الفصل الأوّل :خصائص القصص القرآني
الفصل الثاني :أغراض القِصّة في القرآن
الفصل الثالث :ظواهر عامة في القِصّة
الفصل الرابع :منهج تحليلي في دراسة القِصّة القرآنية
الفصل الخامس :قِصّة آدم وخلافة الإنسان
القِصّة القرآنية والهدف العام من نزول القرآن .
الخصائص الأساسية للقِصّة في القرآن .
يمتاز القصص القرآني عن غيره من القصص في نقطة مركزية ، هي : قضية الهدف والغرض
الذي جاء من أجله القصص في القرآن ، وتنعكس هذه النقطة ـ كما سوف نتبين ـ على خصائص
وميزات اُخرى .
فالقرآن لم يتناول القِصّة باعتبار أ نّها عمل ( فني ) مستقل في موضوعه وطريقة
التعبير فيها .
كما أ نّه لم يأت بها من أجل الحديث عن أخبار الماضين وتسجيل حياتهم وشؤونهم ، أو
من أجل التسلية والمتعة كما يفعل المؤرخون أو القصّاصون ، وإنّما كان الغرض من
القِصّة في القرآن الكريم هو : المساهمة مع جملة الأساليب العديدة الاُخرى التي
استخدمها القرآن الكريم ؛ لتحقيق أهدافه وأغراضه الدينية التي جاء من أجلها ، وكانت
القِصّة القرآنية من أهمّ هذه الأساليب .
فالقرآن الكريم ـ كما ذكرنا في بحثنا عن ( الهدف من نزول القرآن ) ـ يمثّل رسالة
دينية تهدف ـ قبل كلّ شيء ـ إلى إ يجاد عملية التغيير بأبعادها المختلفة ، والتي
لخصناها بالاُمور التالية :
١ ـ إ يجاد التغيير الاجتماعي الجذري .
٢ ـ بيان المنهج الصحيح للحياة الإنسانية الذي يتمّ على أساسه هذا التغيير ، والذي
يعبّر عنه القرآن الكريم بـ ( الصراط المستقيم ) .
٣ ـ خلق القاعدة الثورية القادرة على تحمّل المسؤولية(١) .
(١) الهدف من نزول القرآن : ٢١ ـ ٣٢ .
وقد كان لهذا الهدف آثار ونتائج متعدّدة انسحبت على أساليب ومناهج القرآن ، يمكن أن نلاحظها في القضايا والظواهر القرآنية التالية :
١ ـ طريقة نزول القرآن التدريجي .
٢ ـ طريقة عرض الأفكار والأحكام والقضايا والمفاهيم المختلفة .
٣ ـ ربط نزول القرآن بالأحداث والوقائع والاسئلة المسماة بـ ( أسباب النزول ) .
٤ ـ ظاهرة نزول القرآن باللغة العربية دون غيرها من اللغات .
٥ ـ ظاهرة اختلاف اُسلوب القرآن في عرض الموضوعات في الإطناب والتفصيل ، أو القصر
والإ يجاز .
٦ ـ ظاهرة اُسلوب القرآن في المزج بين الصور والمشاهد المتعدّدة ، وكذلك الموضوعات
المختلفة في مقطع واحد .
٧ ـ ظاهرة الاختلاف في الاُسلوب والمضمون بين القسم المكي من القرآن والقسم المدني
منه .
٨ ـ وجود ظاهرة النسخ ، وظاهرة المحكم والمتشابه ، وظاهرة التخصيص والتقييد .
٩ ـ ظاهرة تناول بعض التفاصيل في الأحكام الشرعية .
١٠ ـ ظاهرة طرح بعض القضايا ذات الطابع الشخصي في حياة النبيّ صلىاللهعليهوآله .
وقد نتج عن ذلك نشوء كثير من الدراسات القرآنية ، مثل : دراسة الناسخ والمنسوخ ،
والمحكم والمتشابه، والمكّي والمدنيّ ، أسباب النزول ، أو غير ذلك من الدراسات
الفنية ذات العلاقة باُسلوب القرآن .
وقد تأَثرت القِصّة في القرآن ـ أيضا ـ بهذا الهدف العام من نزول القرآن كما سوف
نتبين ، ولذا لا بدّ لنا حين نريد أن ندرس القِصّة القرآنية ، ونتعرّف على مزاياها
وخصائصها الرئيسة أن نضع أمامنا هذا الهدف القرآني العام ؛ لنتعرّف من خلاله على
الاُسلوب الذي اتّبعه القرآن ، والمضمون الذي تناوله في عرضه القِصّة القرآنية
مساهمة منه في تحقيق هذا الهدف .
