وَإذْ قَالَ إ بْرَاهِيمُ لاِءبِيهِ آزَرَ أتَتّخِذُ أصْنَاما آلِهَةً إنيّ
أرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إ بْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ
السّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ * فَلَمّا جَنّ عَلَيْهِ
اللّيْلُ رَأى كَوْكَبا قَالَ هَذَا رَبيّ فَلَمّا أفَلَ قَالَ لاَ اُحِبّ
الآفِلِينَ * فَلَمّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغا قَالَ هَذَا رَبيّ فَلَمّا أفَلَ
قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبيّ لأكُونَنّ مِنْ الْقَوْمِ الضّالِّينَ * فَلَمّا
رَأى الشّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبيّ هَذَا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قَالَ
يَا قَوْمِ إنيّ بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ * إنيّ وَجّهْتُ وَجْهِي لِلّذِي فَطَرَ
السّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفا وَمَا أنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجّهُ
قَوْمُهُ قَالَ أتُحَاجّونيّ في اللّهِ وَقَدْ هَدَاني وَلاَ أخَافُ مَا
تُشْرِكُونَ بِهِ إلاَّ أنْ يَشَاءَ رَبيّ شَيْئا وَسِعَ رَبيّ كُلَّ شَيْءٍ عِلْما
أفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أخَافُ مَا أشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أ
نّكُمْ أشْرَكْتُمْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانا فَأيّ
الْفَرِيقَيْنِ أحَقّ بِالأمْنِ إنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يَلْبِسُوا إ يمَانَهُمْ بِظُلْمٍ اُوْلَئِكَ لَـهُمْ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *
وَتِلْكَ حُجّتُنَا آتَيْنَاهَا إ بْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ
مَنْ
نَشَاءُ إنّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ »(١) .
« وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إ بْرَاهِيمَ إنّهُ كَانَ صِدِّيقا نَبِيّا * إذْ قَالَ
لاِءبِيهِ يَا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْني
عَنْكَ شَيْئا * يَا أبَتِ إنيّ قَدْ جَاءَني مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأتِكَ
فَاتّبِعْني أهْدِكَ صِرَاطا سَوِيّا * يَا أبَتِ لاَ تَعْبُدْ الشّيْطَانَ إنّ
الشّيْطَانَ كَانَ لِلرّحْمنِ عَصِيّا * يَا أبَتِ إنيّ أخَافُ أنْ يَمَسّكَ
عَذَابٌ مِنْ الرّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشّيْطَانِ وَلِيّا * قَالَ أرَاغِبٌ أنْتَ
عَنْ آلِهَتي يَا إ بْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأرْجُمَنّكَ وَاهْجُرْني
مَلِيّا * قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبيّ إنّهُ كَانَ بي حَفِيّا
* وَأعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ وَأدْعُو رَبيّ عَسَى ألاّ
أكُونَ بِدُعَاءِ رَبيّ شَقِيّا »(٢) .
ويبدوا انّ إ براهيم عليهالسلام في هذه المرحلة :
١ ـ كان يعيش الفطرة النقية والقلب السليم .
٢ ـ استخدم عقله ووجدانه للوصول إلى الحقيقة ، فأعانه اللّه ـ تعالى ـ على ذلك
بإراءته ملكوت السماوات والأرض .
٣ ـ المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة لأبيه وأهله ثمّ لقومه .
٤ ـ اللطف والمصاحبة بالمعروف لأبيه آزر .
٥ ـ المهادنة والمتاركة لأبيه وقومه ، والانفصال عنهم في الحياة الاجتماعية
والدينية ، والتوجه إلى اللّه تعالى بالعبادة ؛ إذ كان يعمل مع أبيه وهو نجّار يصنع
الأوثان .
(١) الأنعام : ٧٤ ـ ٨٣ .
(٢) مريم : ٤١ ـ ٤٨ .
وتشير بعض الروايات عن أهل البيت عليهمالسلام أنّ إ براهيم كان يسخر من الأوثان والأصنام في هذه المرحلة ، حيث كان أبوه يدفع له الأصنام ؛ ليبيعها كما يبيع إخوته ، فكان يعلّق في أعناقها الخيوط ، ويجرّها على الأرض ويقول : « من يشتري ما لا يضرّه ولا ينفعه » ويغرقها في الماء والحماة ، ويقول لها : « اشربي وتكلّمي » !! فذكر إخوته ذلك لأبيه ، فنهاه ، فلم ينته ، فحبسه في منزله ولم يدعه يخرج(١) .
لم يحدّد القرآن الكريم الوقت الذي خوطب به إ براهيم بالرسالة والدعوة ، كما هو الحال بالنسبة إلى موسى عليهالسلام ، ولكن يبدو ـ واللّه أعلم ـ أنّ الخطاب بالرسالة كان بعد فترة العزلة عن أبيه ومجتمعه ، حيث اتسم موقف إ براهيم بعدّة سمات جديدة :
أ ـ المواجة بعد المهادنة .
ب ـ البراءة من أبيه بعد الاستغفار له .
ج ـ الشدّة في التعامل مع عبادة الأصنام ، بعد أن كان الموقف السابق يتصف بالاحتجاج
الكلامي اللين ، أو السخرية الفردية الخاصة .
وهذا التطور في الموقف يعبّر عن وضع جديد يتسم بالمسؤولية الكبيرة وتحمل الأعباء
والأخطار ، وهو ينسجم مع افتراض توجه الخطاب الإلهي له بالنبوّة والرسالة .
ويبدو ذلك واضحا من خلال المقارنة بين ما ورد في سورة الأنعام ومريم ، مع ما ورد في
سورة الأنبياء والشعراء والعنكبوت والصافات .
(١) تفسير القمي : ١٩٥ .
وهنا نجد إ براهيم عليهالسلام :
١ ـ قد أخذ ينتقد بشكل علني وواضح عبادة قومه للاصنام ، ويستنكر عليهم ذلك ، ويحتج
على هذا الانحراف والضلالة بأنّ هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ، ولا تملك الرزق ،
ولا تسمع الدعاء ، ولا تبصر الأشياء ، وأ نّها إفك قد افتراه الناس على اللّه تعالى
والحقيقة . ولم يجد جوابا عن هذا الاحتجاج والاستنكار إلاّ جوابا واحدا ، وهو : أ
نّهم يقلّدون آباءهم الاقدمين في هذه العبادة .
٢ ـ ولمّا ألحّ عليهم بالاحتجاج والطلب أخذوا يستغربون منه ذلك ، ويتعجبون من حديثه
، وهل هو حديث جدّ وحقّ أو كان يلعب ويمزح معهم « قَالُوا أجِئْتَنَا بِالحَقّ أمْ
أنْتَ مِنْ اللاعِبِينَ »(١) . ولكنّه عليهالسلام أكّد أ نّه جاء بالحقّ وأنّ
الربّ هو اللّه ـ تعالى ـ ربّ السماوات والأرض الذي فطرهن ، وأ نّه هو الشاهد على
الحقيقة المطلع على هذا الواقع « الّذِي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِيني * وَالّذِي هُوَ
يُطْعِمُني وَيَسْقِيني * وَإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِيني * وَالّذِي يُمِيتُني
ثُمّ يُحْيِينِ * وَالّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لي خَطِيئَتي يَوْمَ الدِّينِ »(٢)
.
ثمّ أخذ يتوجه إلى ربّه بالدعاء مؤكدا ذلك « رَبِّ هَبْ لي حُكْما وَألْحِقْني
بِالصّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لي لِسَانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ * وَاجْعَلْني مِنْ
وَرَثَةِ جَنّةِ النّعِيمِ * وَاغْفِرْ لاِءبي إنّهُ كَانَ مِنْ الضّالِّينَ *
وَلاَ تُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ *
إلاَّ مَنْ أتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ »(٣) .
(١) الأنبياء : ٥٥ .
(٢) الشعراء : ٧٨ ٨٢ .
(٣) الشعراء : ٨٣ ـ ٨٩ .
٣ ـ وفي تطور آخر آخذ يعظهم ، ويذكّرهم بالآخرة والنشأة الاخرة
وبمواقف الاُمم السابقة من الأنبياء والرسالات ، وما نزل بهم من عذاب بسبب تكذيبهم
، وإنّهم مهما اُوتوا من قوة فهم لا يعجزون اللّه ـ تعالى ـ أن يأخذهم بالعذاب «
وَإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذّبَ اُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرّسُولِ
إلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِءُ اللّهَُ الْخَلْقَ
ثُمّ يُعِيدُهُ إنّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ
فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الْخَلْقَ ثُمّ اللّهَُ يُنشِئُ النّشْأَةَ الآخِرَةَ
إنّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ
يَشَاءُ وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وَلاَ في
السّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيرٍ * وَالّذِينَ
كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ وَلِقَائِهِ اُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتي
وَاُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ »(١) .
٤ ـ وفي تطور رابع أخذ إ براهيم يتبرأ بشكل علني وواضح من الآلهة ، ويظهر العداوة
لهم ، ويتوعد ، ويهدد بالكيد لهم والقضاء عليهم ؛ ليثبت بشكل واضح عجزها عن الدفاع
عن نفسها ، أو قدرتها على أن تفعل شيئا لنفسها ، بل هي أدنى وأعجز من الإنسان نفسه
الذي يتمكن من الأكل والشرب والكلام ، وهي لا تتمكن من ذلك كلّة .
« فَأِ نّهُمْ عَدُوّ لي إلاّ رَبّ العَالَمِين »(٢) .
« وَتَاللّه لأكِيدَنّ أصْنَامَكُمْ بَعْدَ أنْ تُولّوا مُدْبِرينَ »(٣) .
