الأغراض الرسالية .
الأغراض التربوية .
الأغراض الاجتماعية والتاريخية .
لقد جاءت القِصّة في القرآن الكريم لتساهم في عملية التغيير الإنساني بجوانبها
المتعدّدة ، فما هي الأغراض ذات الأثر الرسالي التي استهدفتها القِصّة القرآنية ؟
وبهذا الصدد نجد القِصّة القرآنية تكاد تستوعب في مضمونها وهدفها جميع الأغراض
الرئيسة التي جاء من أجلها القرآن الكريم ، ونظرا لكثرةِ هذه الأغراض وتشعبها نجد
من المستحسن أن نقتصر في عرضنا لأغراض القِصّة في القرآن على الأغراض القرآنية
المهمة ؛ لنتعرّف من ذلك على أهمية ذكر القِصّة في القرآن الكريم والفوائد التي
تترتب عليها . وتنقسم هذه الأغراض إلى أقسام ثلاثة(١) :
أ ـ إثبات الوحي والرسالة ، وأنّ ما جاء به القرآن الكريم لم يكن من عند محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم وإنّما هو وحيٌّ أوحاه اللّه ـ تعالى ـ إليه وأنزله هدايةً للبشرية .
(١) راجع في بحث أغراض القِصّة ما كتبه سيد قطب في كتابه التصوير الفني في القرآن : ١٢٠ ـ ١٤١ ، وما سجّله السيد رشيد رضا في مواضع مختلفة في كتابه : تفسير المنار .
وقد أشرنا إلى هذا الهدف القرآني من القِصّة عند بحثنا عن إعجاز القرآن الكريم ،
حيث عرفنا : أنّ حديث النبي محمّد صلىاللهعليهوآله عن أخبار الاُمم السالفة
وأنبيائهم ورسلهم بهذه الدقة والتفصيل والثقة والطمأنينة ـ مع ملاحظة ظروفه
الثقافية والاجتماعية ـ يكشف عن حقيقة ثابتة ، وهي : تلقّيه هذه الأنباء والأخبار
من مصدر غيبي مطّلع على الأسرار ، وما خفي من بواطن الاُمور ، وهذا المصدر هو :
اللّه سبحانه وتعالى .
وقد نصّ القرآن الكريم على أنّ من أهداف القِصّة هو هذا الغرض السامي ، وذلك في
مقدّمة بعض القصص القرآنية أو ذيلها .
فقدجاء في سورة يوسف: « نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ أحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا
أوْحَيْنَا إلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ
الْغَافِلِينَ »(١).
كما أشار إلى ذلك في نهاية القِصّة من نفس السورة : « ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ
الْغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ وَهُمْ
يَمْكُرُونَ »(٢) .
وجاء في سورة القصص بعد عرضه لقصة موسى : « وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبيِّ إذْ
قَضَيْنَا إلَى مُوسَى الاْءمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشّاهِدِينَ * وَلَكِنّا
أنشَأْنَا قُرُونا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيا في أهْلِ
مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ
بِجَانِبِ الطّورِ إذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْما
مَا أتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ »(٣) .
(١) يوسف : ٣ .
(٢) يوسف : ١٠٢ .
(٣) القصص : ٤٤ ـ ٤٦ .
وجاء في سورة آل عمران في مبدأ قِصّة مريم : « ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ
نُوحِيهِ إلَيْكَ وَمَاكُنْتَ لَدَيْهِمْإذْ يُلْقُونَأقْلاَمَهُمْأ
يّهُمْيَكْفُلُمَرْيَمَوَمَا كُنْتَلَدَيْهِمْإذْيَخْتَصِمُونَ»(١).
وجاء في سورة ( ص ) قبل عرضه لقِصّة آدم : « قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أنْتُمْ
عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لي مِنْ عِلْمٍ بِالمَلاَءِ الاْءعْلَى إذْ
يَخْتَصِمُونَ * إنْ يُوحَى إليّ إلاَّ أنَّمَا أنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ »(٢) .
وجاء في سورة هود بعد قِصّة نوح : « تِلْكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا
إلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ
إنّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتّقِينَ »(٣) .
فكلّ هذه الآيات الكريمة وغيرها تشير إلى أنّ القِصّة إنّما جاءت في القرآن تأكيدا
لفكرة الوحي التي هي الفكرة الأساس في الشريعة الإسلامية .
ب ـ وحدة الدين والعقيدة لجميع الأنبياء ، وأنّ الدين كلّه من اللّه سبحانه ، وأنّ
الأساس للدين الذي جاء به الأنبياء المتعددون ، هو أساس واحد لا يختلف بين نبي وآخر
، فالدين واحد ، ومصدر الدين واحد أيضا ، وجميع الأنبياء اُمّة واحدة تعبد هذا
الإله الواحد وتدعو إليه .
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في عدّة مواضع :
« وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ اُمّةٍ رَسُولاً أنْ اُعْبُدُوا اللّهَ
وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللّهَُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقّتْ
عَلَيْهِ الضّلاَلَةُ فَسِيرُوا في الاْءرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الْمُكَذِّبِينَ »(٤) .
(١) آل عمران : ٤٤ .
(٢) سورة ص : ٦٧ ـ ٧٠ .
