قوم عيسي.
شخصيّة عيسي.
حياة عيسي.
ملاحظات عامة.
بعد دراسة الظواهر الأربع السابقة للقِصّة في القرآن الكريم يحسن بنا أن نتناول قصص
الأنبياء واحدة بعد اُخرى كموضوع من موضوعات التفسير الموضوعي .
ومن هذا المنطلق نجد أمامنا أبعادا كثيرة لدرسة القِصّة في القرآن الكريم من أهمها
: البعد الأدبي والتصوير ، وكذلك البعد الذي يرتبط ببيان أغراض القِصّة في هذا
الموضع أو ذاك ، إضافة إلى الجانب التاريخي ، أو السنن التي يمكن استنتاجها مـن
القِصّة ، أو المفاهيم الاجتماعية والفكرية والأخلاقية التي يمكن استنباطها منها .
وبهذا الصدد نجد أمامنا عددا من المناهج يمكن دراسة القِصّة من خلالها ، مثل :
المنهج ( التقليدي ) الذي سار عليه المفسرون باستعراض آيات القِصّة في القرآن
الكريم وتفسيرها ، وذكر الحوادث المرتبطة بها مع بيان الآراء المتعددة فيها .
والمنهج ( التحليلي ) للمواضع التي وردت فيها القِصّة من ناحية الهدف العام والخاص
، وأسباب التكرار والاُسلوب .
والمنهج ( النظري ) الذي يحاول أن يستخلص النظرية العامة في القِصّة من خلال تحليل
مفرداتها والجمع بينها في تصوير نظري متكامل .
والمنهج ( الاجتماعي ) الذي يحاول من خلال دراسة القِصّة تصوّر الحركة التغييرية
السياسية والاجتماعية التي يقوم بها .
والمنهج ( التاريخي ) الذي يحاول عرض الأحداث التي ذكرتها القِصّة مترتبة حسب
تسلسلها الزمني وكوقائع تاريخية .
وسوف نحاول في الفصول الآتية وفي القسم الثاني من الكتاب أن نطبق هذه المناهج،
ولكن ضمن نماذج مختارة من القِصّة.
وفي هذا الفصل ( الرابع ) سوف نتناول قِصّة ( موسى ) كنموذج ومثال تطبيقي للمنهج
التحليلي في دراسة القِصّة . وإنّـما وقع الاختيار عليها ؛ لأ نّها أكثر قصص
الأنبياء ورودا وتفصيلاً في القرآن الكريم(١) .
ويمكن تطبيق هذا المنهج في دراسة تفصيلية على جميع قصص الأنبياء في القرآن الكريم .
وسوف ندرس المواضع والموارد التي تحدّث القرآن الكريم فيها عن علاقة موسى مع فرعون
، أو علاقته مع قومه ، كحالة اجتماعية قارنت عصره ، وهي : تسعة عشر موضعا في القرآن
الكريم .
(١) سوف ندرس هذه القِصّة ـ أيضا ـ على أساس المنهج ( التاريخي ) و ( الاجتماعي ) ـ أيضا ـ من القسم الثاني من هذا الكتاب . كما سوف ندرس قِصّة ( آدم ) في الفصل الخامس من هذا القسم على أساس المنهج النظري . وقصص نوح وإ براهيم وعيس في القسم الثاني على أساس المنهج الاجتماعي .
كما أ نّنا سوف نأخذ في هذه الدراسة الأبعاد التالية :
١ ـ التنبيه إلى أسرار تكرار القِصّة في ذلك الموضع .
٢ ـ التنبيه إلى الغـرض العـامّ أو الخـاصّ التي سـيقت له القصّة في ذلـك
الموضع .
٣ ـ بيان تغاير الاُسلوب في العرض والمضمون .
٤ ـ بيان العلاقة بين القِصّة في موضعها الخاص وسياقها القرآني .
٥ ـ تحليل لمضمون المقطع الذي يتحدّث عن القِصّة .
ونكتفي في هذه الدراسة بالحديث الإ جمالي ، ونترك معالجة التفاصيل والابعاد الاُخرى إلى الدراسات المستوعبة .
الآيات التي جاءت في سورة البقرة ، والتي تبداُ بقوله تعالى :
« وَإذْ نَجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأنْتُمْ تَنظُرُونَ * وَإذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ اتّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأنْتُمْ ظَالِمُونَ »(١) إلى أن يختم بقوله تعالى : « ثُمّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أوْ أشَدّ قَسْوَةً وَإنّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجّرُ مِنْهُ الاْء نْهَارُ وَإنّ مِنْهَا لَمَا يَشّقّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإنّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهَُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ »(٢) .
(١) البقرة : ٤٩ ـ ٥١ .
(٢) البقرة : ٧٤ .
والملاحظ في هذا المقطع :
أوّلاً : جاء في سياق قوله تعالى : « يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي
الّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأوْفُوا بِعَهْدِي اُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإ يّايَ
فَارْهَبُونِي »(١) .
ثانيا : أ نّه يتناول أحداثا معينة أنعم اللّه بها على بني إسرائيل مرة بعد
الاُخرى ، مع الإشارة إلى ما كان يعقب هذه النعم من انحراف في الإيمان باللّه
تعالى ، أو في الموقف العبادي الذي تفرضه طبيعة هذا الإ يمان .
ثالثا : أنّ القرآن الكريم بعد أن يختم هذا المقطع يأتي ليعالج المواقف الفعلية
العدائية لبني إسرائيل من الدعوة ، ويربط هذه المواقف بالمواقف السابقة لهم بقوله
تعالى :
« أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ
كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
. . . وَأ نِّي فَضّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ »(٢) .
وعلى أساس هذه الملاحظة يمكننا أن نقول : إنّ هذا المقطع جاء يستهدف غرضا مزدوجا
وهو : تذكير بني إسرائيل بنعم اللّه المتعدّدة عليهم ، وذلك موعظة وعبرة لهم تجاه
موقفهم الفعلي من ناحية ، ومن ناحية اُخرى كشف الخصائص الاجتماعية والنفسية العامّة
التي يتصف بها الشعب الإسرائيلي للمسلمين ؛ لئلاّ يقع المسلمون في حالة الشك والريب
في هذه المواقف ، فيتصور بعضهم أ نّها تنجم من رؤية موضوعية تجاه الرسالة ، الأمر
الذي جعل اليهود يتوقفون عن الإيمان بها ، خصوصا وأنّ اليهود هم أهل الكتاب في نظر
عامة المسلمين ، فأراد القرآن هنا أن يبين أنّ هذا الموقف إنّما هو موقف نفسي وذاتي
ومتأَثر بهذه الخصائص الروحية والاجتماعية .
وهذا الغرض فرض اُسلوبا معينا على استعراض الأحداث ؛ إذ اقتصر المقطع على ذكر
الوقائع التي تلتقي مع هذا الغرض وتتناسب مع هذا الهدف ، دون أن
يعـرض التفصيـلات الاُخـرى للأحـداث التي وقعـت لمـوسى عليهالسلام مـع فرعون أو
الإسرائيليين .
(١) البقرة : ٤٠ .
(٢) البقرة : ٧٥ ـ ١٢٢ .
الآيات التي جاءت في سورة النساء ، والتي تبداُ بقوله تعالى :
« يَسْألُكَ أهْلُ الْكِتَابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ
كِتَابا مِنْ السّمَاءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسَى أكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقَالُوا أرِنَا
اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمّ اتّخَذُوا
الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذلِكَ
وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانا مُبِينا » إلى قوله تعالى : « وَأخْذِهِمْ الرِّبَا
وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأكْلِهِمْ أمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأعْتَدْنَا
لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابا ألِيما »(١) .
والملاحظ في هذا المقطع :
أوّلاً : أ نّه جاء ضمن سياق عرض عام لمواقف فئات ثلاث من أعداء الدعوة الإسلامية
تجاهها ، وهو : موقف المنافقين ، وموقف اليهود من أهل الكتاب ، وموقف النصارى من
أهل الكتاب ، وعرض الموقف الأوّل يبداُ بقوله تعالى : « بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ
بِأَنّ لَهُمْ عَذَابَا ألِيما »(٢) وعرض الموقف الثاني يبداُ بقوله تعالى :
« إنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا
بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
وَيُرِيدُونَ أنْ يَتّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً »(٣) .