« وَإذْ قَالَ إ بْرَاهِيمُ لاِءبِيهِ وَقَوْمِهِ إ نّني بَرَاءٌ مِمّـا
تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَّذِي فَطَرَني فَإنَّهُ سَيَهْدِيني * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً
بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ »(٤) .
(١) العنكبوت : ١٨ ـ ٢٣ .
(٢) الشعراء : ٧٧ .
(٣) الأنبياء : ٥٧ .
(٤) الزخرف : ٢٦ ـ ٢٨ .
« قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إ بْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إذْ
قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمّـا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أبَدا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إ
بْرَاهِيمَ لاِءبِيهِ لاَءَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أمْلِكُ لَكَ مِنْ اللّهِ
مِنْ شَيْءٍ رَبّنَا عَلَيْكَ تَوَكّلْنَا وَإلَيْكَ أنَبْنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ
»(١) .
ولما تبيّن لإ براهيم أنّ أباه عدو لله تبرأ منه أيضا « وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إ
بْرَاهِيمَ لاِءبِيهِ إلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إ يَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ
لَهُ أ نَّهُ عَدُوٌّ للّهِ تَبَرَّأ مِنْهُ إنَّ إ بْرَاهِيمَ لاَءَوَّاهٌ
حَلِيمٌ »(٢) .
٥ ـ وفي تطور آخر بدأ إ براهيم يخطط للدخول في مواجهة عملية وميدانية فعلية ، ولم
يكتف بالحديث والكلام والبراءة من قومه وممّـا يعبدون .
وكان إ براهيم قد توعّد قومه أن يكيد لاصنامهم ، فخرج قومه ذات يوم إلى عبادة جامعة
لهم خارج البلد ، أو إلى عيد من أعيادهم ، أو يوم من أيامهم يخرجون فيه من منازلهم
إلى خارج البلد ـ كما يفعل بعض الناس ذلك في يوم ١٣ فروردين من السنة الشمسية في
بلاد فارس وغيرها ـ وتخلّف عنهم إ براهيم متعللاً بالسقم ، فلم يخرج معهم ، ودخل
بيت الأصنام وأخذ قدوما بيده ، فراغ على آلهتهم ضربا باليمين ، فجعلهم جذاذا
وأجزاءً محطمة ، واستثنى من ذلك كبير الأصنام ، لعلّهم يرجعون إليه بالسؤال ؛
لمعرفة الحقيقة .
فلمّا رجعوا ، وشاهدوا ما حدث لآلهتهم أخذوا يسألون ، ويفتشون عمّن فعل بهم ذلك ،
فقال بعضهم : سمعنا فتى يذكرهم يقال له : إ براهيم .
(١) الممتحنة : ٤ .
(٢) التوبة : ١١٤ .
فأحضروا إبراهيم إلى مجمعهم ، وأتوا به على أعين الناس ؛ ليشهدوا استنطاقه .
وانتهز إ براهيم هذه الفرصة ليبلّغ دعوته مع الحجّة البالغة والدليل الواضح ـ كما
صنع موسى عليهالسلام بعده في قضيه المباراة مع السحرة ـ .
قالوا ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إ براهيم ؟ ! .
قال لهم إ براهيم عليهالسلام : ـ على نحو الاحتجاج والالزام لا الجد والاخبار ،
ليكشف لهم حقيقة الاصنام عمليا ـ إنّ هذا ممّـا فعله كبيرهم بهم ـ وأشار إليه ـ
فاسألوهم إن كانوا ينطقون .
وقد قال لهم ذلك وهو يعلم أ نّه لا يصدقونه على ذلك ؛ لأ نّهم يعلمون أنّ هذه
الأصنام جمادات لا يقدر أيّ واحد منهم على هذا الفعل ، ولا على الاخبار عن الواقع .
وبذلك يكون إ براهيم قد ألزمهم بالحجّة العملية ، وواجههم بعجز هذه الأصنام وعدم
قدرتها على الضر ، أو النفع ، أو الكلام ، أو السمع .
ولذلك لمّا سمعوا منه هذا الكلام رجعوا إلى أنفسهم ، فعرفوا الحقيقة ، وقالوا :
إنّكم أنتم الظالمون بعبادة الأوثان وبالشرك باللّه تعالى .
ولكنّهم نكسوا على رؤوسهم مرة اُخرى ، وأخذتهم العزّة بالاثم والجحود ، فقالوا :
لقد علمت أنّ هؤلاء لا ينطقون ؟ !
قال : أفتعبدون من دون اللّه ما لا يضرّكم ، ولا ينفعكم ؟ ! أُفٍّ لكم وما تعبدون
من دون اللّه أفلا تعقلون . أتعبدون ما تنحتونه بأيديكم ، وتصنعونه بأنفسكم وتتركون
عبادة اللّه الذي خلقكم ، وما تعملون ؟ !
٦ ـ وفي تطور آخر للموقف نجد قوم إ براهيم ـ وعلى رأسهم ملكهم النمرود على ما ذكرته
بعض النصوص التأريخية والروايات ـ يتخذون قرارا ، ويصدرون
حكما بإحراق إ براهيم عليهالسلام عقابا له على هذا العمل الذي كانوا يرونه جريمة
من أكبر الجرائم في حقّهم وحقّ مجتمعهم، وذلك بعد أن كانوا قد نكسوا على رؤوسهم ،
واستمرارا منهم في موقفهم ، وأخذوا يحرّض بعضهم بعضا على نصرة آلهتهم ، فبنوا له
بنيانا ، وأسعروا فيها جحيما من النار ، وقد اشترك في هذا الأمر عامة الناس ،
وألقوه في الجحيم التي أسعروها من خلال رميه بالمنجنيق على ما تذكر بعض النصوص .
٧ ـ وهنا حدثت المفاجأة التي ادهشت الجميع ؛ إذ إنّ اللّه ـ سبحانه ـ أمر النار أن
تكون بردا وسلاما على إ براهيم ، وأبطل كيدهم بذلك .
وتذكر بعض النصوص أن نمرود نظر إلى إ براهيم عليهالسلام وقد أنجاه اللّه ـ تعالى ـ
من النار ، فقال متعجبا : من اتخذ إلها فليتخذ مثل إله إ براهيم .
٨ ـ وقد اُدخل إ براهيم عليهالسلام في مثل هذه الأحوال على الملك ، وكان يعبده
القوم ، ويتخذونه ربا ، فحاجّ الملك إ براهيم في ربّه(١) .
فقال له الملك : مَنْ ربّك هذا ؟ قال إ براهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، قال له
الملك : أنا اُحيي وأميت . فقال له إ براهيم : كيف تحيي وتميت ؟ قال أعمد إلى رجلين
ممّن وجب القتل لهما ، فأطلق أحدهما وأعفو عنه ، وأقتل الآخر ، فأكون قد أمت وأحييت
( فقال إ براهيم عليهالسلام إن كنت صادقا فأحيي الذي قتلته ) . ثم قال إ براهيم
عليهالسلام : يا هذا فإنّ ربي يأتي بالشمس من المشرق ، فات بها من المغرب !
(١) ويقول علي بن إ براهيم القمي في تفسيره : إنّ هذه الواقعة كانت بعد نجاته من الإحراق بالنار ـ وهذا هو مقتضى التسلسل الطبيعي للأحداث ـ حيث أثار ذلك عند الملك هذا السؤال .
فبهت الذي كفر ، وانقطع عن الاحتجاج(١) .
٩ ـ وقرر إ براهيم الهجرة ـ مع من آمن معه ـ من بلاده إلى الأرض المقدسة المباركة
ليدعو إلى اللّه تعالى ؛ وذلك إمّا لوجود فرصة أفضل للدعوة إلى اللّه تعالى وءابلاغ
رسالته ، كما قد يفهم ذلك من قوله تعالى : « فآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنيّ
مُهَاجِرٌ إلَى رَبيّ إنّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »(٢) .
وقوله تعالى : « وَقَالَ إنيّ ذَاهِبٌ إلى رَبيّ سَيَهْدِينِ »(٣) .
أو أنّ اللّه أنجاه من القوم الكافرين بقرار من الملك بنفيه إلى الأرض المباركة ،
كما تنص على ذلك بعض الروايات(٤) . وقد يفهم من قوله تعالى : « وَنَجّيْنَاهُ
وَلُوطَا إلَى الأرْضِ الّتي بَارَكْنَا فِيهَا لِلِعَالَمِينَ »(٥) .
ونلاحظ في هذه المرحلة الاُمور التالية :
١ ـ أنّ إ براهيم عليهالسلام قد اتبع في دعوته إلى قومه سبيل الحكمة والموعظة
الحسنة والتدرج في إ بلاغ الدعوة ، واستخدم في ذلك العقل والمنطق السليم ومخاطبة
الوجدان . وبدأ بأهله وعشيرته ، ثمّ بالناس عموما حتى انتهى الأمر به إلى مجادلة
الملك نفسه .
(١) تفسير القمي : ٧٦ ، ومجمع البيان ٢ : ٣٦٧ .
(٢) العنكبوت : ٢٦ .
(٣) الصافات : ٩٩ .
(٤) روضة الكافي : ٣٧٠ .
(٥) الأنبياء : ٧١ .
٢ ـ أنّ إ براهيم عليهالسلام لم يؤمن له أحد من قومه إلاّ لوط ـ كما يصرّح القرآن
الكريم باسمه ـ وزوجته سارة التي كان قد تزوّج بها قبل هجرته ، كما تشير الآيات
الدالة على سؤاله من ربّه أن يهب له الذرية الصالحة . وكما تؤكّد ذلك بعض الروايات
.
كما أنّ قوله تعالى : « قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إ بْرَاهِيمَ
وَالّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنْكُمْ . . . »(١) يدلّ
على وجود أكثر من واحد من المؤمنين معه .
هذا كلّه رغما عمّا بذله إ براهيم من عناء وتعب وجهود في سبيل إ بلاغ الدعوة .