(٣) هود : ٤٩ .
(٤) النحل : ٣٦ .
وقوله تعالى : « وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ اُمّةٍ شَهِيدا عَلَيْهِمْ مِنْ
أنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدا عَلَى هَؤُلاَء وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
تِبْيَانا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ »(١) .
وقوله تعالى : « إنّا أنزَلْنَا التّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
النّبِيّونَ الّذِينَ أسْلَمُوا لِلّذِينَ هَادُوا وَالرّبّانِيّونَ وَالاْءحْبَارُ
... »(٢) .
وقوله تعالى : « وَمَا اُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ
الْقَيِّمَةِ »(٣) .
وهذا الغرض يهدف فيما يهدف إلى :
١ ـ إ براز الصلة الوثيقة بين الإسلام الحنيف وسائر الأديان الإلهيّة الاُخرى التي
دعا إليها الرسل والأنبياء الآخرون ، وأنّ الإسلام يمثل امتدادا لها ، ولكنّه يحتل
منها مركز الخاتمة التي يجب على الإنسانية أن تنتهي إليها ، وبذلك يسدّ الطريق على
الزيغ الذي يدعو إلى التمسك بالأديان السابقة ؛ على أساس أ نّها حقيقة موحاة من قبل
اللّه تعالى ؛ لأنّ الإسلام يصدقها بذلك ، ولكنّه جاء في نفس الوقت مهيمنا عليها «
وَأنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنا عَلَيْهِ ... »(٤) .
(١) النحل : ٨٩ .
(٢) المائدة : ٤٤ .
(٣) البيّنة : ٥١ .
(٤) المائدة : ٤٨ .
٢ ـ مضافا إلى ذلك تظهر الدعوة على أ نّها ليست بدعا في تأريخ الرسالات ، وإنّما هي وطيدة الصلة بها في أهدافها وأفكارها ومفاهيمها «قُلْ مَا كَنْتُ بِدعا مِنَ الرّسل وَمَا أدْرِي مَا يُفْعَلُ بي وَلاَ بِكُمْ ... »(١) ، بل إنّها تمثل امتدادا لهذه الرسالات الإلهيّة ، وتلك الرسالات تمثل الجذر التاريخي للرسالة الإسلامية ، فهي رسالة ( أخلاقية ) وتغييريّة ، لها هذا الامتداد في التأريخ الإنساني ، ولها هذا القدر من الأنصار والمضحّين والمؤمنين .
(١) الاحقاف : ٩ ، راجع ـ أيضا ـ الآيات ٤٣ ـ ٥٠ .
وعلى أساس هذا الغرض تكرر ورود عدد من قصص الأنبياء في سورة واحدة ، ومعروضة بطريقة خاصة ؛ لتؤكد هذا الارتباط الوثيق بينهم في الوحي والدعوة التي تأتي عن طريق هذا الوحي . ولنضرب لذلك مثلاً ما جاء في سورة الأنبياء :
« وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرا
لِلْمُتّقِينَ * الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السّاعَةِ
مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أنزَلْنَاهُ أفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ »
.
« وَلَقَدْ آتَيْنَا إ بْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عَالِمِينَ *
إذْ قَالَ لاِءبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتماثِيلُ الّتِي أنْتُمْ لَهَا
عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ » الى قوله :
« وَأرَادُوا بِهِ كَيْدا فَجَعَلْنَاهُمْ الاْءخْسَرِينَ * وَنَجّيْنَاهُ وَلُوطا
إلَى الاْءرْضِ الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ
إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أ
ئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأوْحَيْنَا إلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ
وَإقَامَةِ الصّلاَةِ وَإيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ » .
« وَلُوطا آتَيْنَاهُ حُكْما وَعِلْما وَنَجّيْنَاهُ مِنْ الْقَرْيَةِ الّتِي
كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إنّهُمْ
كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إنّهُ مِنْ
الصّالِحِينَ » .
« وَنُوحا إذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجّيْنَاهُ وَأهْلَهُ
مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُوا
بِآيَاتِنَا إنّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أجْمَعِينَ » .
« وَدَاوُودَ وَسُلَيَْمانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ
غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهّمْنَاهَا سُلَيَْمانَ
وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْما وَعِلْما وَسَخّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ
يُسَبِّحْنَ وَالطّيْرَ وَكُنّا فَاعِلِينَ * وَعَلّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ
لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أنْتُمْ شَاكِرُونَ » .
« وَلِسُلَيَْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إلَى الاْءرْضِ الّتي
بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنْ الشّيَاطِينِ مَنْ
يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حَافِظِينَ » .
« وَأيّوبَ إذْ نَادَى رَبّهُ أ نيّ مَسّني الضّرّ وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ *
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أهْلَهُ
وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ » .
« وَإسْمَاعِيلَ وَإدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنْ الصّابِرِينَ *
وَأدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إنّهُمْ مِنْ الصّالِحِينَ » .
« وَذَا النّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِبا فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى
فِي الظّلُمَاتِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ إنيّ كُنتُ مِنْ
الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ
نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ » .
« وَزَكَرِيّا إذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدا وَأنْتَ خَيْرُ
الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأصْلَحْنَا لَهُ
زَوْجَهُ إنّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبا
وَرَهَبا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ » .
« وَالّتي أحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا
وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ » .
« إنّ هَذِهِ اُمّتُكُمْ اُمّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِي »(١) .
ويبدو أنّ القرآن الكريم يريد أن يشير إلى الغرض من هذا الاستعراض لقصص الأنبياء
بالآية الخاتمة المعبِّرة عن هذه الوحدة العميقة الجذور في القدم للاُمّة المؤمنة
بالإله الواحد . . . وتأتي بقية الأغراض الاُخرى في ثنايا هذا الاستعراض أيضا ، ولا
يبعد أن يكون من أهم هذه الأغراض في هذا الاستعراض هو بيان الاشتراك بين الأنبياء
في النعم الإلهيّة ، كما هو واضح من السياق والمضمون .
ومثال آخر يوضح وحدة العقيدة الاساسية التي استهدفها الأنبياء في تأريخهم الطويل
وفي نضالهم المتواصل ، هذه العقيدة التي تدعو إلى الإ يمان باللّه سبحانه إلها
واحدا لا شريك له في ملكه ، وذلك ما جاء في سورة الاعراف :
« لَقَدْ أرْسَلْنَا نُوحا إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ... » .
« وَإلَى عَادٍ أخَاهُمْ هُودا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِنْ
إلَهٍ غَيْرُهُ ... » .
« وَإلَى مَدْيَنَ أخَاهُمْ شُعَيْبا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ... »(٢) .
فإنّ الإبتداء بقِصّة كلّ نبي بهذه الطريقة يؤكد وحدة العقيدة والدين لجميع هؤلاء الأنبياء .
(١) الأنبياء : ٤٨ ـ ٥٣ و ٧٠ ـ ٩٢ .
(٢) الأعراف : ٥٩ و ٦٥ و ٨٥ .
فالإله واحد ، والعقيدة واحدة ، والأنبياء اُمّة واحدة ، والدين واحد ، وكلّه لواحد
، هو اللّه سبحانه ، وإن كان هناك أغراض اُخرى قد تترتب على هذا الاستعراض كما سوف
نلاحظ .
ج ـ بيان أنّ وسائل الأنبياء وأساليبهم في الدعوة واحدة ، وطريقة مجابهة قومهم لهم
واستقبالهم متشابهة ، وأنّ العوامل والأسباب والظواهر التي تواجهها الدعوة واحدة ،
وقد أكّد القرآن الكريم في عدة مواضع هذه الحقيقة ، وأشار إلى اشتراك الأنبياء في
قضايا كثيرة ، من ذلك قوله تعالى : « وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ
رِبِّيّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ... »(١)
.
وقوله تعالى : « وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبيٍّ عَدُوّا شَيَاطِينَ الاْءنسِ
وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورا وَلَوْ شَاءَ
رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ »(٢) .
وكذلك قوله تعالى : « وَكَمْ أرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الاْءوّلِينَ * وَمَا
يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبيٍّ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون »(٣) .
ويتحدّث القرآن الكريم ـ أحيانا ـ عن الرسل حديثا عاما ؛ ليؤكد هذه الوحدة بينهم في
الوسائل والأساليب . . . كما جاء في سورة إ براهيم « ... جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم
بِالْبَيّناتِ فَرَدّوا أيْدِيَهُمْ في أفْواهِهِمْ ... »(٤) .
(١) آل عمران : ١٤٦ .
(٢) الانعام : ١١٢ .
(٣) الزخرف : ٦ ـ ٧ .
(٤) إ براهيم : ٩ .
والسبب وراء تأكيد القرآن لهذه الحقيقة هو : بيان صحة هذه المواقف الرسالية
وأساليبها من ناحية ، ونتائجها وآثارها من ناحية اُخرى ، والتثبيت عليها من ناحية
ثالثة .
وتبعا لهذه الأهداف ترد قصص كثيرة من الأنبياء مجتمعة مكررة فيها طريقة الدعوة على
نحو ما جاء في سورة هود :
« وَلَقَدْ أرْسَلْنَا نُوحا إلَى قَوْمِهِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أنْ لاَ تَعْبُدُوا إلاَّ اللّهَ إنيّ أخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ ألِيمٍ * فَقَالَ الْمَلاَُ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَرا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتّبَعَكَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنّكُمْ كَاذِبِينَ » . إلى أن يقول : « وَيَا قَوْمِ لاَ أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إنْ أجْرِي إلاَّ عَلَى اللّهِ ... » إلى أن يقول له : « ... يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إنْ كُنتَ مِنْ الصّادِقِينَ »(١) .
« وَإلَى عَادٍ أخَاهُمْ هُودا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلاَّ مُفْتَرُونَ * يَا قَوْمِ لاَ أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْرا إنْ أجْرِي إلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلاَ تَعْقِلُونَ » إلى قوله : « قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إنْ نَقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إنيّ اُشْهِدُ اللّهَ وَاشْهَدُوا أ نيّ بَرِئٌ مِمّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعا ثُمّ لاَ تُنْظِرُونِي »(٢) .
(١) هود : ٢٥ ـ ٢٧ و ٢٩ و ٣٢ .
(٢) هود : ٥٠ ـ ٥١ و ٥٣ ـ ٥٥ .