وعرض الموقف الثالث يبدأ بقوله تعالى :
(١) النساء : ١٥٣ ـ ١٦١ .
(٢) النساء : ١٣٨ .
(٣) النساء : ١٥٠ .
« يَا أهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ
إلاَّ الْحَقَّ إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ
وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ
وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ . . . »(١) .
ثانيا : أنّ المقطع يتناول بعض الأحداث ذات الدلالة على نبوّة موسى عليهالسلام ،
والمواثيق الغليظة المأخوذة على اليهود بصدد الامتثال والطاعة ، وموقف اليهود من
ذلك والمخالفات التي ارتكبوها ، سواءٌ فيما يتعلق بالجـانب العقيدي من الفكرة أو
بالجانب العملي التطبيقي منها .
وعلى أساس هاتين الملاحظتين يمكن أن نستنتج :
أنّ هذا المقطع من القِصّة جاء ليوضح أنّ موقف اليهود من الدعوة بطلبهم المزيد من
الآيات والبينات ليس نابعا من الشك بالرسالة ، وإنّما هو موقف شكلي ذرائعي يستبطن
الجحود والطغيان ؛ ولذا نجد المقطع يكتفي بعرض هذا الطلب العجيب الذي تقدّم به
اليهود الى موسى عليهالسلام ، ويضيف إلى ذلك المواثيق التي اُخذت منهم في الطاعة
ونكولهم عنها بمخالفاتهم العديدة ، الأمر الذي يكشف عن إصرارهم على الجحود والطغيان
وأ نّهم يتذرعون بمثل هذه المطالب .
وقد فرض السياق العام للسورة الكريمة تكرار القِصّة على أساس إ يضاح ومعالجة موقف
اليهود من الدعوة إلى جانب إ يضاح ومعالجة موقف المنافقين والنصارى من أهل الكتاب ؛
لأنّ هذه المواقف هي المواقف الرئيسة التي كانت تواجهها الدعوة الإسلامية حينذاك .
(١) النساء : ١٧١ .
الآيات التي جاءت في سورة المائدة ، وهي قوله تعالى : « وَإذْ قَالَ مُوسَى
لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ
أنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أحَدا مِنْ
الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الاْءرْضَ الْمُقَدّسَةَ الّتِي كَتَبَ
اللّهَُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدّوا عَلَى أدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ » إلى قوله تعالى : « قَالَ فَإنّهَا مُحَرّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً
يَتِيهُونَ فِي الاْءرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ »(١) .
ويلاحظ في هذا المقطع :
أوّلاً : أ نّه جاء في سياق دعوة عامّة لأهل الكتاب إلى الإ يمان بالرسول الجديد ،
مع إ يضاح حقيقة رسالته ، ومناقشة ما يقوله اليهود والنصارى ، وإقامة الحجّة عليهم
بذلك ؛ إذ يختم هذا السياق بقوله تعالى :
« يَا أهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ
مِنْ الرّسُلِ أنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ
جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهَُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »(٢) .
ثانيا : أنّ المقطع يكتفي بأن يذكر دعوة موسى لقومه إلى دخول الأرض المقدسة ؛ لأنّ
دخولها كان منتهى آمالهم ، ولكنّهم يأبون ذلك ، فيكون مصيرهم التيه أربعين سنة .
وعلى أساس هاتين الملاحظتين يمكن أن نستنتج : أنّ القرآن الكريم يبدو وكأ نّه يريد
أن يذكر أهل الكتاب ويفتح الطريق أمامهم ؛ ليحقّقوا أهدافهم الصحيحة من وراء الدين
والشريعة باستجابتهم لدعوة الإسلام ، ولا يكون موقفهم كموقف قوم موسى حين دعاهم إلى
دخول الأرض المقدسة ، مع أ نّها اُمنيتهم وهدفهم ، فتفوتهم الفرصة السانحة ،
ويصيبهم التيه الفكري والعقائدي والاجتماعي
(١) المائدة : ٢٠ ـ ٢٦ .
(٢) المائدة : ١٩ .
في عصر نزول الرسالة ، كما أصابهم التيه السياسي والاجتماعي من قبل .
ومن هنا نعرف السر الذي كان وراء اكتفاء القرآن الكريم بذكر هذا الموقف الخاص لبني
إسرائيل دون غيره ؛ لأ نّه هو الذي يحقّق هذا الغرض خصوصا إذا عرفنا أنّ هذه
القِصّة ممّـا يؤمن به اليهود والنصارى . كما أنّ هذا الجانب من القِصّة لم يُذكر
في القرآن الكريم إلاّ في هذا الموضع .
الآيات التي جاءت في سورة الأعراف ، والتي تبدأ بقوله تعالى :
« ثُمّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ » والتي تختم
بقوله تعالى: « وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأ نّهُ ظُلّةٌ وَظَنّوا
أنّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ
لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ »(١) .
ونلاحظ في هذا الموضع من القِصّة عدّة اُمور :
الأوّل : أنّ القِصّة جاءت في عرض قصصي مشترك مع قِصّة نوح ، وهود ، ولوط ، وشعيب
عليهمالسلام ، تكاد تتحدّد فيه صيغة الدعوة والتكذيب والعقاب الذي ينزل بالمكذبين
.
(١) الاعراف : ١٠٣ و ١٧١ .
الثاني : أنّ هذا العرض القصصي العام يأتي في سياق بيان القرآن الكريم لحقيقة حشر
المخلوقات وصورته ، وأ نّهم يحشرون اُمما بكاملهم من الجن والاُنس ، وعلى صعيد واحد
يتلاعبون بينهم ، أو يتحابون : « قَالَ ادْخُلُوا فِي اُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ
قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإنسِ فِي النّارِ كُلّمَا دَخَلَتْ اُمّةٌ لَعَنَتْ
اُخْتَهَا حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيهَا جَمِيعا قَالَتْ اُخْرَاهُمْ لاُِولاَهُمْ
رَبّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلّونَا فَآتِهِمْ عَذَابا ضِعْفا مِنْ النّارِ قَالَ
لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ »(١) .
« وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسا إلاَّ
وُسْعَهَا اُوْلَئِكَ أصْحَابُ الْجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَنَزَعْنَا مَا
فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الاْءنْهَارُ وَقَالُوا
الْحَمْدُ للّهَِِ الّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ
هَدَانَا اللّهَُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أنْ
تِلْكُمْ الْجَنّةُ اُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ »(٢) . ثمّ يعرض
القرآن الكريم مشاهد متعدّدة من هذا الحشر ، وبعض العلاقات التي تسود الناس فيه ،
وأ نّه تصديق لدعوة الرسل وما بشروا واُنذروا منه .
الثالث : أنّ القِصّة على ما جاء فيها من التفصيل واستعراض للحوادث تبدأ في سرد
الوقائع من حين بدء البعثة والدعوة ، كما أ نّها تذكر الوقائع في حدود المجابهة ـ
التي كان يواجهها الرسول ـ الخارجية مع فرعون وملئه ، والداخلية مع بني إسرائيل وفي
إطار بيان ما ينزل بالمكذبين والمنحرفين من عذاب وعقاب واضرار .
الرابع : أنّ القِصّة تتناول في معرض حديثها عن الحوادث جوانب من المفاهيم
الإسلامية العامّة والسنن التأريخية ، كتأكيد أهمية ( الصبر ) ، و( وراثة المتقين
للأرض ) ، وأنّ الرحمة لا تنال إلاّ الذين اتقوا ، وآتوا الزكاة ، وآمنوا بآيات
اللّه ، واتّبعوا الرسول الاُمّي الذي يجدونه مكتوبا عندهم .
وعلى أساس هذه الملاحظة يمكن أن نستنتج :
أنّ القِصّة جاءت منسجمة مع السياق العام للعرض القصصي ، ومحقّقة لأغراضه على ما
أشرنا إليه في حديثنا عن أغراض القِصّة ، ومع ذلك فإنّها لا تغفل الفرصة المناسبة
لتأكيد المفاهيم الإسلامية العامّة منسجمة مع الهدف القرآني العام في
التربية .
(١) الأعراف : ٣٨ .
(٢) الأعراف : ٤٢ ـ ٤٣ .