٣ ـ أنّ إ براهيم كان يتبع اُسلوب التخطيط في المواجهة مع الشجاعة الفائقة ، والصبر
والتوكل على اللّه تعالى ، وتحمل المسؤولية بمفرده ، وتحمل نتائجها مهما كانت ،
والاستقامة على الموقف مهما كانت الظروف .
٤ ـ البراءة المطلقة من الكافرين حتى لو كانوا أقرب الناس إليه ، ولذا كان إ براهيم
قدوة لكلّ المؤمنين بالرسالات الإلهيّة الخاتمة . كما ذكرنا ذلك سابقا ، وتشير إليه
الآيات السابقة في النقطة الثانية .
٣ ـ مرحلة الهجرة وابلاغ رسالة التوحيد :
لقد قرّر إ براهيم الهجرة إلى الأرض المقدسة التي باركها اللّه تعالى ، وهي : أرض
فلسطين ، وقد صحب معه في هذه الهجرة لوط ، وهو من أقربائه ، كما يذكر في التاريخ ؛
إذ إنّه ابن أخيه على ما تذكر النصوص التوراتية(٢)
(١) الممتحنة : ٤ .
(٢) الميزان ٧ : ٢١٩ عن التوراة .
وقيل : إنّه ابن خالته كما
تشير إلى ذلك بعض الروايات ، وإنّ سارة زوجة إ براهيم هي أخت لوط(١) .
يبدو من بعض الروايات أنّ إ براهيم عندما هاجر إلى الارض المباركة كان في سعة من
الرزق والمال ؛ إذ كانت سارة زوجته ذات مال ، وقد نماه بعمله ، وأخذه معه في هجرته
.
ولا يحدثنا القرآن الكريم عن تفاصيل هذه المرحلة المهمة من حياة إ براهيم
عليهالسلام .
ولكن النصّ التوراتي الذي يتحدّث عن إ براهيم يبدأ بهذه المرحلة من حياته ، ويذكر
تفاصيل صغيرة ، وقصّة فيها الكثير من الغرابة.
كما أنّ بعض الروايات التي وردت عن النبي من طرق الجمهور تكاد تتفق مع النص التوراتي في تفاصيله ، الأمر الذي يؤشّر على تسرب الإسرائيليات لهذه الروايات(٢) .
(١) البحار عن علل الشرائع ١٢ : ١٤٨ .
(٢) للمزيد من الاطلاع راجع النص التوراتي في قصص الأنبياء للنجار : ١٤٥ . وهناك
بحث قيّم بين لجنة تقييم الكتاب والمؤلف النجار حول هذا الموضوع يحسن مراجعته : ١٢٤
ـ ١٣٦ ، وما رواه الجمهور في قصص الأنبياء لابن كثير : ١٣٦ ـ ١٣٨ .
وقد وردت الرواية عن أهل البيت في هذا الموضوع أيضا ، ولكنّها نقية من الشوائب
التوراتية . ولذا نذكر مضمونها بصورةٍ إجمالية :
( فأخرجوا إ براهيم ولوطا معه من بلادهم إلى الشام ، فخرج إ براهيم ومعه لوط لا
يفارقه وسارة ، وقال لهم : « إنيّ ذَاهِبٌ إلى رَبيّ سَيَهْدَيْنِ » يعني : إلى بيت
المقدس ، فتحمّل إ براهيم عليهالسلام بماشيته وماله ، وعمل تابوتا ، وجعل فيه سارة
، وشدّ
عليها الاغلاق غيرة منه عليها ، ومضى حتى خرج من سلطان نمرود ، وسار إلى سلطان رجل
من القبط يقال له : عرارة ، فمرّ بعاشر له ، فاعترضه العاشر ؛ ليعشر ما معه ، فلمّا
انتهى إلى العاشر ومعه التابوت قال العاشر لابراهيم عليهالسلام : افتح هذا التابوت
حتى نعشر ما فيه ، فقال له إ براهيم عليهالسلام : قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتى
نعطي عشره ، ولا نفتحه ، قال : فأبى العاشر إلاّ فتحه ، قال : وغضب إ براهيم
عليهالسلام على فتحه ، فلمّا بدت له سارة ـ وكانت موصوفة بالحسن والجمال ـ قال له
العاشر : ما هذه المرأة منك ؟ قال إ براهيم : هي حرمتي وابنة خالتي ، فقال له
العاشر : فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت ؟ فقال إ براهيم عليهالسلام :
الغيرة عليها أن يراها أحد ، فقال له العاشر : لست أدعك تبرح حتى أعلم الملك حالها
وحالك ، قال : فبعث رسولاً إلى الملك ، فأعلمه ، فبعث الملك رسولاً من قبله ليأتوه
بالتابوت ، فأتوا ليذهبوا به ، فقال لهم إ براهيم عليهالسلام : إنّي لست اُفارق
التابوت حتى يفارق روحي جسدي ، فأخبروا الملك بذلك ، فأرسل الملك أن احملوه
والتابوت معه ، فحملوا إ براهيم عليهالسلام والتابوت وجميع ما كان معه حتى اُدخل
على الملك ، فقال له الملك : افتح التابوت ، فقال له إ براهيم عليهالسلام : أ يّها
الملك إنّ فيه حرمتي وبنت خالتي ، وأنا مفتد فتحه بجميع ما معي ، قال : فغصب الملك
إ براهيم على فتحه ، فلمّا رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مدّ يده إليها ، فأعرض إ
براهيم عليهالسلام وجهه عنها وعنه غيرة منه ، وقال : اللّهم احبس يده عن حرمتي
وابنة خالتي ، فلم تصل يده إليها ، ولم ترجع إليه ، فقال له الملك : إنّ إلهك هو
الذي فعل بي هذا ؟ فقال له : نعم انّ إلهي غيور يكره الحرام ، وهو الذي حال بينك
وبين ما أردت من الحرام ، قال له الملك : فادع إلهك يردّ عليّ يدي ، فإن أجابك فلم
أعرض لها ، فقال إ براهيم عليهالسلام : إلهى ردّ إليه يده ؛ ليكفّ عن حرمتي ، قال
: فردّ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ إليه يده ، فاقبل الملك نحوها ببصره ، ثمّ عاد بيده نحوها ، فأعرض إ براهيم عنه بوجهه غيرة منه ، وقال : اللّهم
احبس يده عنها ، قال : فيبست يده ولم تصل اليها ، فقال الملك لإ براهيم : إنّ إلهك
لغيور ، وإنّك لغيور ، فادع إلهك يردّ علىّ يدي ، فإنّه إن فعل لم أعد ، فقال إ
براهيم : أسأله ذلك على أ نّك إن عدت لم تسألني ان أسأله ، فقال له الملك : نعم ،
فقال إ براهيم : اللهم إن كان صادقا فرد يده عليه ، فرجعت إليه يده ، فلمّا رأى ذلك
الملك من الغيرة ما رأى ، ورأى الآية في يده عظّم إ براهيم ، وهابه ، وأكرمه واتقاه
، وقال له : قد أمنت من أن أعرض لها ، أو لشيءٍ ممّا معك ، فانطلق حيث شئت ، ولكن
لي إليك حاجة ، قال إ براهيم : ما هي ؟ فقال له : أحبّ أن تأذن لي أن أخدمها قبطيّة
عندي جميلة عاقلة تكون لها خادما ، قال : فأذن له إ براهيم ، فدعا بها ، فوهبها
لسارة ، وهي هاجر اُم إسماعيل ، فسار إ براهيم بجميع ما معه ، وخرج الملك معه يمشي
خلف إ براهيم إعظاما لابراهيم وهيبة له ، فأوحى اللّه ـ تبارك وتعالى ـ إلى إ
براهيم : أن قف ولا تمش قدّام الجبّار المتسلّط ، ويمشي وهو خلفك ، ولكن اجعله
أمامك ، وامش خلفه وعظّمه ، وهبه ، فإنّه مسلط ، ولا بدّ من إمرة في الأرض برّة أو
فاجرة ، فوقف إ براهيم وقال للملك : امض فإنّ إلهى أوحى اليّ الساعة أن أعظّمك ،
وأهابك ، وإن أقدّمك أمامي ، وأمشي خلفك إجلالاً لك ، فقال له الملك : أوحى إليك
بهذا ؟ فقال له إ براهيم : نعم، فقال له الملك :
أشهد أنّ إلهك لرفيق حليم كريم ، وأ نّك ترغّبني في دينك ، قال : وودّعه الملك ،
فسار إ براهيم حتى نزل بأعلى الشامات ، وخلّف لوطا عليهالسلام في أدنى الشامات .
ثم إنّ إ براهيم لمّا أبطأ عليه الولد قال لسارة : لو شئت لبعتيني هاجر ، لعلّ
اللّه أن يرزقنا منها ولدا ، فيكون لنا خلفا : فابتاع إ براهيم هاجر من سارة ، فوقع
عليها ،
فولدت اسماعيل عليهالسلام (١) .
٢ ـ وقد استجاب اللّه ـ تعالى ـ لإبراهيم دعاءه في طلب الذرية الصالحة ، فولد له
إسماعيل ، كما يشير القرآن الكريم إلى ذلك في قصّة الذبيح من قوله تعالى في سورة
الصافات :
« رَبِّ هَبْ لي مِنْ الصّالِحِينَ * فَبَشّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ * فَلَمّا
بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَا بُنيّ إنيّ أرَى فِي الْمَنَامِ أ نيّ أذْبَحُكَ
فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شَاءَ
اللّهَُ مِنْ الصّابِرِينَ * فَلَمّا أسْلَمَا وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ *
وَنَادَيْنَاهُ أنْ يَا إ بْرَاهِيمُ * قَدْ صَدّقْتَ الرّوءْيَا إنّا كَذَلِكَ
نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ * إنّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ
بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إ
بْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ »(٢) .