« وَإلَى ثَمُودَ أخَاهُمْ صَالِحا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أنشَأَكُمْ مِنْ الاْءرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمّ تُوبُوا إلَيْهِ إنّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ * قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هَذَا أتَنْهَانَا أنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاوُنَا وَإنّنَا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَا إلَيْهِ مُرِيبٍ »(١) .
ومثل هذه المواقف نجدها في سورة الشعراء أيضا .
د ـ تصديق التبشير والتحذير ، فقد بشر اللّه ـ سبحانه ـ عباده بالرحمة والمغفرة لمن
أطاعه منهم ، وحذّرهم من العذاب الأليم لمن عصاه منهم . ومن أجل إبراز هذه البشارة
والتحذير بصورة حقيقية متمثلة في الخارج ، عرض القرآن الكريم بعض الوقائع الخارجية
التي تتمثل فيها البشارة والتحذير ، فقد جاء في سورة الحجر التبشير والتحذير أوّلاً
، ثمّ عرض النماذج الخارجية لذلك ثانيا :
« نَبِّئ عِبَادِي أ نيّ أنَا الْغَفُورُ الرّحِيمُ * وَأنّ عَذَابي هُوَ الْعَذَابُ الاْءلِيمُ »(٢) .
وتصديقا لهذه أو تلك ، جاءت القصص على النحو التالي :
« وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَما قَالَ إنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ »(٣) .
وفي هذه القِصّة تبدو الرحمة والبشارة .
(١) هود : ٦١ ـ ٦٢ .
(٢) الحجر : ٤٩ ـ ٥٠ .
(٣) الحجر : ٥١ ـ ٥٣ .
ثمّ « فَلَمّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إنّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
* قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأتَيْنَاكَ
بِالْحَقِّ وَإنّا لَصَادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللّيْلِ
وَاتّبِعْ أدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ
تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَا إلَيْهِ ذَلِكَ
الاْءمْرَ أنّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ »(١) ، وفي هذه القِصّة
تبدو ( الرحمة ) في جانب لوط ، ويبدو ( العذاب الأليم ) في جانب قومه المهلكين .
ثمّ « وَلَقَدْ كَذّبَ أصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ
آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ
بُيُوتا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمْ الصّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أغْنَى عَنْهُمْ
مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ »(٢) ، وفي هذه القِصّة يبدو ( العذاب الأليم ) للمكذبين ،
وهكذا يصدق الأنباء ويبدو صدقه في هذه القصص الواقع بهذا الترتيب .
ه ـ بيان نعمة اللّه على أنبيائه ، ورحمته بهم ، وتفضله عليهم ؛ وذلك توكيدا
لارتباطهم وصلتهم به ؛ لأنّ القرآن أ كّد هذا المفهوم في عدّة مواضع :
منها قوله تعالى : « وَمَنْ يُطِعْ اللّهَ وَالرّسُولَ فَاُوْلَئِكَ مَعَ الّذِينَ
أنْعَمَ اللّهَُ عَلَيْهِمْ مِنْ النّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ
وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ اُوْلَئِكَ رَفِيقا »(٣) .
وقد جاءت بعض قصص الأنبياء لتأكيد هذا المفهوم ، كبعض قصص سليمان وداوود وإ براهيم
ومريم وعيسى وزكريا ويونس وموسى .
ذلك أنّ الأنبياء يتعرضون ـ عادة ـ إلى مختلف الوان الآلام والمحن والعذاب ، وقد
يتوهم السذج والبسطاء من الناس أنّ ذلك إعراض من اللّه ـ تعالى ـ عنهم ، فيأتي
الحديث عن هذه النعم والألطاف الإلهيّة بهم تأكيدا لعلاقة اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ
بهم ، ولذلك نشاهد أنّ بعض الحلقات من قصص هؤلاء الأنبياء تبرز فيها
النعمة في مواقف شتى، ويكون إبرازها هو الغرض الأوّل منها، وما سواه يأتي في هذا
الموضوع عرضا .
(١) الحجر : ٦١ ـ ٦٦ .
(٢) الحجر : ٨٠ ـ ٨٤ .
(٣) النساء : ٦٩ .
ومن مصاديق ذلك : ما أشرنا إليه سابقا ممّـا ورد في سورة الأنبياء .
ومثال آخر على ذلك : ما ورد في القرآن الكريم من استعراض قصص الأنبياء وفي سورة
مريم ، حيث يختم الاستعراض بقوله تعالى : « اُوْلَئِكَ الّذِينَ أنْعَمَ اللّهَُ
عَلَيْهِمْ مِنْ النّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيّةِ آدَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ
وَمِنْ ذُرِّيّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيـلَ وَمِـمّـنْ هَـدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا
إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمَنِ خَرّوا سُجّدا وَبُكِيّا »(١) .
(١) مريم : ٥٨ .
و ـ بيان غواية الشيطان للإنسان ، وعداوته الأبدية له ، وتربصه به الدوائر والفرص ،
وتنبه بني آدم لهذا الموقف المعين منه ، ولا شك أنّ إ براز هذه المعاني والعلاقات
بواسطة القِصّة يكون أوضح وأدعى للحذر والالتفات ؛ لذا نجد قِصّة آدم تتكرر بأساليب
مختلفة تأكيدا لهذا الغرض ، بل يكاد أن يكون هذا الغرض هو الهدف الرئيس لقِصّة آدم
كلها .