كما أ نّها تؤكّد بصورة خاصة نبوّة محمّد صلىاللهعليهوآله ، وكأ نّها سيقت
بتفاصيلها لتحقيق ربط هذه الدعوات والرسالات بهذه النهاية الخاتمة لها ، وأنّ هذه
المفاهيم والسنن والأهداف التي عاشتها هذه الرسالات سوف تتحقّق في نهاية المطاف في
اتّباع رسالة الإسلام : « الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُْمِّيّ
الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالاْءنجِيلِ
يَأمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلّ لَهُمْ
الطّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ
وَالاْءَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ... »(١) .
على أنّ هناك شيئا تجدر الإشارة إليه ، وهو : أنّ القرآن الكريم يهتم عادة بتفصيل
قصص الرسل الذين هم من اُولي العزم : كنوح وإ براهيم وموسى وعيسى عليهمالسلام ؛
ذلك لأغراض متعدّدة(٢) يمكن أن يكون من جملتها :
أ ـ أنّ هؤلاء الأنبياء يمثلون مراحل مختلفة لرسالة السماء ، وأ نّهم مع صلة القربى
والوحدة في دعوتهم نجدهم يشكّلون مواضع فاصلة في تطوّر الدعوة الدينية النازلة من
السماء .
ب ـ أنّ لبعض هؤلاء الأنبياء أتباعا واُمما عاشت حتى نزول رسالة الإسلام ممّـا يفرض
الاهتمام بمعالجة أوضاعهم وعلاقتهم بدعوة الإسلام الجديدة .
ج ـ أنّ أحداثا مفصلة ومختلفة عاشها هؤلاء مع اُممهم وأقوامهم تمثل جوانب عديدة
ممّـا تعيشه كلّ دعوة دينية عامّة واسعة النطاق تستهدف تغييرا جذريا لواقع ذلك
المجتمع .
(١) الأعراف : ١٥٧ .
(٢) تحدّثنا عن هذا الموضوع بشيءٍ من التفصيل في بداية هذا الفصل .
الآيات التي جاءت في سورة يونس ، والتي تبدأ بقوله تعالى : « ثُمّ بَعَثْنَا مِنْ
بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا
فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْما مُجْرِمِينَ »(١) والتي تختم بقوله تعالى : «
وَلَقَدْ بَوّأنَا بَني إسْرَائِيلَ مُبَوّأ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ
الطّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إنّ رَبّكَ يَقْضِي
بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيَما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ »(٢) .
وتلاحظ في هذا المقطع القرآني من القِصّة الاُمور التالية :
أوّلاً : أنّ المقطع جاء بعد مقارنة عرضها القرآن الكريم بين مصير أتباع الحقّ
والمؤمنين باللّه وبالرسل والمصدقين بهم ، ومصير اتباع الباطل والمفترين على
اللّه والمكذبين بالرسل : « الّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتّقُونَ * لَهُمْ
الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ
اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . . . قُلْ إنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ
عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ في الدّنْيَا ثُمّ إلَيْنَا
مَرْجِعُهُمْ ثُمّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
»(٣) .
ثانيا : أنّ هذا المقطع من القِصّة جاء بعد إشارة قصيرة إلى نبأ نوح وقومه ، تتبعها
لمحة عامّة عن الرسل من بعد نوح وموقف قومهم منهم .
ثالثا : أنّ المقطع لا يتناول من التفاصيل إلاّ القدر الذي يرتبط بموقف فرعون وملئه
من موسى والمصير الذي لاقاه هؤلاء ؛ نتيجة لإعراضهم عن الدعوة
وتكذيبهم بها، كما أ نّه يشير إلى نهاية بني إسرائيل الطيبة بعد معاناتهم الطويلة
في المجتمع الفرعوني.
(١) يونس : ٧٥ .
(٢) يونس : ٩٣ .
(٣) يونس : ٦٣ ـ ٧٠ .
وبعد هذه الملاحظة يمكن أن نستنتج :
أنّ القِصّة إنّما جاءت هنا من أجل تصديق ( الحقيقة ) التي ذكرها القرآن الكريم في
مقارنته بين الذين آمنوا والذين يفترون على اللّه الكذب .
كما أنّ السياق العام هو الذي فرض مجيء القِصّة بشيء من التفصيل ؛ لأنّ قِصّة موسى
تمثل بتفاصيلها الانقسام بين جماعتين : إحداهما مؤمنة به ، والاُخرى كافرة بدعوته ،
حيث يقع الصراع بينهما ، وينتهي بغلبة المؤمنين على الكافرين ، بخلاف قصص الأنبياء
الآخرين ، فإنّها تُعرَض في القرآن الكريم على أساس أنّ النبي لم يؤمن به إلاّ
النزر اليسير من الناس ، ولذلك ينزل العذاب بقومه بشكل عام ، فهذه القصص تمثل جانبا
واحدا من المقارنة ، وهو : جانب المصير الذي يواجهه المكذبون والمنحرفون ، بخلاف
قِصّة موسى فإنّها تمثل الجانبين معا : جانب المؤمنين وجانب المكذبين ، ومن هنا
يمكن أن نفسر مجيء قِصّة نوح في هذا الموضع مختصرة مع الإشارة العامّة لموقف بقية
الأنبياء .
إضافة إلى أنّ نوحا عليهالسلام يمثل بداية الأنبياء الذي لاقى قومهم العذاب في قصص
القرآن ، وموسى عليهالسلام يمثل نهايتهم وختامهم .
ويؤكّد هذا التفسير لسياق القِصّة ما أشرنا إليه في الملاحظة الثالثة : من أنّ
التفاصيل التي تناولها المقطع انحصرت في بيان التزام بني إسرائيل الحق ، دون أن
تتعرض الى الجوانب الاُخرى لموقفهم ، والتي تمثل الانحراف والعصيان لأوامر موسى
عليهالسلام ، وهذا الالتزام يكاد يشعرنا أنّ القِصّة سيقت لإ براز صدق هذه
المقارنة في التأريخ الإنساني ، والتي كانت تتحكم في المواجهة التي يلاقيها
الأنبياء .
ومن الممكن أن نلاحظ في تكرار القِصّة بهذا المقطع ملامح السبب الرابع من أسباب
التكرار التي ذكرناها سابقا ؛ لأنّ طريقة عرض القِصّة في هذا المقطع حققت غرضا
معينا ما كان يحصل لو عرضت القِصّة بجميع تفاصيلها كما أشرنا .
الآيات التي جاءت في سورة هود ، وهي قوله تعالى :
« وَلَقَدْ أرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلَئِهِ فَاتّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ *
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأوْرَدَهُمْ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ
الْمَوْرُودُ * وَاُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ
الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ »(١) .
ويلاحظ في هذا المقطع القرآني من القِصّة ما يلي :
أوّلاً : أ نّه جاء في عرض قصصي عام يبدأ بنوح عليهالسلام ويختم بهذه اللمحة عن
قِصّة موسى عليهالسلام .
ثانيا : أنّ هذا العرض العام جاء في سياق الحديث عن مكذّبي الرسول
صلىاللهعليهوآله ، وما يجب أن يكون الموقف العام منهم ، والمصير الذي ينتظرهم
في الآخرة ، كما أ نّه يختم العرض بما يشبه بيان الغاية منه ، وهو قوله تعالى : «
ذلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا
ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أنفُسَهُمْ فَمَا أغْنَتْ عَنْهُمْ آلِـهَتُهُمْ
الّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جَاءَ أمْرُ رَبِّكَ وَمَا
زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذَا أخَذَ الْقُرَى وَهِيَ
ظَالِمَةٌ إنّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ »(٢) .
ثالثا : أنّ المقطع جاء لمحة عابرة عن القِصّة ونهايتها على خلاف قصص
وتكذيبهم بها ، كما أ نّه يشير إلى نهاية بني إسرائيل الطيبة بعد معاناتهم الطويلة
في المجتمع الفرعوني .
(١) هـود : ٩٦ ـ ٩٩ .
(٢) هـود : ١٠٠ ـ ١٠٢ .
ومن هنا يمكن أن نستنتج : أنّ الإتيان بهذا المقطع من القِصّة كان من أجل إكمال الصورة التي بدأها بنوح عليهالسلام ، وأراد القرآن الكريم أن يختمها بموسى عليهالسلام ؛ ليظهر بذلك الارتباط الوثيق بين اُسلوب الأنبياء في الدعوة إلى اللّه وجهودهم في سبيل هذه الغاية والمواجهة التي كانوا يلاقونها من اُممهم وأقوامهم ، والنتيجة الحاسمة التي كان ينتهي إليها مصير هذه الاُمم من العذاب الشديد والعقاب القاسي .