ثم يقول القرآن الكريم : « وَبَشّرْنَاهُ بِإسْحَاقَ نَبِيّا مِنْ الصَالِحِينَ *
وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إسْحَاق . . . »(٣) .
(١) البحار عن الكافي ١٢ : ٤٤ ـ ٤٧ .
(٢) الصافات : ١٠٠ ـ ١١٠ .
(٣) الصافات : ١١٢ ـ ١١٣ . والقرآن الكريم وإن لم يسمّ الغلام الحليم باسمه ، ومن
ثمّ لا يصرّح باسم الذبيح ، لكنّ التوراة تصرح في نصوصها بشكل واضح : أنّ إسماعيل
قد ولد لإ براهيم قبل إسحاق بثلاثة عشر سنة ، وسوف نبين أنّ الذبيح هو إسماعيل كما
يفهم من هذه الآيات ، ومن الروايات التي وردت عن أهل البيت ( سلام اللّه عليهم )
لمزيد منالمعلومات راجع قصص الأنبياء للنجّار : ١٤٧ ـ ١٤٩ ، والميزان ٧ : ٢٣٢ ـ
٢٣٤ .
ثمّ كانت البشارة الاُخرى التي ذكرها القرآن الكريم في عدة مواضع ، هي :
البشارة بولادة إسحاق من زوجه العقيم ( سارة ) . حيث جاءت رسل اللّه وملائكته إ
براهيم على شكل ضيوف مكرمين ، فقدّم لهم إ براهيم الطعام على شكل عجل سمين ، فلم
يمدّوا أيديهم له ، فاستغرب ذلك منهم ، وأوجس خيفة ، فذكروا أ نّهم قد اُرسلوا إلى
قوم لوط ، لينزلوا فيهم عذاب اللّه ، وكانت امرأة إ براهيم حاضرة في هذه المحادثة ،
فتوجهوا إليها ، وبشّروها بالولد إسحاق ، وأ نّه يولد له ذرية صالحة ، وهو يعقوب ،
فتعجبت من ذلك ؛ لأ نّها عقيم قد بلغت سن اليأس ، وأصبحت عجوزا ، فقالت أألد وأنا
عجوز ، وهذا بعلي إ براهيم شيخا إن هذا لشيء عجيب . . . قالوا لها : أتعجبين من أمر
اللّه ـ تعالى ـ في شأنكم ، فإنّ رحمته وبركاته عليكم أهل البيت إنّ اللّه حميد
مجيد .
« وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إ بْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاَما قَالَ
سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمّا رَأى أ يْدِيَهُمْ لاَ
تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إنّا
اُرْسِلْنَا إلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ
فَبَشّرْنَاهَا بِإسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا
وَيْلَتَا أَألِدُ وَأنَا عَجُوزٌ وَهذَا بَعْلي شَيْخا إنّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
* قَالُوا أتَعْجَبِينَ مِنْ أمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ
عَلَيْكُمْ أهْلَ الْبَيْتِ إنّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إ
بْرَاهِيمَ الرّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنّ إ
بْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إ بْرَاهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذَا إنّهُ
قَدْ جَاءَ أمْرُ رَبِّكَ وَإنّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ »(١) .
(١) هود : ٦٩ ـ ٧٦ .
« هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إ بْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ
فَقَالُوا سَلاَما قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إلَى أهْلِهِ فَجَاءَ
بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ ألاَ
تَأْكُلُونَ * فَأوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشّرُوهُ
بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ * فَأقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرّةٍ فَصَكّتْ وَجْهَهَا
وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبّكِ إنّهُ هُوَ الْحَكِيمُ
الْعَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أ يّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إنّا
اُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ
* مُسَوّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ »(١) .
« وَلَمّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إ بْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إنّا مُهْلِكُو
أهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إنّ أهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إنّ فِيهَا
لُوطا قَالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنّهُ وَأهْلَهُ إلاَّ
امْرَأتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ »(٢) .
٣ ـ ومن الاحداث المهمة في هذة المرحلة هي : قصّة ذهاب لوط إلى أهل ( سدوم )(٣) ؛
لدعوتهم إلى اللّه تعالى ، وهدايتهم إلى طريق الصواب .
وتفصيل هذه القصّة يتحدّث عنها عادة في قصّة لوط ، ولكن الذي يهمنا من هذه القصّة
في موضوع إ براهيم أمران :
أ ـ ذهاب لوط إلى قوم سدوم ؛ لهدايتهم بعد أن تعرضوا لانحراف أخلاقي فريد في تاريخ
البشرية حتى ذلك الوقت ، ويبدو من القرآن الكريم أنّ هذا الذهاب إليهم كان إرسالاً
من إ براهيم لابن أخيه أو ابن اُخته ؛ للقيام بواجبات الرسالة والدعوة(٤) . فانّ
هجرتهما كانت في سبيل اللّه ومن أجل اللّه تعالى .
(١) الذاريات : ٢٤ ـ ٣٤ .
(٢) العنكبوت : ٣١ ـ ٣٢ .
(٣) هذا ما ذكرته التوراة في اسم المنطقة التي ذهب إليها لوط .
(٤) تذكر التوراة هنا تفاصيل حول ذهاب لوط ترتبط بموضوع معيشي ؛ إذ اتخذ لوط هذه
المنطقة للسكن وإدارة اُموره الحياتية ، كما يشير إلى ذلك التوراة في الاصحاح ١٢ و
١٣ من سفر التكوين ، النجّار قصص الانبياء : ١٣٤ .
ب ـ إنّ رسل اللّه الملائكة عندما جاؤا لإنزال العذاب بقوم لوط جاؤا لإ براهيم
أوّلاً ليخبرونه بذلك ، وإنّ إ براهيم يجادلهم في هذا الأمر ، ويطلب منهم تأجيل
العذاب ؛ لانّ فيها لوطا . ولمّا يخبرونه بأنّ الارادة الإلهية قد اقتضت نجاة لوط
وأهله ، أخذ يجادلهم في قوم لوط ، ولكن الملائكة أخبروه بأنّ هذا القرار والإرادة
نهائية لابداء فيها ولا تغيير(١) ، وهذا فيه إشارة ـ أيضا ـ إلى ارتباط موضوع لوط
بابراهيم عليهالسلام .
« وَلَمّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إ بْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إنّا مُهْلِكُو
أهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إنّ أهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إنّ فِيهَا
لُوطا قَالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنّهُ وَأهْلَهُ إلاَّ
امْرَأتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ »(٢) .
« فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إ بْرَاهِيمَ الرّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا
فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنّ إ بْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إ بْرَاهِيمُ
أعْرِضْ عَنْ هَذَا إنّهُ قَدْ جَاءَ أمْرُ رَبِّكَ وَإنّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ
غَيْرُ مَرْدُودٍ »(٣) .
٤ ـ ومن الاحداث المهمة في هذه المرحلة هي : قيام إ براهيم بإسكان إسماعيل وأمه
هاجر في أرض مكة من الحجاز عند البيت الحرام الذي هو أوّل بيت وضع للناس(٤)،
(١) وتذكر التوراة صورة للمجادلة من إ براهيم والملائكة بشأن قوم لوط ، راجع قصص
الأنبياء للنجّار : ١٣٩ ، الهامش .
(٢) العنكبوت : ٣١ ـ ٣٢ .
(٣) هود : ٧٤ ـ ٧٦ .
(٤) سوف نشير في هامش الخصيصة الثالثة من خصائص هذه المرحلة النص الذي يؤكّد هذا
البعد التاريخي للبيت الحرام .
وكان في وادٍ غير ذي زرع بسبب قضية شاءت الحكمة الإلهية أن يستجيب فيها إ براهيم لطلب زوجته سارة في أن يبعد عنها زوجته هاجر وولدها إسماعيل، كما تذكر ذلك النصوص التوراتيه والروايات الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام مع اختلاف بينها في بعض التفاصيل(١) ، ويذكر القرآن أصل القضية :
(١) عن هشام ، عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال : « إنّ إ براهيم ( ع ) كان نازلاً في بادية الشام ، فلما ولد له من هاجر اسماعيل اغتمت سارة من ذلك غمّـا شديدا ؛ لأ نّه لم يكن له منها ولد ، كانت تؤذي إ براهيم في هاجر وتغمه ، فشكى إ براهيم ذلك إلى اللّه عز وجل ، فأوحى اللّه إليه إنّما مثل المرأة مثل الضلع العوجا إن تركتها استمتعتها ، وإن اقمتها كسرتها ، ثم أمره أن يخرج إسماعيل وأمّه ، فحمل هاجر واسماعيل ، وكان إ براهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع إلاّ قال يا جبرائيل إلى ههنا إلى ههنا ، فيقول لا أمض ، امض حتى اتى مكة ، فوضعه في موضع البيت ، وقد كان إ براهيم عاهد سارة أن لا ينزل حتى يرجع إليها ، فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجرة ، فألقت هاجر على ذلك الشجر كساءً ، وكان معها ، فاستظلوا تحته ، فلمّا سرحهم إ براهيم ، ووضعهم ، وأراد الانصراف منهم إلى سارة قالت له هاجر : يا إ براهيم لم تدعنا في موضع ليس فيه انيس ، ولا ماء ، ولا زرع ؟ فقال إ براهيم : اللّه الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان حاضر عليكم ، ثم انصرف عنهم ، فلما بلغ كداء ، وهو : جبل بذي طوى التفت إليهم إ براهيم فقال : « رَبّنَا إنيّ أسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيّتي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الُْمحَرّمِ رَبّنَا لِيُقِيمُوا الصّلاةَ فَاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنْ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الّثمَرَاتِ لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ » ثمّ مضى ، وبقيت هاجر ، فلمّا ارتفع النهار عطش إسماعيل وطلب الماء ، فقامت هاجر في الوادي في موضع المسعى ونادت هل في الوادي من انيس ؟ فغاب عنها اسماعيل ، فصعدت على الصفا ، ولمع لها السراب في الوادي ، وظنت أنه ماء ، فنزلت في بطن الوادي ، وسعت ، فلما بلغت المسعى غاب عنها إسماعيل ، ثمّ لمع لها السراب في ناحية الصفا ، فهبطت إلى الوادي تطلب الماء ، فلما غاب عنها إسماعيل عادت حتى بلغت الصفا ، فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات . . . الحديث» تفسير القمي ١ : ٦٠ ـ ٦١ .