ز ـ بيان الغايات والأهداف من إرسال الرسل والأنبياء وأنّ ذلك إنّما هو من أجل إ
بلاغ رسالات اللّه ، وهداية الناس ، وإرشادهم وتزكيتهم ، وحل الاختلافات ، والحكم
بالعدل بينهم ، ومحاربة الفساد في الارض ، وفوق ذلك كلّه هو إقامة الحجة على الناس
، ولذا جاء استعراض قصص الأنبياء بشكل واسع لبيان هذه الحقائق .
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الهدف من القِصّة في عدة مواضع :
« كَانَ النّاسُ اُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهَُ النّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ ...»(١) .
وقوله تعالى : « رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرّسُلِ وَكَانَ اللّهَُ عَزِيزا حَكِيما »(٢) .
وقوله تعالى : « وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ
فَمَنْ آمَنَ وَأصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ »(٣) .
فإنّها وردت في سياق قوله تعالى: « وَلَقَدْ أرْسَلْنَا إلَى اُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ لَعَلّهُمْ يَتَضَرّعُونَ »(٤).
وقوله تعالى : « وَمَا مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى
وَيَسْتَغْفِرُوا رَبّهُمْ إلاَّ أنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الاْءوَّلِينَ أوْ
يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلاً * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلاَّ
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ
لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقّ وَاتّخَذُوا آيَاتي وَمَا اُنْذِرُوا هُزُوا »(٥) .
وكذلك مـا ورد في تعقيب قصـص الأنبيـاء من سـورة الشـعراء من قوله تعالى : « إنّ في
ذَلِـكَ لاَآيَةً وَمَـا كَـانَ أكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإنّ رَبّكَ لَـهُوَ
الْعَزِيزُ الرّحِيمُ »(٦) .
(١) البقرة : ٢١٣ .
(٢) النساء : ١٦٥ .
(٣) الانعام : ٤٨ .
(٤) الانعام : ٤٢ .
(٥) الكهف : ٥٥ ـ ٥٦ .
(٦) الشعراء : ٨ ـ ٩ .
فقد استهدف القرآن بشكل رئيس :
أ ـ تربية الإنسان على الإ يمان بالغيب ، حيث وصف المتقين الذي استهدف القرآن
الكريم هدايتهم بقوله تعالى : « الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ
الصّلاَةَ وَمِمّـا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا
اُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا اُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالاْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ *
اُوْلَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهمْ وَ اُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ »(١) ،
وقد جاءت قصص الملائكة والجن والمعاجز الإلهيّة لتؤكّد هذا الجانب في التربية
الروحية .
ب ـ تربية الإنسان على الإ يمان بالقدرة الإلهيّة المطلقة ، كالقصص التي تذكر
الخوارق ، مثل : قِصّة آدم ، ومولد عيسى ، وقِصّة البقرة ، وقِصّة إ براهيم مع
الطير الذي آب إليه بعد أن جعل على كلّ جبل جزءا منه ، وقِصّة « أوْ كَالّذِي مَرّ
عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ... »(٢) وإحياء اللّه له بعد
موته مئة عام .
فإنّنا نلاحظ أنّ القرآن الكريم أ كّد في مواضع عديدة شمول هذه القدرة للأشياء كلها
، ومنها القدرة على إعادة خلق الإنسان مرة اُخرى في يوم النشور للحساب والثواب
والعقاب .
ج ـ تربية الإنسان على الأخلاق الفاضلة وفعل الخير والأعمال الصالحة وتجنبه الشر
والفساد ، وذلك ببيان العواقب المترتبة على هذه الأعمال ، كقِصّة ابني آدم ، وقِصّة
صاحب الجنتين ، وقصص بني إسرائيل بعد عصيانهم ، قِصّة سد مأرب ،
وقِصّة أصحاب الجنة ، وكذلك التربية على الصبر والصمود كقِصّة أصحاب الاُخدود .
(١) البقرة : ٣ ـ ٥ .
(٢) البقرة : ٢٥٩ .
د ـ التربية على الاستسلام للمشيئة الإلهيّة ، والخضوع للحكمة التي أرادها اللّه ـ سبحانه ـ من وراء العلاقات الكونية والاجتماعية في الحياة الدنيا، والحكمة الإنسانية القريبة العاجلة ، كما جاء في قِصّة الإ يحاء إلى أم موسى أن تلقيه في اليم ، وكذلك في قِصّة موسى التي جرت مع عبد « ... عَبْدا مَنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مَنْ عِنْدِنَا وَعَلّمْنَاه مِنْ لَدُنْا عَلْمَا»(١) التي وردت في سورة الكهف ، إلى آخر ذلك من الأغراض الوعظية والتربوية الاُخرى التي سوف نطلع على بعضها في دراستنا التفصيلية لقصة موسى عليهالسلام .
(١) الكهف : ٦٥ .
أي بيان السنن التاريخية في حركة الإنسان والمجتمع الإنساني .