الآيات التي جاءت في سورة إ براهيم ، وهي قوله تعالى :
« وَلَقَدْ أرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظّلُمَاتِ
إلَى النّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأيّامِ اللّهِ إنّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ
صَبّارٍ شَكُورٍ * وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ
عَلَيْكُمْ إذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ
وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفي ذلِكُمْ بَلاَءٌ
مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإذْ تَأذّنَ رَبّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
لاَءزِيدَنّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنّ عَذَابي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إنْ
تَكْفُرُوا أنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعا فَإنّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ »(١) .
ويلاحظ في هذا المقطع القرأني من القِصّة ما يلي :
أوّلاً : أنّ القرآن الكريم قد مهد لهذه الإشارة بقوله : « وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ
رَسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلّ اللّهَُ مَنْ
يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »(٢) .
(١) إ براهيم : ٥ ـ ٨ .
(٢) إ براهيم : ٤ .
ثانيا : أنّ القرآن يتحدّث بعد هذا المقطع من القِصّة عن المفاهيم العامّة التي كان
يطرحها الرسل ، والأساليب التي كانوا يسلكونها لتحقيق أغراضهم الرسالية .
ثالثا : أنّ الحديث عن القِصّة في المقطع جاء بشكل مختصر ، وقد أكّد المشكلة
العامّة التي كان يعانيها الإسرائيليون ، والنعمة العامّة التي تفضّل بها عليهم ،
والدعوة لشكر النعمة ، وأنّ اللّه لا يضرّه كفرانها .
ومن هنا يمكن أن نستنتج :
أنّ المقطع قُصد به التمثيل على صدق الحقيقة التي أشار إليها القرآن الكريم من مجيء
كلّ رسول بلسان قومه ، حيث قد يراد بلسان القوم اللغة التي يتكلم بها القوم ،
ولعلّه هو الظاهر ولكن قد يراد من اللسان ـ كما يشير إليه السياق ـ هو الجوانب
والمشاكل الاجتماعية والسياسية والإنسانية المثيرة التي تستقطب اهتمام الاُمة
ونظرتها ومشاعرها ، فيكون تأكيدها اُسلوبا ولسانا لالفات نظر الاُمة إلى الدعوة
وقيمتها الروحية والاجتماعية ، ولذا جاءت قِصّة موسى مثالاً لهذه الحقيقة ؛ لأ نّه
دعا لإنقاذ قومه من مشكلة اجتماعية عامّة كانوا يعانونها .
ولعل ما يؤكّد هذا القصد هو : أنّ العرض جاء بلسان الخطاب إلى القوم لا بلسان
الحديث عن القضايا والأحداث .
ولما كانت الغاية الحقيقية من إرسال الرسل هي : هداية الناس وإرشادهم ؛ لذلك نجد
القرآن الكريم ـ بعد هذه الإشارة إلى قِصّة موسى وتصديق الحقيقة ـ يعود فيتحدّث عن
المفاهيم العامّة التي كان يطرحها الرسل على أساس أ نّها الشيء المطلوب من الناس
التصديق به ، دون أن يكون للاُسلوب المعين المتبع في تحقيق هذا الهدف أهمية ذاتية
خاصة .
الآيات التي جاءت في سورة الإسراء ، وهي قوله تعالى : « وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَني إسْرَائِيلَ إذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ
فِرْعَوْنُ إنيّ لأظُنّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أنزَلَ
هؤُلاَء إلاَّ رَبّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإنيّ لأظُنّكَ يَا
فِرْعَوْنُ مَثْبُورا * فَأرَادَ أنْ يَسْتَفِزّهُمْ مِنْ الأرْضِ فَأغْرَقْنَاهُ
وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعا * وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَني إسْرَائِيلَ اسْكُنُوا
الأرْضَ فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفا »(١) .
ويلاحظ في هذا المقطع القرآني من القِصّة ما يلي :
أوّلاً : أ نّه جاء في سياق المطاليب التعجيزية المتعدّدة التي كان يقترحها
المشركون والكفار على الرسول صلىاللهعليهوآله وعدم اكتفائهم بالقرآن الكريم
دليلاً ومعجزة على النبوة : « وَلَقَدْ صَرّفْنَا لِلنّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأبَى أكْثَرُ النّاسِ إلاَّ كُفُورا * وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ
لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأرْضِ يَنْبُوعا * أوْ تَكُونَ لَكَ جَنّةٌ مِنْ
نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرا * أوْ تُسْقِطَ
السّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفا أوْ تَأتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ
قَبِيلاً »(٢) .
ثانيا : أنّ القرآن الكريم يعقّب على القِصّة بالحديث عن القرآن بقوله : «
وَبِالْحَقِّ أنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أرْسَلْنَاكَ إلاَّ مُبَشِّرا
وَنَذِيرا »(٣) .
ثالثا : أنّ القرآن لم يشر في هذا المقطع من القِصّة إلاّ إلى الآيات التسع التي
جاء بها موسى ، ورفض فرعون دعوته ومصيره بسبب هذا الرفض .
(١) الاسراء : ١٠١ ـ ١٠٤ .
(٢) الإسراء : ٨٩ ـ ٩٢ .
(٣) الإسراء : ١٠٥ .
ويمكن أن نستنتج من هذه الملاحظة :
أنّ القِصّة إنّما جاءت هنا شاهدا على أنّ هذه المطالب المتعدّدة التي صدرت من
الكفار لم تكن بسبب حاجة نفسية يحسها هؤلاء الكافرون تجاه هذه المطاليب ، وإنّما هو
اُسلوب عام يتذرع به الكفار للتمادي في الضلال والإصرار عليه . والشاهد على ذلك
قِصّة موسى عليهالسلام ؛ إذ جاء موسى بتسع آيات ومع ذلك فقد كان موقف فرعون منها
موقف المكذبين ، بالرغم من أنّ هذه الآيات التسع جاءت في أزمنة متعدّدة .
فالسياق هو الذي فرض الإتيان بالقِصّة على أساس الاستشهاد بها ، وهذا شيء تفرضه
طبيعة الواقع التأريخي لرسالة موسى الذي أرسله اللّه ـ سبحانه ـ بالآيات التسع .
كما أنّ التكرار كان بسبب تأكيد مفهومين :
الأوّل : أنّ طلبات الكفار وتمنياتهم ليست نتيجة لواقع نفسي يدعوهم إلى الشك
بالرسالة ويفرض عليهم التأكد من صحتها ، ولا يكون عدم إتيان الرسول بمطاليبهم ـ
حينئذٍ ـ بسبب فقدان صلته بالسماء ، وإنّما بسبب كفاية القرآن الكريم لإقامة الحجّة
عليهم ، كما دلت الآية الكريمة بعد القِصّة على ذلك .
الثاني : أنّ مصير هؤلاء المكذبين كمصير فرعون من الهلاك والهزيمة ، وأنّ أتباع
النبي يصيرون إلى ما صار عليه بنو إسرائيل من وراثة الأرض .
الآيات التي جاءت في سورة الكهف ، والتي تبدأ بقوله تعالى : « وَإذْ قَالَ
مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ
حُقُبا * فَلَمّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتّخَذَ
سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبا »(١) والتي تختم بقوله تعالى : « وَأمّا الْجِدَارُ
فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ
لَهُمَا وَكَانَ أبُوهُمَا صَالِحا فَأرَادَ رَبّكَ أنْ يَبْلُغَا أشُدّهُمَا
وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي
ذلِكَ تَأوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرا »(٢) .
ويبدو هذا المقطع منفصلاً عن قِصّة موسى المذكورة في مواضع مختلفة من القرآن الكريم
؛ لأ نّه يتحدّث عن جانب معين من شخصية هذا الإنسان يختلف عن الجوانب الاُخرى التي
تصوّرها القِصّة ، والتي تظهر فيها شخصية موسى النبي صاحب الرسالة والدعوة الذي
يجاهد من أجل التوحيد وإقامة العدل الإلهي والدفاع عن المستضعفين ، أو تتحدّد فيها
معالم هذه الشخصية من خلال سيرته ونشأته الذاتية ، أمّا هنا فيبدو موسى الإنسان
الذي يسير في طريق التعلم والحريص على تفسير الظواهر غير العادية .