« رَبّنَا إنيّ أسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيّتي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ
الُْمحَرّمِ رَبّنَا لِيُقِيمُوا الصّلاَةَ فَاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنْ النّاسِ
تَهْوِي إلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الّثمَرَاتِ لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ »(١) .
وبذلك أصبح لإ براهيم امتداد وحضور عائلي واجتماعي جديد في قلب الجزيره العربية ،
وفي هذا المكان المقدس في التاريخ الإنساني .
٥ ـ ومن الاحداث المهمة في هذه المرحلة تشريع الصلاة والزكاة ، وبعض الآداب
الاجتماعية والاخلاق التكاملية الإنسانية العالية التي أشار إليها القرآن الكريم ،
وذكرت تفاصيلها الروايات التي وردت عن النبي وأهل بيته ، كما ذكرت بعضها النصوص
التوراتية(٢) .
« قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ
الْحَيَاةَ الدّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبْقَى * إنّ هَذَا لَفي الصّحُفِ
الاُولَى * صُحُفِ إ بْرَاهِيمَ وَمُوسَى »(٣) .
(١) إ براهيم : ٣٧ .
(٢) ورد في الروايات أنّ إ براهيم أوّل من أضاف الضيف ( البحار ١٢ : ٤ عن أمالي
الطوسي ) ، كما ورد في تفسير علي بن إ براهيم : أنّ الحنيفيّة هي العشرة التي جاء
بها إ براهيم : خمسة في الرأس ، وخمسة في البدن . فالتي في الرأس قطم الشعر : وهو
قصّه ، وأخذ الشارب ، واعفاء اللحى ، والسواك والخلال . وأمّا التي في البدن فالغسل
من الجنابة ، والطهور بالماء، وتقليم الاظافر ، وحلق شعر البدن ، والختان . وهذه
لم تنسخ إلى يومالقيامة . تفسير القمي ١ : ٣٩٤ .
(٣) الأعلى : ١٤ ـ ١٩ .
فقد اُشير إلى ذلك بالصفات الخاصة المتميزة التي وصف بها القرآن الكريم إ براهيم
بما لم يصف غيره من الأنبياء عدا نبينا محمّد صلىاللهعليهوآله كما ذكر ، كما
اُشير إليها
بالابتلاء بالكلمات التي أشار ت إليها الآية الكريمة ، وشرحتها بعض الروايات(١) :
« وإذ إبْتَلَى إ بْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأتَمّهنّ . . . » .
كما يمكن أن يكون المشار إليها بالحديث عن صحف إ براهيم الذي تذكر بعض الروايات عن
رسول اللّه بأ نّها عبارة عن أمثال ومفاهيم أخلاقية(٢) .
٦ ـ ومن الاحداث المهمة في هذه المرحلة التي أشار اليها القرآن الكريم قضية طلب إ
براهيم من ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى: « وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أرِني
كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ
لِيَطْمَئِنّ قَلْبي قَالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنْ الطّيْرِ فَصُرْهُنّ إلَيْكَ ثُمّ
اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنّ جُزْءا ثُمّ ادْعُهُنّ يَأتِينَكَ سَعْيا
وَاعْلَمْ أنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »(٣) .
حيث ترسخ هذه القضية فكرة الدار الاخرة والبعث والنشور والحساب بشكل حسّي ، وتتكامل
بذلك العقيدة الإسلامية والملة الحقّة من خلال بلوغ درجة الاطمئنان .
ولا سيّما أنّ هذه الفكرة لم تكن قد ترسّخت في العقل الإنساني حتى في الاوساط
الدينية ، وأنّ التصور العام كان هو نزول العقوبات على الذنوب والآثام ، وحصول
الأجر والثواب على الطاعة في المجتمع الإنساني في هذه الدنيا ، كما حدث في الطوفان
، وعاد ، وثمود ، وكما يدلّ عليه الخطاب الرسالي في سورة نوح .
(١) سوف يأتي شرح هذه ( الكلمات ) في خصائص المرحلة الرابعة من قصّة إ براهيم .
(٢) البحار ١٢ : ٧١ عن الخصال ومعاني الأخبار للصدوق .
(٣) البقره : ٢٦٠ .
٧ ـ ومن الاحداث المهمة في هذه المرحلة ـ لعلّ الحادث الاخير فيها كما
تشير إلى ذلك بعض الروايات ـ حادثة المنام الذي رأى فيه إ براهيم أ نّه يذبح ولده
بعد أن كان قد بلغ مبلغ السعي والفتوة ، وقيل : بلغ ثلاثة عشر سنة ، كما قيل : إ
نّه بلغ مستوى العمل والعبادة للّه تعالى .
« فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَا بُنيّ إنيّ أرَى فِي الْمَنَامِ أنيّ
أذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني
إنْ شَاء اللّهَُ مِنْ الصّابِرِينَ * فَلَمّا أسْلَمَا وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ *
وَنَادَيْنَاهُ أنْ يَا إبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدّقْتَ الرّوءْيَا إنّا كَذَلِكَ
نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ * إنّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ
بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ »(١) .
والذي يبدو من هذه الآيات أنّ الامتحان والبلاء كان عظيما لإ براهيم وولده ، الأمر
الذي وصل فيه إ براهيم إلى الدرجة العالية التي أهلته إلى مقام الإمامة على ما تشير
إلى ذلك بعض الروايات(٢) .
(١) الصافات : ١٠٢ ـ ١٠٨ .
(٢) روي عن الصادق « أ نّه ما ابتلاه اللّه به في نومه من ذبح ولده إسماعيل أبي
العرب فأتمها إ براهيم ، وعزم عليها ، وسلم لأمر اللّه ، فلمّا عزم قال اللّه ثوابا
له لما صدق وعمل بما أمره اللّه » . مجمع البيان للطبرسي ١ : ٢٠٠ .
ولكن في رواية اُخرى : أنّ الأمر بالذبح كان في أثناء تعليم جبرئيل لإ براهيم مناسك
الحج ، واللّه أعلم .
خصائص هذه المرحلة :
يمكن أن نلاحظ في هذه المرحلة عدّة خصائص مهمة :
الاُولى : ظاهرة التشريع ، وسنّ الآداب والاخلاق في السلوك الشخصي وفي هيئة الإنسان
وبدنه ، وفي السلوك الاجتماعي ، والعلاقة مع الناس واللّه تعالى ،
والذي يشير إليها موضوع نزول الصحف على إ براهيم عليهالسلام .
الثانية : تأسيس مبدأ الهجرة من أجل نشر الدعوة الإلهيّة والرسالة الإسلامية ، هذا
المبدأ الذي أصبح من المبادئ المهمة في تاريخ الرسالات الإلهيّة ، ومنها الرسالة
الخاتمة .
الثالثة : أنّ إ براهيم كان يعمل من أجل أن تكون هجرته إلى اللّه ـ تعالى ـ ذات بعد
رسالي من خلال إ بلاغ الرسالة ونشرها ، وتأتي قصّة إرسال لوط إلى أهل ( سدوم )
وإسكان هاجر وابنها إسماعيل في مكة من أرض الحجاز كتعبير عن هذه المحاولات التي
أشار إليها القرآن الكريم .
الرابعة : أنّ رسالة إ براهيم كانت رسالة لها امتداد حقيقي من خلال آله وأسرته ،
وتمثّل هذا الامتداد بإسماعيل وكذلك بإسحاق ومن ورائه يعقوب والأنبياء من بنيه .
وكان ذلك تأسيسا لمبدأٍ جديد في الرسالات الإلهيّة يعتمد على اصطفاء الذرية الصالحه
للأنبياء ، وتأهيلهم للقيام بالأدوار الخاصة في تاريخ الرسالات الإلهيّة ، كما حصل
ذلك في آل عمران وآل محمد صلىاللهعليهوآله بعد ذلك .
« إنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحا وَآلَ إ بْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى
الْعَالَمِينَ * ذُرِّيّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللّهَُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(١)
.
« . . . إنّما يُرِيدُ اللّه لِيَذْهَبَ عَنْكُمْ الرِجْسِ أهْلْ البَيْت
وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرا »(٢) .
الخامسة : تثبيت مبدأ المعاد ليس على مستوى النظرية والفكر الإلهي ، بل على مستوى
الحس والتطبيق ، وهو ما يشير إليه القرآن في قصّة إحياء الطير وفي
قصص اُخرى بعد ذلك ، مثل : قصّة الذي أماته اللّه مئة عام ، وغيرها .
(١) آل عمران : ٣٣ ـ ٣٤ .
(٢) الأحزاب : ٣٣ .
لقد اختار اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ إ براهيم في المرحلة الاخيرة من حياته إماما
للناس ، كما تدل عليه الآية الكريمة : « وَإذْ ابْتَلَى إ بْرَاهِيمَ رَبّهُ
بِكَلِمَاتٍ فَأتَمّهُنّ قَالَ إنيّ جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إمَاما قَالَ وَمِنْ
ذُرِّيّتي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ »(١) .
وتشير هذه الآية وتؤكد بعض الروايات أنّ هذه الإمامة كانت تمثل المرحلة الاخيرة من
سيرته(٢) .