فالمجتمع الإنساني يخضع في حركته وتطوره إلى قوانين وسنن ، وقد تحدّث القرآن الكريم
عن بعض هذه القوانين والسنن ، وأ كّد أهميتها ، وجاءت القِصّة في القرآن الكريم من
أجل تجسيد هذه السنن في الوقائع والأحداث .
ونشير هنا إلى بعض هذه السنن التي تحدّث عنها القرآن الكريم مع ذكر القصص والحوادث
ذات العلاقة بها :
الاُولى : سُنّة ارتباط تغيير الأوضاع الاجتماعية والحياتية للناس بتغيير المحتوى
النفسي والروحي لهم . وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه السنة في عدّة مواضع :
منها : قوله تعالى في سورة الأنفال : « ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرا
نِعْمَةً أنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ... »(١).
« كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ
فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا
ظَالِمِينَ »(٢).
وقوله تعالى في سورة الرعد : « ... إنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى
يُغَيّروا ما بِأَنفُسِهِمْ »(٣) .
وقوله تعالى من سورة الأعراف : « وَلَوْ أنّ أهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتّقَوْا
لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذّبُوا
فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ »(٤) .
وقوله تعالى في سياق القصـص القرآني : « ظَهَرَ الْفَسَـادُ في الْبَرِّ
وَالْبَحْـرِ بِـمَا كَسَـبَتْ أيْدِي النّـاسِ لِيُذِيقَهُـمْ بَعْضَ الّذِي
عَمِـلُوا لَعَـلّهُمْ يَرْجِعُونَ * قُـلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ
كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ »(٥) .
(١) الأنفال : ٥٣ .
(٢) الأنفال : ٥٤ .
(٣) الرعد : ١١ .
(٤) الأعراف : ٩٦ .
(٥) الروم : ٤١ ـ ٤٢ .
ولعلّ من الأمثلة الواضحة على هذا الغرض للقِصّة ما جاء في سورة الأعراف ؛ لأ نّنا نلاحظ أنّ استعراض قصص ( نوح ) و ( هود ) و ( صالح ) و ( لوط ) و ( شعيب ) وما جرى لهم مع أقوامهم يختم بهذه القاعدة الكلية :
« وَمَا أرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبيٍّ إلاَّ أخَذْنَا أهْلَهَا
بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضّرّعُونَ * ثُمّ بَدّلْنَا مَكَانَ
السّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسّ آبَاءَنَا الضّرّاءُ
وَالسّرّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أنّ أهْلَ
الْقُرَى آمَنُوا وَاتّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السّمَاءِ
وَالاْءرْضِ وَلَكِنْ كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ »(١) .
وكذلك ما ورد في قِصّة فرعون وموسى وفق ما أشار إليه القرآن الكريم في سورة الأنفال
من قوله تعالى : «كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْن وَالّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . » ولكن
يذكره بشكل أكثر وضوحا في قِصّة موسى في سورة الأعراف التي نزلت قبل الأنفال ،
ويمكن أن نعرف ذلك من وجوه :
١ ـ إنّ هذه القِصّة جاءت في سياق الآيات السابقة التي تحدّثت عن هذه السُنّة .
٢ ـ إنّ مضمون القِصّة يؤكّد ذلك من خلال ما ورد فيها من الأمر بالصبر والاستعانة
باللّه ، ثمّ إصرار الفرعونيين على التكذيب والطغيان ، وكيف أنّ اللّه ـ تعالى ـ
أخذ آل فرعون بالسنين ، ثمّ وراثة الأرض لبني إسرائيل . وسوف يأتي مزيد من التوضيح
لذلك عند دراسة قِصّة موسى عليهالسلام .
الثانية : سُنّة انتصار الحقّ على الباطل ، حيث أ كّد القرآن الكريم هذه الحقيقة في عدّة مواضع : منها قوله تعالى : « وقُلْ جَاءَ الحَقّ وَزَهقَ الْبَاطِل إنّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقا »(٢) .
(١) الأعراف : ٩٤ ـ ٩٦ .
(٢) الإسراء : ٨١ .
وبهذا الصدد نجد القرآن الكريم يؤكّد ـ أيضا ـ نصرة اللّه ـ تعالى ـ للانبياء ،
وأنّ نهاية المعركة بينهم وبين أقوامهم تكون لصالحهم مهما لاقوا من العنت والجور
والتكذيب ، حيث دلت بعض الآيات القرآنية على ذلك بشكل مباشر « وَلَقَدْ كَتَبْنَا
في الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِكْرِ أنّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُون
»(١) وكذلك قوله تعالى : «إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالّذيِنَ آمَنُوا فِي
الحَيَاةِ الدُنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَاد »(٢) كل ذلك تثبيتا لرسوله محمد
صلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه وتأثيرا في نفوس من يدعوهم إلى الإ يمان .
وقد نصّ القرآن الكريم على هذا الهدف الخاص للقِصّة ـ أيضا ـ بمثل قوله تعالى : «
وَكُلاًّ نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أنْبَاءِ الرّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ
وَجَاءَكَ في هَذِهِ الْحَقّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ »(٣) .