وحين نلاحظ أنّ القرآن الكريم يأتي بهذا المقطع في سياق قوله تعالى : « وَرَبّكَ
الْغَفُورُ ذُو الرّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجّلَ لَهُمْ
الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً * وَتِلْكَ
الْقُرَى أهْلَكْنَاهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدا »(٣)
قد نستنتج: أنّ الإتيان به كان من أجل التدليل على مدى مطابقة الحكمة الإلهية
للمصلحة ، وانسجامها مع واقع الأشياء مهما بدت غير واضحة المقصد والهدف .
(١) الكهف : ٦٠ ٦١ .
(٢) الكهف : ٨٢ .
(٣) الكهف : ٥٨ ـ ٥٩ .
فإنّ هاتين الآيتين اللتين جاء المقطع في سياقهما تشيران إلى وجود حكمة إلهية من
وراء تأخير العذاب ، وعدم التعجيل به مع استحقاق الظالمين له ، مع أ نّه قد يبدو في
النظرة السطحية الإنسانية أنّ التعجيل بالعذاب أوفق بالمصلحة ، حيث يكون رادعا
للآخرين عن الظلم ، فجاء المقطع تأكيدا لحقيقة الحكمة الإلهية ونظرتها البعيدة ،
وأنّ هذه الحكمة قد تخفى حتى على الأنبياء أنفسهم ؛إذ نلاحظ في هذا المقطع ثلاثة
أعمال وتصرفات يقوم بها العبد الصالح كلّها تبدو في ظاهرها أ نّها بعيدة عن العدل
والمصلحة ، الأمر الذي يثير استغراب موسى إلى الحدّ الذي يجعله يتخلى عن التزامه
السابق بعدم السؤال ، ثمّ يشرح العبد الصالح هذه الأعمال ، ويبين مدى انسجامها مع
العدل والمصلحة العامّة .
فالسياق العام للسورة هو الذي فرض الإتيان بالقِصّة في هذا المورد ، ولا حاجة إلى
تكراره في مواضع اُخرى مستقلاً أو في سرد الحوادث ؛ لأ نّه لا يحقّق الغرض الذي جيء
به في هذا المورد .
الآيات التي جاءت في سورة مريم ، وهي قوله تعالى : « وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ مُوسَى إنّهُ كَانَ مُخْلَصا وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطّورِ الأيْمَنِ وَقَرّبْنَاهُ نَجِيّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أخَاهُ هَارُونَ نَبِيّا »(١) .
(١) مريم : ٥١ ـ ٥٣ .
وقد جاءت هذه اللمحة من القِصّة في عرض قصصي مشترك عن الأنبياء ، وذلك بصدد تعداد
مَنْ أنعم اللّه عليهم من عباده وأنبيائه ، ومقارنتهم بمَنْ خلف بعدهم ممّـن أضاع
الصلاة واتّبع الشهوات : « أوْلَئِكَ الّذِينَ أنْعَمَ اللّهَُ عَلَيْهِمْ مِنْ النّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيّةِ آدَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيّةِ
إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى
عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمنِ خَرّوا سُجّدا وَبُكِيّا * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ
خَلْفٌ أضَاعُوا الصّلاَةَ وَاتّبَعُوا الشّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّا »(١)
.
فالسياق العام هو الذي فرض مجيء هذه القِصّة بهذا الشكل من العرض والاختصار ؛ وذلك
لتعداد العباد الصالحين ونعمة اللّه عليهم .
الآيات التي جاءت في سورة طه ، والتي تبدأ بقوله تعالى : « وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إذْ رَأى نَارا فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَارا لَعَليّ آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً »(٢) . والتي تختم بقوله تعالى : « قَالَ فَاذْهَبْ فَإنّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإنّ لَكَ مَوْعِدا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إلَى إلَهِكَ الّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفا لَنُحَرِّقَنّهُ ثُمّ لَنَنسِفَنّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفا * إنّمَا إلَهُكُمْ اللّهَُ الّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْما »(٣) .
(١) مريم : ٥٨ ـ ٥٩ .
(٢) طـه : ٩ ـ ١٠ .
(٣) طـه : ٩٧ ـ ٩٨ .
ونلاحظ في هذا المقطع القرآني من القِصّة الاُمور التالية :
الأوّل : أنّ القِصّة جاءت في سياق بيان أنّ القرآن الكريم لم ينزل من أجل أن يشقى
النبي ويتألم ، لمجرد أنّ قومه لم يؤمنوا به ، أو يظن في نفسه التخلف والتقصير ، أو
القصور عن أداء الرسالة ، وإنّما نزل القرآن تذكرة لمن يخشى من الناس : « طـه * مَا
أنزَلنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى * إلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى »(١) .
الثاني : أنّ هذا المقطع القرآني ينتهي بقوله : « كَذلِكَ نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ
أنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مَنْ لَدُنّا ذِكْرا »(٢) .
الثالث : أنّ المقطع يؤكد بشكل خاص ملامح معاناة النبي موسى عليهالسلام في سبيل
الدعوة ، سواءٌ في ذلك المعاناة النابعة من الذات : من الانفعالات والمخاوف النفسية
، أو الحرص الشديد على نجاح الدعوة وسلامتها والتزام أبنائها بها ، أو التي تكون
نتيجة العقبات والمشاكل والصعوبات التي تثار عند المواجهة والتطبيق ، سواءٌ من قبل
الكافرين بالدعوة أصلاً أو المؤمنين بها ، أو نعم اللّه وألطافه به من خلال ذلك .
فهناك عدّة انعكاسات لمواقف الرسالة والدعوة في ذات موسى :
الأوّل : مفاجأته بالرسالة ، وكذلك فزعه من المعجزة وتحول العصا إلى حية .
الثاني : تردّده في الإقدام على الدعوة بمفرده ، وطلبه انضمام أخيه هارون إليه .
الثالث : خوفه مع أخيه من التحدث إلى فرعون ومواجهته بالدعوة ، مع أ نّهما اُمرا أن
يقولا قولاً لينا .
الرابع : إحساسه بالخوف من سحرهم ، وتوجسه من نتائج المباراة .
الخامس : موقفه مع ربّـه في المواعدة ، ومخاطبة اللّه لـه بأ نّه قـد أعجل عـن
قومه .
السادس : غضب موسى وأسفه ، وموقفه الصارم من قومه وأخيه والسامري .
وقد صاغ القرآن الكريم هذه الانفعالات من خلال طريقة العرض على الشكل الذي يؤكد معاناة النبي ، ويبرز ملامح شخصيته ؛ إذ كان يؤكد في طريقة العرض ضمير المخاطبة سواءٌ بين اللّه وموسى أو بين موسى والآخرين .
(١) طـه : ١ ـ ٣ .
(٢) طـه : ٩٩ .
وإضافة إلى ذلك نجد أمام موسى عليهالسلام مجموعة من العقبات والمشاكل الحقيقية
المهمة ، مثل : محاولة السحرة تضليل الناس ، أو استخدام فرعون لاُسلوب القمع
والتهديد به ، أو مطاردة فرعون وجيشه لموسى وبني إسرائيل في محاولتهم للعبور ، أو
فتنة السامري للإسرائيليين وتمردهم على هارون .
وعلى هذا الأساس يمكن أن نستنتج :
أوّلاً : أنّ القِصّة سيقت لإ براز معاناة الأنبياء في دعواتهم بصفتها نتيجة طبيعية
لعظم المسؤولية التي يتحملونها والمشاكل التي تواجههم ، وبشكل خاص تشير إلى
المعاناة الذاتية ، ويشهد لذلك أنّ القِصّة تؤكد المواقف التي تظهر فيها انفعالات
الرسول ، كما أ نّها تؤكد ما ينعم به اللّه على الرسول خلال المجابهة ، وحين ينتهي
عرض دور الانفعال نجد القِصّة تنتقل إلى عرض الدور الآخر دون أن تقف عند المشاهد
الاُخرى ، فهي مثلاً تنتقل من العبور إلى المواعدة رأسا .
كما أ نّنا حين نقارن بين هذا المورد الطويل من القِصّة والمورد السابق الطويل منها
الذي جاء في سورة الأعراف ، أو المورد الثالث الطويل منها الذي يأتي في سورة القصص
نجد هذا المورد هو الوحيد بينها يؤكد بهذا التفصيل هذه الملامح لشخصية الرسول .