ولا يحدثنا القرآن الكريم عن تفاصيل هذه المرحلة شأنه في ذلك شأن المراحل السابقة
أيضا ، ولكنّه يمكن أن نتصور بعض معالمها من خلال مجموعة الاحداث المهمة التي وقعت
في هذه المرحلة على ما يبدو من القرآن الكريم ، وتشير إليها بعض الروايات :
(١) البقرة : ١٢٤ .
(٢) يمكن أن نفهم هذه الإشارة من أنّ هذه الآية وردت وكان لإ براهيم ذرية ؛ ولذا
طلب لهم من اللّه ـ تعالى ـ هذا المقام ، وهذه الذرية إنّما كانت في المرحلة
الأخيرة من حياته بعد شيخوخته وكبره . وقد مرّ علينا في الحديث عن الإمامة في شخصية
إ براهيم أنّ اللّه ـ تعالى ـ قد اختاره للإمامة بعد أن اختاره عبدا ونبيا ورسولاً
وخليلاً .
١ ـ نصب إ براهيم للإمامة بعد ابتلائه ؛ إذ كان هذا الابتلاء بكلمة الإمامة ومنصبها
، وهي : القيام بتدبير اُمور الاُمّة وسياستها ، وتأديب جناتها وتولية ولاتها ،
وإقامة الحدود على مستحقيها ، ومحاربة من يكيدها ويعاديها . وعلى هذا
المعنى لا يكون كلّ نبي إماما(١) .
وقد ورد في حديث عن أهل البيت أنّ هذه الكلمات كانت هي الكلمات التي تلقّاها آدم من
ربّه ، فتاب عليه بها ، وهي : « يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين
إلاّ تبت عليّ »(٢) .
ولكن الصدوق ذكر وجها آخر في الكلمات ، وهي : الاُمور التي ابتلى اللّه بها عبده إ
براهيم طيلة حياته ؛ ليكون أهلاً ومستحقا للإمامة ، والتي أشار إليها القرآن الكريم
بشأنه ، مثل : اليقين ، والمعرفة ، والشجاعة ، والعلم ، والسخاء ، والعزلة عن
المجتمع ـ بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ والحكم ، والانتماء إلى الصالحين
والصبر ، إلى غير ذلك من الصفات التي أشـرنا إلى بعضها في شـخصية إ براهيم . وإنّ
الإمامة لا تصلح لمن عبد صنما أو وثنا أو أشرك بالله طرفة ، وأن أسلم بعد ذلك .
والظلم في قوله تعالى : « لا يَنَال عَهْدِيَ الظالِمِينَ » وضع الشيء في غير موضعه
، وأعظم الظلم : الشرك ، قال اللّه عزّ وجل : « إنّ الشِرْكَ لِظُلْمٍ عَظِيم » .
وكذلك لا يصلح للإمامة من ارتكب من المحارم شيئا صغيرا كان أو كبيرا ، وإن تاب بعد
ذلك ، وكذلك لا يقيم الحدّ مَنْ في جنبه حدّ .
(١) البحار ١٢ : ٥٨ .
(٢) البحار ١٢ : ٦٦ ، عن الخصال للصدوق ، والحديث ضعيف ( يراجع ) .
فإذن لا يكون الإمام إلاّ معصوما ، ولا تعلم عصمته إلاّ بنص اللّه عليه على لسان
نبيه صلىاللهعليهوآله ؛ لأنّ العصمة ليست في ظاهر الخلقة فترى كالسواد والبياض
وما
أشبه ذلك ، وهي مغيّبة لا تعرف إلاّ بتعريف علاّم الغيوب عزّ وجلّ(١) .
٢ ـ تشريع ملّة الإسلام والتسمية به ، حيث كان إ براهيم هو الذي أسّس هذه الملّة
بوحي اللّه تعالى وإرادته ، وهو الذي سمّـاها بالإسلام ، وسمّى أتباعها بالمسلمين ،
ووصّى بها بنيه وذريته ، وطلب من ربه أن يجعلهم اُمّة مسلمة « وَجَاهِدُوا في
اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
مِنْ حَرَجٍ مِلّةَ أبِيكُمْ إ بْرَاهِيمَ هُوَ سَمّـاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ
قَبْلُ وَفي هَذَا . . . »(٢) ، وأن يعرّفهم مناسكهم وعباداتهم ، وطلب من اللّه ـ
تعالى ـ أن تتوارث ذريته هذا الصراط المستقيم حتى يبعث فيهم الرسول الذي يتلو عليهم
آياته ، ويزكّيهم ، ويعلّمهم الكتاب والحكمة .
كما أ نّه عليهالسلام سمّى هذه الاُمّة من الناس بالمسلمين ، وجعلهم ملّة تقتدي
بها الاُمم الآتية ، ومنها هذا النبي ( محمّد ) صلىاللهعليهوآله واُمته وجماعته
الذين سمّـاهم المسلمين من قبل وفي عصره .
(١) البحار ١٢ : ٧٠ ، عن الخصال ومعاني الاخبار للصدوق ، وهل تنصيب إ براهيم
للإمامة كان في بداية هذه المرحلة ؟ كما هو مقتضى طبيعة هذه الاُمور الهامة التي
سوف نشير إليها ، وكما قد يُفهم من تسلسل ذكرها في القرآن الكريم من سورة البقرة؛
إذ ذكرت أوّلاً الإمامة ، ثم جعل البيت وبناءه مثابة ، ثمّ تشريع الإسلام ملّة
ووصيته لبنيه ، كما سوف نذكر ذلك .
أو هذه الإمامة كانت بعد قصّة الذبيح ، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات التي فسرت
الكلمات بالأمر بالذبح لولده وإنّه بعد هذا الابتلاء كان جعله إماما للناس ، وقد
أشرنا إلى ذلك في المرحلة الثالثة برقم ٧ ، ( البحار ١٢ : ٥٦ ، عن الطوسى والقمي ٥٩
) والأوّل هو الأظهر ؛ لأ نّه المستفاد من القرآن ، وضعف الرواية إن لم نأوّلها .
(٢) الحـج : ٧٨ .
« وَإذْ يَرْفَعُ إ بْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإسْمَاعِيلُ رَبّنَا
تَقَبّلْ مِنّا إنّكَ أنْتَ
السّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ
ذُرِّيّتِنَا اُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنّكَ
أنْتَ التّوّابُ الرّحِيمُ * رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
إنّكَ أنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلّةِ إ بْرَاهِيمَ
إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدّنْيَا وَإنَّهُ فِي
الآخِرَةِ لَمِنْ الصّالِحِينَ * إذْ قَالَ لَهُ رَبّهُ أسْلِمْ قَالَ أسْلَمْتُ
لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصّى بِهَا إ بْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنيّ
إنّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنّ إلاَّ وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ
* أمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا
تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإلَهَ آبَائِكَ إ بْرَاهِيمَ
وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ إلَها وَاحِدا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ اُمّةٌ
قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْألُونَ عَمّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ »(١) .
« وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلّةَ أبِيكُمْ إ بْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمْ
الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيدا عَلَيْكُمْ
وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ فَأقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ
وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النّصِيرُ
»(٢) .
« ثُمّ أوْحَيْنَا إلَيْكَ أنْ اتّبِعْ مِلّةَ إ بْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ
مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(٣) .
« قُلْ إنّ صَلاَتي وَنُسُكي وَمَحْيَاي وَمَمَاتي للّهِِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *
لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ اُمِرْتُ وَأنَا أوّلُ الْمُسْلِمِينَ »(٤) .
(١) البقرة : ١٢٧ ـ ١٣٤ .
(٢) الحج : ٧٨ .
(٣) النحل : ١٢٣ .
(٤) الأنعام : ١٦٢ ـ ١٦٣ .
ومضافا إلى ذلك نجد إ براهيم عليهالسلام يتخذ عدّة خطوات في تأسيس هذه الملّة
الجديدة وتشخيص معالمها .
٣ ـ وكانت الخطوة الاُولى ـ على ما يبدو من القرآن الكريم ـ لتأسيس هذه الملّة
والشريعة الجديدة هو : القرار بجعل منطقة مكّة التي كان قد أسكن إ براهيم فيها زوجه
هاجر وذريّته إسماعيل مثابة للناس وأمنا لهم يعبدون اللّه فيه ، ويقيمون الصلاة
للّه تعالى وحده ، ويجتنبون فيه عبادة الأصنام التي كانت عبادة رائجة في كلّ مكان
من العالم .
وكانت أرضية تنفيذ هذا القرار الإلهي مهيأة من ناحية أنّ هذه الأرض هي الأرض التي
كان قد بنى فيها آدم ، واتخذ الملائكة بالأمر الإلهي مكانا فيه للعبادة . وجاء إ
براهيم ليحيي هذه السنة التاريخية ، وهذا الأثر الإلهي العظيم(١) .
(١) ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام ما يؤكد هذا البعد التاريخي الذي أشار إليه القرآن الكريم وشرحه . البحار ١٢ : ٩٧ ـ ١٠٠ ، عن تفسير القمي . « فلما بلغ إسماعيل مبلغ الرجال أمر اللّه إ براهيم أن يبني البيت ، فقال : يا ربّ في أي بقعة ؟ قال : في البقعة التي أنزلت على آدم القبة فأضاء لها الحرم ، فلم تزل القبة التي أنزلها اللّه على آدم قائمة حتى كان أيام الطوفان أيام نوح ، فلمّا غرقت الدنيا رفع اللّه تلك القبة ، وغرقت الدنيا إلاّ موضع البيت ، فسميت البيت العتيق ؛ لأ نّه اُعتق من الغرق ، فلمّا أمر اللّه ـ عزّ وجلّ ـ إ براهيم أن يبني البيت ، ولم يدر في أي مكان يبنيه، فبعث اللّه جبرئيل (ع ) فخط له موضع البيت، فأنزل اللّه عليه القواعد من الجنة، وكان الحجر الذي أنزله اللّه على آدم أشد بياضا من الثلج ، فلمّا لمسته أيدي الكفار اسودّ ، فبنى إ براهيم البيت ، ونقل إسماعيل الحجر من ذي طوى ، فرفعه إلى السماء تسعة أذرع ؛ ثم دلّه على موضع الحجر ، فاستخرجه إ براهيم ، ووضعه في موضعه الذي هو فيه الأوّل ، وجعل له بابين : باب إلى المشرق ، وباب إلى المغرب ، والباب الذي إلى المغرب يُسمّى المستجار ، ثم ألقى عليه الشجر والاذخر ، وعلّقت هاجر على بابه كساءً كان معها ، وكانوا يكنون تحته . . . » .