وانطلاقا من هذه الفكرة وهذا الأساس يمكن أن نحدّد الفرق بين القصص القرآني وغيره من القصص ببعض النقاط التي تشكل الميزات والخصائص والصفات الرئيسة للقصص القرآني ، ويمكن أن نجد هذه الخصائص قد اُشير إليها في القرآن الكريم في قوله تعالى : « لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِوْلِي الاْءلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »(١) .
(١) يوسف : ١١١ .
حيث يمكن أن نفهم مـن هـذه الآيـة اتّصاف القصص القرآني بالصفات التالية :
الواقعية ، والصدق ، والحكمة ، والأخلاقية ، كما سوف نشير إلى ذلك إن شاء اللّه .
أ ـ الواقعية ، بمعنى ذكر الأحداث والقضايا والصور في القصص القرآني التي لها علاقة
بواقع الحياة الإنسانية ومتطلباتها المعاشة في مسيرة التاريخ الإنساني ، مقابل أن
تكون القِصّة إثارة وتعبيرا عن الصور ، أو الخيالات ، أو الأماني ، أو الرغبات التي
يطمح إليها الإنسان ، أو يتمناها في حياته ؛ ذلك لأنّ القرآن الكريم يريد من ذكر
القِصّة وأحداثها إعادة قراءة التأريخ الإنساني والقضايا الواقعية السالفة ، الذي
عاشته الاُمم والرسالات الإلهيّة السابقة ، ومتابعة هذه القراءة في الحاضر المعاش
من قبل الإنسان للاستفادة منها والاعتبار بها في حياته وحركته ومواقفه وتطلعاته نحو
المستقبل والكمالات الإلهيّة .
فاذا انفصلت القِصّة عن هذا الواقع فلا يمكن للإنسان أن يستفيد منها للحاضر
والمستقبل ؛ لأ نّها تصبح مجرد صور وفرضيات قد تنسجم مع واقعه الفعلي ، وربّـما لا
تنسجم ، ولذا ربّـما لا يشعر بها ، ولا يُصدّق بها نفسيا وروحيا .
والإنسان ـ في مسيرته التكاملية ـ بحاجة إلى أن ينطلق من ( الواقع ) نحو الطموحات
والكمالات ، وبدون ذلك سوف ينفصل هذا الإنسان عن واقعه ، فيضيع في متاهات الآمال
والتمنيات ، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحالة في الإنسان عندما تحدّث عن
اليهود من أهل الكتاب بقوله تعالى : « وَمِنْهُمْ اُمِّيّونَ لاَ يَعْلَمُونَ
الْكِتَابَ إلاَّ أمَانِيَّ وَإنْ هُمْ إلاَّ يَظُنّونَ »(١) .
وعندئذٍ لا يصل الإنسان إلى أهدافه في النهاية ؛ لأنّ من لا ينطلق من البداية
فلا يبلغ النهاية .
(١) البقرة : ٧٨ .
ومن هنا نجد القرآن الكريم يحاول أن يعالج من خلال القِصّة الواقع الذي كان يعيشه
المسلمون في زمن النبي ، فيذكر ما يتطابق من الأحداث مع هذا الواقع من ناحية ، كما
يعالج الواقع الذي تعيشه الأجيال والعصور الإنسانية المستقبلية من ناحية اُخرى .
وهذا هو الذي يفسّر لنا ما ورد عن أ ئمة أهل البيت عليهمالسلام من قولهم : « إنّ
القرآن يجري مجرى الشمس والقمر » و « إنّه حي لا يموت » ، فإنّ انطباق هذا الكلام
على القصص والأحداث ذات العلاقة بالأنبياء وأقوالهم أو بالتاريخ الماضي إنّما هو
بلحاظ هذا البعد والصفة في القِصّة القرآنية .
ولعل قوله تعالى في الآية السابقة من سورة يوسف : «لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ
عِبْرَةٌ لاُِولي الأ لْبَاب ... » إشارة إلى هذه الصفة في القصص القرآني .
ب ـ الصدق في ذكر الأحداث والوقائع التاريخية التي تعرّض لها الأنبياء وأقوامهم في
حياتهم ، وذلك في مقابل ( الأكاذيب ) الباطلة و ( الانحرافات ) في الفهم والسلوك ،
أو ( الخُرافات ) التي اقترنت بقصص الأنبياء في كتب العهدين المعروفين بسبب ما
تعرضا له من ضياع وتحريف للحقائق عن قصد أو بدون قصد أو اشتباه أو جهل .