ثانيا : أنّ السبب الذي فرض على القِصّة هذا الاُسلوب الخاص من العرض والتصوير
واقتضى في نفس الوقت بعض التكرار هو : مخاطبة الرسول وتخفيف الألم والعذاب النفسي
اللذين كان يعانيهما تجاه الدعوة ، ويدلنا على ذلك ما لاحظناه في الأمر الأوّل
والثاني ؛ إذ استهدف القرآن الكريم إ براز الصلة الوثيقة بين ما يعانيه رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله في دعوته وبين ما كان الأنبياء السابقون يعانونه : « مَا
أنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى » « كَذلِكَ نَقُصّ
عَلَيْكَ مِنْ أنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مَنْ لَدُنّا ذِكْرا
»(١) .
الآيات التي جاءت في سورة الشعراء ، والتي تبدأ القِصّة فيه بقوله تعالى : « وَإذْ
نَادَى رَبّكَ مُوسَى أنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألاَ
يَتّقُونَ »(٢) والتي تختم بقوله تعالى : « إنّ في ذلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ
أكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وإنّ رَبّكَ لَـهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ »(٣) .
ويلاحظ في هذا المقطع القرآني من القِصّة الاُمور التالية :
الأوّل : أنّ المقطع من القِصّة جاء بعد عتاب من اللّه سبحانه لرسوله محمّد
صلىاللهعليهوآله في إ جهاده لنفسه وإرهاقها حتى يكاد يقتلها بسبب أنّ قومه لم
يكونوا مؤمنين « لَعَلّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ألاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ »(٤) وبعد
هذا العتاب يذكر القرآن الكريم قانونا اجتماعيا يتحكم في التأريخ ، وهو : أنّ كل
ذكر جديد من اللّه ـ سبحانه ـ يُحدِث ردة فعل كهذه لدى الكفار ؛ إذ يقاومونه
ويعرضون عنه ، ولم يكن ذلك بسبب عجز اللّه سبحانه وعدم قدرته على إخضاعهم لرسالته
وإرغامهم عليها « إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السّمَاءِ آيَةً فَظَلّتْ
أعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرّحْمنِ
مُحْدَثٍ إلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ »(٥) .
(١) طـه : ٢ ـ ٣ و ٩٩ .
(٢) الشعراء : ١٠ ـ ١١ .
(٣) الشعراء : ٦٧ ـ ٦٨ .
(٤) الشعراء : ٣ .
(٥) الشعراء : ٤ ـ ٥ .
الثاني : أنّ القرآن الكريم ينبه ـ بعد هذا التفسير العام للتأريخ ـ إلى أنّ هذا
الموقف العام للكافرين تجاه الذكر لم يكن بسبب عدم توفر الدليل الصالح على صحة
الرسالة « أوَلَمْ يَرَوْا إلَى الأرْضِ كَمْ أنْبتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ
كَرِيمٍ * إنّ في ذلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإنّ رَبّكَ
لَـهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ »(١) .
الثالث : أنّ هذا المقطع جاء في عرض قصصي مشترك للأنبياء يتميّز بطابع خاص إلى جانب
هذا التفسير التأريخي للموقف العام ، وهو : أنّ كلّ نبي نجده يبذل جهده في استعمال
الأساليب المختلفة من الكلام اللين الهادئ أو التذكير بالنعم الإلهية الظاهرة التي
يتمتّع بها أقوامهم ، وقد يعضد أقواله هذه ـ أحيانا ـ بآية ومعجزة سماوية تشهد له
على صحة دعوته ، ومع كلّ ذلك تكون النتيجة واحدة ، ويختتم بقوله تعالى : « إنّ فِي
ذلِكَ لآيَة وَمَا كَانَ أكْثَرُهُمْ مُؤمِنِين » .
(١) الشعراء : ٧ ـ ٩ .
الرابع : أنّ القرآن الكريم بعد أن يأتي على نهاية العرض القصصي المشترك هذا يرجع
فيتحدّث عن ( آيات الكتاب المبين ) بوصفها شيئا مرتبطا بالسماء ومتصفا بجميع الصفات
التي تبرز هذا الاتصال ، ممّا يسمح لذوي البصيرة والقلوب النيرة أن يطلعوا على
واقعه ويهتدوا به .
وعلى أساس هذه الملاحظة يمكن أن نستنتج : أنّ القِصّة جاءت لتحقيق هدفين ضمن عرض
قصصي مشترك :
أحدهما : إ يضاح القانون الطبيعي الذي يتحكم في مواجهة الافكار الالهية الجديدة ،
وإنّ تلكؤ الكافرين في الإ يمان بالدعوة الإسلامية ورسالتها ليس بسبب تخلف الرسول
صلىاللهعليهوآله عن المستوى الأمثل للعمل والنضال ، أو نتيجة لعدم توفر الأدلة
الكافية على صحة الرسالة ، وإنّما هو قانون عام له أسبابه النفسية والاجتماعية الاُخرى ، وخضعت له الرسالات الإلهية كلّها .
والآخر : أنّ النهاية سوف تكون لعباد اللّه الصالحين ، وإنّهم هم الذين يرثون
الأرض ، ومن أجل أن تلفت النظر إلى هذا الهدف ـ الذي قد يضيع ضمن العرض العام للقصص
ـ وتأكيده جاءت قِصّة موسى بشيء من التفصيل الذي يؤكّد هذا الجانب ، ويمكن ـ أيضا ـ
أن نفسر التكرار للقصة بأحد السببين التاليين أو كليهما :
الأوّل : تأكيد هدف وغرض سبق أن استهدفه القرآن الكريم من قِصّة موسى نفسها في سورة
طـه ، وهو : التخفيف من الألم الذي يعانيه الرسول صلىاللهعليهوآله ، وهذا هو
السبب الثاني من الأسباب الموجبة للتكرار .
الثاني : أنّ القِصّة استهدفت غرضا دينيا جديدا وهو : تصوير المفهوم الإسلامي العام
عن طبيعة موقف المشركين تجاه الرسالة، وإنّه هو الموقف العام لهم تجاه كل الرسالات
، وهذا هو السبب الأوّل من الأسباب الموجبة للتكرار .
وقد جاءت القِصّة في اُسلوبها وطريقة عرض الأحداث فيها منسجمة مع أهدافها وأغراضها
؛ إذ تناولت جوانب معينة من حياة موسى ، وعرضت بشكل خاص تنتهي عند هذه الاهداف ،
فنجد الحديث في القِصّة مثلاً ينتهي عند العبور ، كما أ نّها أكّدت شكل الاُسلوب
الذي سار عليه موسى وهارون في مخاطبة فرعون .
الآيات التي جاءت في سورة النمل ، والتي تبدأ بقوله تعالى :
« إذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إنيّ آنَسْتُ نَارا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ
آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلّكُمْ تَصْطَلُونَ »(١) والتي تختم بقوله تعالى:
(١) النمـل : ٧ .
«
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أنْفُسُهُمْ ظُلْما وَعُلُوّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ »(١)
.
ويلاحظ في هذا المقطع القصير الذي يتحدّث عن القِصّة بشكل عام الاُمور التالية :
الأوّل : أنّ القِصّة جاءت في سياق التحدث عن الكافرين بالآخرة وما سوف يلاقون من
عذاب ، وعن واقع نزول القرآن وتلقيه « إنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ
زَيَّنَّا لَهُمْ أعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * اُوْلَئِكَ الّذِينَ لَـهُمْ
سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأخْسَرُونَ * وَإنّكَ لَتُلَقّـى
الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ »(٢) .
الثاني : أنّ هذا المقطع يختم بقوله تعالى : « وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا
أَنْفُسُهُمْ ظُلْما وَعُلُوّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ».
الثالث : أنّ المقطع على اختصاره يكاد يختص بذكر الحوادث والآيات الغيبية ، فهو
يذكر المناداة ومعجزة العصا واليد ، ويشير إلى الآيات التسع .