كما أنّ هذه الارض كانت خالية من الناس في ذلك الوقت ، فهي أرض بكر لا ماء فيها ولا
كلأ ولا زرع ولا ثمر يمكن لابراهيم أن يتصرف فيها كيف يشاء ، ويصححها على وفق
الملّة الجديدة .
« وَإذْ قَالَ إ بْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنا وَاجْنُبْني
وَبَنيّ أنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إنّهُنّ أضْلَلْنَ كَثِيرا مِنْ النّاسِ
فَمَنْ تَبِعَني فَإنّهُ مِنيّ وَمَنْ عَصَاني فَإنّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »(١) .
« وَإذْ بَوّأنَا لإ بْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أنْ لاَ تُشْرِكْ بي شَيْئا
وَطَهِّرْ بَيْتي لِلطّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ »(٢) .
« إنّ أوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكا وَهُدىً
لِلْعَالَمِينَ »(٣) .
« وَإذْ قَالَ إ بْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدا آمِنا وَارْزُقْ أهْلَهُ
مِنْ الّثمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ
كَفَرَ فَاُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمّ أضْطَرّهُ إلَى عَذَابِ النّارِ وَبِئْسَ
الْمَصِيرُ »(٤) .
٤ ـ وكانت الخطوة الثانية هي : تشريع مناسك الحجّ للناس على ما يشير إلى ذلك القرآن
الكريم ، وتؤيده الروايات الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام ، فقد ورد في القرآن
الكريم من سورة الحج ـ بعد آية الأذان في الناس بالحجّ ـ بيان مجموعة من تشريعات
الحج(٥) .
(١) إ براهيم : ٣٥ ـ ٣٦ .
(٢) الحج : ٢٦ .
(٣) آل عمران : ٩٦ .
(٤) البقرة : ١٢٦ .
(٥) عن كلثوم بن عبد المؤمن الحرّاني ، عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال : « أمر اللّه ـ
عزّ وجلّ ـ إ براهيم ( ع ) أن يحجّ ويحجّ إسماعيل معه ، ويسكنه الحرم ، فحجّا على
جمل أحمر ، وما معهما إلاّ جبرئيل ( ع ) ، فلمّا بلغا الحرم قال له جبرئيل : يا إ
براهيم انزلا فاغتسلا قبل أن تدخلا الحرم ، فنزلا فاغتسلا ، وأراهما كيف يتهيّئان
للإحرام ففعلا ، ثمّ أمرهما ، فأهلا بالحج ، وأمرهما بالتلبيات الأربع التي لبّى
بها المرسلون ، ثمّ صار بهما إلى الصفا ، فنزلا وقام جبرئيل بينهما ، واستقبل البيت
، فكبّر اللّه ، وكبّرا ، وهلّل اللّه وهلّلا ، وحمد اللّه وحمدا ، ومجّد اللّه
ومجّدا ، وأثنى عليه وفعلا مثل ذلك ، وتقدم جبرئيل وتقدما يثنيان على اللّه عزّ
وجلّ ويمجّدانه حتى انتهى بهما إلى موضع الحجر ، فاستلم جبرئيل الحجر وأمرهما أن
يستلما ، وطاف بهما أسبوعا ، ثم قام بهما في موضع مقام إ براهيم ( ع ) ، فصلّى
ركعتين ، وصلّيا ، ثم أراهما المناسك وما يعملان به ، فلمّا قضيا مناسكهما أمر
اللّه إ براهيم ( ع ) بالانصراف ، وأقام إسماعيل وحده ما معه أحد غير اُمّه ، فلمّا
كان من قابل أذن اللّه لإ براهيم في الحجّ وبناء الكعبة ، وكانت العرب تحجّ إليه ،
وإنّما كان ردما إلاّ أن قواعده معروفة ، فلمّا صدر الناس جمع إسماعيل الحجارة ،
وطرحها في جوف الكعبة ، فلمّا أذن اللّه له في البناء قدم إ براهيم ( ع ) فقال : يا
بُنيّ قد أمرنا اللّه ببناء الكعبة ، وكشفا عنها ، فإذا هو حجر واحد أحمر ، فأوحى
اللّه ـ عزّ وجلّ ـ إليه ضع بناءها عليه ، وأنزل اللّه ـ عزّ وجلّ ـ أربعة أملاك
يجمعون إليه الحجارة ، فكان إ براهيم وإسماعيل عليهما السلام يضعان الحجارة ،
والملائكة تناولهما حتى تمّت اثنى عشر ذراعا ، وهيّئا له بابين : بابا يدخل منه ،
وبابا يخرج منه ، ووضعا عليه عتبا وشرحا من حديد على أبوابه ، وكانت الكعبة عريانة
، فصدر إ براهيم ، وقد سوى البيت ، وأقام إسماعيل . . .
وكانت الكعبة ليست بمسقّفة ، فوضع إسماعيل فيها أعمدة ، مثل هذه الأعمدة التي ترون
من خشب ، وسقّفها إسماعيل بالجرائد ، وسوّها بالطين ، فجاءت العرب من الحول ،
فدخلوا الكعبة ، ورأوا عمارتها ، فقالوا : ينبغي لعامل هذا البيت أن يزاد ، فلمّا
كان من قابل جاءه الهدي ، فلم يدري إسماعيل كيف يصنع ، فأوحى اللّه ـ عزّ وجلّ ـ
إليه أن انحره ، وأطعمه الحاج ، قال : وشكا إسماعيل إلى إ براهيم قلّة الماء ،
فأوحى اللّه ـ عزّ وجلّ ـ إلى إ براهيم أن احتفر بئرا يكون منها شراب الحاج ، فنزل
جبرئيل عليه السلام ، فاحتفر قليبهم ، يعني : زمزم حتى ظهر ماؤها ، ثم قال جبرئيل (
ع ) : انزل يا إ براهيم ، فنزل بعد جبرئيل فقال : يا إ براهيم اضرب في أربع زوايا ،
وقل : بسم اللّه ، قال : فضرب إ براهيم ( ع ) في الزاوية التي تلي البيت ، وقال :
بسم اللّه ، فانفجرت عين ، ثمّ ضرب فيالزاوية الثانية ، وقال : بسم اللّه فانفجرت
عين ، ثمّ ضرب في الثالثة ، وقال : بسم اللّه ، فانفجرت عين ، ثم ضرب في الرابعة ،
وقال : بسم اللّه فانفجرت عين ، وقال له جبرئيل : اشرب يا إ براهيم ، وادع لولدك
فيها بالبركة ، وخرج إ براهيم عليه السلام وجبرئيل جميعا من البئر ، فقال له : افض
عليك يا إ براهيم ، وطف حول البيت ، فهذه سقيا سقاها اللّه ولد إسماعيل ، فسار إ
براهيم ، وشيّعه إسماعيل حتى خرج من الحرم ، فذهب إ براهيم ، ورجع إسماعيل إلى
الحرم » . الكافي ٤ : ٢٠٢ ـ ٢٠٥ .
« لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ في أيّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطّوّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَاُحِلّتْ لَكُمْ الأنْعَامُ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ * حُنَفَاءَ للّهَِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَكَأ نّمَا خَرّ مِنْ السّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإنّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إلَى أجَلٍ مُسَمّىً ثُمّ مَحِلّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ اُمّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وَبَشِّرْ الُْمخْبِتِينَ * الّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللّهَُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلَى مَا أصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصّلاَةِ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ »(١) .
(١) الحج : ٢٨ ـ ٣٥ .
٥ ـ وكانت الخطوة الثالثة في تأسيس هذه الملة الجديدة هي : بناء البيت وإحياء هذا
الأثر الديني التأريخي ، بعد أن دلّه اللّه ـ تعالى ـ على موضع بنائه ، وجعله بيتا
طاهرا من الدنس يعبد اللّه ـ تعالى ـ فيه وحده ، ويتخذه المتعبدون مكانا للطواف
والاعتكاف به والصلاة فيه ، والتي تتمثل بالركوع والسجود ، وهي صلاة تجمع كلّ أشكال
الخضوع والعبادة مع الطهارة والتوحيد للّه تعالى .
« وَإذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنّاسِ وَأمْنا وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ
إ بْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إلَى إ بْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ أنْ طَهِّرَا
بَيْتي لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ »(١) .
« وَإذْ يَرْفَعُ إ بْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإسْمَاعِيلُ رَبّنَا
تَقَبّلْ مِنّا إنّكَ أنْتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ »(٢) .
٦ ـ وكانت الخطوة الرابعة هي : الأذان في الناس بالحج الذي كان يعبّر عن أوسع نداء
يوجهه إ براهيم عليهالسلام في دعوته ورسالته على الإطلاق ، كما يشير إليه القرآن
الكريم ، وتنص عليه الروايات بشكل واضح :
« وأذِّنْ فِي الْنَاسِ بِالْحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ
يَأتِيْنَ مِنْ كُلّ فَجٍّ عَمِيق »(٣) .