فما ورد في القرآن من أخبار وحوادث هي اُمور وحقائق ثابتة ليس فيها كذب أو خطأ أو
اشتباه ، كما حصل في كتب العهدين ؛ لأنّ القرآن وحيٌّ إلهيٌّ ، واللّه لا يعزب عن
علمه ذرة في السماء والأرض ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، والحاضر والماضي
والمستقبل عنده سواءٌ. ويؤكد هذه الحقيقة ماورد في الآية السابقة من قوله تعالى:
« ... مَا كَانَ حدِيثا يُفْتَرَى ... ».
والفرق بين هذه الصفة والصفة الاُولى لا بدّ أن يكون واضحا ؛ لأ نّه يراد من الصفة
الاُولى ( الواقعية ) ما يكون جاريا في حياة الناس المعاشة ، والواقع المناسب لحياة
الناس قد يكون صدقا جرى في حياة الناس ، وقد يكون كذبا لم يحدث ولم يحصل في حياتهم
، وأمّا هذه الصفة فيراد منها ( الصدق ) الذي قد حدث وحصل في الخارج .
وتفتح هاتان الصفتان والميزتان أمامنا باب البحث والمقارنة بين القصص القرآني وقصص
العهدين ، سواءٌ فيما يتعلق بالحوادث والحقائق أو فيما يتعلق بالصور والمفاهيم
والسلوك ، ومدى انطباقها على واقع الحياة الإنسانية .
كما تفتح الصفة الثانية باب البحث عن موضوع المقارنة التاريخية بين ما ذكره القرآن
الكريم من أحداث وما دلت عليه الأبحاث ( الآثارية ) من معلومات تاريخية .
بعض الباحثين في هذا المجال يحاول أن يتبنّى في الأحداث والوقائع التي يذكرها
القرآن الكريم رأيا آخر ؛ لأ نّه يحتمل أنّ القرآن الكريم لم يلتزم ويهتم بالتأكد
من صدق الحوادث التاريخية التي يستعرضها ويتحدّث عنها ، بل اكتفى بذكر ما هو معروف
من هذه الحوادث بين الناس والجماعات وفي الأوساط العامّة التي نزل القرآن فيها ؛
لأنّ هدفه من ذكر هذه الحوادث ليس هو التاريخ ، بل هدفه استخلاص العبرة منها فقط ،
وهو أمر يحصل حتى لو لمتكن هذه الحوادث صادقة أو دقيقة(١) .
(١) تفسير المنار ١ : ٣٩٩ ، وكذلك الميزان ٧ : ١٦٥ ـ ١٦٧ نقلاً عن بعض الباحثين .
وقد ناقش العلاَّمة الطباطبائي هذا الرأي بشيء من التفصيل ، فقال
ما ملخصه :
« إنّ القرآن الكريم ليس كتابا تاريخيا ولا صحيفة من الصحف القصصيّة التخيلية ،
وإنّما هو كتاب عزيز لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ كما نصّ على ذلك ـ
وإنّه لا يقول إلاّ الحقّ ، وليس بعد الحقّ إلاَّ الضلال .
وليس هذا لأنّ مقتضى الإيمان باللّه ورسوله أن ينفى عن القرآن اشتماله على الباطل
والكذب ، بل لأنّ القرآن كتاب يدّعي لنفسه أ نّه كلام إلهي موضوع لهداية الناس إلى
حقيقة سعادتهم وإلى الحقّ ، ومن الواجب على من يفسر كتابا هذا شأنه أن يفترضه صادقا
في حديثه مقتصرا على ما هو الحقّ الصريح في خبره »(١) .
ج ـ التربية على الأخلاق الإنسانية العالية ، في مقابل التركيز على الأحاسيس
والانفعالات في شخصية الإنسان ، والتربية على الاهتمام بالغرائز .
وإنّما اتّصفت في القرآن ( بالأخلاقية ) ؛ لأنّ المسيرة والحركة التكاملية للإنسان
ـ سواءٌ على مستوى الفرد أو الجماعة ـ إنّما تقوم على أساس الأخلاق بعد العقيدة
باللّه تعالى والرسالات واليوم الآخر ، بل إنّ الاتصاف بالأخلاق العالية هو الذي
يمثل عنصر التكامل الحقيقي في حركة الإنسان الفردية والجماعية ، ولذا كانت قاعدة
المجتمع الإنساني في نظر الإسلام قاعدة أخلاقية ، والسلوك الراقي للإنسان هو السلوك
الأخلاقي . وقد ورد عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قوله : «إنّما بعثت لأتمم
مكارم الاخلاق » .