وهذه الملاحظة تدعونا لأن نستنتج : أنّ القِصّة سيقت لإظهار حقيقة من الحقائق التي
ترتبط بالجانب النفسي للمجتمع الذي يواجه دعوة جديدة ، وهذه الحقيقة هي : أنّ نكران
الآخرة وعدم الإ يمان بها إنّما يقوم على أساس نفسي وعاطفي ، لا على أساس موضوعي
ودراسة علمية ، هذا الشيء الذي عبر عنه القرآن الكريم بالجحود ؛ وذلك لأنّ الدراسة
الموضوعية كانت تقتضي أن تنتهي الحالة بالناس إلى الإ يمان بالآخرة بعد أن أكّدت
الآيات والمعاجز ارتباط النبي بعالم الغيب ، وهذه الآيات والمعاجز توفر عناصر
اليقين عند الإنسان العادي الذي
(١) النمـل : ١٤ .
(٢) النمـل : ٤ ـ ٦ .
يعيش وضعية عاطفية مستوية ومستقيمة ، ونتيجة لذلك ( وهو عدم الإ يمان بالرغم من
توفّر الأدلة والحجج ) ينزل العذاب بالكافرين بعد أن لم يستجيبوا للحقائق والأدلة .
ولا يفوتنا أن ننبه هنا إلى نكتة دقيقة ولطيفة وشاهد يؤكّد لنا أنّ القِصّة سيقت
لهذا الغرض ، هو : أنّ القرآن يصوّر لنا خوف موسى من العصا بالشكل الذي يدعوه إلى
الهروب ، وفي هذا تأكيد أنّ هذا التحول في حالة ( العصا ) كان نتيجة تدخل غيبي ؛
ولذا ترك أثره على موسى نفسه ، لا أ نّه نتيجة عمل بشري قام به موسى ، ولعلّ السر
في تكرار القِصّة هنا هو السببان التاليان :
الأوّل : أنّ المقطع جاء في عرض قصصي مشترك لتأكيد تفسير إسلامي لموقف المنكرين
للقرآن ، والدعوة على أساس عدم كفاية الآيات والمعجزات لاثباتها ، وقد عرفنا في هذا
التأكيد السبب الثاني للتكرار كما سبق .
الثاني : أنّ القِصّة جاءت مختصرة في تصوير الموقف ، وهذا يدعونا إلى أن نرى أ نّها
وردت في مرحلة متقدّمة من مراحل الدعوة حين كان يعالج القرآن مشاكلها بشكل مختصر ،
وهذا ما ذكرناه سببا ثالثا للتكرار .
الآيات التي جاءت في سورة القصص ، والتي تبدأ بقوله تعالى : « نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأ مُوسى وَفِرْعَون بِالحَقّ لِقَوْم يُؤمِنُون »(١) والتي تختم بقوله تعالى : « وَأتْبعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ المَقبُوحِينَ »(٢) .
(١) القصص : ٢ .
(٢) القصص : ٤٢ .
ويلاحظ في هذا المقطع من القِصّة الاُمور التالية :
الأوّل : أنّ السورة تكاد تبدأ بالقصة دون أن يسبقها شيء عدا آيتين : هما قوله
تعالى : « طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ»(١) .
الثاني : أنّ القرآن الكريم يأتي في سياق القِصّة بعدها بقوله تعالى : « وَمَا
كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبيّ إذْ قَضَيْنَا إلَى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ
الشّاهِدِينَ * . . . وَمَا كُنتَ ثَاوِيا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ
آيَاتِنَا وَلَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطّورِ إذْ
نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْما مَا أتَاهُمْ مِنْ
نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ »(٢) .
الثالث : أنّ القِصّة تذكر تفاصيل وحوادث ذات طابع شخصي من حياة موسى عليهالسلام
تكاد تكون جانبيه ، كحادثة القائه في اليم ، واستنقاذ آل فرعون له ، ورفضه للرضاعة
من غير اُمه ، وقتله الرجل ثم محاولته قتل الآخر وهروبه ، ثم قضية زواجه مع
تفاصيلها .
الرابع : أنّ القِصّة تبدأ بذكر أحكام عامّة عن الوضع الاجتماعي حينذاك ، والغاية
المتوخاة من تغييره « إنّ فِرْعَوْنَ عَلاَ في الأرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعا
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ
إنّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أنْ نَمُنّ عَلَى الّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أ ئِمّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ *
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا
مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ »(٣) .
وعلى ضوء هذه الملاحظة يمكن أن نستنتج أنّ القِصّة استهدفت أمرين :
(١) القصص : ١ ـ ٢ .
(٢) القصص : ٤٤ ـ ٤٦ .
(٣) القصص : ٤ ـ ٦ .
الأوّل : أنّ القرآن الكريم كتاب منزل من اللّه سبحانه وتعالى ، وأ نّه ليس من صنع
محمد صلىاللهعليهوآله ، وهذا هو الهدف الرئيس من سرد القِصّة في هذا المورد ـ
كما يشير إلى ذلك الأمر الأوّل والثاني ـ وهو في نفس الوقت من الأهداف المهمة التي
يؤكدها القرآن الكريم في مناسبات كثيرة لما له من تأثير في سير الدعوة .
وبهذا يمكن أن نفسر ما أشرنا إليه في الأمر الثالث ، لأنّ في الحديث عن تفاصيل
جانبية من حياة الرسول دلالة قوية على ارتباط القرآن بعالم الغيب ؛ إذ من المفروض
أن لا يطّلع على هذه التفاصيل جميع الناس ؛ لأ نّها تعيش حياة الرسول حين كان فردا
عاديا في المجتمع ، على خلاف تفاصيل حياته بعد النبوة ، فإنّها ـ بطبيعة الحال ـ
تكون معروفة للناس لتسليط الأضواء على شخصيته من قبلهم .
الثاني : إ يضاح أنّ عملية التغيير الاجتماعي قد تتم حتى في أبعد الظروف ملاءمةً
واحتمالاً ، وفي ظل أشد ظروف الظلم والاضطهاد والطغيان ، بحيث تبدأ عملية التغيير
من نقطة هي في منتهى البعد والضعف نسبة لهذه العملية ، وذلك نتيجة للإ يمان الواعي
باللّه ، وما يستلزمه ذلك من الإصرار والصبر على تبني العقيدة والنضال من أجلها .
ولذلك نجد القِصّة في هذا الموضع تؤكّد ملامح الاضطهاد الذي كان يعانيه المجتمع
بشكل عام والإسرائيليون بشكل خاص ، كما تؤكّد الوضع القاسي الذي كان يعيشه شخص
الرسول في كونه منذ البداية في معرض خطر الموت والهلاك ، ثم مطاردا من المجتمع
بتهمة القتل العدواني ، ثم مهاجرا وبعيدا عن المواقع الطبيعية لحركة التغيير . وفي
هذين الهدفين ما يبرر التكرار الذي يمكن أن يكون بالسبب الأوّل أو الثاني من أسباب
التكرار .
الآيات التي جاءت في سورة غافر والتي تبدأ بقوله تعالى : « وَلَقَدْ أرْسَلْنَا
مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ
فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذّابٌ »(١) والتي تختم بقوله تعالى : « فَسَتَذْكُرُونَ مَا
أقُولُ لَكُمْ وَاُفَوِّضُ أمْرِي إلَى اللّهِ إنّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *
فَوَقَاهُ اللّهَُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ
الْعَذَابِ »(٢) .
ويلاحظ في هذا المقطع من القِصّة ما يلي :
الأوّل : أنّ السورة التي جاء فيها هذا المقطع تتحدّث في مطلعها عن مصير من يجادل
في آيات اللّه : « مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللّهِ إلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ »(٣) .
الثاني : أنّ القِصّة تأتي في سياق أنّ هذا المصير للمجادلين نتيجة طبيعية لعنادهم
بعد أن تأتيهم البينات فيكفرون بها « أوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنظُرُوا
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أشَدّ
مِنْهُمْ قُوّةً وَآثَارا فِي الأرْضِ فَأخَذَهُمْ اللّهَُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا
كَانَ لَـهُمْ مِنْ اللّهِ مِنْ وَاقٍ »(٤) .
الثالث : أنّ القِصّة تؤكّد بشكل واضح موقف مؤمن آل فرعون والأساليب التي استعملها
في دعوته لهم ، ومحاولته ذات الجانب العاطفي في هدايتهم مع تذكيرهم بمصير من سبقهم
من الاُمم ، وما ينتظرهم نتيجة لعنادهم وكفرهم . وقبالة هذا الموقف يظهر لنا موقف
فرعون وقد تمادى في غيّه حتى حاول أن يطّلع على إله موسى عليهالسلام .
(١) غافر : ٢٣ ـ ٢٤ .