(١) البقرة : ١٢٥ .
(٢) البقرة : ١٢٧ ، يمكن أن نفهم التسلسل بين اتخاذ البلد آمنا وبناء البيت من هذه
الآية والآية التي قبلها التي ذكرناها في الفقرة السابقة ؛ إذ تشرحان الآية ١٢٥
السابقة ، وكذلك من آيات سورة إ براهيم المتقدّمة والتي تشرح الهدف من ذلك .
(٣) الحج : ٢٧ .
وقد ورد في بيان هذا النداء في رواية معتبرة عن الإمام الصادق عليهالسلام ، رواها
الصدوق في العلل : اُبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن
عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال : « لمّا أمر اللّه ـ عزّ
وجلّ ـ إ براهيم وإسماعيل ببنيان البيت وتمّ بناؤه ، أمره أن يصعد ركنا ثم ينادي في
الناس : ألا هلمّ الحجّ ، فلو نادى هلمّوا إلى الحج لم يحجّ إلاّ من كان ـ يومئذٍ ـ
إنسيا مخلوقا ، ولكن نادى هلمّ الحجّ ، فلبّى الناس في أصلاب الرجال : لبّيك داعي
اللّه لبّيك داعي اللّه ، فمن لبّى عشرا حجّ عشرا ، ومن لبّى خمسا حجّ خمسا ، ومن
لبّى أكثر فبعدد ذلك ، ومن لبّى واحدا حجّ واحدا ، ومن لم يلبّ لم يحجّ » .
خصائص المرحلة الرابعة :
١ ـ بناء وتأسيس مراكز العبادة للّه تعالى ، بحيث تتحوّل من مركز خاص للتعبد ، ـ
كما هو الشأن في بعض الأماكن التي كان يتخذها العابدون لعبادتهم من الكهوف ، أو
رؤوس الجبال ، أو الخلوة باللّه تعالى ـ إلى مراكز عامة يتعبد بها الناس بشكل جماعي
لله تعالى ، بصورة تصبح شعيرة من شعائر الدين .
وقد كان بناء البيت الحرام هو ابرز مظاهر هذه السنة الإلهيّة ، كما يفهم من القرآن
الكريم :
« إنّ أوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكا وَهُدىً
لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إ بْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ
كَانَ آمِنا وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ
سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإنّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ »(١) .
(١) آل عمران : ٩٦ ـ ٩٧ .
وتشير نصوص التوراة وبعض النصوص التاريخية إلى أنّ إ براهيم عليهالسلام كان
قد اتخذ ـ عادة ـ أماكن للذبح والعبادة في فلسطين ، ولكن لا يبدو فيها أ نّها أماكن
تتصف بهذه الصفة العامة .
٢ ـ تشريع الاحكام للمجتمع الانساني ؛ إذ يشير القرآن الكريم إلى أعم أركان هذا
التشريع ، وهي : الاركان الخمسة التي بني عليها الإسلام : الصلاة ، والزكاة ، والحج
، والصوم ، والإمامة ، وقد صرح القرآن الكريم بالصلاة والحجّ والإمامة ، وأشار إلى
الزكاة بالذبح ، وكذلك ما ورد في وصية إسماعيل لأهله بالصلاة والزكاة « وَكَانَ
يَأمُرُ أهْلَهُ بِالصَلاةِ وَالزَكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبّهِ مَرْضِيّا »(١) وإلى
الصوم بالاعتكاف .
« وَإذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنّاسِ وَأمْنا وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ
إ بْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إ بْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ أنْ طَهِّرَا
بَيْتِي لِلطّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ »(٢) ، ويبدو من بعض
الروايات أنّ هناك مجموعة من التشريعات الاُخرى وضعها إ براهيم لأوّل مرة ، مثل :
الخمس ، والجهاد في سبيل اللّه ، وغيرها(٣) .
٣ ـ وضع التسمية لدين التوحيد والملّة الجديدة ؛ لتمييزها من الاُديان والملل
الاُخرى ، وتمييز المتدينين بها والمتعبدين للّه ـ تعالى ـ على صراطها ، عن
المتعبدين للأوثان أو المشركين باللّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .
(١) مريم : ٥٥ .
(٢) البقرة : ١٢٥ .
(٣) فقد روى السكوني عن الصادق ( ع ) : « كان إ براهيم أوّل الناس أضاف الضيف ،
وأوّل الناس اختتن ، وأوّل من قاتل في سبيل اللّه ، وأوّل من أخرج الخمس ، وأوّل من
اتخذ النعلين ، وأوّل من اتخذ الرايات » . مجمع البيان ١ : ٢٠٠ .
ولذلك نجد القرآن الكريم يؤكّد هذا المفهوم في عدة مواضع له ؛ لأهمية هذه الخصوصية ، ولتأكيد ارتباط الاسلام بهذه الملة « وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلّةِ إ بْرَاهِيمَ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ في الدّنْيَا وَإنّهُ في الآخِرَةِ لَمِنْ الصّالِحِينَ »(١) ، « وَقَالُوا كُونُوا هُودا أوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلّةَ إ بْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(٢) ، « قُلْ صَدَقَ اللّهَُ فَاتّبِعُوا مِلّةَ إ بْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(٣) ، « ثُمّ أوْحَيْنَا إلَيْكَ أنْ اتّبِعْ مِلّةَ إ بْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(٤) ، « وَمَنْ أحْسَنُ دِينا مِمّنْ أسْلَمَ وَجْهَهُ للّهَِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتّبَعَ مِلّةَ إ بْرَاهِيمَ حَنِيفا وَاتّخَذَ اللّهَُ إ بْرَاهِيمَ خَلِيلاً »(٥) ، « قُلْ إنّني هَدَاني رَبيّ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينا قِيَما مِلّةَ إ بْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(٦) ، « قَالَ لاَ يَأتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلاَّ نَبَّأتُكُمَا بِتَأوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأتِيَكُمَا ذلِكُمَا مِمّا عَلّمَني رَبيّ إنيّ تَرَكْتُ مِلّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتّبَعْتُ مِلّةَ آبَائي إ بْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أنْ نُشْرِكَ بِاللّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النّاسِ وَلَكِنّ أكْثَرَ النّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ »(٧)،
(١) البقرة : ١٣٠ .
(٢) البقرة : ١٣٥ .
(٣) آل عمران : ٩٥ .
(٤) النحل : ١٢٣ .
(٥) النساء : ١٢٥ .
(٦) الأنعام : ١٦١ .
(٧) يوسف : ٣٧ ـ ٣٨ .
« وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلّةَ أبِيكُمْ إ بْرَاهِيمَ هُوَ
سَمّـاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيدا
عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ فَأقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا
الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ
النّصِيرُ »(١) .
بل يبدو من القرآن الكريم من خلال موارد استعمال كلمة ( اللّه ) ، أنّ هذه الكلمة
لم تعرف إلاّ بعد إ براهيم عليهالسلام .
٤ ـ قيام مجتمع واستقراره من خلال إرساء معالم هذا المجتمع بإقامة أركانه التي
أشرنا إليها في النقطة الثانية ، ومن خلال تمييزه بالتسمية التي اُشير إليها في
النقطة الثالثة ، ومن خلال إقامة مؤسساته ، وهي : بناء البيت ، كما أشرنا إلى ذلك
في النقطة الاُولى .
كما يمكن أن يفهم ذلك من طلب إ براهيم عليهالسلام للإمامة في ذريته ، فإنّ هذا
الطلب يشير إلى استقرار الوضع الاجتماعي ؛ لأنّ الإمامة شأن من شؤون المجتمع
الانساني ، على ما أشرنا إلى ذلك في تفسير الإمامة .
وسوف نتعرّف على ما يؤكّد هذا المعنى في الملاحظات العامة حول القصّة .
٥ ـ الاستقرار في خط التوحيد للّه ـ تعالى ـ في العبادة ، وانتشاره في فلسطين
والحجاز من خلال خط إسماعيل عليهالسلام ، ودعوة العرب والناس المحيطين بالبيت
الحرام للحجّ والعبادة ، ومن خلال خط إسحاق ويعقوب عليهماالسلام وأبنائهم ، ومن كان
يؤمن بالإسلام من الناس في فلسطين .
وهذا ممّـا يشير إليه القرآن الكريم في موضوع وصية إ براهيم عليهالسلام لبنيه
بالإسلام ، ووصية يعقوب لبنيه بذلك ايضا .
(١) الحج : ٧٨ .
« وَوَصَّى بِهَا إ بْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنيَّ إنَّ اللّهَ
اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ »(١)
وتؤكده الآيات التي بعدها حتى آية ١٤١ .
٦ ـ إن عهد الامامة هو أعظم المقامات الرسالية الالهية ؛ إذ لا يمكن الوصول إليه
إلا من خلال الامتحان الصعب ، والاهلية الكاملة ، والعصمة المطلقة من الآثام
والذنوب والظلم ، ولذا استحقه إ براهيم عليهالسلام في آخر ايام حياته بعد هذه
المسيرة الطويلة من الامتحان والابتلاء .
وعندما طلبه لذريته كان شرط العصمة من الذنوب والظلم هو أوّل هذه الشروط التي تؤهل
صاحبها لذلك .
٧ ـ استمرار الامامة في ذرية إ براهيم عليهالسلام حتى تصل إلى النبي الخاتم
للانبياء والمرسلين (محمد) صلىاللهعليهوآله ؛ إذ بشر به إ براهيم عليهالسلام
من خلال دعائه وولده إسماعيل وهما يقيمان قواعد البيت الحرام .
« رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا اُمَّةً
مُسْلِمَةً لَكَ وَأرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أنْتَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »(٢) .
(١) البقرة : ١٣٢
(٢) البقرة : ١٢٨ ـ ١٢٩