لذا جاءت القِصّة في القرآن الكريم ذات طابع أخلاقي وللتربية على الإ يمان باللّه
والأخلاق ، مثل الإ يمان بالغيب ، أو على التسليم والخضوع للّه تعالى والحكمة
الإلهية ، أو على الأخلاق الإنسانية العالية ، كالصبر والإخلاص والحبّ للّه تعالى
والتضحية في سبيله والشجاعة والاستقامة في العمل والقدوة الحسنة .
(١) الميزان : ١٦٧ ـ ١٦٨ .
ولعل هذا هو معنى ( الهدى والرحمة ) في الآية السابقة من سورة يوسف عليهالسلام .
د ـ الحكمة ، وكشف الحقائق الكونية ، والسنن التاريخية ، والقوانين والأسباب التي
تتحكم أو تؤثر في مسيرة الإنسان ، وعلاقاته الاجتماعية ، والحياة الكونية المحيطة
به ؛ لأنّ هذه الحقائق الكونية لها علاقة بمسيرة الإنسان التكاملية ما دام اللّه ـ
تعالى ـ أراد لهذا الإنسان أن يكون مختارا في حياته ومستخدما للعلم والحكمة في
مسيرته .
ولذا كان من أهداف ( النبوة ) تعليم الكتاب والحكمة حتى ينتفع بها الإنسان في
مسيرته . وسوف نشير إلى بعض هذه السنن والقوانين والحقائق في بحث أغراض القِصّة .
ولكن هنا لا بدّ أن نشير إلى أنّ القرآن الكريم ـ باعتبار هذه الخصوصية ـ يقتصر في
ذكر الحوادث التاريخية على ما يكون له علاقة بهذه الصفة وهذا الهدف .
ولعله لهذه الصفة أشارت الآية السابقة من سورة يوسف بقوله تعالى : « ...
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ... » إلى قاعدة ( ينفتح من كل باب ألف باب) وعلى وزن
قوله تعالى: « ... وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانا لِكُلِّ شَيْءٍ
وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ»(١) ما ورد في روايات أهل البيت
عليهمالسلام أ نّه جاء في القرآن كلّ شيء .
وهذا بخلاف ما لو كانت القِصّة في القرآن الكريم لمجرد التسلية أو لتدوين الحوادث
والوقائع التاريخية، كما هو شأن كتب التاريخ، فإنّ ذلك قد يتطلب التوسع
بذكر الحوادث والتفاصيل خصوصا المثيرة والمسلّية .
(١) النحل : ٨٩ .
وقد حاول الشيخ محمد عبده أن يضيف سببا آخر يفسر فيه عدم تعرض القرآن الكريم لذكر
التفاصيل في القصص القرآني؛ وهو : « أنّ تسجيل الحوادث التاريخية بتفاصيلها يؤدّي
في النهاية إلى الوقوع في الأخطاء الكثيرة ، وهذا ما تجنبه القرآن ، ولذا اقتصر على
ذكر الكليات والعموميات »(١) ولكن هذه المحاولة غير صحيحة ؛ لسببين :
الأوّل : أنّ القرآن الكريم هو وحيّ إلهيّ ولا يمكن أن نتصوّر فيه الخطأ والاشتباه
سواءٌ تناول الجزئيات أو الكليات .
الثاني : أنّ القرآن الكريم تناول ـ أحيانا ـ بعض التفاصيل الصغيرة في قصص الأنبياء
لأغراض معينة ، مثل : تأكيد عدم صلب المسيح وكيفية ولادته ، أو تفاصيل الحياة
الشخصية لموسى في ولادته وتربيته ، وخروجه من مصر ، وهجرته ورجوعه .
يقول العلاَّمة الطباطبائي في تأكيد هذا الجانب من النظرية والفهم :
« والقرآن الكريم كتاب دعوة وهداية لا يتخطى عن صراطه ولو خطوة ، وليس كتاب تاريخ
ولا قِصّة ، وليست مهمته مهمة الدراسة التاريخية ، ولا مسلكه مسلك الفن القصصي ،
وليس فيه هوى ذكر الأنساب ، ولا مقدرات الزمان والمكان ، ولا مشخصات اُخر لا غنى
للدرس التاريخي والقِصّة التخيلية عن إحصائها وتمثيلها»(٢) .
(١) المنار ٢ : ٤٧٠ .
(٢) الميزان ٧ : ١٦٧ .
هذا كلّه في ميزات القِصّة من حيث مضمونها .
وأمّا الحديث عن الاُسلوب فسوف نتناوله في دراسة ظواهر عامّة في القِصّة القرآنية .