وتتبعا لهذا الغرض وردت بعض قصص الأنبياء مؤكّدة هذا الجانب ، بل جاءت بعض هذه
القصص مجتمعة ومختومة بمصارع من كذّبوهم ، وقد يتكرّر عرض القِصّة نتيجة لذلك ، كما
جاء في سورة هود والشعراء والعنكبوت ، ولنضرب مثلا من سورة العنكبوت :
« وَلَقَدْ أرْسَلْنَا نُوحا إلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلاَّ
خَمْسِينَ عَاما فَأَخَذَهُمْ الطّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ
وَأصْحَابَ السّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ * وَإ بْرَاهِيمَ إذْ
قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاتّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ »(٤) .
(١) الأنبياء : ١٠٥ .
(٢) غافر : ١٥٠ .
(٣) هود : ١٢٠ .
(٤) العنكبوت : ١٤ ـ ١٦ .
إلى أن يقول : « فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاَّ أنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أوْ
حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللّهَُ مِنْ النّارِ إنّ فِي ذَلِكَ لاَآيَاتٍ لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ »(١) .
« وَلُوطا إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إنّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ
بِهَا مِنْ أحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ »(٢) .
إلى أن يقول : « إنّا مُنزِلُونَ عَلَى أهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزا مِنْ
السّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَإلَى مَدْيَنَ أخَاهُمْ شُعَيْبا فَقَالَ يَا قَوْمِ
اعْبُدُوا اللّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الاْآخِرَ وَلاَ تَعْثَوْا في الاْءرْضِ
مُفْسِدِينَ * فَكَذّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمْ الرّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دَارِهِمْ
جَاثِمِينَ * وَعَادا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ
وَزَيّنَ لَهُمْ الشّيْطَانُ أعْمَالَهُمْ فَصَدّهُمْ عَنْ السّبِيلِ وَكَانُوا
مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى
بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الاْءرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ *
فَكُلاًّ أخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبا
وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ الصّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الاْءرْضَ
وَمِنْهُمْ مَنْ أغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللّهَُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا
أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »(٣) .
فهذه هي النهاية الحتمية التي يريد أن يصورها القرآن الكريم لمعارضي الأنبياء
والمكذبين بدعوتهم .
(١) العنكبوت : ٢٤ .
(٢) العنكبوت : ٢٨ .
(٣) العنكبوت : ٣٤ ـ ٤٠ .
الثالثة : سُنة الابتلاء وعموم الامتحان .
ومن السنن الالهيّة في حركة الإنسان ووجوده هي : سُنّة الابتلاء والامتحان،
وهي سُنّة عامة وشاملة . قال تعالى : « الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالحَيَاةَ
لِيَبْلُوَكُم أ يّكُمْ أحْسَنَ عَمَلاً ... »(١) .
وقال تعالى : «إنّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ
فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعَا بَصِيرَا »(٢) .
كما أنّ الامتحان له أهدافه :
١ ـ التمحيص والتمييز ، فالامتحان يسير مع الإنسان في حركته التكاملية ، وعندما
يصبح الإنسان مؤمنا أو مجاهدا يبتلى ويمتحن من أجل التمحيص والتمييز . «مَا كَانَ
اللّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنينَ عَلى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيز الخَبِيث
مِنَ الطَيّبِ ... »(٣) .
« ... وَلِيَعْلَمَ اللّهَُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ
وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ * وَلِـيُمَحِّصَ اللّهَُ الّذِينَ آمَنُوا
وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا
يَعْلَمْ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ »(٤) .
« وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الُْمجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ
وَنَبْلُوَا أخْبَارَكُمْ »(٥) .
٢ ـ الكمال والتربية :
« إنّ اللّه إذا أحبّ عبدا غته بالبلاء غتا ، وصبّ عليه البلاء صبا ، فلا يخرج من
غمّ إلاَّ وقع في غمّ » .
(١) الملك : ٢ .
(٢) الإنسان : ٢ .
(٣) آل عمران : ١٧٩ .
(٤) آل عمران : ١٤٠ ـ ١٤٢ .
(٥) محمّد : ٣١ .
٣ ـ العقوبة والتذكير :
«وَلَقَدْ أخَذْنَا آل فِرْعَون بِالسِنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الـثّمَرَاتِ لَعَلّهُمْ
يَذّكّرُون »(١) .
«وَلَنُذِيقَنّهُمْ مِنَ العَذَابِ الأدْنَى دُونَ العَذَاب الأكْبَر لَعَلّهُمْ
يَرجِعُون »(٢) .
ولعل من أوضح الأمثلة في قصص القرآن التي سيقت لموضوع البلاء بجوانبه المتعدّدة
وهذه السُنّة الشاملة ما ورد في سورة ( المؤمنون ) :
« وَلَقَدْ أرْسَلْنَا نُوحا إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ
مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلاَ تَتّقُونَ * فَقَالَ المَلاَُ الّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذَا إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أنْ يَتَفَضّلَ
عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللّهَُ لاَءنزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي
آبَائِنَا الاْءوّلِينَ * إنْ هُوَ إلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنّةٌ فَتَرَبّصُوا بِهِ
حَتّى حِينٍ * قَالَ رَبِّ انصُرْني بِمَا كَذّبُوني * فَأَوْحَيْنَا إلَيْهِ أنْ
اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإذَا جَاءَ أمْرُنَا وَفَارَ
التّنّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأهْلَكَ إلاَّ مَنْ
سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا
إنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * فَإذَا اسْتَوَيْتَ أنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
فَقُلْ الْحَمْدُ للّهَِِ الّذِي نَجّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ * وَقُلْ
رَبِّ أنزِلْني مُنْزَلاً مُبَارَكا وَأنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * إنّ في ذلِكَ
لاَآيَاتٍ وَإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ »(٣) .