(٢) غافر : ٤٤ ـ ٤٥ .
(٣) غافر : ٤ .
(٤) غافر : ٢١ .
وعلى هذا الأساس يمكن أن نستنتج : أنّ القِصّة سيقت لتوضيح مصير من يجادل في آيات
اللّه ، مع إ يضاح الفرق بين الاُسلوب الذي يستعمله الداعية والاُسلوب الذي
يستعمله المجادل والكافر ، وأن العذاب لا ينزل بهؤلاء إلاّ بعد أن تتم الحجّة عليهم
.
وأنّ الهداية والحجّة من الوضوح بحيث يمكن أن يقتنع بها حتى اُولئك الأشخاص الذين
يعيشون في الوسط المتنفذ والمترف ـ كما هو الحال بالنسبة إلى مؤمن آل فرعون ـ كما أ
نّها تؤكّد الدور الذي يجب أن يقوم به الإنسان تجاه هداية الآخرين ، وأنّها مسؤولية
شرعية وإنسانية يتحمّلها كل الناس حتى لو كان من الوسط الضال ، كما فعل مؤمن آل
فرعون .
وفي هذا العرض القرآني للقصة يظهر لنا ـ أيضا ـ هذا الامتزاج بين الرحمة والغفران ،
وبين النقمة وشدة العذاب : « غَافِرِ الذّنْبِ وَقَابِلِ التّوْبِ شَدِيدِ
الْعِقَابِ ذِي الطّوْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ إلَيْهِ الْمَصِيرُ »(١) فإنّ اللّه
سبحانه يجعل تحت متناول عقول عباده وأنظارهم آياته وأدلته وبراهينه ، ويتوسل إلى
هدايتهم بالوسائل المختلفة التي لا تشل عنصر الاختيار فيهم ، كلّ ذلك رحمة منه
وفسحة لقبول التوبة والاستغفار ، ولكنّه مع ذلك لا يعجزه شيء عن عقابهم أو القدرة
على إنزال العذاب فيهم .
الآيات التي جاءت في سورة الزخرف ، والتي تبدأ بقوله تعالى : « وَلَقَدْ أرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إنيّ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ »(٢)
(١) غافر : ٣ .
(٢) الزخرف : ٤٦ .
والتي تختم بقوله تعالى : « فَلَمّا آسَفُونَا انتقَمْنَا مِنْهُمْ فَأغْرَقنَاهُمْ أجْمَعِينَ
* فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ »(١) .
ويلاحظ في هذا الموضع من القِصّة مايلي :
أنّ هذا المقطع القرآني من القِصّة جاء في سياق الحديث عن شبهة أثارها الكفار في
وجه الدعوة « وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ »(٢) .
وقد ناقش القرآن الكريم هذه الشبهة من ناحيتين :
الاُولى : أنّ الرزق والمال ليس عطاء بشريا أو نتيجة للجهد الشخصي والذكاء
والعبقرية والفضل فحسب ، بل هو عطاءٌ إلهي له غاية اجتماعية تنظيمية « أهُمْ
يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ في
الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتّخِذَ
بَعْضُهُمْ بَعْضا سُخْرِيّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ »(٣) .
الثانية : أنّ هذا العطاء الإلهي المادي ليس مرتبطا بالفضل والامتياز عند اللّه
والقربى لديه ، كما هو شأن العطاء البشري ومقاييسه ، بل قد يكون العكس هو الصحيح «
وَلَوْلاَ أنْ يَكُونَ النّاسُ اُمّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِـمَنْ يَكْفُرُ
بِالرّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفا مِنْ فَضّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظهَرُونَ
»(٤) .
(١) الزخرف : ٥٥ ـ ٥٦ .
(٢) الزخرف : ٣١ .
(٣) الزخرف : ٣٢ .
(٤) الزخرف : ٣٣ .
فإنّ ظاهر هذه الآية الكريمة هو : أ نّه لولا مخافة أن يكون الناس اُمة واحدة
على الكفر لجعلنا لمن يكفر بالرحمن . . . وقد يكون ذلك تعويضا لهم عمّـا يلحق بهم من الخسران والعذاب في الدار الآخرة ، فإنّ «
الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر »(١) .
ومن هذه الملاحظة يمكن أن نستنتج :
أنّ هذا المقطع جاء ليضرب مثلاً واقعيا تجاه هذه الحقيقة والفكرة التي عاشتها
الإنسانية ، وهذا المثل هو : موقف فرعون من دعوة موسى؛ إذ نزلت الرسالة على شخص
فقير مطارد ، ويتعرّض قومه إلى الاضطهاد ، مع أنّ فرعون هو صاحب الثروة والغنى.
والذي يؤكد هذا الاستنتاج أنّ المقطع يتبنى إظهار جانب ما يتمتع به فرعون من ثروة
وملك وغنى في مقابل موسى الذي هو مهين على حد تعبير فرعون ، وليس في المواضع
الاُخرى من القرآن ما يشبه هذا الموقف من فرعون .
فالتكرار فرضه السياق القرآني إلى جانب تحقيق الغرض الديني .
الآيات التي جاءت في سورة الذاريات ، وهي قوله تعالى :
« وَفي مُوسَى إذْ أرْسَلْنَاهُ إلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ *
فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ * فَأخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ
فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ »(٢) .
وهذه اللمحة العابرة التي تأتي في عرض قصصي مشترك عن الأنبياء من أجل تعداد آيات
اللّه سبحانه ، وإثبات صدق الدعوة والنبوة ، نجد اُسلوب السورة المكية الذي كان
يفرض طبيعة الموقف فيه ذكر القصص القرآنية بشكل مختصر وعابر .
(١) من لا يحضره الفقيه ٤ : ٣٦٣ .
(٢) الذاريات : ٣٨ ـ ٤٠ .
الآية التي جاءت في سورة الصف : « وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ
تُؤْذُونَِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أنيّ رَسُولُ اللّهِ إلَيْكُمْ فَلَمّا زَاغُوا
أزَاغَ اللّهَُ قُلُوبَهُمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ »(١) .
وفي هذه إشارة إلى موقف معين لبني إسرائيل تجاه موسى ، إذ آذوه مع علمهم بنبوته ،
وقد كان الغرض من الإشارة إليه هو : مقارنة موقف أصحاب النبي صلىاللهعليهوآله
تجاهه وموقف هؤلاء تجاه موسى ، وكذلك موقف بني إسرائيل تجاه عيسى عليهالسلام من
تكذيبه ومخالفته بعد أن جاءهم بالبينات ، وفي هذا تذكير لأصحاب النبي وتحذير لهم من
الوقوع في مثل هذه المواقف والمخالفات ، وإلاّ لساروا في طريق النفاق ، وكانوا
ممّـن يقولون ما لا يفعلون ، كما يدل السياق على ذلك .
(١) الصـف : ٥ .
الآيات التي جاءت في سورة النازعات ، وهي قوله تعالى :
« هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إذْ نَادَاهُ رَبّهُ بِالْوَادِي المُقدّسِ طُوىً *
اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إلَى أنْ تَزَكّى *
وَأهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذّبَ
وَعَصَى * ثُمّ أدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أنَا رَبّكُمْ
الأعْلَى * فَأخَذَهُ اللّهَُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالاُولَى »(١) .
وهذا المقطع القرآني من القِصّة ينسجم مع السياق العام للسورة التي تتحدّث عن الحشر ، وتصوّر قدرة اللّه سبحانه على تحقيقه ( بزجرة ) واحدة؛ لأنّ الموقف فيها ينتقل من دعوة موسى لفرعون مع ما له من القدرة الدنيوية وتكبره وتجبره وعظمته ، إلى أخذ اللّه ـ سبحانه ـ له نكال الآخرة والاُولى ، فإنّ هذا الإنتقال يصوّر لنا هذه السرعة والقدرة في الحشر والنشر ؛ ولذا نجد القرآن يرجع بعد إعطاء هذه الصورة الواقعية عن القدرة إلى الاستدلال على هذه الحقيقة بأدلة وجدانية : « أأنْتُمْ أشَدّ خَلْقا أمْ السّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا * وَأغْطَشَ لَيْلَهَا وَأخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا * أخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا »(٢) .
(١) النازعات : ١٥ ـ ٢٥ .
(٢) النازعات : ٢٧ ـ ٣٢ .