حيث يلاحظ أنّ هذه الآيات جاءت في سياق بيان خلق الإنسان والنعم الإلهيّة ، وختمت
بعد ذلك بقوله تعالى : « إنّ في ذلِكَ لاَآيَاتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِين » .
(١) الأعراف : ١٣٠ .
(٢) السجدة : ٢١ .
(٣) المؤمنون : ٢٣ ـ ٣٠ .
ثمّ تتحدّث السورة عن الرسل الآخرين والقرون الاُخرى ، وكيف كان
الابتلاء بالرسالة والأخذ بالعذاب بعد التكذيب ، ثمّ الإشارة إلى ( موسى و عيسى
عليهماالسلام ) وتخاطب الرسل بالأكل من الطيبات والعمل الصالح ، وتؤكِّد « وَإنَّ
هذِهِ اُمّتُكُمْ اُمّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبّكُمْ فَاتّقُونّ»(١) .
ثمّ تشير إلى الاختلاف بين الناس والإملاء والإمداد بالأموال والأولاد الذي هو نوع
من الابتلاء والامتحان ، والنتائج المترتبة على ذلك .
٤ ـ سُنّة أنّ النصر الإلهيِّ لا يتحقق إلاّ بعد التعرض للبأساء والضراء والصبر على
البلاء .
قال تعالى : « أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَـمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ
الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضّرّاءُ
وَزُلْزِلُوا حَتّى يقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ
اللّهِ ألاَ إنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ »(٢) .
وقال تعالى : « حَتّى إذَا اسْتَيْئَسَ الرّسُلُ وَظَنّوا أ نّهُمْ قَدْ كُذِبُوا
جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ يُرَدّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ
الُْمجْرِمِينَ »(٣) .
(١) المؤمنون : ٥٢ .
(٢) البقرة : ٢١٤ .
(٣) يوسف : ١١٠ .
وقال تعالى : « يَا أ يّهَا الّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ
تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأنفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُمْ إنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ
جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاْء نْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ
عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَاُخْرَى تُحِبّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللّهِ
وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ »(١) .
ويمكن أن نلاحظ عدّة قصص في القرآن الكريم تؤكِّد هذه الحقيقة والسُنّة :
منها : قِصّة الحواريين وقتالهم في سياق الآيات السابقة من سورة الصف « يَا أ يّهَا
الّذِينَ آمَنُوا كُونوا أنصَارَ اللّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصَارِي إلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيّونَ نَحْنُ
أنصَارُ اللّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ
فَأَيّدْنَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ »(٢) .
(١) الصف : ١٠ ـ ١٣ .
(٢) الصف : ١٤ .
ومنها : قِصّة الملأ من بني إسرائيل « ألَمْ تَرَ إلَى الْمَلاَء مِنْ بَني
إسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إذْ قَالُوا لِنَبيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكا
نُقَاتِلْ في سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ
الْقِتَالُ ألاّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا ألاّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ
اللّهِ وَقَدْ اُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأبْنَائِنَا فَلَمّا كُتِبَ
عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلّوْا إلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللّهَُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيّهُمْ إنّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ
طَالُوتَ مَلِكا قَالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أحَقّ
بِالمُلكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إنّ اللّهَ اصْطَفَاهُ
عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهَُ يُؤْتي
مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهَُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيّهُمْ إنّ
آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمْ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
وَبَقِيّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إنّ
في ذَلِكَ لاَآيَةً لَكُمْ إنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمّا فَصَلَ طَالُوتُ
بِالْجُنُودِ قَالَ إنّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ
فَلَيْسَ مِنيّ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنّهُ مِنيّ إلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ
غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ
هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ قَالَ الّذِينَ يَظُنّونَ أ نّهُمْ مُلاَقُو اللّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةً بِإذْنِ اللّهِ وَاللّهَُ مَعَ الصّابِرِينَ * وَلَمّا بَرَزُوا
لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبّنَا أفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرا وَثَبِّتْ
أقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإذْنِ
اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهَُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
وَعَلّمَهُ مِمّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
لَفَسَدَتْ الاْءرْضُ وَلَكِنّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ »(١) .
ومنها : قِصّة نوح عليهالسلام في سـورة هـود إذ جـاءت في سيـاق قولـه تعالى : «
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالاْءعْمَى وَالاْءصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسّمِيعِ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أفَلاَ تَذَكّرُونَ »(٢) .
وكذلك ما عرفناه في سُنّة نصرة اللّه لأنبيائه ، وما سوف نعرفه في دراستنا لقِصّة
موسى عليهالسلام القسم الرابع عندما نتناول الموضوع الرابع عشر من سورة القصص .
(١) البقرة : ٢٤٦ ـ ٢٥١ .
(٢) هود : ٢٤ .